اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , إخراج الحقوق المالية للشيخ : عبد الرحيم الطحان


إخراج الحقوق المالية - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
هناك نفقة واجبة يجب على العبد إخراجها وجوباً، وهي: إما زكاة واجبة عليه إذا كان له مال، وإما نفقة واجبة عليه من غير الزكاة، وكلا الأمرين قد ورد الفضل العظيم والأجر الكبير لمن أداهما كما أمر الله تبارك وتعالى، وهذا من فضل الله تعالى ورحمته.
عظم أجر إخراج الزكاة عند الله تعالى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير.اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6].يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3] .وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] .أما بعد: معشر الإخوة المسلمين! أحب البقاع إلى الله جل وعلا وأفضل البقاع في هذه الأرض: المساجد، فهي بيوت الله، وفيها نوره وهداه، وإليها يأوي المؤمنون الموحدون المهتدون، وقد نعت الله جل وعلا من يأوي إلى بيوته بأنهم رجال، ثم وصفهم بأربع خصال: لا تلهيهم الدنيا، ويذكرون الله ويصلون له، ويشفقون على عباد الله ويحسنون إليهم، ثم يستعدون بعد ذلك للقاء ربهم: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ [النور:36-37] .وحديثنا في هذه الموعظة إن شاء الله في صفة من صفات هؤلاء، وهي: النفقة الواجبة. عباد الله! إخراج النفقة الواجبة له أجر عظيم عند رب العالمين، فمن فعل هذا لن يخاف مما يستقبله، ولن يحزن على ما يخلفه، وقد ضمن الله له أجره عنده، كما قرر ربنا جل وعلا هذا في سورة البقرة فقال بعد أن حذر من الربا وزجر عنه: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:276-277] .فمن أعطى الزكاة ودفعها كما أوجب الله وشرعها له أجر عظيم عند رب العالمين، فالتمرة الواحدة يبارك له فيها، وهكذا اللقمة، حتى تكون أكبر من جبل أحد: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [البقرة:62] ، مما يستقبلونه من شدائد ومكروهات، فالله سيتولى أمرهم، ويدخلهم نعيم الجنات، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:38] على ما يخلفونه من مالٍ وأهل وولد، فالله وكيلهم على ذلك، وهو خير الحافظين سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:277] .
 

إخراج الزكاة الواجبة من صفات عباد الله المتقين
لقد ذكر الله جل وعلا في مطلع هذه السورة الكريمة، أعني سورة البقرة: أن من صفات المتقين: أنهم يخرجون الحق الواجب من أموالهم، كما شرع رب العالمين: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة:1-5] .فمن صفات هؤلاء الأخيار: أنهم يخرجون من مالهم ما أوجبه عليهم العزيز الغفار، وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة:3] وهذا شامل لأمرين اثنين، كما ذهب إلى ذلك شيخ المفسرين الإمام الطبري عليه رحمة الله: شامل لإخراج الزكاة الواجبة، وشاملٌ لإخراج النفقة الواجبة على النفس والزوجة والأولاد، ويفهم من كلام الإمام ابن كثير الميل إلى هذا، والآية تشمل ذلك قطعاً وجزماً، لكنها تدل على ما هو أوسع من هذا، كما ذهب إلى ذلك الإمام القرطبي عليه رحمة الله، فالآية تشمل النفقات الواجبة الثلاث: تشمل الزكاة الواجبة ذات النصب المحددة المقدرة، كما تشمل النفقة الواجبة على النفس والأهل والولد، كما تشمل الحق الطارئ على الإنسان في ماله، كما تشمل النفقة المستحبة المندوبة، فعموم اللفظ شامل لجميع هذا: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة:3] من واجبات ومستحبات.
 

