اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , آداب الزيارة في الله [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


آداب الزيارة في الله [1] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
من النعم التي امتن الله بها على الإنسان نعمة السكن، والذي إليه يأوي وفيه يستريح، وإذا فقد الإنسان هذه النعمة نغصت عليه حياته وأصيب بالشقاء والاضطراب، وقد جعل الله لهذه البيوت منزلة عظيمة وشرع لها آداباً لا ينبغي مجاوزتها، فينبغي أن يأمن أهل هذه البيوت؛ فلا يدخل عليهم فيها إلا بإذنهم، ولا يتجسس عليهم فيها، ولا يعتدى عليهم.
من الأسباب الداعية إلى الكلام عن آداب الزيارة في الله أن سكنى البيوت نعمة تستحق الشكر
الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنةً وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3]. وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]. أما بعد: معشر الإخوة الكرام! إن الحديث الذي سنتدارسه في هذه الليلة المباركة بإذن ربنا الرحمن يدور حول آداب الزيارة في الله، وهذا الموضوع الجليل دعاني إلى الحديث عنه أمران أذكرهما، ثم أمهد للكلام على آداب الزيارة بلمحة موجزة من سرد بعض الآثار التي تحرضنا وتحثنا على الزيارة في الله، ثم أستعرض آداب الزيارة في الله وأجملها في أدبين: الأدب الأول: في كيفية الاستئذان، ويدخل تحته سبعة أمور. والأدب الثاني: في أدب عام ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في الزيارة عندما يزور أخاه في الله، وتحته ثلاثة أمور، وبذلك تكون آداب الزيارة عشرةٌ كاملة، نسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنة. إخوتي الكرام! أما الأسباب التي دعتني للكلام على هذا الموضوع فأبرزها سببان: السبب الأول: لنشكر الله جل وعلا على ما كرمنا به وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً، فهذه البيوت التي منّ الله بها علينا هي مما خص الله به بني آدم، يسكنون البيوت ويتملكونها، ولا يجوز لأحد أن يطلع عليهم فيها إلا بإذنهم، وهذا لا يكون لمخلوق من المخلوقات. قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء:70]، والحمد لله الذي كرمنا بالإسلام وهدانا للإيمان، ومنّ علينا بنبينا محمدٍ عليه الصلاة والسلام.
 تعمير البيوت بذكر الله
البيت سكن واستقرار، وبعض الناس لا يريد أن يجلس فيه لحظة، لم يا عبد الله؟ هذا بيت له شأن عظيم لا يفضله إلا بيت رب العالمين، تجلس فيه، ماذا تريد من المتنزهات التي يقول لي بعض الإخوة: يا شيخ والله من رآها قال: لعل من فيها لا يؤمنون بأنه يوجد هناك شيء اسمه الموت، أو شيء اسمه يوم القيامة. من ذهب للمتنزهات يقول: لا يوجد لا موت ولا يوم القيامة، والخيمة مربوطة بالخيمة، وكأنهم في مناسك الحج في منىً وعرفات، هذا حال المسلمين فليسعك بيتك، فهو جنة. وقد نقل الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله في مجموع الفتاوى في عدد من الصفحات في كتابه في الجزء العاشر في صفحة أربعمائة وخمسة وستين وأربعمائة وستةٍ وستين، عن إمام التابعين طاوس رضي الله عنه أنه قال: نعم صومعة الرجل بيته، هذه صومعة مباركة يكف فيه سمعه وبصره، لا يرى ما حرم الله، فلا يسمع ما حرم الله. إذاً النجاة أن تمسك لسانك، وأن يسعك بيتك، وأن تبكي على خطيئتك. وثبت في معجم الطبراني الأوسط ومعجم الطبراني الصغير بسند حسن عن ثوبان مولى نبينا عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( طوبى لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته )، وطوبى أي: هنيئاً له وسعادة ومستقره الجنة ( لمن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته ). وقد حرضنا نبينا صلى