اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الخوف والرجاء للشيخ : عبد الرحيم الطحان


الخوف والرجاء - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
الحب والخوف والرجاء هي مقامات الإيمان التي يجب أن يُعبد الله تعالى بها جميعاً، والخوف هو المقام الداعي إلى العمل والطاعة، وترك المخالفة والمعصية، فمن خاف من الله تعالى ومن عذابه عمل بما ينجيه منه ويدخل جنته، ولتحصيل الخوف من الله تعالى أسباب عظيمة ينبغي التحلي بها حتى يكون العبد من الخائفين من ربهم في الدنيا، الذين يؤمنهم عنده يوم القيامة.
الحب والخوف والرجاء مقامات الإيمان
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطاهرين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.وبعد:إخوتي الكرام! يقوم الإيمان على كلمتين مختصرتين، وهما: إياك نريد بما تريد، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، وهاتان الكلمتان المختصرتان اللتان يدور عليهما الإيمان بالرحمن، إياك أريد بما تريد، نعبر عنهما بثلاثة أمور هي: حب الله جل وعلا، ورجاؤه، والخوف منه، وقد جمع الله هذه المقامات في آية كريمة في سورة الإسراء، فقال جل وعلا: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء:57]، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ ، أي: يعبدونهم من دون الله، يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ، يطلبون المنزلة عنده لحبهم لله جل وعلا، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ويتصفون بالخوف والرجاء. والآية نزلت كما ثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في أناس من الإنس كانوا يعبدون ناساً من الجن، فأسلم الجن، فأحبوا الله جل وعلا، فرجوه وخافوه، فبقي الإنس على عبادتهم للفريق من الجن، فأنزل الله هذه الآية يعيرهم، أي: يعير المشركين الذين يعبدون الجن من دون رب العالمين، يعيرهم بها: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا [الإسراء:57]. ولا إشكال مطلقاً في قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إن الآية نزلت في فريق من الإنس كانوا يعبدون ناساً من الجن، فلفظ (الناس) كما يطلق على الإنس يطلق على الجن بحسب الاشتقاق اللغوي؛ لأنه مأخوذ من ناس ينوس إذا تحرك، فالجن يتحركون كما يتحرك بنو آدم، أو أنه أطلق عليهم فريقاً من الإنس من باب المفاضلة. وعلى كل حال: فمن اعترض على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله: كانوا يعبدون ناساً من الجن، كما قال الإمام ابن حجر عليه رحمة الله في رده على هذا الاعتراض: يا ليت شعري على من يعترض؟! فهو صحابي جليل، وهو عربي قح، وهذا اللفظ كما يطلق على الإنس يطلق على الجن.وهذه المقامات الثلاثة وهي: حب الله جل وعلا، والخوف منه، ورجاؤه، عليها يكون الإيمان، ولذلك أثر عن إمام أهل الشام مكحول الدمشقي عليه رحمة الله تعالى أنه قال: من عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو صديق، ومن عبده بالحب فقط فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء فقط فهو مرجئي، ومن عبده بالخوف فقط فهو حروري.وقد تقدم بيان معنى كلامه في محاضرات سابقة، فلا معنى للإعادة، فالإيمان يقوم على هذه المقامات الثلاثة: حب الله جل وعلا، ورجاؤه، والخوف منه، والحقيقة أن الخوف والرجاء هما ركنا محبة الرحمن جل وعلا، فمآل الأمر يكون إلى المحبة التامة الكاملة، فمن أحب الله حباً تاماً كاملاً رجاه وخافه؛ لأن المحب يرجو وصال محبوبه، ويخاف من قطيعته وعذابه، فحب بدون خوف وبدون رجاء لا يمكن أن يكون حباً تاماً، فالخوف والرجاء هما ركنا المحبة، وإذا وجدا حصلت المحبة التامة الكاملة في الإنسان، ولذلك قال أبو علي الروذباري ، وهو من الأئمة الصالحين، توفي سنة: (323هـ) عليه رحمة الله تعالى، قال: الخوف والرجاء للإنسان كالجناحين للطائر، إذا استويا وكان كلٌ منهما سليماً استوى طيرانه، فإذا نقص أحدهما نقص الطيران، فإذا فقدا كان الطائر في عداد الموتى. وأبو علي الروذباري من الأئمة الصالحين، ومن طريف كلامه: أنه عندما سئل عمن يستمع الملاهي بحجة أنه وصل إلى حالة لا يؤثر فيه اختلاف الأحوال، ولذلك يباح له استماع هذه الأمور، قال: نعم وصل، ولكن إلى سقر! ومن جليل كلامه وجميله عليه رحمة الله أنه كان يقول: في طلب الدنيا مذلة النفوس، وفي طلب الآخرة عز النفوس، فيا عجباً ثم يا عجباً لمن يؤثر مذلة النفوس في طلب ما يفنى، على عز النفوس في طلب ما يبقى!