إخراج النفقة الواجبة والبذل والعطاء دليل على حب العبد لربه تعالى
عباد الله! وإنما كان لإنفاق المال هذه المنزلة عند ذي العزة والجلال، فله أجر عظيم عند الله، ولا يخاف مما يستقبله، ولا يحزن على ما يخلفه، وهو من عباد الله المتقين، إنما كان الأمر كذلك لأن المال محبوب إلى النفس، فهو محبوب ومرغوب، ومن أجله كره كثير من الناس لقاء علاّم الغيوب، وركنوا إلى هذه الحياة من أجل هذه الدريهمات. وعليه: إخراج هذا المال حقيقة برهان على محبة ذي العزة والجلال، فالإنسان عندما يخرج هذا المال كما شرع ربنا جل وعلا، يبرهن بذلك على محبته لربه جل وعلا، فلا يترك الإنسان محبوباً إلا لما هو أحب عنده لديه، فإذا ترك هذا المال -وهو محبوب عند النفس- دل على أن محبته لله جل وعلا هي المحبة الحقيقية الكاملة، وأما هذا المال فلا يتصرف فيه إلا كما يريد ذو العزة والجلال، والصدقة برهان ذلك، وفيها تزكية لنفس الإنسان، ولذلك إذا أردت أن يرق قلبك، وأن يخشع، وأن تكون محبوباً عند الله جل وعلا فأكثر من هذه الصدقة.ثبت في مسند الإمام أحمد بسند رجاله رجال الصحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه: ( أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه قسوة القلب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ضع يدك على رأس اليتيم، وأطعم المسكين)، والحديث صحيح. إخوتي الكرام! إذا أردت أن يرق قلبك فلاطف اليتيم واحنُ عليه وأشفق عليه، فضع يدك على رأسه براً ومؤانسة وملاطفة، ثم أطعم بعد ذلك المساكين، إذا أرت أن يرق قلبك ضع يدك على رأس اليتيم وأطعم المسكين.
 

الصدقة تطفئ غضب الرب
نعم إخوتي الكرام! إن من يتصدق ويبذل المال في سبيل ذي العزة والجلال، وكما شرع الله جل وعلا، يدفع غضب الله عنه، ويحصل له رضى الله جل وعلا، كما ثبت في سنن الترمذي وصحيح ابن حبان ، والحديث حسن من رواية أنس رضي الله عنه وأرضاه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الصدقة تطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء)، فيذهب غضب الله عنك، ويبتعد غضب الله عنك عندما تتصدق، ويحصل لك رضاه، ثم بعد ذلك تحفظ من ميتة السوء التي تسوؤك في العاجل والآجل.
 