الله عليه وسلم على ملازمة البيوت وعلى عدم الخروج منها إلا لمصلحةٍ شرعية، ففي معجم الطبراني الكبير عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليسعه بيته، وليبك على خطيئته، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً ليغنم، وليسكت عن شرٍ ليسلم )، إذا كنت تؤمن بالله فليسعك بيتك، هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم. عباد الله! وهذا البيت إذا حصل فيه ذكر للرحمن فهو جنة معدة للإنسان في هذه الحياة، ثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( مثل البيت الذي يذكر فيه الله والبيت الذي لا يذكر فيه الله كمثل الحي والميت )، بيتٌ يذكر فيه رب العالمين هذا كالحي، بيت لا يذكر فيه رب العالمين فهذا ميت، ولذلك اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم من سعادة الإنسان أن يكون عنده بيت، وهذا البيت يقيم فيه شريعة الله، ومن شقاوة الإنسان ومن الشؤم في هذه الحياة: أن يحصل عنده بيت يتأذى في هذا البيت بمعصية تجري حول هذا البيت، والحديث ثابت عن نبينا صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين وغيرهما والحديث رواه مالك في موطئه عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن كان الشؤم ففي ثلاث: في المرأة، والفرس، والدار )، شؤم المرأة: أن تكون خبيثةً لا تحفظ لسانها ولا عفافها، وشؤم المركب.. الفرس: أن لا تكون مسرعةً، وأن لا تنقاد لرغباته، السيارة يركبها الإنسان في الذهاب تخرب معه، في الإياب تخرب معه، لو مشى على رجليه لكان أحسن، ويركب دابة فتطرحه وتضربه برجليها ولو مشى على رجليه لكان أحسن، وهكذا الدار دار من فوقه يعصى الله.. يزمر ويغني، ومن بجواره يعصي الله، ومن تحته يعصي الله، فهذه جهنم، أنت تعيش في وسط جهنم: ( إن كان الشؤم ففي ثلاث: في المرأة، والفرس، والدار )، والحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه والنسائي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن يكن الشؤم ففي الربع -وهي الأرض- والخادم والفرس ).إخوتي الكرام! والحديث صحيح، وتوجيهه كما ذكرت، وقد أثر عن أمنا عائشة رضي الله عنها اعتراض على هذا الحديث، فالحديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن نبينا صلى الله عليه وسلم أيضاً، مع من تقدم من سهل وجابر ، والحديث مروي عن أبي هريرة كما عند أبي داود الطيالسي ، فلما ذكر لأمنا عائشة رضي الله عنهم أجمعين قالت: وهم أبو هريرة إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اليهود يقولون: الشؤم في ثلاث: في المرأة والفرس والدار )، فما سمع أبو هريرة أول الكلام ونسب الكلام إلى نبينا عليه الصلاة والسلام. وثبت عنها مثل هذا الاعتراف في مسند الإمام أحمد وصحيح ابن خزيمة ، وروي عنها الرجوع عن ذلك، وعلى كل حال فالحديث في الصحيحين وغيرهما، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وقد تقدم توجيه الحديث، فإذا كان البيت سكناً للإنسان ويحصل فيه الأمن ويعمر بذكر الله وجيرانه من الصالحين فهنيئاً له. ولذلك ثبت في مسند الإمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، والحديث ذكره الحافظ في الفتح مستشهداً به وسكت عليه فلا ينزل عن درجة الحسن، لكن قال الشيخ: أحمد شاكر عليه رحمة الله في التعليق على المسند: إسناده ضعيف، ولعل الحافظ سكت عليه لشواهده فهو حسن عنده. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من سعادة ابن آدم: المركب الهنيء، والمرأة الهنيئة الطيبة المطيعة، والمسكن الهنيء، ومن شقاوة ابن آدم: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء ). إخوتي الكرام! هذا الأمر الأول والسبب الأول: البيوت لها منزلة ولها حصانة.