هذا هو الإمام الصالح يخبرنا عن حقيقة الخوف والرجاء، فيقول: إنهما ضروريان للإيمان كالجناحين للطائر.وأثر عن الحسن البصري عليه رحمة الله كما في الحلية وغير ذلك أنه قال: الخوف والرجاء مطيتا المؤمن. ‏
 متى يغلب الخوف على الرجاء والرجاء على الخوف والحكمة من ذلك
إخوتي الكرام! وإذا كان حال الرجاء والخوف للإنسان بمثابة الجناحين للطائر، فينبغي أن يستويا عند المؤمن ليتم طيرانه إلى ربه جل وعلا، لكن النصوص الشرعية قررت تغليب الخوف على الرجاء مادام الإنسان في حال الأمن والرخاء والصحة، فإذا وصل إلى حالة الموت وحلت به مقدماته، فينبغي أن يغلب الرجاء على الخوف، وهذا لثلاثة أمور:الأمر الأول: أن الخوف كالسوط الباعث على عبادة الله جل وعلا، وكالسوط المانع من معصية الله جل وعلا، وهذا يكون في حال الصحة، وفي حال الأمن، فإذا وصل الإنسان إلى ساعة الاحتضار لا يتصور منه في ذلك الوقت طاعة ولا معصية، فلذلك ينبغي أن يغلب الرجاء على الخوف.والأمر الثاني: إذا غلب الرجاء على الخوف في حال الاحتضار، فإنه يحب لقاء الواحد العزيز الغفار سبحانه وتعالى، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه )، وفي رواية مسلم عن شريح بن هانئ عندما سمع هذا الحديث من أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين، ذهب إلى أمنا عائشة رضي الله عنها، وهو منفطر القلب من الخوف، فقال: لقد سمعت حديثاً من أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، إن كان كما يقول أبو هريرة فقد هلكنا، فقالت أمنا عائشة رضي الله عنها: إن الهالك من هلك بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ذاك؟ فقلت لها: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه )، وكلنا نكره الموت، فقالت: ليس ذلك بكراهية الموت، ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه، أي: في ساعة الاحتضار والسياق والغرغرة؛ أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإن الكافر والفاجر إذا بشر بغضب الله وسخطه كره لقاء الله فكره الله لقاءه، وفي رواية: ولكن ذلك إذا شخص البصر وحشرج الصدر، واقشعر الجلد، وتشنجت -أي: انقبضت- الأصابع، فعند ذلك من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه.والسبب الثالث الذي من أجله ينبغي أن يغلب الإنسان الرجاء على الخوف في حالة الاحتضار: أنه في حالة الاحتضار إذا غلب الرجاء على الخوف يلقى الله جل وعلا وهو حسن الظن به، وقد أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نحسن ظننا ربنا، ففي مسند الإمام أحمد بسند جيد عن واثلة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث القدسي: ( قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء ). وأصل الحديث في الصحيحين من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أنا عند ظن عبدي بي )، وفي رواية المسند زيادة في رواية واثلة : ( فليظن بي ما شاء )، وثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه )، فإذا استحضر رجاء الله جل وعلا في ساعة الاحتضار حسن رجاؤه بالعزيز الغفار، فيعطيه الله جل وعلا بمقدار رجائه وظنه كما أخبر عن نفسه: ( أنا عند ظن عبدي بي ).ولذلك ذكر العلماء في ترجمة سليمان التيمي ، وهو من أئمة التابعين الصالحين عليهم جميعاً رحمة رب العالمين: أنه لما حضره السياق قال لولده ومن حوله: حدثوني بالرخص لعلي ألقى الله وأنا حسن الظن به، ولما احتضر الإمام أحمد عليه رحمة الله قال لأولاده ولمن حضر احتضاره أيضاً: حدثوني بأخبار الرجاء، لعلي ألقى الله وأنا حسن الظن به.