أداء الزكاة سبب لدخول الجنة والفوز بالدرجات العالية
إخوتي الكرام! قد أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن من أسباب دخول الجنة، ومن شروط دخولها إيتاء الزكاة كما شرع الله جل وعلا وأوجب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبين هذا في المواسم العامة الجامعة؛ لأن هذا الأمر شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، وهي إحدى دعائم الإسلام التي يقوم عليها. ففي مسند الإمام أحمد ، وسنن الترمذي ، وصحيح ابن حبان ، ومستدرك الحاكم وإسناد الحديث صحيح، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه وأرضاه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع: (أيها الناس! اتقوا الله، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم)، فأداء الزكاة سبب لدخول الجنة ولحصول رضوان الله، وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم لمن حافظ على الزكاة وغيرها من شعائر الإسلام بأن له أجر الصديقين والشهداء عند رب العالمين.ثبت في سنن النسائي ، وابن ماجه، والحديث رواه ابن خزيمة في صحيحه، وابن حبان في صحيحه أيضاً، والحاكم في مستدركه، وإسناد الحديث صحيح كالشمس، من رواية عمرو بن مرة الجهني رضي الله عنه وأرضاه، قال: جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: (يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأخرجت الزكاة، وصمت رمضان وقمته، أين أنا وممن أكون؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت من الصديقين والشهداء). إذا شهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك صليت الصلوات الخمس، وصمت رمضان وقمته، وأخرجت الزكاة، فأنت من الصديقين والشهداء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرر هذا في أحاديثه الكثيرة، فإذا سئل عليه صلوات الله وسلامه عما يدخل الجنة، وعما يقرب إليها، وعما يكون سبباً لدخولها، كان يبين عليه صلوات الله وسلامه أن إخراج الزكاة سبب لدخول الجنة.ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان). عباد الله! إيتاء الزكاة وإخراجها سبب لدخول جنة الله جل وعلا، وسبب لرضوان الله جل وعلا.والأحاديث في ذلك كثيرة وفيرة، منها: ما ثبت في سنن النسائي ، وصحيح ابن خزيمة ، ومستدرك الحاكم ، وإسناده الحديث الصحيح، من رواية أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أجمعين، قالا: (خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في خطبته عليه صلوات الله وسلامه: والذي نفسي بيده! والذي نفسي بيده! والذي نفسي بيده! ثم أطرق النبي صلى الله عليه وسلم وسكت. قال أبو هريرة وأبو سعيد رضي الله عنهم أجمعين: فأكب كل واحد منا يبكي حزناً على يمين رسول الله صلوات الله وسلامه، وهو على المنبر، ولا ندري على أي شيء حلف عليه صلوات الله وسلامه، ثم رفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه نرى في وجهه البشرى، فقال عليه الصلاة والسلام: ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، وقيل له: ادخل بسلام). إذا صلى الصلوات الخمس، وصام رمضان، وأخرج زكاة ماله، واجتنب بعد ذلك السبع الموبقات: من الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، كما ثبت التنصيص على ذلك من قول خير البريات عليه صلوات الله وسلامه، في المسند والصحيحين من رواية أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين، من فعل هذا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، وقيل له: ادخل بسلام. إخوتي الكرام! هذا فيما يتعلق بإخراج الزكاة الواجبة من فضلٍ عظيم، أوجبها الله علينا، فيها تطهير لنا من رذيلة البخل والتعلق بهذه الدنيا، فيها مواساة لعباد الله، وربط بيننا وبين عباد الله جل وعلا برباط المحبة والود والوئام، فيها بعد ذلك أجر عظيم عند ذي الجلال والإكرام، فسبحانه أعطانا المال، وسبحانه شرع لنا ما يطهرنا من أرذل الخصال، وما يؤلف بين قلوبنا، وسبحانه كيف رتب بعد ذلك أجوراً عظيمة على إخراج هذا المال!
 

