اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح متن الورقات [2] للشيخ : خالد بن علي المشيقح


شرح متن الورقات [2] - (للشيخ : خالد بن علي المشيقح)
يعرف أصول الفقه بحسب اعتبارين:الأول: باعتبار مفرديه، فنعرف كلمة أصول مستقلة، وكلمة فقه مستقلة.الثاني: باعتباره علماً ولقباً لهذا الفن. وغالباً ما يبدأ الحديث في أصول الفقه عن الأحكام الشرعية التي منها التكليفي ومنها الوضعي، ومن الأحكام التكليفية: الواجب
الفرق بين المعرفة والعلم
قال المؤلف رحمه الله: [ هذه ورقات تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه، وذلك مؤلف من جزأين مفردين ].قوله: (هذه ورقات) جمع ورقة، وورقات جمع مؤنث سالم وهو من جموع القلة، وأشار بقوله رحمه الله: (ورقات) إلى أن هذا المؤلف في أصول الفقه إنما هو مختصر، والمختصر هو: ما قل لفظه وكثر معناه، وعادة العلماء رحمهم الله في مقدمات مؤلفاتهم أن يبينوا هذا المؤلف والمنهج الذي يسلكونه, ويذكروا تعريف العنوان ويترجموا عن العنوان، ويذكروا أيضاً أسباب التأليف.قوله: (تشتمل على معرفة) المعرفة هي: إدراك الشيء على ما هو عليه، واختلف العلماء رحمهم الله في المعرفة هل هي مرادفة للعلم أو أن بينها وبين العلم فرقاً؟ على قولين: القول الأول: أن هذه المعرفة مرادفة للعلم، وأن هذا من باب الترادف، والمترادف هو: ما اختلف لفظه واتحد معناه.والقول الثاني: أن بينهما فرقاً، فالمعرفة مسبوقة بجهل، وأما العلم فإنه ليس مسبوقاً بجهل.قوله: (فصول من أصول الفقه) (من) هذه تبعيضية، فأشار المؤلف رحمه الله في هذه اللفظة إلى أن هذه الفصول لا تشمل كل أصول الفقه، وإنما هي فصول من مهمات أصول الفقه.
 

كيفية تقسيم المؤلفات قديماً وحديثا
وقوله: (فصول) فصول: جمع فصل، والفصل في اللغة: هو الحاجز بين شيئين.وأما في الاصطلاح: فالفصل قطعة من الباب مستقلة بنفسها.كان العلماء في الزمن السابق عندما يؤلفون قد يذكرون أبواباً وفصولاً ومسائل، وقد يذكرون كتاباً ثم يجعلون تحت الكتاب باباً، ثم يجعلون تحت الباب فصلاً، ثم يجعلون تحت الفصل مسائل.أما الآن: فطريقة الباحثين أنهم لا يجعلون كتباً، وإنما يجعلون أبواباً ثم بعد ذلك يجعلون فصولاً، ثم يجعلون مباحث، ثم بعد المباحث مطالب، ثم بعد المطالب مسائل، ثم بعد المسائل أموراً وفروعاً.والكتاب في اللغة: الجمع، يقال: تكتب بنو فلان إذا اجتمعوا، ومنه الكتيبة وهي: جماعة مقاتلة، وسمي الكتاب كتاباً لاجتماع الحروف فيه.وأما في الاصطلاح فهو: جنس من العلم تحته أبواب، أي: يشتمل على أبواب أو أنواع.والباب في اللغة: المدخل إلى الشيء. وأما في الاصطلاح فهو: قطعة من الكتاب مستقلة بنفسها.وفائدة تقسيم مواضيع الكتب على هذا النحو: أولاً: الاقتداء بكتاب الله عز وجل، فإن كتاب الله عز وجل مقسم إلى سور وأجزاء وأحزاب.والفائدة الثانية: أنه أنشط لطالب العلم، فإن طالب العلم كالمسافر، والمسافر كلما قطع مرحلةً وانتقل إلى مرحلة أخرى نشط في سفره، فكذلك أيضاً بالنسبة لطالب العلم، فكون هذا الكتاب مجزأ عنده، فإنه كلما أنهى فصلاً وشرع في فصل آخر، أو أنهى كتاباً وشرع في كتاب آخر، فإنه يكون أنشط له في طلبه.
 

تعريف أصول الفقه
قوله: (وذلك مؤلف من جزأين)، يعني: أن أصول الفقه مؤلف من جزأين: الجزء الأول: أصول، والجزء الثاني: الفقه، فهو مركب إضافي، ولهذا العلماء رحمهم الله يعرفون أصول الفقه تعريفين: التعريف الأول: باعتبار مفرديه، أي: تعرف كلمة (أصول) مستقلة، وتعرف كلمة الفقه مستقلة بنفسها.والتعريف الثاني: يعرفونه باعتباره فناً، أو باعتباره علماً على هذا الفن.وهذا كله سيأتي في كلام المؤلف رحمه الله تعالى.وقوله: (مؤلف من جزأين مفردين) المراد بالإفراد هنا: ما يقابل التركيب لا ما يقابل التثنية والجمع؛ لأننا ذكرنا أن أصول الفقه مركب إضافي، فأصول مضاف والفقه مضاف إليه.