حديث القرآن عن الخوف من الرحمن
عباد الله! وإذا كان الحال في الخوف والرجاء كما قلت: هما متلازمان، وهما كالجناحين للإنسان، فينبغي على المؤمن أن يطير بهما إلى الرحمن، وينبغي أن يغلب الخوف على الرجاء مادام في حال الأمن والصحة، لذلك أرى لزاماً علي أن أبدأ بالكلام عن الخوف، وسأذكر ما يتعلق بهذا الموضوع من عدة جوانب، وبعض الجوانب أرجئ الكلام عليها فيما يتعلق بموضوع الخوف إلى اجتماع آخر إن يسر الله وأعان.والجوانب التي سأتحدث عنها في موضوع الخوف هي: الأول: حديث القرآن عن الخوف.الجانب الثاني: حال نبينا صلى الله عليه وسلم في خوفه من ربه.الجانب الثالث: حال الملائكة الكرام عليهم صلوات الله وسلامه في الخوف من الرحمن.الجانب الرابع: حث النبي صلى الله عليه وسلم لأمته على الخوف من الله جل وعلا.الجانب الخامس: الأسباب الموجبة للخوف من الله جل وعلا.الجانب السادس وبه أختم البحث: نماذج من خوف سلفنا الصالحين من رب العالمين، عليهم رحمة الله تعالى.أما الأمر الأول: وهو حديث القرآن عن الخوف من الرحمن. ‏
 تقرير القرآن أن الإنسان إذا حقق الخوف من الله حصلت له السعادة عاجلاً وآجلاً
إخوتي الكرام! لقد أرشدتنا آيات القرآن إلى أن الإنسان إذا حقق الخوف من الرحمن حصلت له السعادة عاجلاً وآجلاً، قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا [الأنعام:80]، إذا قدر علي الله شيئاً بسبب تفريطي فهو أعلم: وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:80-82]، ومن الشرك: الخوف من غير الله؛ لأن سياق الآيات في الخوف من غير الله: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ [الأنعام:81]، فإذا خفت ما أشركتم وآلهتكم وطواغيتكم فقد أشركت بربي: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82]، بشرك، بخوف من غير ربهم: أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ [الأنعام:82-83].وأما في الآجل فيحصل الخائف من الله جل وعلا رضوان الله، وفي آخر سورة البينة يقول الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة:7-8]، (فرضي الله عنهم ورضوا عنه)، ومآلهم إلى الجنات: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة:8]، وقرر ربنا جل وعلا هذا في سورة الملك تبارك، فقال جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:12]، وأشار إلى هذا ربنا جل وعلا في سورة ق فقال جل وعلا: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:31-35]، وفي سورة الرحمن يقول ذو الجلال والإكرام: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46].
خوف نبينا صلى الله عليه وسلم وخشيته من ربه تعالى
هذا حديث القرآن عن الخوف، وأما حال نبينا عليه الصلاة والسلام -وهو الجانب الثاني من موضوع البحث في الخوف من الله جل وعلا- فهو حال جليل كبير عظيم، فكان هو أخشانا لرب العالمين عليه صلوات الله وسلامه، والكلام ينبغي أن يرتبط بما سبق، فإذا كان الإيمان درجات، فالخوف كذلك، وإذا كان أفضل المؤمنين هم العلماء؛ لأنهم يطلعون على ما لا يطلع عليه غيرهم من صفات الله جل وعلا وأحكامه ولذلك يزداد خوفهم منه، فنبينا عليه الصلاة والسلام هو أعلم الخلق بربه، وهو أخوف الخلق للحق جل وعلا. ففي الصحيحين عن أمنا عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية )، في الحديث الطويل عندما فعل أشياء تنزه عنها بعض الناس، ثم قالوا: أين نحن من النبي عليه الصلاة والسلام؟ إن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال: ( إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية ).وكان عليه صلوات الله وسلامه يظهر عليه أثر الخوف، فهو وإن كان عملاً قلبياً لكن تظهر آثاره على الجوارح، والإنسان يميز الخائف من غيره، فكان لنبينا عليه صلوات الله وسلامه علامات بارزة، تدل على خوفه من الله جل وعلا، ففي مسند الإمام أحمد وسنن النسائي وأبي داود ودلائل الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فسمعت لصدره أزيزاً كأزيز المرجل من خوف الله جل وعلا )، وفي رواية أبي داود : ( أزيزاً كأزيز الرحى )، أي: صوتاً كصوت المرجل، وهي القدر التي تغلي، أو كصوت الرحى وهي الطاحون، يسمع لجوف النبي عليه الصلاة والسلام إذا صلى صوت، خفقان قلبه يخفق من خشية الله كصوت الطاحون التي تطحن الحب. هذا هو حال نبينا عليه الصلاة والسلام، حال خليل الرحمن، وله سبب، ففي سنن الترمذي بسند حسن عن أنس بن مالك رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من قول: اللهم يا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على دينك، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! آمنا بك وصدقناك، فهل تخاف علينا؟ قال: نعم، إن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء )، وفي رواية للترمذي أيضاً عن شهر بن حوشب : أنه دخل على أمنا أم سلمة رضي الله عنها، فقال: أخبريني عن أكثر ما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم في بيته؟ فقالت: كان أكثر دعائه: ( اللهم يا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على دينك )، وما أمن أحدٌ على إيمانه من الاستلاب إلا سلبه. وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام إذا تغيرت الأحوال في هذه الحياة الدنيا يظهر عليه من الخوف ما يقطع القلوب، لعلمه بما يجري من أفعال الله جل وعلا، ففي الصحيحين عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: ( ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى لهواته )، واللهوة: هي اللحمة التي في الحنك الأعلى، إذا قهقه الإنسان تظهر، فما كان النبي عليه الصلاة والسلام يضحك حتى تبدو اللهاة، إنما كان يبتسم.وكان إذا رأى ريحاً أو غيماً عرف في وجهه الكراهية، وفي رواية مسلم : ( فبدأ يدخل ويخرج ويقبل ويدبر ومهموم عليه صلوات الله وسلامه، لا يدري ماذا يعمل؟ إذا رأى في السماء غيماً أو ريحاً، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إن الناس إذا رأوا السحاب أو الريح استبشروا رجاء أن يكون فيهما مطر، وإذا رأيت أنت السحاب أو الريح عرف في وجهك الكراهية، ولا يزال ذلك فيك حتى تمطر السماء، فإذا أمطرت سري عنك؟ فقال: يا عائشة ! وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب؟ )، سبحان الله العظيم! وهو خير خلق الله سيعذب؟ هذا شأن الخائفين الذين يعظمون رب العالمين، ( وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب؟ لقد عذب الله قوماً بالريح، ولقد رأى قومٌ العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا )، فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ [الأحقاف:24-25] في حق قوم عاد كما في سورة الأحقاف. فكان عليه صلوات الله وسلامه إذا حدث في مظاهر الطبيعة التي أوجدها رب العالمين ما حدث، وصار هناك شيء من التغير يرتاع، فيقبل ويدبر ويخرج ويدخل، وهو مهموم لا يدري ماذا يعمل، فيلجأ إلى الله جل وعلا حتى تمطر السماء، فتذهب عنه الكراهية والخوف، هذا حال الخائفين من رب العالمين سبحانه وتعالى، فالله جل وعلا لا يعذب الناس إلا في حال أمنهم ودعتهم، وفي حال غرورهم: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:44-45]، هلاك الظالمين نعمة ليس بعدها نعمة: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:45].
 تقرير القرآن أن الإنسان إذا حقق الخوف من الله حصلت له السعادة عاجلاً وآجلاً
إخوتي الكرام! لقد أرشدتنا آيات القرآن إلى أن الإنسان إذا حقق الخوف من الرحمن حصلت له السعادة عاجلاً وآجلاً، قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا [الأنعام:80]، إذا قدر علي الله شيئاً بسبب تفريطي فهو أعلم: وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:80-82]، ومن الشرك: الخوف من غير الله؛ لأن سياق الآيات في الخوف من غير الله: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ [الأنعام:81]، فإذا خفت ما أشركتم وآلهتكم وطواغيتكم فقد أشركت بربي: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82]، بشرك، بخوف من غير ربهم: أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ [الأنعام:82-83].وأما في الآجل فيحصل الخائف من الله جل وعلا رضوان الله، وفي آخر سورة البينة يقول الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة:7-8]، (فرضي الله عنهم ورضوا عنه)، ومآلهم إلى الجنات: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة:8]، وقرر ربنا جل وعلا هذا في سورة الملك تبارك، فقال جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:12]، وأشار إلى هذا ربنا جل وعلا في سورة ق فقال جل وعلا: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:31-35]، وفي سورة الرحمن يقول ذو الجلال والإكرام: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46].
خوف الملائكة الأبرار من العزيز الغفار
إذا كان هذا حال نبينا عليه الصلاة والسلام في الخوف، فإن ملائكة الله الأطهار الذين لا يتصور أيضاً صدور شيء من الأوزار عليهم كانوا أيضاً بذلك المقام -وهو المبحث الثالث في بحثنا- فالله وصفهم بالخوف في آيات كثيرة، ففي سورة الأنبياء يقرر ربنا هذا فيقول: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [الأنبياء:26-28]، وفي سورة النحل يقرر ربنا جل وعلا فيقول: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل:49-50].وفي مسند الإمام أحمد بسند جيد عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: ( يا جبريل! ما لي لا أرى ميكائيل ضاحكاً قط؟ )، ما رأيت هذا الملك الموكل بالقطر، وهو من ملائكة الله العظام، ما رأيته ضاحكاً قط؟ ( فقال جبريل على نبينا وعليه الصلاة والسلام: إن ميكائيل لم يضحك قط منذ أن خلق الله النار )، قال الإمام العراقي : وثبت هذا عن إسرافيل في كتاب شعب الإيمان للبيهقي ، وثبت أيضاً عن جبريل في كتاب ابن أبي الدنيا في نعت الخائفين.أقول أيضاً: وروى الطبراني في الأوسط بسند رجاله رجال الصحيح كما في المجمع عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مررت ليلة أسري بي بالملأ الأعلى، وإذا بجبريل وكأنه حِلس بالٍ من خشية الله )، والحلس: هي الثياب التي تكون على ظهر البعير، ويوضع فوقها القتب، كأنه ثياب بالية من خشية الله جل وعلا، يقول: ( فعرفت مكانه ).عباد الله! وهذا الخوف عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وعند الملائكة الكرام؛ لأنهم عاينوا ما لم يعاينه غيرهم، وإذا كان الإنسان عالماً بصفات ربه وبأفعاله وأحكامه فإنه يعظم خوفه منه، ولذلك ثبت في المستدرك بسند صحيح عن ابن أبي مليكة ، وهو من أئمة التابعين، قال: جلسنا إلى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه في فناء الكعبة، فقال: ابكوا؛ فإن لم تبكوا فتباكوا، والله لو تعلمون العلم -أي: العلم الحقيقي- لصلى أحدكم حتى ينكسر ظهره، ولبكى حتى ينقطع صوته.وفي مسند الإمام أحمد بسند جيد عن عتبة بن عبد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لو أن رجلاً يخر على وجهه من يوم ولدته أمه إلى يوم يموت هرماً في طاعة الله لحقره ذلك اليوم )، فيموت وقد أدركه الهرم، وامتد عمره في طاعة الله، لحقره ذلك اليوم، فهؤلاء الأنبياء والصفوة المختارة من الملأ الأعلى، عندما علموا ما عند الله جل وعلا اشتد خوفهم من الله، وعندما قست قلوبنا وابتعدنا عن معرفة صفات ربنا وأفعاله وأحكامه، وغرنا ما غرنا، قلَّ خوفنا من ربنا، ونسأل الله جل وعلا أن يمن علينا بالخوف منه كما يرضيه إنه على كل شيء قدير.
 تقرير القرآن أن الإنسان إذا حقق الخوف من الله حصلت له السعادة عاجلاً وآجلاً
إخوتي الكرام! لقد أرشدتنا آيات القرآن إلى أن الإنسان إذا حقق الخوف من الرحمن حصلت له السعادة عاجلاً وآجلاً، قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا [الأنعام:80]، إذا قدر علي الله شيئاً بسبب تفريطي فهو أعلم: وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:80-82]، ومن الشرك: الخوف من غير الله؛ لأن سياق الآيات في الخوف من غير الله: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ [الأنعام:81]، فإذا خفت ما أشركتم وآلهتكم وطواغيتكم فقد أشركت بربي: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82]، بشرك، بخوف من غير ربهم: أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ [الأنعام:82-83].وأما في الآجل فيحصل الخائف من الله جل وعلا رضوان الله، وفي آخر سورة البينة يقول الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة:7-8]، (فرضي الله عنهم ورضوا عنه)، ومآلهم إلى الجنات: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة:8]، وقرر ربنا جل وعلا هذا في سورة الملك تبارك، فقال جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:12]، وأشار إلى هذا ربنا جل وعلا في سورة ق فقال جل وعلا: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:31-35]، وفي سورة الرحمن يقول ذو الجلال والإكرام: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46].
حث النبي صلى الله عليه وسلم أمته على الخوف من الله تعالى
عباد الله! وإذا كان هذا حال خوف نبينا عليه الصلاة والسلام، وحال خوف الملأ الأعلى، فالنبي عليه الصلاة والسلام حرضنا على سلوك ذلك المسلك، ورغبنا فيه، وأخبرنا أن عظيم الأجر الذي يحصله الخائفون عند رب العالمين، وهي النقطة الرابعة التي سأتكلم عليها:ففي صحيح ابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قال الله تعالى: وعزتي وجلالي! لا أجمع على عبدي أمنين ولا أجمع له خوفين، فإن أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة، وإن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة )، فحرضنا نبينا صلى الله عليه وسلم على الخوف في هذه الأيام اليسيرة؛ لئلا نخاف في ذلك اليوم العصيب الرهيب. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً، عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في طاعة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه )، من خشيته وخوفه وشوقاً للقائه، فالذي دعته امرأة ذات منصب وجمال، قال: إني أخاف الله، والذي ذكر الله خالياً ففاضت عيناه خوفاً من الله، والإمام العادل لأنه يخاف الرب الجليل سبحانه وتعالى، ولو تأمل الإنسان الأصناف السبعة لوجد أن الجزاء الذي حصل لهم بسبب خوفهم من ربهم جل وعلا. ففي سنن الترمذي وغيره بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يلج النار أحد بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان نار جهنم )، (لا يلج النار أحد بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع)، وعود اللبن إلى الضرع مستحيل ولا يمكن أن يقع، وإذا بكى الإنسان من خشية الله جل وعلا فله بشارة من النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم النار عليه.
 تقرير القرآن أن الإنسان إذا حقق الخوف من الله حصلت له السعادة عاجلاً وآجلاً
إخوتي الكرام! لقد أرشدتنا آيات القرآن إلى أن الإنسان إذا حقق الخوف من الرحمن حصلت له السعادة عاجلاً وآجلاً، قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا [الأنعام:80]، إذا قدر علي الله شيئاً بسبب تفريطي فهو أعلم: وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:80-82]، ومن الشرك: الخوف من غير الله؛ لأن سياق الآيات في الخوف من غير الله: وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ [الأنعام:81]، فإذا خفت ما أشركتم وآلهتكم وطواغيتكم فقد أشركت بربي: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام:82]، بشرك، بخوف من غير ربهم: أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ [الأنعام:82-83].وأما في الآجل فيحصل الخائف من الله جل وعلا رضوان الله، وفي آخر سورة البينة يقول الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة:7-8]، (فرضي الله عنهم ورضوا عنه)، ومآلهم إلى الجنات: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة:8]، وقرر ربنا جل وعلا هذا في سورة الملك تبارك، فقال جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:12]، وأشار إلى هذا ربنا جل وعلا في سورة ق فقال جل وعلا: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:31-35]، وفي سورة الرحمن يقول ذو الجلال والإكرام: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46].
الأسباب والأمور الداعية إلى الخوف من الله تعالى
إخوتي الكرام! وإذا سأل الإنسان بعد ذلك عن الأسباب التي ينبغي أن يخاف الإنسان ربه جل وعلا من أجلها، وما الأسباب التي تكسبه خلق الخوف من الله جل وعلا -وهي النقطة الخامسة- فالأسباب على كثرتها تجتمع في ثلاثة أمور إذا استحضرها المؤمن أو واحداً منها خاف من العزيز الغفور سبحانه وتعالى. ‏
 الخوف من سوء الخاتمة
السبب الثالث وهو الذي يخلع القلوب: الخوف من سوء الخاتمة، وخوف سوء الخاتمة عليه كلام كثير لا أريد أن أتكلم عليه الآن بكلمة واحدة، إنما أرجئ الكلام عليه في محاضرة أخرى إن مد الله في أعمارنا، وأرجو من الإخوة الكرام إذا طلبوني لمحاضرة أن يكون هذا الموضوع هو موضوع المحاضرة: سوء الخاتمة وأسباب ذلك، لأن أسباب سوء الخاتمة والخوف من سوء الخاتمة هي التي قصمت ضلوع الصديقين، فلا يليق أن نتكلم عليها في عجالة يسيرة، إنما أقول: هذا الأمر هو الذي يطيش بالألباب، ولا يدري الإنسان في حالة السياق بمَ يختم له، فقد يعمل بعمل أهل الجنة طول عمره، ويختم له بغير ذلك، فإذا كان سيفارق الدنيا سيفارقها فراقاً ليس كالفراق المعتاد إلى جنة أو إلى نار، ولما حضرت سفيان الثوري الوفاة بدأ يبكي، فقالوا: ما يبكيك؟ قال: أتعلمون أين يذهب بي؟ أين سأذهب الآن ليست رحلة إلى مكة أو إلى المدينة يمكن أن أعود أو أتعرض لخطر، هل تعلمون أين يذهب بي؟ يذهب بي إلى جنة أو إلى نار، أمر عظيم يحير العقول، نسأل الله بعظمته ونتوسل إليه بأسمائه وصفاته أن يختم لنا بالحسنى جميعاً إنه على كل شيء قدير.
نماذج من خوف الصالحين من رب العالمين
النقطة السادسة في البحث: نماذج من خوف الصالحين، ومن خوف الصديقين من رب العالمين، سأذكر بعض النماذج المختصرة من حال سلفنا الطاهرين الطيبين رضوان الله تعالى عليهم؛ لنرى كيف كانت حياتهم، وكيف آلت إليه حياتنا؟يذكر العلماء كما ذكر هذا الإمام أبو نعيم في حلية الأولياء، وابن الجوزي في صفة الصفوة في ترجمة الخليفة المبارك الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه صلى ذات يوم صلاة الفجر بالكوفة، ثم بعد أن صلى وسلم جلس مطرقاً رضي الله عنه، وعليه أثر الكآبة، ثم بعد ذلك قام وقال كلاماً ما أدركته الجمعة التي بعدها حتى لقي الله وطعنه ابن ملجم ، رضي الله عن علي ولعنة الله على الطاعن. والكلام الذي قاله: قال: لقد رأيت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فما رأيت شيئاً يشبههم -وكأنه يتحسر على فراقهم، ويسأل الله أن يلحق بهم- فما رأيت شيئاً يشبههم، كانوا يصبحون شعثاً غبراً صفراً، بين أعينهم كأمثال ركب المعزى من البكاء، أي: في جباههم النكت السود من خشانة الجلد في حال سجودهم في ظلام الليل، قد باتوا لله سجداً وقياماً، يتلون كتاب الله، يراوحون بين أقدامهم وجباههم، فإذا طلع الفجر ذكروا الله فمادوا كما يميد الشجر في يوم الريح، والله لكأن القوم باتوا غافلين. قال الإمام أبو نعيم ناقل القصة: فما رئي ضاحكاً ولا متبسماً بعد ذلك حتى طعنه ابن ملجم فلحق بربه. فرضي الله عنه وأرضاه.وكان ابن عباس رضي الله عنهما يصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، عندما جاء التابعون وحدث شيء من التغيير عن مسلك الصحابة الأبرار رضي الله عنهم، فيقول: كان الصحابة قلوبهم بالخوف فرحة، وأعينهم باكية، يقولون: كيف نفرح والموت وراءنا، والقبر أمامنا، والقيامة موعدنا، وعلى الصراط مرورنا، والوقوف بين يدي الله مشهدنا؟! وعندما أدرك معاذ بن جبل كان ينادي بهم ويقول: يا قوم! والله إن المؤمن لا يسكن باله حتى يترك جسر جهنم وراءه. لا يسكن باله ولا يهدأ خوفه حتى يترك جسر جهنم وراءه، هذا كان حال السلف الأول، ومع ذلك ما حصل شيء من التغيير كما حصل في زمننا، وهذا الحسن البصري من أئمة التابعين، ورد نعته في كتب التراجم أنه كان إذا رئي كأنه أتي به لتضرب عنقه عليه رحمة الله ورضي الله عنه، وكان يقول كما في كتاب الزهد لـابن المبارك وللإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله، يقول: يحق لمن يعلم أن الموت مورده، وأن الساعة موعده، وأن الوقوف بين يدي الله مشهده، أن يطول حزنه في الدنيا. ومر بفتى يضحك، فسأله الحسن وقال: يا فتى! هل جزت الصراط؟ قال: لا، قال: هل جاءك كتاب من الله بالبراءة من النار؟ قال: لا، قال: فعلام الضحك؟ إذا لم تجز الصراط وما تركته وراءك، ثم بعد ذلك ما جاءتك براءة من النار، فعلام الضحك والاسترسال في الغفلة؟ فما ضحك الفتى بعد ذلك أبداً.وهكذا كان حالهم جميعاً رضوان الله تعالى عليهم، ففي كتاب الزهد أيضاً للإمامين ابن المبارك والإمام أحمد ، وحلية الأولياء في ترجمة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، تقول زوجه فاطمة : قد يكون في الرجال من هو أكثر صلاة وصياماً من عمر ، أما أنه يوجد من هو أكثر خوفاً وفرقاً من الله منه فلا، كان إذا صلى العشاء الآخرة في المسجد جاء إلى مصلاه في بيته، ثم تهجد وبدأ يبكي حتى تغلبه عيناه، فإذا صحا بعد ذلك بدأ يبكي حتى يطلع الفجر. هذا هو أمير المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه. ولما جاءه يزيد الرقاشي قال: عظني، قال: يا عمر! لست بأول خليفة تموت، قال: زدني، قال: ليس بينك وبين أبيك من أبٍ إلا وهو ميت، قال: زدني، قال: ليس بين الجنة والنار منزل، فانظر في أيهما أنت. وتقول مولاته عندما كانت تتهجد وغلبها النوم، ثم استيقظت وهي فرحة، فجاءت لـعمر بن عبد العزيز وهو يتهجد وعليهم جميعاً رحمة الله، فقالت: يا سيدي! رأيت أن القيامة قامت، وأن جهنم حضرت ووضع الصراط على متنها، وبدأ الناس يمرون، فجاء عبد الملك بن مروان ، فوالله! ما هو إلا يسيراً حتى انكفأ به الصراط، فهو يهوي في نار جهنم، ثم جيء بابنه الوليد ، فما هو إلا يسيراً حتى انكفأ به الصراط، فهو يهوي في نار جهنم، فقال عمر: هاه! قالت: ثم جيء بـسليمان بن عبد الملك فما هو إلا يسيراً حتى انكفأ به الصراط، فهو يهوي في نار جهنم، قال: هاه! قالت: ثم جيء بك، فلما قالت له: ثم جيء بك؛ بدأ يبكي ويشحط برجليه كما يشحط المذبوح، وهي تقول له: والله يا أمير المؤمنين لقد نجوت. هذا هو حال سلفنا رضوان الله تعالى عليهم، وقد بلغ الخوف بهم مبلغاً عظيماً.وهذا السري السقطي من أئمة الصلاح والهدى، وهو خال الإمام الجنيد ، بلغ به الخوف من ربه حالة عظيمة، كان يقول: والله إني لأنظر إلى وجهي كل يومٍ في المرآة مرات، لمَ تنظر يا عبد الله؟ قال: مخافة أن يكون وجهي قد اسود. وقد بلغ بالتابعين ما هو أعظم من هذا، فهذا عطاء السلمي كان يخبر: أنه يستيقظ في الليل مرات ليتفقد جسمه خشية أن يكون الله مسخه قرداً أو خنزيراً، هذا حال التابعين، وأما حالنا فكما قال الله: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [مريم:59].عباد الله! والله إن حالتنا لا تدل على الخوف من رب العالمين سبحانه وتعالى.نسال الله تعالى أن يرزقنا الخوف منه وخشيته في السر والعلن.. إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
 الخوف من سوء الخاتمة
السبب الثالث وهو الذي يخلع القلوب: الخوف من سوء الخاتمة، وخوف سوء الخاتمة عليه كلام كثير لا أريد أن أتكلم عليه الآن بكلمة واحدة، إنما أرجئ الكلام عليه في محاضرة أخرى إن مد الله في أعمارنا، وأرجو من الإخوة الكرام إذا طلبوني لمحاضرة أن يكون هذا الموضوع هو موضوع المحاضرة: سوء الخاتمة وأسباب ذلك، لأن أسباب سوء الخاتمة والخوف من سوء الخاتمة هي التي قصمت ضلوع الصديقين، فلا يليق أن نتكلم عليها في عجالة يسيرة، إنما أقول: هذا الأمر هو الذي يطيش بالألباب، ولا يدري الإنسان في حالة السياق بمَ يختم له، فقد يعمل بعمل أهل الجنة طول عمره، ويختم له بغير ذلك، فإذا كان سيفارق الدنيا سيفارقها فراقاً ليس كالفراق المعتاد إلى جنة أو إلى نار، ولما حضرت سفيان الثوري الوفاة بدأ يبكي، فقالوا: ما يبكيك؟ قال: أتعلمون أين يذهب بي؟ أين سأذهب الآن ليست رحلة إلى مكة أو إلى المدينة يمكن أن أعود أو أتعرض لخطر، هل تعلمون أين يذهب بي؟ يذهب بي إلى جنة أو إلى نار، أمر عظيم يحير العقول، نسأل الله بعظمته ونتوسل إليه بأسمائه وصفاته أن يختم لنا بالحسنى جميعاً إنه على كل شيء قدير.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الخوف والرجاء للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net