من الأسباب الداعية إلى الكلام عن آداب الزيارة في الله خروج كثير من الزيارات عن القواعد الشرعية
الأمر الثاني والسبب الثاني: نحن في وقت كثرت فيه الزيارات -كما يقال: جنونية- وخرج الناس في زياراتهم عن القواعد الشرعية، فلذلك لابد من تذكير نفسي وإخواني بهذا الأمر لنسير فيه على حسب شريعة الله المطهرة.إخوتي الكرام! أذكر لكم حادثة جرت معي من قريب وما أكثر تكررها ويقع قريب منها عليّ وعلى المسلمين في أيام كثيرة وفي أوقات متصلة، وحقيقة يتأذى منها الإنسان، ويعلم الله عندما أريد أن أذكر بعض هذه الحوادث كأنني أقطع شيئاً من كبدي، ولكن كما قال الله: إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [الأحزاب:53]، فلابد من بيان الحكم الشرعي دون أن أذكر واحداً من خلق الله على وجه الخصوص: صليت مرّة الفجر فجاءني بعض الإخوة فجلسوا إلى قبيل الساعة التاسعة بل زيادة عليها، وكان يوم جمعة، فخرجت وتهيأت لصلاة الجمعة وذهبت وصليت، فجاء أناس وجلسوا يعلم الله ما خرجوا إلا عند أذان العصر، فصليت العصر فجاء فوجٌ جديد وجلسوا إلى المغرب، وصليت المغرب وأنت تعلم يا رب أن هذا الذي وقع، فجاء فوجٌ رابع جلسوا إلى العشاء، وصليت العشاء ودخلت البيت، فطرق الباب مرات فما رددت على أحد، وقلت: يا رب! أنت أعلم بعذري، وأنت أولى بقبول العذر، الزيارات إذا حصلت إلى هذا الحد فسنتكلم على حكمها، وعلى وضعها، في مضيعة للإنسان، ومهلكة له، لذلك لابد من ضبط هذه الزيارات، ولنعلم كيف تقع وعلى أي شاكلة تقع.
 الأمر الخامس: تفرغ الإنسان للأنس بالله
الأمر الخامس الذي يدعونا لقلة الزيارات عدا عما تقدم: أن في ذلك سلامة للإنسان، وينبغي أن يحرص عليه الإنسان أن يأنس بالله، إذا كانت جميع أيامك مع فلان وفلان متى ستأنس بربك الرحمن؟ ووالله أعرف بعض طلبة العلم كثرة الزيارات ألهته عن حزبه في القرآن، حزبه من كتاب الله لا يقرأه وما عاد يستطيع، ولذلك يقول الإمام ابن الجوزي في لفتة الكبد إلى نصيحة الولد، يقول: جاء بعض الناس إلى بعض الصالحين فزاروه، فقالوا: لعلنا أشغلناك؟ قال: نعم، كنت أقرأ كتاب الله فأشغلتموني عنه، هذه هي الصراحة، لا داعي بعد ذلك للمواربة وللمداهنة كما هي في هذه الأيام، فلابد إذاً لكل واحد منا أن يروض نفسه على الأُنس بربه سبحانه وتعالى.هذا مالك بن مغول من رجال الكتب الستة ثقة فقيه عابد، يقول عنه الذهبي : كان من سادة العلماء، قيل له: ألا تستوحش؟ وكان يلازم بيته، فقال: وهل يستوحش من كان مع الله هو جليس من ذكره؟ إذا ذكرت الله فجليسك رب العالمين، فاصرف نظرك عن المخلوقين، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128]، معية رعاية وتوفيق وتأييد ونصر، معية خاصة بهؤلاء العباد الأتقياء، وهل يستوحش من كان الله معه؟! وكان سميه مالك بن دينار ، ومالك بن مغول توفي سنة مائة وتسع وخمسين، ومالك بن دينار توفي سنة مائة وثلاثين، الأول يكنى: بـأبي عبد الله ، والثاني: بـأبي يحيى مالك بن دينار ، والثاني أخرج له البخاري في الصحيح تعليقاً، وهو من رجال السنن الأربعة، يقول مالك بن دينار عليه رحمة العزيز الغفار: من لم يأنس بمحادثة الله عن عباده فقد قلّ علمه، وضعف رأيه، وعمي قلبه، وضاع زمانه. الأُنس بالله لا يحويه بطالوليس يدركه بالحول محتالوالعارفون أناس كلهم نجبوكلهم صفوة لله عمالالأُنس بالله لا بد منه.. أن تأنس بالله عن محادثة المخلوقين، أن تأنس برب العالمين سبحانه وتعالى، فمن لم يأنس بمحادثة الله عن محادثة المخلوقين عمي قلبه، قلّ علمه، ضعف رأيه. وهكذا كان أئمتنا عليهم رحمة الله يسيرون على هذا المسلك، جاء رجل لـسهل بن عبد الله التستري فقال: أريد أن أزورك وأن أصاحبك، فقال: إذا مات أحدنا فمن سيصحب؟ أي: الآخر من سيصحب؟ قال: الله، قال: فليصحبه الآن، اصحب ربك وأنا مع ربي وانتهى الجدال، فلا داعي لكثرة الزيارات وضياع الأوقات.