فضل إخراج الحقوق الواجبة الطارئة من غير الزكاة
إخوتي الكرام! وكما أن هذا الأجر يقع للإنسان عندما يخرج الزكاة الواجبة، فهذا الأجر أيضاً يحصل له عندما يخرج الحقوق الطارئة الواجبة التي تجب عليه من غير الزكاة أيضاً، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في بيان الفضل العظيم الكثير لمن أخرج هذه الحقوق الطارئة، فإذا وجبت عليه فأجره أعظم، وإذا لم تجب عليه فله أجر أيضاً عظيم، كما سيأتينا في الموعظة الآتية عند بيان فضل النفقة المستحبة المندوبة. ‏
 فضل النفقة على الصغار والبنات
إخوتي الكرام! وإذا كان يؤجر الإنسان على هذه النفقة الواجبة، فإن الأجر يتضاعف عندما يكون المنفق عليهم من الضعاف، كما لو كانوا صغاراً، أو كانوا بناتاً، فلك أجر عظيم عظيم عند رب العالمين.ثبت في مسند الإمام أحمد ، ومسند البزار ، والحديث رواه الطبراني في معجمه الأوسط، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين، ورواه الإمام أحمد في المسند، وابن ماجه في السنن عن عقبة بن عامر رضي الله عنهم أجمعين، وهذا لفظ حديث جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من كن له ثلاث بنات، ويؤويهن، ويرحمهن، ويكفلهن، أوجب الله له الجنة البتة)، أي: قطعاً وجزماً، لا تردد في ذلك، والله أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، (فقال رجلٌ: واثنتان يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: واثنتان. قال جابر : فرأى بعض القوم أن لو قال واحد: وواحدة؟ لقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وواحدة).وأنا أقول لـجابر رضي الله عنه: ورد ما توقعته في روايات أخرى عن نبينا صلى الله عليه وسلم، ففي مستدرك الحاكم بسند صحيح كالشمس، صححه الحاكم وأقره عليه الذهبي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من كن له ثلاث بنات فصبر على ضرائهن، ولأوائهن، أدخله الله الجنة برحمته إياهن، فقال رجل: واثنتان يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: واثنتان، فقال رجل: وواحدة يا رسول الله؟ قال: وواحدة). سبحان الله! النفقة الواجبة على هذه البنت المسكينة، إذا قصرت في النفقة تذم وتعاقب وتلعن، وإذا أنفقت عليها، وقمت بكفالتها ورعايتها، وربيتها كما يريد الله ويحب؛ فهذه المرأة توجب لك الجنة بفضل الله ورحمته.إخوتي الكرام! أقول للذين يريدون أن يزجوا بالبنات والنساء في مجال الحياة، في الأسواق، وفي دور العمل، أقول لهؤلاء: اسمعوا إلى هذين الحديثين الشريفين، إذا كان عندك ما تطعم به هذه المرأة فاتق الله، إننا نطعم أعراضنا لا من عرق جبيننا، والله أننا نطعمها من لحومنا، ونسقيها من دمائنا، ولا تزج بها في الأماكن العامة لتختلط بالرجال، ولتتعرض للابتذال، ولتكون بعد ذلك سلعة رخيصة لكل سائم لا وزن له ولا اعتبار.إخوتي الكرام! المرأة عندنا عرض يصان، جوهرة مكنونة، وعندما تنفق عليها يبارك الله لك في رزقك، ويرزقك من حيث لا تحتسب، ثم لك هذا الأجر العظيم عند رب العالمين، أليس من العار أن تكلف ابنتك أو أختك أو زوجتك من أجل أن تعمل لأجل أن تأكل هي، أو تأكل أنت، أو يأكل من في البيت، وبإمكانك أن تعمل؟! وإذا كان ذاك العمل بالضوابط الشرعية فالأمر فيه هوادة، أما أن تزج بها بعد ذلك في أماكن فيها اختلاط وبلاء، ثم بعد ذلك تقول: إنني محتاج، أي حاجة أيها الإنسان؟ إن الحر يأكل ورق الشجر، إن الحر يلتقط اللقيمات من المزابل ولا يعرض عرضه لهذا الدنس، وهذه الريب، وهذه الشبه. فينبغي -إخوتي الكرام- أن نعي هذه الأمور، وأن نقنع بما قسمه الله لنا، وأن نرضى به، وأن نطيب بعد ذلك نفوسنا لما نخرجه للفقراء والمساكين عن طريق الزكاة الواجبة، وبما نقدمه للمحتاجين عن طريق الحقوق الطارئة، وبما ننفقه على الأهل والأولاد. أسأل الله جل وعلا أن يلهمنا رشدنا، وأن يبصرنا بعواقب أمورنا، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.أقول هذا القول، وأستغفر الله.الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، خير خلق الله أجمعين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً.وارض اللهم عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا، اللهم أكرمنا ولا تهنا، اللهم آثرنا ولا تؤثر علينا، اللهم رضّنا وارض عنا، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، اللهم اغفر ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، اللهم ثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فأنت علينا قادر، اللهم عاملنا بفضلك وإحسانك، وجودك وامتنانك، يا أكرم الأكرمين، ويا أرحم الراحمين.اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.اللهم لا تعاقبنا بما فعل السفهاء منا، وعافنا واعف عنا.اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً.والحمد لله رب العالمين.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: بسم الله الرحمن الرحيم:قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4] .

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , إخراج الحقوق المالية للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net