اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الذكر [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


الذكر [2] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
للذكر منزلة عظيمة عند الله عز وجل، فهو أعظم العبادات بعد أداء الفرائض؛ ولذلك رفع الله عز وجل منزلة الذاكرين خصوصاً أهل القرآن، فقد شفع القرآن لهم ولأهليهم، والغناء محرم للأدلة على ذلك، وللمفاسد التي تكون بسببه، وقد أنكر ذلك بعض الناس، وكلامهم باطل وفاسد.
منزلة الذكر والذاكرين
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً, وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير.اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6].يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين, فشرح به الصدور, وأنار به العقول, وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الصادقين المفلحين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] .أما بعد: معشر الإخوة الكرام! لا زلنا نتدارس منزلة ذكر الرحمن في الإسلام، وتقدم معنا أن الذكر ضروري للإنسان؛ فهو لقلبه كالماء للسمك؛ ومن أجل ذلك أمرنا الله أن نكثر من ذكره في جميع الأوقات، وتقدم معنا أن فوائد الذكر تزيد على مائة فائدة، وهذه العبادة الجليلة التي لها هذه المنزلة الفاضلة الكريمة قد غيرها المتأخرون, وابتدعوا فيها وانحرفوا عنها.ولكي يكون الحديث موصولاً بما سبق سأتكلم عن فائدة من فوائد الذكر, ثم أتابع خطوات البحث.فأقول: إن الإنسان عندما يذكر ربه تحصل له فائدة عظيمة جليلة، أنه يتخلى عن الرذائل، ويتحلى بالفضائل، ففي الذكر تخلية وتحلية، إن من يذكر الله جل وعلا يبتعد عن الرذائل ويحصن نفسه من اللهو واللغو والباطل، فالذكر جُنَّة حصينة للإنسان من وساوس الشيطان, ومن هذيان اللسان، ثم هو بعد ذلك يتصف بالصفات الكريمات, ويقوم -عندما يذكر ربه- بأفضل الطاعات.
 الأدلة على كون الذكر أفضل العبادات بعد الفرائض
وهذا الأمر الذي اتفق عليه أئمتنا -أن أفضل العبادات بعد أداء الواجبات ذكر رب الأرض والسماوات أي: أن يشغل الإنسان نفسه بذكر مولاه- دلت عليه سنة نبينا صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة, فأخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الذاكرين هم السابقون، وأخبرنا أن عبادة الذكر هي أجل العبادات عند الحي القيوم.فاستمع لتقرير هذين الأمرين من كلام نبينا الميمون عليه صلوات الله وسلامه، ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم وسنن الترمذي ، والحديث في صحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم ، وهو صحيح من رواية أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: ( كنا نسير مع النبي صلى الله عليه وسلم في طريق مكة المكرمة والمدينة المنورة، حتى وصلنا إلى جبل يقال له: جمدان -وهو جبل منفرد لا نظير له بين مكة والمدينة-، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم عند هذا الجبل, وقال: سيروا, هذا جمدان، سبق المفردون، قالوا: ومن المفردون يا رسول الله؟! قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات ).فهم الذين أفردوا الله جل وعلا بذكرهم، ولهجوا بذكره في جميع أوقاتهم، وهم المنفردون بهذه الخصلة الجليلة من بين الخلق، كما انفرد هذا الجبل من بين سائر الجبال بتلك الصفة، ( سيروا، هذا جمدان، سبق المفردون, ومن المفردون؟ الذاكرون الله كثيراً والذاكرات ).وفي رواية المسند ومستدرك الحاكم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( المفردون هم الذين يهترون بذكر الله ) أي: يولعون ويتعلقون بذكر الحي القيوم في جميع أوقاتهم وأحوالهم. وفي رواية الترمذي : ( هم المستهترون بذكر الله, يضع الذكر عنهم أوزارهم، فإذا وافوا ربهم يوم القيامة وافوه خفافاً )، أي: ليس عليهم ذنوب ولا أوزار. وهذا الحديث إخوتي الكرام! كما روي في صحيح مسلم وغيره من رواية سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، رواه الطبراني في معجمه الكبير من رواية أبي الدرداء ومعاذ بن جبل أيضاً رضي الله عنهم أجمعين.إذاً: هؤلاء هم السباقون، هم المفردون؛ لأنهم عبدوا الحي القيوم بأعظم العبادات؛ ألا وهي ذكر الله.وقد نص على هذا نبينا رسول الله عليه الصلاة والسلام، ففي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وابن ماجه ، والحديث رواه الطبراني في معجمه الكبير، ورواه الحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان وإسناده صحيح كالشمس، من رواية أبي الدرداء رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ألا أنبئكم بخير أعمالكم, وأزكاها عند مليككم, وأرفعها في درجاتكم, وخير لكم من إنفاق الذهب والورق -وهي الفضة-، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: ذكر الله ). ذكر الله هو خير الأعمال عند ذي العزة والجلال، ولذلك من قام به صار من المفردين، وهذا الحديث رواه الإمام مالك في الموطأ موقوفاً على أبي الدرداء رضي الله عنه وأرضاه، وقد رفعه من تقدم ذكرهم إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، والحديث صحيح ثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ورواه الإمام أحمد في المسند بسندٍ صحيح، إلا أنه منقطع من رواية سيدنا معاذ بن جبل عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عن سائر الصحابة الكرام.إذاً: الذاكر سابق, ويعبد الله بأجل العبادات، ذكر رب الأرض والسماوات.
تأثر المشركين في العصر الجاهلي بالقرآن الكريم
وإذا كان للذكر هذه المنزلة كما ذكرت، فإن أعلى الأذكار وأفضلها -كما تقدم معنا- كلام الله جل وعلا، الذي به تحصل اللذة للإنسان عندما يقرأه في هذه الحياة، ويتنور قلبه وينشرح صدره وتبتهج نفسه، وبه يحصل عظيم الأجر في الآخرة بعد الممات عند رب الأرض والسماوات، ذكر الله عن طريق كلامه، عن طريق قراءة كتابه الذي أنزله علينا؛ ليخرجنا من الظلمات إلى النور، فهذه عبادة جليلة.فكما أننا ينبغي أن نذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل وغير ذلك ينبغي علينا أن نذكره بتلاوة كلامه ووحيه الذي أنزله على نبينا -على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه- وكما قلت: من تلا هذا الكلام حصل فوائد في العاجل وفي الآجل، وما أعلم ما أصابنا في هذه الأيام عندما أعرضنا عن كلام ذي الجلال والإكرام؟!المشركون مع شركهم كانوا يستمعون إلى كلام الله جل وعلا ويتلذذون به، فاستمع إلى هذه الحوادث التي وقعت في الصدر الأول عند نزول القرآن، على نبينا وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه.
 موقف الأخنس بن شريق من القرآن الكريم
وقد كان المشركون يتوافدون على نبينا عليه الصلاة والسلام في ظلام الليل، عندما كان في مكة المكرمة في أول دعوته، ويأتي في وسط الليل إلى فناء الكعبة ويتلو كلام الله، كانوا يتوافدون إليه سراً؛ يسمعون حلاوة هذا الكلام الذي هو كلام ذي الجلال والإكرام.ثبت في مغازي محمد بن إسحاق أنه: اجتمع ثلاثة من المشركين في وسط الليل أبو جهل وأبو سفيان والأخنس بن شريق ولقب بـالأخنس بعد موقعة بدر حيث قال لقومه: إن الله قد نجى عيركم فلا داعي أن تذهبوا إلى فقال محمد -عليه الصلاة والسلام- فانخنس مع من انخنس معه فقيل له: الأخنس بن شريق واسمه أبي بن شريق ، وقد آمن منهم اثنان أبو سفيان ، وأبي بن شريق ، وبقي أبو جهل على كفره، كانوا يجتمعون إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقرأ القرآن، ولا يعلم أحد باجتماع صاحبه حتى يطلع الفجر، فإذا عادوا جمعهم الطريق، فسأل كل واحد صاحبه: أين كنت؟ فأخبروا بالحقيقة, وقال كل واحد: كنت أستمع إلى محمد -عليه الصلاة والسلام- وهو يقرأ كلاماً عذباً، ليس بكلام البشر، نذهب نستمع هذا الكلام الحلو، فقال بعضهم لبعض: ويحكم إذا سمع الناس بكم وأنت وجهاء قومكم سيفتنون بمحمد، فتعاهدوا وتعاقدوا على أن لا يأتي أحد منهم في الليلة الثانية، وكل واحد ظن أن صاحبه سيفي بالوعد ولن يحضر، وقال: إنني أذهب ولا يعلم بي أحد. فاجتمع الثلاثة في الليلة الثانية مرة أخرى، فلما أسفر الفجر جمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: أين كنتم؟ فقالوا: كنا نستمع إلى محمد -على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه- فذكر بعضهم بعضاً بالعهد الذي قطعوه على أنفسهم في الليلة الماضية، وتعاهدوا على ألا يعودوا في الليلة التالية ولا ما بعدها، فعادوا أيضاً واجتمعوا في الليلة الثالثة، ثم بعد أن تفرقوا وتعاهدوا على ألا يعودوا ذهب أبي بن شريق وهو الأخنس إلى أبي سفيان، وقال: أخبرني ماذا سمعت من محمد؟ ما هذا القرآن؟ ما هذا الكلام الذي تسمعه؟ قال: سمعت كلاماً عرفته وعرفت ما يراد به، وسمعت كلاماً لا أعرف ما يراد به، ثم ذهب إلى أبي جهل قال: أخبرني بالذي سمعت من محمد؟ فأخبره، ثم قال له: أنشدك بالله هل تعلم أن محمداً صادق أو كذاب؟ قال: والله إنه لصادق! وهو رسول الله حقاً، لكننا تسابقنا نحن وبنو هاشم حتى كنا كفرسي رهانٍ، أطعموا فأطعمنا، وسقوا فسقينا، وحملوا فحملنا، ثم قالوا: منا نبي يأتيه خبر السماء، والله لا نتبعه أبداً، فأنزل الله عز وجل آية يشير بها إلى ما حصل من هؤلاء, ويسلي بها رسوله خاتم الأنبياء -على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه- فقال عز وجل: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33].وحال أبي جهل وغيره من العتاة كحال عتاة نجد في العصر الأول عندما كانوا يقولون: كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر، وكذاب ربيعة هو مسيلمة الكذاب، وصادق مضر هو نبينا عليه صلوات الله وسلامه-، يقول: هذا المتنبئ مع علمنا بأنه كذاب، لكن هو من قومنا ومن وطننا -على حسب مفاهيم الجاهلية- فهو أحب إلينا من النبي المضري القرشي الهاشمي، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.
الأجور المتحصلة لحامل القرآن في الآخرة
إخوتي الكرام! هذا أثر القرآن، وهذه عذوبته في هذه الحياة، وأما بعد الممات فتحصل به الأجور العظيمة عند رب الأرض والسماوات، وكنت قد بينت أن درجة قارئ القرآن إذا حفظه وفهمه وعمل بما فيه في أعلى الدرجات؛ لأن عدد درج الجنة كعدد آي القرآن، كما تقدم معنا إيضاح أحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام.وهنا أقول: إن قارئ القرآن كما أنه في أعلى غرف الجنان؛ لأنه القرآن يشفع له، هو أيضاً يشفعه الله جل وعلا في أسرته وفي أصحابه وفي أحبابه، فهو له هذه المنزلة حيث شفع له القرآن، ثم هو يتقدم ويشفع لعباد الرحمن كما وضح لنا ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام، وليس بعد هذا المقام مقام.
 ذكر الشاطبي لفضل القرآن على قارئه في منظومته
وقد أشار الإمام الشاطبي وهو الإمام التقي الرباني الذي توفي سنة تسعين وخمسمائة للهجرة، أشار إلى فضل القرآن على تاليه وعلى والديه في منظومته حرز الأماني فقال عليه رحمة الله:وإن كتاب الله أوثق شافعٍوأغنى غناء واهباً متفضلاوخير جليس لا يمل حديثهوترداده يزداد فيه تجملاوحيث الفتى يرتاع في ظلماته من القبر يلقاه سناً متهللاهنالك يهنيه مقيلاً وروضةومن أجله في ذروة العز يجتلايناشد في إرضائه لحبيبهوأجدر به سؤلاً إليه موصلافيا أيها القاري به متمسكاًمجلاً له في كل حال مبجلاهنيئاً مريئاً والدك عليهماملابس أنوار من التاج والحلافما ظنكم بالنجل عند جزائهأولئك أهل الله والصفوة الملاأولو البر والإحسان والصبر والتقىحلاهم بها جاء القرآن مفصلاعليك بها ما عشت فيها منافساًوبع نفسك الدنيا بأنفاسها العلا
حرمة الغناء والرد على من أنكروا ذلك
ما الذي حصل بعد ذلك إخوتي الكرام؟! واقع الأمر تغير وتكدر عما كان عليه، كان سلفنا يذكرون الرحمن ويتلون القرآن، ثم حصل في هذه الأمة ما حصل، تقدم معنا أن المتأخرين من الصوفية عكفوا على الغناء والرقص، وزعموا أنهم يتقربون بذلك إلى الله جل وعلا، وحقيقة: أمرهم عجيب عجيب، متى كان العباد مغنيين راقصين؟!وحصل في هذه الأمة كما في هذه الأيام أناس يدعون الجهاد، وأنهم لا يريدون التشدق ولا الصياح، إنما يريدون الكفاح، ثم بعد ذلك تخنثوا وتكسروا، وقالوا الأشعار بمنتهى الميوعة مع آلات اللهو والطرب، وقالوا: إننا نجاهد بذلك، أمرهم عجيب! متى كان المجاهدون مطربين مخنثين؟! أمرٌ عظيم فظيع، والله إن هذا لهو الضلال المبين، إعراض عن ذكر الله، وإعراض عن تلاوة كلام الله؛ إما بقصائد وأناشيد ورقص عن المخرفين من الصوفية، وإما بأناشيد الجهاد مع تكسر وخنوثة وميوعة عند من يدعون أنهم في جهاد، وهؤلاء وأولئك على ضلالة.وهناك نوع ثالث من أنواع الأشعار التي تقال وهي في الحقيقة خارجة عن موضوع البحث -لأننا نبحث أصالة في شناعة البدعة ووضاعتها وشنيع حال صاحبها- لكن من باب استكمال جوانب البحث سأتكلم بصورة موجزة عن نوع ثالث من الأشعار وجد في هذه الأيام، وعكف عليه الناس، لا باسم العبادة، إنما باسم المجون، باسم الفسق، باسم الشهوة، وهو الأغاني الماجنة الفاسدة، فهي لا تفعل على أنها عبادة، وإنما هي أشعار لهو وفسق، أشعار مجون يقولها المنحرفون في هذه الأيام ويعكفون عليها أيضاً، وحال ذلك بينهم وبين ذكر الرحمن وتلاوة القرآن، هذه الأشعار المجونية -الأغاني الخليعة- لا يرتاب أحد في تحريمها. ضابط الغناء كما ذكرت سابقاً: كلام موزون مقفى، يقال بتكسر وتخنث، يشتمل على فحش وخنع وبذاءة. ولذلك ما يقوله المجاهدون -على زعمهم- في هذه الأيام قلت: إنهم وافقوا الغناء في الصيغة وإن خالفوه في الموضوع والمحتوى، ولا يجوز أن نتكسر ونتخنث عندما نقول الكلام، كما لا يجوز أن نقول الكلام الفاحش والحرام. نعم، إن الغناء المجوني جمع بين قبح الموضوع وفساد الصيغة والإلقاء، فهذه الصورة لا خلاف في تحريمها، وإذا صاحبتها آلات اللهو فالأمة مجمعة على تحريمها كما تقدم معنا، وخلاف من خالف في العصور المتأخرة من القرن الخامس إلى هذه الإيام من شذّاذ الناس فلا عبرة بخلافهم، ومن كان منهم من أهل الصلاح فيلتمس له العذر، ونستغفر الله لنا وله، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.إخوتي الكرام! هذا الغناء بهذا الوصف لا خلاف في تحريمه، ووجد حوله شبهٌ من قبل بعض الناس كما قلت: هذه الشبه تريد أن تبرر هذا الغناء المجوني، هذا الغناء الذي هو حرام، فانتبهوا لهذا الأمر، وكونوا على بينة من ذلك.الغناء الذي فيه هذان الضابطان: رداءة في الموضوع، ورداءة في الصيغة، ثم إن صاحبه شيء من آلات اللهو فلا خلاف في تحريمه.
 الرد على توجيه بعض المعاصرين لحديث مسخ المستمعين للأغاني والمعازف
وأما ما قاله بعض المعاصرين في توجيه حديث سنن ابن ماجه الذي ذكرته وصحيح ابن حبان: ( ليشربن أناس من أمتي الخمر ويسمونها بغير اسمها، ويعزف على رءوسهم بالمغنيات والمعازف يخسف الله بهم الأرض، ويمسخ منهم قردة وخنازير )، قال: إن هذا المسخ ليس بلازم أن يكون في الصورة والحقيقة، وإنما تمسخ القلوب والأرواح فيصبح الواحد إنساناً في صورة إنسان، ولكنه في الحقيقة في نفس خنزير وروح قرد.سبحان ربي العظيم! ما هذا التكلف ولم هذا التنطع في تأويل الحديث؟ هلا أولت إذاً الصفة الأولى، وهي يخسف الله بهم الأرض، هل هذه أيضاً مؤولة أم على ظاهرها؟ هلا قلت فيها: يخسف الله بهم الأرض أي: ألا يجعل لهم مكانة عليها، كما أولت الصفة الثانية؟ وهلا تلاعبت في شقي الحديث بدلاً من تلاعبك بشقه الأخير فقط؟ وأنا أقول: يمسخهم الله قردة وخنازير على وجه الحقيقة، ويخسف الله بهم الأرض على وجه الحقيقة، وهذه عقوبة مهدد بها من فعل هذا، وفعل هذا العقوبة موكول إلى مشيئة الله، وقد وقع المسخ في الأمم السابقة وهو واقع في هذه الأمة، نسأل الله أن يلطف بنا, وأن يرحمنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.أقول هذا القول وأستغفر الله.
قاعدة ابن القيم فيما أشكل من الحلال والحرام
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله خير خلق الله أجمعين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، وارض اللهم عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.إخوتي الكرام! كما قلت: الغناء وجميع آلات المعازف واللهو لا خلاف في تحريمها عند أئمتنا، والإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا له كلام كثير حلو جميل في تقرير هذا، سأقتطع منه أمراً ينبغي ألا يغيب عن أذهاننا أبداً ألا وهو: إن الأمر إذا أشكل علينا هل هو مباح أو حرام فلننظر إلى ثمرته والأثر الذي يترتب عليه، فإن ترتب عليه ثمرة حسنة وثمار طيبة فهو مباح حلال، وإن ترتب عليه آثار ضارة سيئة فهو حرام قطعاً وجزماً.يقول في مدارج السالكين، الجزء الأول صفحة ست وتسعين وأربعمائة: القاعدة الثالثة: إذا أشكل على الناظر أو على السالك حكم شيء هل هو الإباحة أو التحريم؟ فلينظر إلى مفسدته وثمرته وغايته، فإن كان مشتملاً على مفسدة راجحة ظاهرة فإنه يستحيل على الشارع الأمر به أو إباحته، بل العلم بتحريمه من شرعه قطعي لا سيما إذا كان طريقاً مفضياً إلى ما يغضب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم موصلاً إليه عن قرب، وهو رقية له ورائد له وبريد له، فهذا لا يشك في تحريمه أولو البصائر، فكيف يظن بالحكيم الخبير أن يحرم مثل رأس الإبرة من المسكر؛ لأنه يسوق النفس إلى السكر التي يسوقها إلى المحرمات ثم يبيح ما هو أعظم منه سوقاً للنفوس إلى الحرام بكثير؟!لا يمكن في حكمة ربنا أن يحرم قليل الخمر؛ لأنه يسوق إلى السكر الذي يترتب عليه فعل المحرمات ثم يبيح الله سماع الغناء والمعازف التي هي أعظم سوقاً للنفس إلى المحرمات من الخمر بكثير، فإن الغناء هو رقية الزنا، وقد شاهد الناس أنه ما عاناه صبي إلا فسد, ولا امرأة إلا وبغت, ولا شاب إلا.. وإلا، ولا شيخ إلا.. وإلا، والعيان من ذلك يغني عن البرهان، ولا سيما إذا جمع -يعني: الغناء- هيئة تحدو النفوس أعظم حدو إلى المعصية والفجور؛ يعني: كان المغني بصورة حسنة بأن يكون على الوجه الذي ينبغي لأهله؛ من المكان والإمكان، والعشراء والإخوان، وآلات المعازف من اليراع والدف والأوتار والعيدان، وكان القوال شادناً شجي الصوت، لطيف الشمائل من المردان أو النسوان، وكان القول في العشق والوصال والصد والهجران.وقال في الإغاثة صفحة سبع وأربعين ومائتين: كم من حرة صارت بالغناء من البغايا! وكم من حر أصبح به عبداً للصبيات وللصبايا! وإذا اجتمع إلى هذه الرقية -وهي الغناء- الدف والشبابة والرقص بالتخنث والتكسر، فلو حبلت المرأة من غير جماع لحبلت من هذا الغناء؛ لما يؤثر فيها من رقص، وغناء، وتكسر، وتخنث، وبعد ذلك آلات لهو وطرب.هذا -كما قلت- إخوتي الكرام! متفق على تحريمه بين أئمتنا، وما نقل عن بعض أئمتنا الكرام من الترخص في الغناء، فقلت: إنه غناء من حيث التسمية لا من حيث الحقيقة، فهي أشعار -كما تقدم معنا- جزلة فصلة ترقق القلوب وتذكر بالآخرة، وتزهد في الدنيا، هذا ما كان يقوله أئمتنا من تقرير، هذا من كلام الإمام أحمد وغيره عليهم جميعاً رحمة الله جل وعلا.اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وحببنا فيه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه وكرهنا فيه، اللهم اجعل هوانا تبعاً لشرعك بفضلك ورحمتك، ربنا آتنا في الدنيا حسنة, وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً.اللهم صل على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبدك فيه، اللهم اغفر لمن جاوره من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً. والحمد لله رب العالمين..أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].
 الرد على توجيه بعض المعاصرين لحديث مسخ المستمعين للأغاني والمعازف
وأما ما قاله بعض المعاصرين في توجيه حديث سنن ابن ماجه الذي ذكرته وصحيح ابن حبان: ( ليشربن أناس من أمتي الخمر ويسمونها بغير اسمها، ويعزف على رءوسهم بالمغنيات والمعازف يخسف الله بهم الأرض، ويمسخ منهم قردة وخنازير )، قال: إن هذا المسخ ليس بلازم أن يكون في الصورة والحقيقة، وإنما تمسخ القلوب والأرواح فيصبح الواحد إنساناً في صورة إنسان، ولكنه في الحقيقة في نفس خنزير وروح قرد.سبحان ربي العظيم! ما هذا التكلف ولم هذا التنطع في تأويل الحديث؟ هلا أولت إذاً الصفة الأولى، وهي يخسف الله بهم الأرض، هل هذه أيضاً مؤولة أم على ظاهرها؟ هلا قلت فيها: يخسف الله بهم الأرض أي: ألا يجعل لهم مكانة عليها، كما أولت الصفة الثانية؟ وهلا تلاعبت في شقي الحديث بدلاً من تلاعبك بشقه الأخير فقط؟ وأنا أقول: يمسخهم الله قردة وخنازير على وجه الحقيقة، ويخسف الله بهم الأرض على وجه الحقيقة، وهذه عقوبة مهدد بها من فعل هذا، وفعل هذا العقوبة موكول إلى مشيئة الله، وقد وقع المسخ في الأمم السابقة وهو واقع في هذه الأمة، نسأل الله أن يلطف بنا, وأن يرحمنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.أقول هذا القول وأستغفر الله.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الذكر [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net