أصناف الناس
يا عباد الله! هذا الأمر لابد من وعيه في هذه الأيام، الإقلال من الزيارات والاعتذار عنها لهذه الأمور الخمسة، ولنعلم إخوتي الكرام أن الناس ينقسمون لأربعة أقسام لا رابع لها، فلنكن على بصيرة، منها: أعداء، معارف، أصدقاء، إخوة أوفياء، أما المرتبة الرابعة والصنف الرابع فلا تبحث عنه، ولا تحلم فيه، ولا تطمع به، يقول الإمام ابن الجوزي عليه رحمة الله في صيد الخاطر: هذا الصنف قد نسخ من زمن فلا نطمع فيه. أخ هذا لا يوجد، أخ هذا قد انتهى، هذا نسخ كالحكم المنسوخ لا يجوز العمل به، وأما الصديق يقول: قلّ أن تجد في الناس صديقاً، وأكثر الناس معارف بل أكثرهم أعداء.إن أخاك الحق من كان معكومن يضر نفسه لينفعكومن إذا ريب الزمان صدعكشتت فيه شمله ليجمعكأين هذا؟ هذا مضى من زمن، نسخت من زمن، أقول: لا يوجد -وليس في هذا الوقت بل من القرن السادس للهجرة- صديق. نحن نقول: المعارف في هذا الوقت، المعارف يندر وجودهم وأكثرهم أعداء، إذا دخلوا عليك مدحوك وتملقوك، وإذا غابوا عنك بألسنة حداد سلقوك، إذا دخل عليك كان رقيباً، وإذا خرج صار عليك خطيباً، سبحان الله! هذا ليس من المعارف، المعارف بينك وبينه معرفة تسلم عليه ويسلم عليك، وكل واحد يدعو للآخر في حال الغيب، أما يسلم عليك وإذا قفيت عنه شتمك ووقع في عرضك، وتكلم على زوجتك، وعاب أولادك، فهذا عدو. هؤلاء أعداء، ولذلك أكثر الناس الآن أعداء ليسوا في صورة معارف ولا أصدقاء، بل في صورة إخوة أوفياء، أخ وهو أخبث في عداوته من فرعون ومن الشيطان الرجيم، والأخوة نسخت، ومرتبة الصداقة من القرن السادس يندر وجودها، والمعارف في زمننا يندرون، وما بقيت إلا الأعداء الذين يداهنون لأوليائهم، يداهنون لأنفسهم، ليدفع معور عن معور، أعداء، هذا حال الناس في هذه الأيام، ولذلك جاء رجل لـسفيان الثوري -والأثر عنه ثابت في كتاب العزلة صفحة سبع وخمسين- فقال: يا أبا عبد الله ! أريد أن ترشدني إلى أخ أجالسه وأصحبه؟ قال: ضالة لا توجد، هذا انتهى.نعم، يوجد في زمننا وفي الأزمنة المتقدمة إخوان في العلانية أعداء في السر، قد ثبت عن أبي عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه قال: كنا نتحدث أنه سيأتي على الناس زمان يكونون فيه إخوان في العلانية أعداء في السر. في العلانية إخوان، لكن إذا خلا واحد مع غيره تكلم على صاحبه الذي كان يدعي أخوته. يقول الإمام أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد وقد نعته الذهبي : بشيخ الإسلام، وتوفي سنة خمسٍ وستمائة، وحضر مجلسه في مصر صلاح الدين الأيوبي وأخوه الملك العابد ، فلما جرى من صلاح الدين مع أخيه الملك العابد مكالمة في مسألة في مجلس أبي طاهر صاح بأعلى صوته في السلطان صلاح الدين وقال: اسكتا أنتما في حديث نبينا صلى الله عليه وسلم، تسمعان الحديث وتتكلمان؟ فكست صلاح الدين وأخوه الملك العابد ، يقول هذا العبد الصالح كما نقل عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: كم جلت طولاً وعرضاًوجلت أرضاً فأرضا فما ظفرت بخلٍّمن غير غلٍّ فأرضى خل: خليل، من غير غلّ: حقد ومكر، هذا لا يوجد. كم جلت طولاً وعرضاًوجبت -أي: سافرت- أرضاً فأرضا فما ظفرت بخلٍّمن غير غلٍّ فأرضى ولذلك كان أئمتنا يخبرون عن هذه الحقيقة فيقولون: سمعنا بالصدوق ولا نراه، وهذه مرتبة الصداقة الثالثة: سمعنا بالصديق ولا نراهعلى التحقيق يوجد في الأنام وأحسبه محالاً نمقوهعلى وجه المجاز من الكلاملذلك لا يوجد من الصديق إلا الاسم، اسم على غير مسمى، وإذا سمعت بصدوق صدق فلا تصدق. إياك أن تغتر أو تخدعك بارقةمن ذي خداع يري بشراً وألفاظا فلو قلبت جميع الأرض قاطبةوسرت في الأرض أوساطاً وأطرافالما رأيت فيها أخاً صالحاً أبداًولا صديقاً يمنع الصدق إنصافا هذا ذهب من أزمنة طويلة، فإذا كان الأمر كذلك أخي الكريم فانتبه لزيارتك، وانتبه لمن تزور، وحافظ على وقتك، واتق الله ربك.
 الأمر الخامس: تفرغ الإنسان للأنس بالله
الأمر الخامس الذي يدعونا لقلة الزيارات عدا عما تقدم: أن في ذلك سلامة للإنسان، وينبغي أن يحرص عليه الإنسان أن يأنس بالله، إذا كانت جميع أيامك مع فلان وفلان متى ستأنس بربك الرحمن؟ ووالله أعرف بعض طلبة العلم كثرة الزيارات ألهته عن حزبه في القرآن، حزبه من كتاب الله لا يقرأه وما عاد يستطيع، ولذلك يقول الإمام ابن الجوزي في لفتة الكبد إلى نصيحة الولد، يقول: جاء بعض الناس إلى بعض الصالحين فزاروه، فقالوا: لعلنا أشغلناك؟ قال: نعم، كنت أقرأ كتاب الله فأشغلتموني عنه، هذه هي الصراحة، لا داعي بعد ذلك للمواربة وللمداهنة كما هي في هذه الأيام، فلابد إذاً لكل واحد منا أن يروض نفسه على الأُنس بربه سبحانه وتعالى.هذا مالك بن مغول من رجال الكتب الستة ثقة فقيه عابد، يقول عنه الذهبي : كان من سادة العلماء، قيل له: ألا تستوحش؟ وكان يلازم بيته، فقال: وهل يستوحش من كان مع الله هو جليس من ذكره؟ إذا ذكرت الله فجليسك رب العالمين، فاصرف نظرك عن المخلوقين، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128]، معية رعاية وتوفيق وتأييد ونصر، معية خاصة بهؤلاء العباد الأتقياء، وهل يستوحش من كان الله معه؟! وكان سميه مالك بن دينار ، ومالك بن مغول توفي سنة مائة وتسع وخمسين، ومالك بن دينار توفي سنة مائة وثلاثين، الأول يكنى: بـأبي عبد الله ، والثاني: بـأبي يحيى مالك بن دينار ، والثاني أخرج له البخاري في الصحيح تعليقاً، وهو من رجال السنن الأربعة، يقول مالك بن دينار عليه رحمة العزيز الغفار: من لم يأنس بمحادثة الله عن عباده فقد قلّ علمه، وضعف رأيه، وعمي قلبه، وضاع زمانه. الأُنس بالله لا يحويه بطالوليس يدركه بالحول محتالوالعارفون أناس كلهم نجبوكلهم صفوة لله عمالالأُنس بالله لا بد منه.. أن تأنس بالله عن محادثة المخلوقين، أن تأنس برب العالمين سبحانه وتعالى، فمن لم يأنس بمحادثة الله عن محادثة المخلوقين عمي قلبه، قلّ علمه، ضعف رأيه. وهكذا كان أئمتنا عليهم رحمة الله يسيرون على هذا المسلك، جاء رجل لـسهل بن عبد الله التستري فقال: أريد أن أزورك وأن أصاحبك، فقال: إذا مات أحدنا فمن سيصحب؟ أي: الآخر من سيصحب؟ قال: الله، قال: فليصحبه الآن، اصحب ربك وأنا مع ربي وانتهى الجدال، فلا داعي لكثرة الزيارات وضياع الأوقات.
فضل الزيارة وبيان أنواعها