 تعريف الفقه في اللغة والاصطلاح
قال رحمه الله: [ والفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد ]. الآن شرع المؤلف في تعريف الفقه في اللغة والاصطلاح؛ لأن أصول الفقه معرف بتعريفين: باعتباره مركباً إضافياً, يعني: أن كلمة أصل تعرف وحدها، وفقه تعرف وحدها، وهذا هو ما أراده هنا.الفقه في اللغة: الفهم، وقيل: الفهم الدقيق. وأما في الاصطلاح فقد عرفه المؤلف بقوله: (معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد). فقوله: (معرفة) لكي يشمل العلم والظن، فإن من الفقه ما هو ظني ومنه ما هو يقيني، فمثلاً: معرفة أن كون الصلوات خمس هذا يقيني.ومعرفة أن الزنا محرم هذا يقيني؛ لأنه مما علم من الدين بالضرورة، ومعرفة حل الخبز هذا يقيني. والظن مثلاً: إثبات خيار المجلس فهذا من باب الظن.وقوله: (الأحكام) جمع حكم، وهو: إثبات أمر لأمر آخر أو نفيه عنه.وقوله: (الشرعية) هذا أحد الأحكام، فالأحكام تنقسم إلى أقسام:القسم الأول: أحكام شرعية.والقسم الثاني: أحكام عقلية.والقسم الثالث: أحكام عادية.والقسم الرابع: أحكام حسية.قوله: (الشرعية)، يعني: الصادرة عن الشرع، إما بالقرآن أو بالسنة أو بالقياس، وقوله: (الشرعية) يخرج الأحكام العقلية، ويخرج الأحكام الحسية، ويخرج الأحكام العادية.فالحكم العقلي: ما عرفت فيه النسبة عن طريق العقل، مثل الكل أكبر من الجزء، والواحد نصف الاثنين، فهذا حكم عقلي.والحكم الحسي: ما عرفت فيه النسبة عن طريق الحس، مثل: النار حارة، والنجاسة خبيثة الرائحة، والثلج بارد، فهذه الأشياء عرفت عن طريق الحس.والحكم العادي: ما عرفت فيه النسبة عن طريق العادة، مثل: كون الماء مُروياً، وكون الخبز مشبعاً، فهذه الأشياء عرفت عن طريق العادة.وقول المؤلف رحمه الله: (معرفة الأحكام)، فالحكم هو: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه. إثبات أمر لأمر، مثل: زيد قائم. أو نفيه عنه، مثل: عمرو ليس قائماً.وقوله: (الشرعية) أي: الصادرة عن الشرع وذلك إما بالكتاب أو بالسنة أو بالقياس.وقول المؤلف رحمه الله: (التي طريقها الاجتهاد) أي: طريق ثبوتها وظهورها هو الاجتهاد، وهذا في غالب الأحكام الفقهية، وإلا فإن الأحكام الفقهية منها ما هو طريقه العلم، ومنها ما هو طريقه الاجتهاد، لكن الغالب على الأحكام الفقهية هو ما كان طريقه الاجتهاد.فقوله: (التي طريقها الاجتهاد)، أي: طريق ثبوتها وظهورها هو اجتهاد المكلف ونظره في الأدلة ودلالات الأدلة، كما سيأتي إن شاء الله بحثه في مباحث الاجتهاد في أصول الفقه.والعلماء رحمهم الله يعرفون الفقه بتعريفين: فالتعريف الأول: تعريفه في الشرع.والتعريف الثاني: تعريفه في الاصطلاح.أما تعريف الفقه في الشرع فهو: معرفة أحكام الله عز وجل عقائد وعمليات، فيشمل الفقه الأكبر الذي هو العقيدة، فإن هذا داخل في الفقه، وعمليات وهذا يشمل الفقه الأصغر وهو معرفة الفروع.وأما في اصطلاح الفقهاء رحمهم الله، فكما عرفه المؤلف رحمه الله بقوله: (معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد). وإنما قال المؤلف: (طريقها الاجتهاد) فهذا قيد أغلبي؛ لأن الغالب في هذه الفروع أنها تعرف عن طريق الاجتهاد، وإلا فإننا قلنا: بأن قوله: (معرفة) يشمل ما كان علماً وما كان ظناً.وأيضاً من تعاريف الفقه في الاصطلاح: معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها التفصيلية بالقوة الحاضرة أو القريبة. فمعرفة كما تقدم هذا يشمل العلم والظن، والأحكام تقدم تعريفها، والشرعية هذا يخرج الأحكام سوى الشرعية، وبأدلتها التفصيلية هذا يخرج أصول الفقه؛ لأن أصول الفقه هو معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها الإجمالية.وبالقوة الحاضرة، يعني: أن الفقيه يذكر الحكم ثم بعد ذلك يذكر دليله مباشرةً، مثلاً: حكم الوتر سنة مؤكدة؛ ودليله قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( أوتروا فإن الله وتر يحب الوتر ) هذه قوة حاضرة.أو بالقوة القريبة، يعني: أن تكون عنده الملكة في أن ينظر في كلام العلماء وفي أدلة الكتاب والسنة، ثم بعد ذلك يبين الحكم، والله أعلم.
