اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حياة أبي هريرة للشيخ : عبد الرحيم الطحان


حياة أبي هريرة - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
كان أبو هريرة رضي الله عنه أحفظ الناس لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثرهم تحديثاً به، وما ذلك إلا لجده في الطلب، ثم دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له، ثم أضاف إلى ذلك حسن التعبد فكان يتقاسم الليل أثلاثاً مع امرأته وغلامه، كما كان يسبح في كل يوم وليلة اثني عشر ألف تسبيحة.
اسم أبي هريرة وإسلامه
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:فسنتدارس اليوم سيرة راوية الإسلام : أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه.هو عبد الرحمن بن صخر، أسلم من العام السابع للهجرة، فمدة صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين فقط، لكنه في هذه السنوات الثلاث لازم النبي صلى الله عليه وسلم ملازمة تامة، فصار أكثر الصحابة رواية للحديث، سيما وقد امتدت به الحياة فعمِّر في الإسلام خمسين سنة، إذ توفي سنة (57هـ)، وكان عمره: (78) عاماً.
 

علم أبي هريرة وسبب كثرة جمعه لحديث النبي
جاء في البداية والنهاية عن عائشة رضي الله عنها قالت لـأبي هريرة : أكثرت الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة ! فقال: يا أماه! كان يشغلك عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المرآة والمكحلة والتصنع لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وأما أنا فقد طلقتها ثلاثاً، أي: الدنيا، فما عندي ما يشغلني، أجلس في هذه الصفة وأصرع في اليوم مرات من الجوع، وأما أنت فكان عندك ما يشغلك عن الحفظ، مرآة ومكحلة وتصنع، وهذا يأخذ وقتاً، وتنصرفين بعد ذلك عن السماع.وفي طبقات ابن سعد أنه قال للصحابة يوماً عندما أكثروا من الاعتراض عليه: ماذا قرأ النبي صلى الله عليه وسلم البارحة في صلاة العشاء؟ فسكتوا قال: لكني أعلم، قرأ كذا وكذا، وكأنه يقول: أنا أحضر بانتباه، وأما أنتم فقد لا تنتبهون للأمور غاية الانتباه، فهذا الذي أوصلني إلى هذه المرتبة، وبلغ بي إلى ما ترون من كثرة الرواية عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا قلّ أن ينتبه له: أن الإمام يقرأ في الصلاة، والناس يتذكرون في اليوم الثاني، الإمام الحازمي في كتابه الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار، وهو من أئمة القرن الخامس للهجرة عليه رحمة الله، في موضوع البسملة، وهل هي آية من الفاتحة أم لا؟ يذكر قصة عن نفسه، في اختلاف الصحابة كيف بعضهم نقل البسملة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه كان يجهر بها في الصلاة كما فعل أبو هريرة ، وعدد من الصحابة نقلوا قراءة النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة ولم يذكروا الجهر بالبسملة، والصلاة واحدة، وكلهم حضروا الصلاة، فكيف اختلف النقل؟!فهو يحكي قصة عن نفسه ليبرر عمل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، يقول: كنت في بيت المقدس، وكان الناس يجتمعون في الصلاة وراء الإمام ليحصلوا شرف الصلاة في المسجد الأقصى، والأمر الثاني: من حسن قراءة هذا الإمام يأتون من كل مكانٍ ليستمعوا إلى قراءته لما فيها من ترتيل وخشوع، يقول: ففي يومٍ من الأيام بعد انتهاء صلاة الفجر، وعندما سلم الإمام قمت أنا وقلت: يا معشر من حضر! وصلى وراء الإمام، هل جهر الإمام بالبسملة أم لا؟ يقول: فانقسم أهل المسجد إلى ثلاثة أقسام: قسمٌ قالوا: جهر، وقسمٌ قالوا: لا، وقسمٌ توقف وقال: لا نعلم ذلك، فقول أبي هريرة رضي الله عنه: ماذا قرأ النبي عليه الصلاة والسلام البارحة في صلاة العشاء؟ قالوا: لا ندري، قال: لكني أدري، هذا يبرر كثرة رواياته عن النبي عليه الصلاة والسلام.
 دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له بحفظ العلم
الذي ينظر في حال أبي هريرة رضي الله عنه يرى أنه يستحق هذه المرتبة بجده واجتهاده وبدعاء النبي عليه الصلاة والسلام له بالحفظ، وكانت همته مصروفة غاية الانصراف لضبط حديث النبي عليه الصلاة والسلام لما في ذلك من أجرٍ لا يخطر بالبال، ولذلك ثبت في المستدرك، والحديث سكت عنه الحاكم لكن الذهبي تعقبه فقال: إنه ضعيف، والحديث أورده الإمام ابن حجر في الإصابة، ونقل تصحيح الحاكم وأقره، والله أعلم بحقيقة الأمر، عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: (دخل علينا النبي عليه الصلاة والسلام، وكنت أنا ورجلٌ من الصحابة وأبو هريرة رضي الله عنه، كنا الثلاثة في المسجد ندعو، فلما دخل النبي عليه الصلاة والسلام سكتنا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: اثبتوا على ما أنتم عليه، ماذا كنتم تقولون؟ يقول زيد بن ثابت : فدعوت أنا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: آمين، ودعا صاحبي فقال النبي عليه الصلاة والسلام: آمين، ودعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك ما سأله صاحباي، وأسألك علماً لا ينسى، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: آمين، فقال زيد والصحابي الثالث: ونحن يا رسول الله صلى الله عليه وسلم نسأل الله علماً لا ينسى، فقال: سبقكما بها الدوسي ). هذه الدعوة فاز بها أبو هريرة رضي الله عنه، حصل ما حصله أخواه من الخير، وعلماً لا ينسى، والنبي عليه الصلاة والسلام أمن على هذا.وهذا مما يبين لنا حرصه رضي الله عنه على حديث النبي عليه الصلاة والسلام مع الجد والاجتهاد، والأمر كما قال سلفنا: لا يستطاع العلم براحة الجسد، كما في صحيح البخاري عن يحيى بن أبي كثير ، يعني: إذا كان الإنسان جسده مرفهاً منعماً لا يحصل علماً، إنما إذا كان حاله كحال أبي هريرة رضي الله عنه يصرع من الجوع، ويشد الحجر على بطنه، ويمسك كبده بالأرض، فهذا الذي يطلب العلم، أما إنسان يدخل ألوان الطعام في جوفه، فهذا هيهات هيهات أن يضبط شيئاً من العلم، ولذلك كان علماؤنا يقولون:أخي لن تنال العلم إلا بستةٍسأنبيك عن تفصيلها ببيانذكاءٌ وحرصٌ واجتهادٌ وبلغةوصحبة أستاذٍ وطول زمانوالبلغة: الاقتصار على الضروري، فيما يتعلق بالمأكل والمشرب ومرافق الحياة.فمن يتوسع في المآكل والمشارب لا يمكن أن يحصل العلم كما هو حال طلبة العلم في هذا الوقت إلا ما رحم ربك، وقليلٌ ما هم، فهذا كان حال أبي هريرة ، فلا بد من شيءٍ من الجهد والعناء.تمنيت أن تمسي فقيهاً مناظراًبغير عناء والجنون فنونوليس اكتساب المال دون مشقةٍتلقيتها فالعلم كيف يكونإذا أردت أن تحصل مالاً فلابد أن تبذل مشقة وعناء وتعباً، والعرق يتصبب منك، ولذلك إذا ما سهر الإنسان في الليل وتعب في النهار فإنه لا يحصل هذا العلم، هذا ميراث الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، فلا يستطاع براحة الجسد، لا بد له من جد واجتهاد، وهذا حال أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه.إذاً كان حافظاً عالماً، هذا مما فيه من الخصال التي تبين مكانته.
عبادة أبي هريرة رضي الله عنه
الخصلة الثانية: كان عابداً ولا بد من هذين الأمرين ليفوز الإنسان، أن يكون عنده علمٌ نافع، وأن يبرز فيه، وعملٌ صالح، وأن يتقن العمل، وعلمٌ بلا عمل لا خير فيه.انظروا إلى عبادته رضي الله عنه وأرضاه، والله جل وعلا أعلم حيث يجعل رسالته: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج:75]، وهو الذي يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [القصص:68]، ولا يختار إلا من كان قابلاً للاختيار، فلذلك اصطفى الله جل وعلا أبا هريرة لهذا الأمر وفضله على غيره بما كان يقوم به من جد على العلم، ثم بعد ذلك ما كان عليه من عبادة وحسن معاملة مع الله جل وعلا.
 كثرة ذكره لله وتسبيحه
أبو هريرة رضي الله عنه كما في الحلية وفي طبقات ابن سعد بسندٍ صحيح، كان يسبح في كل يومٍ وليلة اثنتي عشرة ألف تسبيحة، يذكر ربه جل وعلا ويسبحه بمختلف الصيغ اثنتي عشرة ألف تسبيحة، وهذا أمرٌ عظيم، فمع علمه ومع عبادته يقوم بهذا، فالله جل وعلا يبارك له في الوقت، وفي كتاب الحلية والبداية والنهاية لـابن كثير في الجزء الثامن صفحة مائة واثنتي عشرة، قال: كان لـأبي هريرة رضي الله عنه خيطٌ فيه ألفا عقدة، فكان يسبح به رضي الله عنه.