أما فضل الزيارة إخوتي الكرام! فإن ما تقدم من تحذير عن الزيارات التي لا تكون على الوجه الشرعي، ولا يدعونا إلى أن نزهد في الزيارة الشرعية، لا ثم لا، وقد حثنا نبينا صلى الله عليه وسلم على الزيارة في الله، والزيارة في الله لها شأن عظيم، ولها درجات ومراتب، وتتعدد أحوالها، فإما أن تكون هذه الزيارة لزيارة أخٍ في الله ليس بينك وبينه قرابة، لما بينك وبينه من الأخوة وهي رابطة الإيمان، وإما لأنه صاحب فضل من الدين أو قريب، فتزوره لهذا، تقصد بذلك إرضاء الله والثواب عنده، وإما لأنه مسلم ترى عليه مرض. هناك أمورٌ خاصة تستدعي الزيارة، وقد حثنا نبينا صلى الله عليه وسلم على هذه الزيارات بأنواعها.
 النوع الثالث: زيارة المريض
وهناك زيارة أيضاً يؤمر بها، ولها أجر عظيم: زيارة المريض من المسلمين، ثبت في صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد وسنن الترمذي عن ثوبان رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة -في خرفة بالخاء- حتى يرجع، قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! وما خرفة الجنة؟ قال: جناها )، أي: ثمارها ونعيمها، أي: لم يزل في نعيم الجنة، وهذا يكتب له، وسيؤدي به إلى نعيمها حتى يرجع، ثواب متصل يتنعم به عند الله: ( إن المسلم إذا زار أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع ). وثبت في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي وابن ماجه وصحيح ابن حبان عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( من عاد مريضاً )، والحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( من عاد مريضاً أو زار أخاً له في الله ناداه مناد: -أي: ملك من السماء- طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً )، وفي رواية ابن حبان : ( ناداه الله: طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً ). وقد حذرنا نبينا صلى الله عليه وسلم من التفريط بزيارة مرضى المسلمين، ففي مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( يقول الله تعالى يوم القيامة لابن آدم: يا ابن آدم ! مرضت فلم تعدني، يقول: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! يقول: أما علمت أن عبدي فلان مرض فلو عدته لوجدتني عنده، عبدي! استطعمتك فلم تطعمني! يقول: يا رب! كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ يقول: أما علمت أن عبدي فلان استطعمك فلم تطعمه، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي، عبدي استسقيتك فلم تسقني! يقول: كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! يقول: أما علمت أن عبدي فلاناً استسقاك فلم تسقه، فلو سقيته لوجدت ذلك عندي )، وهذا هو الحب الحقيقي الذي يحب الله به عباده، يحبنا لا من أجل غرض، فلا ينتفع بطاعاتنا، ولا يتضرر بمعاصينا، ثم يخلص لنا الحب غاية الإخلاص، فما يؤذينا يؤذيه، وما يرضينا يرضيه إذا كنا مؤمنين، ومن عادانا يعاديه ربنا، ومن عاد ولياً لله فقد آذنه الله بالحرب، وبارز الله بالمحاربة، هذه هي المحبة الحقيقة، وهذا هو الحب الحقيقي، يحبنا لا لغرض