الأحكام الشرعية وأقسامها
تقدم أن الأحكام تنقسم إلى أقسام: منها الأحكام الشرعية، ومنها الأحكام العادية، والأحكام الحسية، والأحكام العقلية. والمراد هنا إنما هو الأحكام الشرعية، والأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: الأحكام التكليفية.والقسم الثاني: الأحكام الوضعية.فالأحكام التكليفية -كما سيأتي إن شاء الله- هي الشاملة للأحكام الخمسة المعروفة: الواجب، والمستحب أو المندوب، والمحرم، والمكروه، والمباح.وأما الأحكام الوضعية: فهي الشاملة للسبب، والعلة، والصحة، والفساد، والشرط، والمانع، كما سيأتي بيانها بإذن الله عز وجل.والعلماء رحمهم الله -علماء الفقه- يتكلمون عن الأحكام التكليفية ويتكلمون عن الأحكام الوضعية، فيقولون: يحرم، ويقولون أيضاً: لا يصح، أو يصح.فمثلاً: يقال: حكم الظهار محرم، أو يقال: مستحب، أو يقال: مندوب، فهذا حكم تكليفي، ويقال: يصح، فهذا حكم وضعي. إذا توفرت شروطه، فلا منافاة بين قوله: يحرم، وبين قوله: يصح؛ لأن الجهة هنا منفكة، فالتحريم هذا يعود إلى الحكم التكليفي، وأما قوله: (يصح) فهذا يعود إلى الحكم الوضعي.
 الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي
أما الفرق بين الأحكام التكليفية والأحكام الوضعية، فنقول: من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن الحكم التكليفي أمر وطلب، وأما الحكم الوضعي فهو إخبار، فمثلاً الأمر بالصلاة هذا حكم تكليفي لأنه أمر، لكن بطلان الصلاة أو صحتها هذا إخبار، فإذا توافرت شروط الصلاة فإنها صحيحة، وإذا اختل شرط من شروط الصلاة فإنها باطلة. فالفرق الأول: أن الحكم التكليفي أمر، وأما الحكم الوضعي فهو إخبار عن الصحة أو الشروط... إلى آخره.الوجه الثاني: أن الحكم التكليفي يشترط فيه علم المكلف، فلا نقول: هذا يأثم إلا إذا كان عالماً، أما بالنسبة للحكم الوضعي فلا يشترط فيه علم المكلف، فلو أنه نسي وصلى وهو محدث، فنقول: بأن صلاته باطلة.الوجه الثالث: أن الحكم التكليفي تعتبر فيه قدرة المكلف على الفعل بخلاف الوضعي، فانتبه بالنسبة إلى ما يتكلم عليه الأصوليون أو ما يتكلم عليه الفقهاء في القواعد الفقهية والقواعد الأصولية فإنها لا تكون بالجملة لا تكون مشتملة لكل الصور، وإنما هي من حيث الجملة شاملة لأغلب الصور.
النوع الأول من الأحكام التكليفية: الواجب
قال رحمه الله: [ فالواجب ما يثاب على فعله، ويعاقب على تركه ].شرع المؤلف رحمه الله في بيان الأحكام التكليفية، فقال: (الواجب ما يثاب على فعله، ويعاقب على تركه). ‏
 تفاضل الواجبات عند التزاحم
الواجبات تتفاضل كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ليس الأمر بالتوحيد والإيمان بالله ورسوله كالأمر بلعق الأصابع، وإماطة الأذى عن الطريق، فإذا عرف ذلك فطلب الأفضل أكمل من طلب المفضول، والتفاضل إنما يكون حسب الأحوال والأشخاص والأوقات.وقال ابن القيم رحمه الله: الأفضل في كل حال إيثار مرضات الله في ذلك الوقت والحال، والاشتغال بواجب ذلك الحال ووظيفته، فمثلاً: الجهاد في وقت الجهاد أفضل ولو أدى ذلك إلى ترك الأوراد.وهذه المسائل التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية يتعرض لها العلماء رحمهم الله في تزاحم الواجبات في القواعد الفقهية، ويقسمون التزاحم إلى: تزاحم واجبين، وتزاحم مندوبين، وتزاحم واجب مع مندوب، وسيأتينا إن شاء الله أيضاً زيادة كلام حول الواجب عندما نتكلم عن أحكام الأمر. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح متن الورقات [2] للشيخ : خالد بن علي المشيقح

http://audio.islamweb.net