اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , المعاملات المالية المعاصرة [6] للشيخ : خالد بن علي المشيقح


المعاملات المالية المعاصرة [6] - (للشيخ : خالد بن علي المشيقح)
المسابقة: عقد بين فردين أو فريقين في مجال علمي أو رياضي أو عسكري لمعرفة السابق، وهي ثلاثة أقسام:الأول: مسابقات مشروعة، كالسبق بالإبل والخيل وغيرها، ويجوز أخذ العوض فيها من الإمام أو من أجنبي أو من أحدهما، واختلف إذا كان منهما.الثاني: محرمة، وهي ما يترتب
أحكام المسابقات العلمية
بسم الله الرحمن الرحيمإن الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستغفره، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:تكلمنا عن شيء من أحكام المسابقات، وذكرنا أن المسابقات تنقسم إلى ثلاثة أقسام:القسم الأول: المسابقات المشروعة، وهذه هي التي رخص فيها الشارع ببذل العوض من الجانبين، كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر ).وتكلمنا أيضاً عن أحكام بذل العوض في هذا النوع، وذكرنا أن بذل العوض ينقسم إلى أربعة أقسام... إلى آخره.ثم تطرقنا للقسم الثاني وهو: المسابقات المحرمة، وذكرنا ضابطاً لها، وتكلمنا عن حكم بذل العوض فيها، وأنه لا يجوز مطلقاً.ثم تكلمنا عن القسم الثالث وهو: المسابقات المباحة، وهو ما عدا هذين القسمين، وذكرنا ضابطاً لها، وذكرنا شروطها وما يتعلق ببذل العوض فيها... إلى آخره.بقي علينا في درس هذا اليوم من المسابقات ما يتعلق بالمسابقات العلمية التي تكون في علوم الشريعة، وقد سبق أن ذكرنا عندما تحدثنا عن الجوائز أن من أقسام الجوائز التي تكون عن طريق المسابقات؛ ويُقصد منها تعليم الناس وإرشادهم أمور دينهم.مثل: أن تقوم مؤسسة تربوية أو مؤسسة تعليمية بإقامة مسابقة على شريط من الأشرطة الهادفة التي تربي الناس أو تعلمهم، أو على كتاب علمي، أو على أسئلة شرعية علمية يقصد من ذلك تبيين هذا الحكم للناس.
 شروط جواز المسابقات العلمية
قلنا: إن هذا القسم يلحق بالقسم الأول هو المسابقات الشرعية، لكنا نشترط لهذا القسم -في المسابقات العلمية- ثلاثة شروط:الشرط الأول: أن تكون المسابقات في المسائل العلمية الشرعية، كمسائل الفقه، والعقيدة، والحديث، وأصول الفقه، والتفسير... وغير ذلك، ولا تكون في المسائل العلمية المباحة.الشرط الثاني: أن لا يُقصد من هذه المسابقات الكسب والتجارة، يعني: من أقام هذه المسابقة لا يقصد بذلك الكسب والتجارة، وإنما يقصد تعليم الناس وإرشادهم، وعلى هذا فما تفعله بعض الجهات التجارية أو المؤسسات التجارية من إقامة مسابقات شرعية قصدها بذلك الكسب والتجارة، ولا تقصد بذلك إرشاد الناس وتعليمهم؛ ولهذا تجد أن هذه المسابقات سهلة جداً، قد تكون صح وخطأ، ولا تحتاج إلى بحث وقراءة، أو تكون الإجابة عليها في متناول الناس؛ ويقصدون من هذا الكسب والتجارة.. فهذا لا يصح ولا يجوز؛ لأنه إنما رخّص الشارع في مثل هذه الأمور، ورخّص أخذ الرهان والميسر فيها إذا كان في ذلك نصرة للدين، وتعلم لأحكامه، وتبيين هذه الأحكام وإرشاد الناس إليها.