على وجه الإخلاص والتمام، ولذلك ما يحبه المؤمن يحبه الله، وما يكرهه المؤمن يكرهه الله، ولما كان المؤمن يكره الموت كره الله له الموت، ولما كان الموت فيه فوائد للمؤمن في العاجل والآجل أحب الله الموت للمؤمن بما يترتب للمؤمن من فوائد وخيرات لحصول الموت، فاجتمع الأمران في ربنا نحو الموت، يحب الموت لما فيه من مصلحة للمؤمن، ويكره الموت تبعاً لمحبة المحبوب، فإذا كان الله يحبنا ينزل نفسه منزلتنا، ما نحب يحب، وما نكره يكره، وهذا أشار إليه نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في صحيح البخاري وغيره الذي يقول في أوله عليه الصلاة والسلام ( قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولأن سألني لأعطينه، ولأن استعاذتي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ) هذا التردد في ربنا جل وعلا، والتردد تقابل الإرادتين، وتقابلتا في رب الكونين نحو صفة الموت ( وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته )، إذا كان الله يكره مساءة المؤمن إذاً يكره الموت، ثم قال الله: ( ولابد له منه )، لابد من الموت ليتخلص من عناء الدنيا وليحظى بلقاء رب العالمين في جنات النعيم، فالموت محبوب لله من وجه بما فيه من مصلحة للمؤمن، ومكروه لله من وجه بما فيه؛ فيكرهه تبعاً لكراهية المؤمن له، فغلب الله ما فيه نفع للمؤمن، وهو لابد له منه ليخلص من عناء الدنيا وشقائها، ولينعم برضوان الله، والتلذذ بالنظر إلى وجهه الكريم في جنات النعيم، ولابد منه، فإذا صدق ربنا في محبتك واتصف بهذه الصفة نحوك، فاستحيي من الله أيها المؤمن، فوال من والاه، وعاد من عاداه على وجه التمام. إذا كان الله يكره من تكرهه أنت، فاكره من يكرهه ربك، إذا كره الله شيئاً اكرهه تبعاً له، كما أنه يكره ما تكرهه أنت تبعاً لك، هذا هو ما تقتضيه المحبة، ولا توجد محبة في التمام إلا في ربنا جل جلاله، وأما محبة من عداه ففيها شوائب، وفيها خلط، وفيها مصلحة، لكن محبة الله لعباده المؤمنين لا لمصلحة تعود عليه، فهي محبة تامة لا يشوبها نقص بوجه من الوجوه، وهنا كذلك إذا مرض العبد المؤمن وما زرته يعاتبك رب العالمين، يقول: ( مرضت فلم تعدني! فيقول العبد: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! فيقول الله: مرض عبدي فلان فلو عدته لوجدتني عنده )؛ لأن الله مع عباده المؤمنين، ومع عباده الطيبين، وهذا إذا مرض يكثر من اللجوء إلى الله جل وعلا في كل نفس، فلتكن إذاً عيادتك للمريض مشروعة، وحاصلة تريد بذلك وجه الله جل وعلا.هذا فيما يتعلق إخوتي الكرام بالتمهيد في فضل الزيارة في الله، في أخوة المؤمنين، في الأرحام والأقارب، في من يصاب بأمر خاص من المؤمنين كما لو حصل له مرض أو غير ذلك، وأنواع الزيارات في الله كثيرة أقتصر على هذا المقدار منها، وأما آداب الاستئذان وهي التي سنجملها في أمرين، ونفصلها في عشرة أمور، نتكلم عليها في الموعظة التالية إن شاء الله. نسأل الله أن يتقبل منا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , آداب الزيارة في الله [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net