وموضوع التسبيح بخيطٍ فيه عقد أو بسبحة أو بخرز أو بما شاكل هذا، كلمة الفصل أنه لا حرج في ذلك؛ لأن هذا من باب ما يستعان به على ضبط عدد الذكر إذا لم يقصد المسبح استعمال السبحة أو الخيط الذي فيه العقد الرياء، وقد ثبت عن عددٍ من سلفنا من الصحابة ومن بعدهم التسبيح بالخرز والحصى وبخيطٍ يعقد فيه عقد، فهذا عن أبي هريرة ثابت، وفي كتاب الزهد للإمام أحمد قال: كان لـأبي الدرداء نوىً من العجوة في كيسه، وهو نوى التمر، وكان إذا صلى الغداة صلاة الفجر أقعى على فراشه، والإقعاء يفسر بأمرين عند اللغويين وعند علماء الشرع، أما عند اللغويين فالمراد من الإقعاء: أن يجلس على إليتيه وأن ينصب ساقيه، فإذا صلى الغداة أقعى على فراشه فأخذ الكيس فأخرجهن واحدةً واحدةً يسبح بهن، فإذا نفدن أعادهن واحدةً واحدةً، كل ذلك يسبح بهن، حتى تأتيه أم الدرداء فتقول: إن غداءك قد حضر، فربما قال لها: إني صائم، أي: في بعض الأيام، وهذا معنى إقعاء الناس عند أهل اللغة.وأما الفقهاء فعندهم الإقعاء يختلف عن تفسير اللغويين، فالإقعاء عندهم: أن يجلس على إليتيه، أي: أن يجعل إليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهذا الإقعاء جائز، وهو من السنة كما ثبت هذا في صحيح مسلم ، عن ابن عباس ، أما الإقعاء الثاني فمنهيٌ عنه في الصلاة: أن يجلس على إليتيه وينصب ساقيه إقعاء كإقعاء الكلب، وأما الجلسة الثانية: أن يضع إليتيه على عقبيه منصوبتين بين السجدتين، فهذا ثابتٌ، ولو فعله الإنسان لا حرج عليه.ولذلك ثبت في صحيح مسلم عن طاوس قال: قلنا لـابن عباس : في الإقعاء على القدمين، أي: أن يضع إليتيه على عقبيه بين السجدتين، فقال: هي السنة، فقلنا: إنا لنراه جفاءً بالرجل، قال: بل هي سنة نبيك صلى الله عليه وسلم، فهذا ليس من الجفاء، فهو واردٌ عن النبي عليه الصلاة والسلام، فالإقعاء في الصلاة بهذه الشاكلة جائز.وأما الإقعاء بأن يجلس على إليتيه وينصب ساقيه، فهذا منهيٌ عنه، وورد في أحاديث ضعيفة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (يا علي ! لا تقعي إقعاء الكلب)، أي: في الصلاة، وأما في غير الصلاة فهو جائز، فقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام يجلس في كثيرٍ من الأحيان مقعياً، أي: ينصب ساقيه ويجلس على إليتيه، ففي صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مقعياً يأكل تمراً)، هذا فيما يتعلق بموضوع التسبيح بالخرز أو بالسبحة أو بما شاكل هذا.يقول الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء الثاني والعشرين في صفحة خمسمائة وستة: وأما التسبيح بما يجعل في نظامٍ من الخرز ونحوه فمن الناس من كرهه، ومنهم من لم يكرهه، يقول: وإذا حسنت النية فيه فهو حسنٌ غير مكروه، وقلنا: النية أنه يقصد ضبط عدد الذكر، لا رياء، ولا لعباً بهذه السبحة كما يفعل الناس، وأما اتخاذه من غير حاجة، أي: إظهاره للناس مثل تعليقه في العنق، أو جعله كالسوار في اليد، فهذا إما رياء أو مظنة الرياء، وهو منهيٌ عنه، وأما إذا اتخذ سبحةً أو خيطاً فيه عقد أو نوع من التمر ليسبح بها، فلا حرج في ذلك إن شاء الله، ونقل هذا عن الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم، ففي البداية والنهاية والحلية: كان لـأبي هريرة خيطٌ فيه ألفا عقدة، فكان يسبح بهذا الخيط رضي الله عنه. هذا فيما يتعلق بعبادته، وبعمله بعلمه رضي الله عنه وأرضاه.
صور من أحوال أبي هريرة وأقواله
قبل أن ننتقل إلى بيان من خرج الحديث، ولمحة من أحواله أحب أن أتكلم على صورةٍ أيضاً من أحوال أبي هريرة رضي الله عنه لنعطر المجلس بشيءٍ من أخباره، فقد كان سلفنا عليهم رحمة الله يقولون كما نقل هذا عن سفيان بن عيينة وغيره: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، فنعطر المجلس بأخبار هذا الصحابي الطاهر الذي هو أكثر الصحابة روايةً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم. ‏
 من أقوال أبي هريرة رضي الله عنه
والأمر الثالث ما يتعلق بأقوال أبي هريرة رضي الله عنه، شيءٌ من أقواله الشديدة، وعباراته المحكمة الرشيدة، كان يقول كما في حلية الأولياء: هذه الكناسة -أي: المزابل- مهلكة دنياكم وآخرتكم، أي: هذه هي المكان الذي تهلكون فيه الدنيا، تجمعون الفلوس، ثم تصير إلى المزابل، لو كان هلاك الدنيا لكان يسيراً، إنما أيضاً هلاك الآخرة، فهذه الكناسة يئول إليها الطعام، فتدعوكم للدخول في الحرام، ولعدم المحافظة على تقوى الرحمن، ولتحصيل المال من أي طريقٍ كان.نسأل الله جل وعلا أن يبصرنا بعواقب أمورنا، فلينظر الإنسان ويتأمل طعامه وشرابه إلى أي شيءٍ يصير.وصل اللهم على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , حياة أبي هريرة للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net