اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الخوف من سوء الخاتمة للشيخ : عبد الرحيم الطحان


الخوف من سوء الخاتمة - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل قد يعمل طوال حياته بعمل أهل الجنة من الطاعات والقربات، لكنه في آخر حياته ينحرف عن الطريق المستقيم، ويعمل بعمل أهل النار من المعاصي والسيئات فيكون من أهلها، وبعض الناس قد يصاب بالنكسة عند حضور موته وأجله فيموت على ذلك، ولسوء الخاتمة أسباب ينبغي على المؤمن معرفتها حتى لا يقع فيها فيختم له بالسوء والعياذ بالله.
معنى سوء الخاتمة وحقيقته
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأسبغ علينا نعمه ظاهرةً وباطنةً وهو اللطيف الخبير، اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، أنت رب الطيبين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وخالق الخلق أجمعين ورازقهم، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، فشرح به الصدور، وأنار به العقول، وفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فجزاه الله عنا أفضل ما جزى به نبياً عن أمته، ورضي الله عن أصحابه الطاهرين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].أما بعد: فيا معشر الإخوة الكرام! كنا تدارسنا في العام الماضي في محاضرةٍ سابقةٍ موضوعاً جديداً عظيماً، ألا وهو الخوف من الرحمن جل وعلا، والموضوع يرتبط بمقامات الإيمان الثلاثة التي يدور عليها الإيمان، وهي: حب الله جل وعلا، ورجاؤه، والخوف منه، فالخوف والرجاء للمؤمن كالجناحين للطائر، فالقلوب لا تساق إلى طاعة علام الغيوب، ولا تترك العيوب والذنوب إلا بشوقٍ مبهجٍ مقلق، أو بخوفٍ مزعجٍ محرق، وهو الخوف والرجاء.وتقدم معنا أن الإنسان ما دام في صحته وعافيته فينبغي أن يغلب الخوف على الرجاء، فإذا وصل إلى حال السياق فينبغي أن يغلب الرجاء على الخوف، والذي أريد أن أتكلم عليه في هذا الوقت أن نتمم ما سبق بعون الله جل وعلا.من جملة عناصر بحث المحاضرة السابقة أسباب الخوف من الله جل وعلا، وقلت: إنها تدور على ثلاثة أسباب: السبب الأول: إجلال الله جل وعلا وتعظيمه.والسبب الثاني: خشية التفريط، ويكون التفريط في الطاعات وفي المعاصي.والسبب الثالث: خوف سوء الخاتمة.وقد مضى الكلام على السببين الأولين، وبقي الكلام على السبب الثالث وهو خوف سوء الخاتمة، وسنتكلم عليه في هذا الوقت إن شاء الله، وقبل أن أتكلم على خوف سوء الخاتمة أحب أن أبين ما يتعلق بسؤالٍ بل بأسئلةٍ متعددةٍ وجهت حول المحاضرة السابقة من بعض الإخوة الكرام، وحاصلها: أن المؤمن ينبغي أن يعبد الله جل وعلا حباً له، لا طمعاً في جنته، ولا خوفاً من ناره، وإذا لم يخلق الله جل وعلا جنةً ولا ناراً، فينبغي أن يعبد، وأن يحمد، وأن يشكر سبحانه وتعالى، وعلى هذا فكيف يدور الإيمان على المحبة والخوف والرجاء؟ وكيف يكون الرجاء والخوف للمؤمن كالجناحين للطائر؟ وكان الجواب باختصار: أن المعترض وأن مورد هذا السؤال لم يفهم حقيقة الرجاء، ولا حقيقة الخوف، عندما قلنا: إن من أسباب الخوف: إجلال الله جل وعلا وتعظيمه، فالله جل وعلا ينبغي أن يخاف منه، وينبغي على المكلفين أن يخافوا منه خوف إجلالٍ وتعظيمٍ وتوقير، سواءٌ خلق جنةً أو ناراً أو لم يخلق هذا، ولذلك قال ذو النون ، وهو من الأئمة الصالحين: خوف النار عند خوف الفراق كقطرة في بحرٍ لجي. أي: أن المؤمن خوفه يرتبط أصالةً بإجلال الله وتعظيمه، فهو يرجو أن يراه، ويخاف من قطيعته وبعده. والذي يرجو الجنة ويخاف من النار، هذا المعنى حاصلٌ فيه أيضاً؛ لأنه عندما يرجو الجنة يرجو رحمة الله جل وعلا ورضوانه، فالجنة رحمة الله يرحم بها من يشاء، ورؤية الله جل وعلا لا تحصل إلا في دار النعيم، والنار هي سخط الله جل وعلا وعذابه وغضبه، يعذب بها من غضب عليه، ولا يحصل البعد عن الله جل وعلا إلا إذا ألقي الإنسان في نار الجحيم، ولو لم يخلق الله جل وعلا جنةً ولا ناراً، لوجب علينا أن نعبده، وأن نعظمه، وأن نحمده، وأن نشكره، وأن نجله، وأن نخاف منه، فهو العظيم سبحانه وتعالى، والأمر كما قال سلفنا: هب البعثَ لم تأتنا رسلهوجاحمة النار لم تضرمأليس من الواجب المستحقحياءُ العباد من المنعمفالمؤمن عندما يخاف يخاف من فراق الله جل وعلا، فإذا خاف النار فقد خاف من فراقه، وإذا رجا الجنة فقد رجا وصال الله جل وعلا، هذا فيما يتعلق بموضوع الخوف في إجابة سؤالٍ في المحاضرة الماضية.وأما موضوع محاضرتنا في هذا الوقت فهو ما يتعلق بسوء الخاتمة، نسأل الله أن يحسن ختامنا جميعاً.المراد بسوء الخاتمة: أن الإنسان إذا وصل لدرجة السياق، واشتد به الكرب، وحلّ عليه النزع، يعتريه الشك أو الجحود، فيكتب له بما يوجب له في النار الخلود، ولهذا أسبابٌ سأبينها إن شاء الله، ومن أعظمها النفاق الأكبر والبدعة، وإذا ركن إلى الدنيا وجعلها معبوده الأول، يختم له بهذا الأمر فيسخط لقاء الله جل وعلا، ويكره فراق ما هو عليه، فيختم له بشكٍ أو جحود، وكم ختم لفقيرٍ من البشر بهذا عندما ابتدعوا في دين الله جل وعلا وانحرفوا، وزاغوا عن صراط الله المستقيم؟! ظهرت حقيقتهم في أول غطاءٍ مع رب العالمين. هذا ابن الفارض عمر بن علي المتوفى سنة أربعٍ وثلاثين وستمائة، الذي كان ينعق بالاتحاد ويقول: بحضور الله جل وعلا في مخلوقاته، وأن العبد ربٌ، والرب عبدٌ، عندما احتضر -كما قال الأئمة الثقات الذين شاهدوه في حالة الاحتضار- نظم بيتين من الشعر وهو في تلك الحالة يخبر عن شقوته وعن هلاكه، فقال: إن كان منزلتي في الحب عندكمما قد رأيت فقد ضيعت أياميأمنيةٌ ظفرت نفسي بها زمناًواليوم أحسبها أضغاث أحلامأمنيةٌ ظفرت نفسي بها زمناً، كنت أقول: أنا الله، هو كان يقول عن نفسه هذا، واليوم أحسبها أضغاث أحلام، عندما علم سخط الله جل وعلا وكشف له عن حقيقة أمره قال هذا، وقلّ أن يختم لمبتدعٍ بالإيمان، ونسأل الله جل وعلا أن يحفظنا من الزيغ، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا إنه سميعٌ مجيب.يقول شيخ الإسلام الإمام ابن حجر عليه رحمة الله في لسان الميزان: وكنت سألت شيخنا شيخ الإسلام الإمام البلقيني عن ابن عربي صاحب فصوص الحكم، وصاحب الفتوحات المكية، سألته عنه فبادرني الجواب: بأنه كافرٌ كافر، فقلت: ما تقول في ابن الفارض ؟ فقال: لا أحب أن أتكلم فيه، فقلت: لم والأمر واحد؟ وقرأت عليه شيئاً من أبيات التائية التي نظمها في السلوك، تائية السلوك، فلما نشدت عليه أبياتاً منها قاطعني وقال: هذا كفرٌ، هذا كفر. ولذلك قال الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله: إن تائية السلوك الذي نظمها ابن الفارض هي أخبث من لحم خنزيرٍ في صينية ذهب، وقد نظم فيها الإلحاد والاتحاد، والقول بوحدة الرب مع المخلوق نظماً رائقاً لا يتفطن له كثيرٌ من الناس. وقال الإمام أبو حيان الأندلسي عليه رحمة الله في تفسيره البحر المحيط: ومن بعض اعتقادات النصارى أخذ القول بالحلول ووحدة الوجود بعض من انتسب إلى الإسلام ظاهراً وادعى التصوف، كـالحلاج وابن عربي ، وابن الفارض ، وعد كثيراً من هؤلاء، ثم قال: والله ما ذكرتهم إلا نصحاً للمسلمين، فهم أخبث من اليهود والنصارى، وأخبث من الفلاسفة الذين يقولون: بقدم العالم، ويكذبون الله ورسله.فيختم للإنسان في حال السياق بالشك والجحود، فيلقى الله جل وعلا على هذه الحالة فيخلد في نار جهنم، وقد يزين للإنسان في حال السياق الدنيا، ويزين له التعلق بها، إذا سلم من البدعة، كما هو حال أكثر الخلق، ونسأل الله أن يحسن ختامنا، فإذا زينت له الدنيا والتعلق بها لا يخرج حاله في ذلك الوقت عن حالتين: إما أن يسخط لقاء الله أيضاً، فيختم له بما ختم للصنف الأول، وإما أن يتعلق بها ويفزع لفراقها دون أن يسخط لقاء الله، ودون أن يتذمر من لقائه فيختم له بحالةٍ ناقصة، وأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه. هذا هو معنى سوء الخاتمة: أن تغلب الوساوس الرديئة على العبد في حال مفارقته الدنيا بشكٍ أو جحود، أو تعلقٍ بالحياة الدنيا، فيختم له بما يوجب له الخلود في نار جهنم، أو بما يوجب له دخولها فترةً إن لم يغفر الله جل وعلا له.
 انكسار القلب مع المعصية خير لصاحبه من العجب مع الطاعة
لا بد إذاً من انكسار القلب، فما في القلب سيظهر في حال الاحتضار، ويذكر أبو نعيم في كتاب حلية الأولياء من أخبار أهل الكتب السابقة: أن الله أوحى إلى داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام فقال: (يا داود ! بشر المذنبين، وأنذر الصديقين)، فكأن نبي الله داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام عجب من ذلك وقال: (يا رب! أبشر المذنبين وأنذر الصديقين؟ قال: نعم، فلا يتعاظمني ذنبٌ أن أغفره)، والإنسان إذا أخطأ وانكسر لله جل وعلا فرحمته واسعة، (وإذا أعجب الصديقون بأعمالهم هانوا، فما وضعت عدلي على أحدٍ إلا هلك)، يا عبد الله! لمَ تعجب بعملك، فمن وجد خيراً فليحمد الله، وما أراد الله جل وعلا من عبادتنا إلا الانكسار والتواضع له سبحانه وتعالى، ما أراد منا بهذه العبادة أن نتعاظم وأن نتعالى عليه وعلى عباده.ولذلك كان سلفنا يقولون: لا كبيرة إذا قابلك فضله، ولا صغيرة إذا قابلك عدله. فإذا عاملك الله بالفضل فرحمته واسعة، وإذا عاملك بالعدل وحاسبك هلكت، وكانوا يقولون: انكسار المذنب خيرٌ من صولة المطيع، أي: من عجبه واختياله، ورب معصيةٍ أورثتك ذلاً وانكساراً خيرٌ من طاعةٍ أورثتك عزاً واستكباراً.ذكر علماؤنا في ترجمة أبان بن أبي عياش عليه رحمة الله، وهو من الأئمة التابعين، وكان من المكثرين عن أنس بن مالك رضي الله عنه في الرواية، وهو مع أنه تابعيٌ متروك الرواية لسوء حفظه، ولاختلاطه، ولتخليطه في الرواية، لكنه من ناحية ديانته رجلٌ مستقيم، كان مالك بن دينار يقول: إن أبان بن أبي عياش طاوس العباد، وكان أيوب السختياني يقول: ما زلنا نعرفه في الخير منذ فترةٍ.يقول أبان بن أبي عياش : خرجت من عند أنس بن مالك عندما كان في البصرة رضي الله عنهم أجمعين بعد الظهر، فرأيت جنازةً يحملها أربعة نفرٍ فقط بأجرة حمال، حمالون، فقلت: سبحان الله! رجلٌ مسلمٌ يموت ويمر بسوق البصرة لا يشهده إلا أربعة نفر! والله لأشهدن هذه الجنازة، يقول: فحملت معهم، ثم بعد ذلك لما دفنا الرجل قلت لهؤلاء الأربعة: ما شأنكم؟ فقالوا: استأجرتنا تلك المرأة لدفن هذا الرجل، يقول: فذهبت إليها فقلت: يا أمة الله! ما شأن هذا الرجل؟ قالت: إنه ولدي، وكان مسرفاً في بعض الأحيان، فقال: يا أماه! إذا مت فلقنيني كلمة التوحيد في حال الاحتضار، فإذا قلتها وقضيت حياتي فضعي قدمك على خدي، وقولي: هذا جزاؤه، ولا تخبري أحداً بموتي، فهم يعلمون عصياني ولن يشهدوا جنازتي، ثم إذا دفنت فارفعي يديك إلى الله وقولي: يا رب! إني راضية عن ولدي فارض عنه، سألها أبان بن أبي عياش عن هذا، فلما سألها ضحكت، فقال: ما الذي يضحكك يا أمة الله؟ قالت: والله بعد أن دفن رفعت يدي إلى الله وقلت: يا رب! إني راضية عنه فارض عنه، وفعلت ما أوصاني، فسمعته يناديني: يا أماه! قدمت على ربٍ كريمٍ رحيم، غير غضبان عليّ ولا ساخط. انكسار العاصي خيرٌ من صولة المطيع، والتذلل لله جل وعلا مطلوب، والله هو العليم بما في القلوب، فإن كان فيها انكسار فسيظهر هذا في حال مفارقة هذه الدار، وإن كان فيها غير ذلك فنسأل الله العافية من سخطه.
أسباب سوء الخاتمة
عباد الله! هذا ما يتعلق بمعنى سوء الخاتمة، بعد هذا إن قيل لنا: ما الأسباب التي تفضي لسوء الخاتمة؟ قلنا: أسباب سوء الخاتمة تدور على سببين: السبب الأول باتفاق سلفنا: الأمن على الإيمان من الاختلاط والذهاب، فما أحدٌ أمن على إيمانه أن يسلبه إلا سلب.الأمر الثاني: الاغترار بالحالة الحاضرة، والعجب بما يصدر عن الإنسان من طاعات قاصرة، والغفلة عما فيه من بليات توجب له سوء الخاتمة عند الممات، ومرد ذلك لثلاث بليات: أولها: النفاق، وثانيها: البدع، وثالثها: التعلق بالدنيا، وعلى هذا فأسباب سوء الخاتمة تدور على هذه الأمور الأربعة: الأمن على الإيمان من الذهاب والاختلاط، والنفاق، والبدعة، والتعلق في الدنيا، وكان في ظني أن أجمل الحديث على هذه الأربعة في هذه الساعة المباركة، ولكن رأيت الأمر طال، فسأقتصر في الكلام على الأمرين الأولين فقط: على الأمن على الإيمان من الاختطاف، وعلى النفاق، وأرجئ الكلام على البدعة، وعلى التعلق بالدنيا، وعلى ما يتبع ذلك من مسألةٍ عظيمةٍ وهي حكم الاستثناء في الإيمان، وهي أن يقول المؤمن: أنا مؤمنٌ إن شاء الله، ولما استحب سلفنا تعليق الإيمان على المشيئة، سيأتي الكلام على هذا في محاضرةٍ ثانيةٍ إن شاء الله.
 فضل الصدق ومنزلته من الدين
خلاصة الكلام كما قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في مدارج السالكين: إن منزلة الصدق ميزت أهل النفاق من أهل الإيمان، وفرقت بين أهل الجنان وأهل النيران، قال الله تعالى: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:24]، فالإيمان أساسه الصدق، والنفاق أساسه الكذب.ثبت في مسند البزار ومسند أبي يعلى بسندٍ صحيح عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يطبع المؤمن على كل خصلةٍ غير الخيانة والكذب)، فمن كذب في واحدٍ من تلك المقامات الست فهو من المنافقين، فكيف سيكون حاله عندما يفارق هذه الدار ويلقى رب العالمين؟! لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:24].وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا التزم بالصدق فهو خيرٌ له في العاجل والآجل، وإذا انحرف عن ذلك فهو شرٌ له في العاجل والآجل، ففي الصحيحين من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البيعان بالخيار ما لم يفترقا، أو قال: حتى يفترقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما).قال الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله في شرح هذا الحديث: في هذا إشارةٌ إلى أن نعمة الدنيا وبركتها لا تتم إلا بالصدق، وإذا دخل الكذب في الدنيا أذهبها وأتلفها ورفعت البركة منها، (فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما)، هذا في العاجل، أما في الآجل فالله جل وعلا يقول: هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [المائدة:119]، ويقول جل وعلا: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ [الزمر:33-34].وصفوة الكلام في الصدق: أن الصدق هو فريضة الله الدائمة، من لم يتحلَّ به ويتصف به في كل حركةٍ من حركاته، وسكنةٍ من سكناته، لم يقبل الله منه الفرض المؤقت، فالصدق فريضة الله الدائمة، ولا يقبل الله الفرض المؤقت إذا لم تصاحبه الفريضة الدائمة، فالصلاة بلا صدقٍ يضرب بها وجه صاحبها، والعلم بلا صدقٍ وبالