اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , المسائل المعاصرة في الزكاة [1] للشيخ : خالد بن علي المشيقح


المسائل المعاصرة في الزكاة [1] - (للشيخ : خالد بن علي المشيقح)
الزكاة إخراج نصيب مقدر شرعاً في مال معين لأصناف مخصوصة على وجه مخصوص، وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وشرعت لمقاصد وحكم عظيمة وجليلة، والأوراق النقدية هي عبارة عن نقد مستقل قائم بذاته يجري عليها ما يجري على الذهب والفضة في شأن الزكاة، والراتب الشهري هو
مقدمات في زكاة النوازل
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، ورزقاً حلالاً طيباً واسعاً، وعملاً متقبلاً، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد.أيها الأحبة! ونحن في أول درس من دروس هذه الدورة المباركة نحمد الله عزّ وجل ونشكره على ما منّ به علينا من هذه العلوم والدروس، فإن تعلم العلم من أجل العبادات وأفضل القربات، وخير ما تقضى به الدقائق والساعات، وفضل العلم وأجره كبير، والآثار في ذلك كثيرة جداً ومتضافرة لا تخفى على الجميع، ولهذا قال ابن المبارك رحمه الله تعالى: لا أعلم مرتبة بعد مرتبة النبوة أفضل من تعلم العلم وتعليمه. وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته، قيل: وكيف تصح النية؟ قال: أن ينوي أن يرفع الجهل عن نفسه وعن غيره.فأهنئ الإخوة الذين يحرصون على تقضية لحظات عمرهم وأنفاسهم في مثل هذه المجالس المباركة التي تحفها الملائكة، وتغشاها السكينة، وتتنزل عليها الرحمة.وتواصلاً للدورة السابقة في مثل هذا الوقت من العام الماضي، فإننا كنا شرعنا في دراسة جملة من النوازل المتعلقة بكتاب الطهارة، ثم بعد ذلك أخذنا جملة من النوازل المتعلقة بالصلاة، وتوقفنا على ما يتعلق بنوازل الزكاة، وسنجتهد إن شاء الله خلال هذه الدروس الستة في جمع شيء من المسائل والنوازل المتعلقة بالزكاة، وأما بالنسبة لنوازل الصيام فلا أظن أن الوقت يتسع لدراسة شيء منها؛ لأنني لما شرعت في قراءة نوازل الزكاة، ظهر عندي شيء كثير من المسائل والنوازل التي استجدت فيما يتعلق بأحكام الزكاة، مثل ما يتعلق بزكاة السندات، وزكاة الأسهم، وزكاة نهاية خدمة السنة، وما يتعلق أيضاً باستثمار أموال الزكاة من قبل المالك، هل له أن يستثمرها، وأن يضارب فيها، وأن يبيع ويشتري؟ وأيضاً ما يتعلق باستثمار أموال الزكاة من قبل الإمام الأعظم، هل له ذلك أو لا؟ وكذلك أيضاً ما يتعلق بزكاة الأموال المحرمة، مثل: أموال الربا وأموال الميسر، هل تجب فيها الزكاة أو لا تجب؟ومثل -أيضاً- ما يتعلق بالأوراق النقدية، وما قدر النصاب في الأوراق النقدية، ومثل ما يتعلق -أيضاً- بزكاة الرواتب الشهرية التي يلابسها كثير من الناس اليوم. فهذه مسائل كثيرة جمعت كثيراً منها، وسنطرح إن شاء الله هذه المسائل حسب ما يسمح به الوقت.
 مقاصد الزكاة
والزكاة لها حكم كثيرة ومقاصد شرعية كثيرة، منها: التعبد لله عزّ وجل بإخراج هذا النصيب من المال، والاستجابة لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ، وكذلك أيضاً ما تقدم من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.ومن حكمها: شكر الله عزّ وجل على نعمة المال، فإن الله عزّ وجل أنعم عليك بهذا المال لأهله المستحقين، والله عزّ وجل يقول: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ .ومن حكمها: تطهير المزكي من البخل والشح والطمع، والتعلق بالدنيا، وتحليته بمحاسن الأخلاق ومكارم العادات، بالجود والكرم والبذل، والله عزّ وجل يقول: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة:103].ومن حكمها: أنها تطهر الفقير من الغل والحسد، وما قد يحدثه الشيطان في قلب هذا الفقير على أقدار الله وحكمه، فقد يكره قضاء الله وقدره، وقد يحسد أخاه الغني وقد يغل عليه، ويدل على هذا الآية السابقة: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ، فقوله سبحانه وتعالى: تُطَهِّرُهُمْ بِهَا، تطهير للغني، وتطهير للفقير أيضاً.ومن حكمها ومقاصدها: أن المال المُزكى يُطهر، ويحفظ من الآفات ومن المصائب إذا أخرج هذا القدر من المال، ويدل لذلك ما تقدم من قول الله عزّ وجل: تُطَهِّرُهُمْ بِهَا. وكذلك أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم وصف الزكاة بأنها أوساخ الناس، مما يدل على أن المال يتطهر بإخراج هذا الجزء المعين من المال. وكذلك أيضاً: مواساة الغني للفقير. ومن ذلك أيضاً: طهارة المجتمع بالكلية. ومن ذلك أيضاً: ما يحصل من رفعة الدرجات وتكفير السيئات وزيادة الحسنات، وفي حديث معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار)، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: (كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة)، ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)، والآثار في ذلك من القرآن والسنة كثيرة جداً. ومن ذلك أيضاً ما يحصل من تكافل المجتمع .. إلى آخره.
زكاة الأوراق النقدية
المسألة الأولى من المسائل المتعلقة بنوازل الزكاة: ما يتعلق بزكاة الأوراق النقدية، وهل تجب الزكاة في الأوراق النقدية؟ وما مقدار النصاب في الأوراق النقدية؟وقبل أن نشرع في بيان كلام أهل العلم في هذه المسألة، لابد أن نبيّن مسألة نقدم بها لهذه المسألة وهي:
 نصاب الورق النقدي
ومن المسائل المتعلقة بالأوراق النقدية: نصاب الورق النقدي؟لما كانت هذه الأوراق النقدية نقداً قائماً بذاته، وكانت في الأصل بدلاً عن الذهب والفضة، وكانت في الأصل مغطاة بالذهب أو بالفضة اختلف العلماء رحمهم الله في نصاب الأوراق النقدية: هل يقدر بالذهب أو يقدر بالفضة، أو يقدر بالأحظ للفقراء من الذهب والفضة؟ المتأخرون لهم في ذلك ثلاثة آراء: الرأي الأول قالوا: إن نصاب الأوراق النقدية يقدر بالفضة، فإذا بلغ نصاب الفضة وجبت فيه الزكاة، وإذا لم يبلغ نصاب الفضة لا تجب فيه الزكاة.واستدلوا على ذلك فقالوا: إن التقدير بالفضة مجمع عليه لثبوته، ولأن هذا أنفع للفقراء؛ لأن الغالب أن الفضة هي أرخص من الذهب.الرأي الثاني قالوا: هذه الأوراق النقدية نصابها يقدر ببلوغ نصاب الذهب، واستدلوا على ذلك بأن قيمة الذهب ثابتة لا تتغير، بخلاف قيمة الفضة فإنها تهبط.القول الثالث: أنه ينظر الأحظ للفقراء من الذهب أو الفضة، لأن الشريعة جاءت بإثبات نصاب الذهب، وإثبات نصاب الفضة، ولأنه أحوط وأبرأ للذمة وأنفع للفقراء، وهذا القول هو الأقرب، بأن نقول: إن نصاب هذه الأوراق النقدية ينظر الأقل منهما، فإذا كانت هذه الأوراق النقدية تبلغ نصاب الفضة وجبت، وإذا كانت لا تبلغ نصاب الفضة ولكن تبلغ نصاب الذهب وجبت، فينظر ما هو الأقل من نصاب الذهب ونصاب الفضة، وهذا القول هو الأقرب.وعلى هذا إذا أردنا أن نخرج نصاب الأوراق النقدية اليوم بالريالات السعودية أو بالجنيهات المصرية أو بالجنيهات السودانية، أو غير ذلك من هذه العملات والأوراق النقدية، فإننا ننظر اليوم إلى نصاب الفضة كم يساوي اليوم؟ وننظر أيضاً إلى نصاب الذهب كم يساوي بالأوراق؟نصاب الفضة بالغرامات يساوي خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً، ونصاب الذهب يساوي خمسة وثمانين غراماً على الصحيح وهو موضع خلاف، يعني الدينار يساوي المثقال، والمثقال اختلف العلماء رحمهم الله في وزنه بالغرامات، قيل: (3,5)، وقيل: (3,6)، وقيل: (3,3)، وقيل: (4,25)، وهذا القول هو الأقرب: أنه أربعة وربع، فعندنا نصاب الذهب يساوي عشرين مثقالاً، فنضرب أربعة وربع بعشرين مثقالاً يساوي خمسة وثمانين غراماً من الذهب، فنصاب الفضة يساوي خمسمائة وخمس وتسعين غراماً من الفضة، ونصاب الذهب يساوي خمسة وثمانين غراماً من الذهب.الآن غرام الفضة ما يقرب من ريال، ولنقل بأنها ريال، كم يكون نصاب الأوراق النقدية؟ خمسمائة وخمسة وتسعين، اضرب الريال بعدد الغرامات، الذي عنده من الأوراق النقدية خمسمائة وخمسة وتسعون ريالاً وجبت عليه الزكاة، والذي ليس عنده ما يجب عليه الزكاة، هذا إذا قلنا: إن المعتبر نصاب الفضة. وإذا قلنا: بأن المعتبر نصاب الذهب، وغرام الذهب اليوم مرتفع، وسمعت أنه وصل سبعين ريالاً اليوم، فعندنا خمسة وثمانون نضربها في سبعين، يساوي ستة آلاف وتسعمائة وخمسين، إذا قلنا: إن المعتبر هو الذهب، فلا تجب الزكاة حتى تبلغ هذا المقدار: ستة آلاف وتسعمائة وخمسين ريالاً سعودياً.لكن إذا قلنا بأن المعتبر هو الغرامات الفضة فتجب الزكاة في خمسمائة وخمس وتسعين، والأحظ للفقراء أن نقدر بالفضة وعلى هذا فقس، فالأحظ اليوم.. ومن زمان قديم هو الفضة، وعلى هذا أنت إذا أردت أن تعرف مقدار نصاب الأوراق النقدية عليك أن تسأل كم قيمة غرامات الفضة؛ لأن نصاب الفضة عندنا يساوي خمسمائة وخمس وتسعين غراماً من الفضة، اسأل عن غرام الفضة، فإذا قيل لك: إن غرام الفضة يساوي ريالاً، اضرب، إذا قيل: يساوي ريالين اضرب في خمسمائة وخمس وتسعين غراماً من الفضة، وحينئذ يتبين لك كم مقدار النصاب في هذه الأوراق النقدية.ومثل ذلك أيضاً العملات الأخرى، مثلا الجنيه المصري، الجنيه السوداني، الليرة اللبنانية والسورية وغير ذلك، تضرب هذا الجنيه أو الليرة بخمسمائة وخمس وتسعين جراماً من الفضة، ويخرج لك نصاب الأوراق النقدية بعملة ذلك البلد.
زكاة الراتب الشهري
المسألة الثانية: زكاة الراتب الشهري. الراتب الشهري هو الأجر الذي يتقاضاه الأجير الخاص مقابل عمله كل شهر، وهذا هو الغالب الآن على الموظفين أنهم يأخذون أجوراً شهرية لا سنوية ولا كل شهرين. بالنسبة للراتب الشهري لكي نعرف كيف تكون زكاته لابد أن نبين المال المستفاد أثناء الحول: هل له حول مستقل، أو أنه يضم في الحول إلى المال الذي عنده؟ لابد أن نبين هذه المسألة وهي المال المستفاد في أثناء الحول: هل يستأنف له حول مستقل، أو نقول: بأن حوله حول الأموال التي عنده؟ الأموال المستفادة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:القسم الأول: أن يكون المال المستفاد ربح تجارة، أو نتاج سائمة، فإذا كان ربح تجارة أو نتاج سائمة، فيكون حوله حول أصله، ولنفرض أن رجلاً عنده خمس من الإبل سائمة، ابتدأ عليها الحول من محرم، وفي شهر ذي الحجة في آخر السنة أنتجت خمساً أخرى، والخمس الثانية هذه هل لها حول مستقل أو حولها حول أصلها؟ نقول: حولها حول أصلها، وحينئذٍ إذا جاء محرم يزكي عن عشر من الإبل، مع أن الخمس الجديدة هذه ما مكثت عنده إلا شهراً، ومثلها أيضاً ربح التجارة الذي يبيع ويشتري، هذه الأموال نقول: حولها حول أصلها.مثلاً: صاحب بقالة افتتح البقالة في شهر محرم بخمسين ألف ريال، يبيع ويشتري ولما جاء محرم السنة المقبلة عنده بضائع الآن اشتراها، وأصبحت قيمة البقالة تساوي ثمانين ألفاً؟ ما حكم هذه البضائع التي اشتراها الآن؟ وما حكم الزيادة هذه؟ نقول: بأن حولها حول الأصل، فإذا جاء محرم لا يقل: هذه البضائع جديدة، ولا يقل: بأن الربح كسبته الآن؛ لأن هذه حولها حول أصلها، فيجب عليه أن يزكي الجديد، يقدر سعر البيع: سعر البقالة تساوي ثمانين ألف، والتي اشتراها الآن إلى آخره، فيخرج زكاة الجميع.يتلخص لنا القسم الأول وهو ما إذا كان نتاج سائمة أو ربح تجارة، هذا نقول: بأن حوله حول أصله.القسم الثاني: أن يكون المال المستفاد ليس نتاج سائمة ولا ربح تجارة، ويخالف ذلك المال الذي عنده، ولنفرض أن عنده نصاباً من الإبل وجاءته أموال إرث أو هبة، كأن وهب له شخص عشرة آلاف ريال، أو جاءه راتب شهري خمسة آلاف ريال، وعنده سائمة، هذه الأموال التي جاءته سواء الريالات أو الذهب: هل يضمها إلى السائمة أو لا يضمها؟ نقول: هذه لا تضم إلى السائمة بالاتفاق، فالسائمة لها حولها، وهذه الدراهم التي جاءت إما الراتب الشهري، أو ورث من أبيه، أو جاءته هبة كل هذه لها حول مستقل يبدأ حولها من حين ملكها.إذاً: القسم الثاني: أن يكون مستفاداً وليس ربح تجارة ولا نتاج سائمة، فهذا يستأنف له حولاً مستقلاً.القسم الثالث: وهو الذي يدخل عندنا الآن الراتب الشهري، أن يكون المستفاد ليس ربح تجارة، ولا نتاج سائمة، ويكون من جنس المال الذي عنده، ففيه خلاف بين الجمهور وبين الحنفية.مثال ذلك: رجل عنده عشرة آلاف ريال، ثم جاءه مرتب ألف ريال، هذه الألف هل يضمها إلى العشرة التي عنده في الحول، أو يستأنف لها حولاً جديداً؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فالحنفية يقولون: ما دام أنه من جنسه، عنده الآن عشرة آلاف، وجاءه ألف والجنس واحد فإنه يضم، ويكون هذا المستفاد حوله حول أصله. والرأي الثاني: رأي الجمهور أنه يستأنف له حولاً مستقلاً. والصواب في هذه المسألة، ما ذهب إليه جمهور العلماء رحمهم الله.إذا فهمنا هذا الخلاف يأتي عندنا ما يتعلق بالرواتب الشهرية، الآن هذا الموظف قبض في شهر محرم ألفي ريال، وقبض في شهر صفر ألفي ريال، وقبض في شهر ربيع ألفي ريال، فعلى رأي الحنفية يبدأ الحول من شهر محرم؛ لأنهم يضمونه بالحول، ويكون بداية الحول من أول شهر قبض فيه المال. أما على رأي الجمهور: كل راتب يكون له حول مستقل، راتب محرم تجب الزكاة فيه في محرم، وراتب صفر تجب الزكاة فيه في صفر، وراتب ربيع في ربيع وهكذا.فكل مرتب يكون له حول مستقل، وهذا فيه مشقة، ولهذا فإن اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة أفتت بأن الأحسن للإنسان أنه يحدد وقتاً، وينظر ما تجمع عنده من هذه الرواتب.فما حال عليه الحول يكون أدى زكاته في وقته، وما لم يحل عليه الحول يكون عجل الزكاة، وتعجيل الزكاة عند جمهور العلماء رحمهم الله خلافاً للمالكية جائز ولا بأس به، وحينئذٍ نقول: إذا غلب على الإنسان -كما ذكرت اللجنة- الحرص فعليه أن يجعل جدولاً حسابياً، هذا الراتب متى ملكه ومتى يحول عليه الحول، والراتب الثاني وهكذا، وهذا فيه مشقة وتعب، وقد يؤدي إلى نسيان الزكاة إلى آخره، وإن غلب عليه نفع المستحقين والاحتياط فنقول: هذا يضرب وقتاً محدداً، وينظر إلى الرواتب التي تجمعت عنده ولم يستهلكها، فما حال عليه الحول يكون أدى زكاته في حوله، وما لم يحل عليه الحول يكون قد عجل زكاته، وتعجيل الزكاة عند جمهور العلماء جائزة خلافاً لما ذهب إليه الإمام مالك والمالكية من بعده أنهم لا يرون تعجيل الزكاة إلا في المسألة اليسيرة، والله أعلم.سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
 نصاب الورق النقدي
ومن المسائل المتعلقة بالأوراق النقدية: نصاب الورق النقدي؟لما كانت هذه الأوراق النقدية نقداً قائماً بذاته، وكانت في الأصل بدلاً عن الذهب والفضة، وكانت في الأصل مغطاة بالذهب أو بالفضة اختلف العلماء رحمهم الله في نصاب الأوراق النقدية: هل يقدر بالذهب أو يقدر بالفضة، أو يقدر بالأحظ للفقراء من الذهب والفضة؟ المتأخرون لهم في ذلك ثلاثة آراء: الرأي الأول قالوا: إن نصاب الأوراق النقدية يقدر بالفضة، فإذا بلغ نصاب الفضة وجبت فيه الزكاة، وإذا لم يبلغ نصاب الفضة لا تجب فيه الزكاة.واستدلوا على ذلك فقالوا: إن التقدير بالفضة مجمع عليه لثبوته، ولأن هذا أنفع للفقراء؛ لأن الغالب أن الفضة هي أرخص من الذهب.الرأي الثاني قالوا: هذه الأوراق النقدية نصابها يقدر ببلوغ نصاب الذهب، واستدلوا على ذلك بأن قيمة الذهب ثابتة لا تتغير، بخلاف قيمة الفضة فإنها تهبط.القول الثالث: أنه ينظر الأحظ للفقراء من الذهب أو الفضة، لأن الشريعة جاءت بإثبات نصاب الذهب، وإثبات نصاب الفضة، ولأنه أحوط وأبرأ للذمة وأنفع للفقراء، وهذا القول هو الأقرب، بأن نقول: إن نصاب هذه الأوراق النقدية ينظر الأقل منهما، فإذا كانت هذه الأوراق النقدية تبلغ نصاب الفضة وجبت، وإذا كانت لا تبلغ نصاب الفضة ولكن تبلغ نصاب الذهب وجبت، فينظر ما هو الأقل من نصاب الذهب ونصاب الفضة، وهذا القول هو الأقرب.وعلى هذا إذا أردنا أن نخرج نصاب الأوراق النقدية اليوم بالريالات السعودية أو بالجنيهات المصرية أو بالجنيهات السودانية، أو غير ذلك من هذه العملات والأوراق النقدية، فإننا ننظر اليوم إلى نصاب الفضة كم يساوي اليوم؟ وننظر أيضاً إلى نصاب الذهب كم يساوي بالأوراق؟نصاب الفضة بالغرامات يساوي خمسمائة وخمسة وتسعين غراماً، ونصاب الذهب يساوي خمسة وثمانين غراماً على الصحيح وهو موضع خلاف، يعني الدينار يساوي المثقال، والمثقال اختلف العلماء رحمهم الله في وزنه بالغرامات، قيل: (3,5)، وقيل: (3,6)، وقيل: (3,3)، وقيل: (4,25)، وهذا القول هو الأقرب: أنه أربعة وربع، فعندنا نصاب الذهب يساوي عشرين مثقالاً، فنضرب أربعة وربع بعشرين مثقالاً يساوي خمسة وثمانين غراماً من الذهب، فنصاب الفضة يساوي خمسمائة وخمس وتسعين غراماً من الفضة، ونصاب الذهب يساوي خمسة وثمانين غراماً من الذهب.الآن غرام الفضة ما يقرب من ريال، ولنقل بأنها ريال، كم يكون نصاب الأوراق النقدية؟ خمسمائة وخمسة وتسعين، اضرب الريال بعدد الغرامات، الذي عنده من الأوراق النقدية خمسمائة وخمسة وتسعون ريالاً وجبت عليه الزكاة، والذي ليس عنده ما يجب عليه الزكاة، هذا إذا قلنا: إن المعتبر نصاب الفضة. وإذا قلنا: بأن المعتبر نصاب الذهب، وغرام الذهب اليوم مرتفع، وسمعت أنه وصل سبعين ريالاً اليوم، فعندنا خمسة وثمانون نضربها في سبعين، يساوي ستة آلاف وتسعمائة وخمسين، إذا قلنا: إن المعتبر هو الذهب، فلا تجب الزكاة حتى تبلغ هذا المقدار: ستة آلاف وتسعمائة وخمسين ريالاً سعودياً.لكن إذا قلنا بأن المعتبر هو الغرامات الفضة فتجب الزكاة في خمسمائة وخمس وتسعين، والأحظ للفقراء أن نقدر بالفضة وعلى هذا فقس، فالأحظ اليوم.. ومن زمان قديم هو الفضة، وعلى هذا أنت إذا أردت أن تعرف مقدار نصاب الأوراق النقدية عليك أن تسأل كم قيمة غرامات الفضة؛ لأن نصاب الفضة عندنا يساوي خمسمائة وخمس وتسعين غراماً من الفضة، اسأل عن غرام الفضة، فإذا قيل لك: إن غرام الفضة يساوي ريالاً، اضرب، إذا قيل: يساوي ريالين اضرب في خمسمائة وخمس وتسعين غراماً من الفضة، وحينئذ يتبين لك كم مقدار النصاب في هذه الأوراق النقدية.ومثل ذلك أيضاً العملات الأخرى، مثلا الجنيه المصري، الجنيه السوداني، الليرة اللبنانية والسورية وغير ذلك، تضرب هذا الجنيه أو الليرة بخمسمائة وخمس وتسعين جراماً من الفضة، ويخرج لك نصاب الأوراق النقدية بعملة ذلك البلد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , المسائل المعاصرة في الزكاة [1] للشيخ : خالد بن علي المشيقح

http://audio.islamweb.net