أما إذا قُصد من وراء ذلك الكسب والتجارة كما قد تفعله بعض المؤسسات التجارية وليس قصدها الأول هو تعليم الناس، وإنما قصدها الأول بيع مثل هذه السلع ونحو ذلك، فيدخل الناس عن طريق رسوم بطاقات، أو عن طريق دفع أو نحو ذلك، وقصدهم الكسب والتجارة، أو عن طريق شراء السلع، وهذه الجوائز أثرت في أثمان السلع بزيادتها، فنقول: هذا لا يجوز.الشرط الثالث: أن يحذر من الميسر بعد إقامة المسابقة؛ لأن هذه المسابقات التي تقام يدخل فيها الناس وهم غانمون أو غارمون وهي بدون عوض، هذا جوزه الشارع، ولكن بعد انتهاء المسابقة القائمون على مثل هذه المسابقات يقومون بإجراء القرعة بين الفائزين، أو بالسحب، وهذا من الميسر، فكونهم يقومون بالسحب ولا يعطون كل من فاز جائزة هذا من الميسر؛ لأن هذا إما يغنم أو يغرم، يعني: أُقيمت المسابقة على كتاب علمي، شارك في المسابقة مائتا شخص، فاز مائة شخص، هؤلاء المائة الذين فازوا تجد أن القائمين على المسابقة لا يعطونهم كلهم جوائز، مع أنهم كلهم استحقوا الجائزة، لكن يجرون بينهم القرعة، وإجراء القرعة كما ذكر العلماء رحمهم الله مع الاستحقاق يعني: أن كل واحد منهم مستحق، هذا من الميسر.فكونهم بعدما يفرزون الفائزين يقومون بإجراء القرعة على من فاز، فمن خرجت له القرعة أخذ ومن لم تخرج له القرعة لم يأخذ، هذا لا يجوز ومحرم وهو من الميسر.وقد ذكر العلماء هذا في أحكام القرعة وأن القرعة يصار إليها عند اشتباه الحقوق وتساويها.. أما إذا استحق كلٌ منهم فإنه لا يجوز إجراء القرعة، فمثلاً: في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، إذا وجد عندنا قارئان اجتمعت فيهما الصفات الشرعية للإمامة من القراءة، والسنة، والسبق للهجرة، والإسلام، والسن... وغير ذلك، فإننا نجري القرعة حينئذ، أما إذا كان كل واحد منهما مستحقاً ويمكن القسمة بين هذين المستحقين ولا تزاحم بينهما، أو لم يتبين لنا المستحق هنا تجرى القرعة.فتلخص لنا: أن هذه المسابقات العلمية الأصل فيها الجواز، كما دل لذلك رهان أبي بكر رضي الله تعالى عنه مع المشركين، وذكرنا لذلك ثلاثة شروط.
الإجارة المنتهية بالتمليك
عندنا الآن الإجارة المنتهية بالتمليك، وهذا المصطلح اصطلاح معاصر، لم يكن عند الفقهاء السابقين، فهو مركب من كلمتين: الكلمة الأولى: التأجير أو الإجارة، والكلمة الثانية: التمليك.وسنعرف هاتين الكلمتين، ثم نقوم بتعريف هذا العقد مركباً.
 التكييف الفقهي لمسألة الإجارة المنتهية بالتمليك
قبل أن ندخل في الإجارة المنتهية بالتمليك لا بد من بحث بعض المسائل الفقهية التي تبنى على هذا العقد، فإن الذين منعوا مثل هذا العقد مطلقاً، وقالوا بأن هذا العقد اشتراط عقد في عقد، وهذا لا يجوز عند جمهور أهل العلم، وقالوا: إنه أيضاً يتضمن تعليق عقد البيع على شرط المستقبل، وهذا لا يجوز، تعليق الهبة على شرط المستقبل أيضاً لا يجوز، وحكم الوعد هذا مبني على الإلزام به، والوعد هذا غير لازم عند جمهور العلماء رحمهم الله.فمثل هذه المسائل سنشير إلى كلام أهل العلم رحمهم الله فيها عن طريق الإجمال؛ لأنه كما أسلفت عقد الإجارة المنتهي بالتمليك يبنى على مثل هذه المسائل، فإذا عرفنا الحكم في هذه المسائل يتبين لنا الإجارة، ويتبين لنا الإجابة عن قول من منع مثل هذا العقد مطلقاً بكل أقسامه وصوره، وسيأتينا أن هذا العقد له ثلاثة أقسام: قسم جائز، وقسم محرم، وقسم ذكر له العلماء ضوابط.فالذين منعوا هذه الأقسام كلها ومنعوا صور الإجارة المنتهية بالتمليك كلها، تمسكوا بالمسائل الفقهية التي ذكرت، قالوا: هذا فيه شرط منفعة في عقد البيع.. وشرط المنفعة هذه أكثر العلماء على منعها. - اشتراط عقد في عقد: أكثر العلماء على منعه.- حكم الوعد والإلزام به: جمهور العلماء على أنه لا يجب الوفاء بالوعد.- تعليق عقد البيع على شرط المستقبل: جمهور العلماء قالوا: إن هذا التعليق يفسد العقد.- تعليق الهبة على شرط المستقبل، قالوا: إن كل العلماء يمنعون من ذلك.
أقسام الشروط في عقد البيع
وهذه المسائل الست سنتعرض لها بإجمال قبل أن نذكر أقسام الإجارة المنتهية بالتمليك.الشروط في عقد البيع الأصل فيها الصحة، ودليل ذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1] والإيفاء بالعقد يتضمن الإيفاء بأصله ووصفه، ومن وصفه الشرط فيه.وأيضاً: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( المسلمون على شروطهم ).والشرط في عقد البيع هو: ما يشترطه أحد المتعاقدين مما له فيه مصلحة.وتقدم أيضاً أن ذكرنا أن محل هذه الشروط يصح أن تكون قبل العقد، ويصح أن تكون في صلب العقد، ويصح أن تكون في زمن خيار الشرط وفي زمن خيار المجلس.فيصح للبائع أن يشترط في خيار المجلس، يقول: لي أن أستعمل السيارة كذا.. وإن لم يشترطه في صلب العقد.وأيضاً: يصح أن يشترطه في زمن خيار الشرط مثلاً يقول: بعتك السيارة ولي الخيار لمدة يوم، لما مضى نصف يوم قال: أشترط أن أستعملها لمدة أسبوع، فهذا كله صحيح.الشرط في عقد البيع ينقسم إلى أربعة أقسام:
 شرط المنفعة
القسم الرابع: شرط المنفعة.وهذا هو الذي اختلف العلماء رحمهم الله فيه، يعني: كونه يشترط منفعة المبيع.فمثلاً يقول: أبيعك السيارة بشرط أن أستعملها لمدة يوم أو يومين أو ثلاثة أيام أو خمسة أيام... إلى آخره.أو تكون المنفعة في البائع، تقول: أشتري السيارة بشرط أن تنقل السيارة، أو أن تصلح الخلل الموجود في آلاتها أو في إطاراتها.. أو نحو ذلك، هذا شرط منفعة.وأضيق المذاهب في ذلك هو مذهب الشافعية فهم لا يجوزون أي شرط، يعني: أكثر العلماء إذا استقرأت كلامهم تجد أنهم يمنعون شرط المنفعة.أما الشافعية فهم أضيق المذاهب في ذلك إذ يمنعون أي شرط.والحنابلة لا يجيزون إلا شرطاً واحداً، يعني: يصح أن تشترط شرطاً واحداً، سواءٌ كان هذا الشرط في المبيع أو في البائع، أما أنه تجمع شرطين فهذا لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يحلف سلف وبيع، ولا شرطان في بيع ) فقالوا: تجمع شرطين من شروط المنافع هذه لا يجوز.والمالكية يقولون: يجوز الشرط اليسير، فإذا كان الشرط يسيراً جاز، وإذا كان كثيراً فلا يجوز.والحنفية يقولون: إذا جرى تعامل الناس به جاز، وإذا لم يجر تعامل الناس به فلا يجوز.وأوسع الناس في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم ، وهو رواية عند الحنابلة: أنها تجوز شرط المنفعة وإن كثرت، حتى وإن تشترط شرطين أو ثلاثة أو أربعة... كل شروط المنافع هذه يرونها جائزة وإن كثرت.وهذا القول هو الصواب؛ لما ذكرنا أن الأصل في الشروط في البيع الحل، فإذا اشترط شرطين يعني: قال: أشتري منك السيارة بشرط أنك تصلحها وتغسلها وتصلح الشيء الفلاني وتقوم بفحصها... إلى آخره، اشترط ثلاثة شروط أو أربعة شروط قالوا: هذا جائز ولا بأس به؛ لما تقدم من الضابط، وذكرنا الدليل على ذلك: ففي حديث جابر (أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترط عليه حملان ظهر الجمل الذي باعه عليه إلى المدينة).هذا ما يتعلق بحكم الشرط، وذكرنا أن الشرط في عقد البيع أربعة أقسام، وأن الصحيح أنها كلها جائزة.
مسائل متعلقة بالإيجار المنتهي بالتمليك
ولا بد أن نفهم مسائل:
 حكم الوعد والإلزام به
المسألة الأخيرة وهي: حكم الوعد والإلزام به؛ لأن عقد الإجارة المنتهي بالتمليك مبني على الوعد والتمليك.فهل يجب الوفاء بالوعد أو لا يجب؟العلماء رحمهم الله لهم في ذلك خمسة أقوال، لكن نذكر ثلاثة منها:رأي جمهور أهل العلم: أن الوفاء بالوعد غير واجب، يعني: إذا وعدت شخصاً فإنه لا يجب عليك أن توفي بهذا الوعد.واستدلوا على ذلك فقالوا: لم يرو عن أحد من السلف الوفاء بالوعد والإلزام به، وابن بطال وغيره من أهل العلم أنهم لا يقولون بلزوم الوفاء به.والرأي الثاني: قال به طائفة من السلف، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم : وهو أنه يجب الوفاء بالوعد، ولا يجوز إخلافه، وقال به إسحاق بن راهويه وعمر بن عبد العزيز وابن شبرمة وبعض الحنابلة.واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، وكذلك أيضاً قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون:8]، وكذلك أيضاً قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ [الصف:2-3].وأيضاً حديث أبي هريرة في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( آية المنافق ثلاث -وذكر منها-: وإذا وعد أخلف )، وهذا يدل على تحريم إخلاف الوعد.الرأي الثالث: قول عند المالكية وهو أن الوعد إذا أدخل الموعود في ورطة فإنه يجب على الواعد أن يوفي بوعده، أما إذا لم يدخل الموعود في ورطة فلا يجب عليه ذلك، ويستدلون بقاعدة: لا ضرر ولا ضرار.والأقرب في هذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم : أنه يجب الوفاء بالوعد.فتلخصت هذه المسائل: أن الوفاء بالوعد واجب، وأن الشروط في العقود واشتراط عقد في عقد وتعليق عقد البيع على شرطٍ مستقبل، وتعليق عقد الهبة على شرطٍ مستقبل أن هذه كلها صحيحة.وبهذا يتبين أن من منع عقد الإجارة المنتهية بالتمليك حتى مع وجود الضوابط التي يذكرها بعض العلماء وبعض الباحثين لنفي المحذورات الشرعية في هذا العقد، أنه غير متوجه، يعني: لو سد الباب كله وقال: هذا اشتراط عقد بعقد وأن الوعد لا يجب الوفاء به، وأن في هذا تعليق عقد البيع على شرط مستقبل، أو تعليق عقد الهبة على شرط مستقبل... إلى آخره، أن هذا لا يتوجه.. فسد الباب بناءً على الخلاف في هذه المسائل، وأن هذه المسائل منع منها بعض أهل العلم، يتبين أن الصواب في هذه المسائل: أن هذه الشروط كلها صحيحة، وأن الوعد يجب الوفاء به، وحينئذ سد الباب بالكلية هذا غير متوجه، والله أعلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , المعاملات المالية المعاصرة [6] للشيخ : خالد بن علي المشيقح

http://audio.islamweb.net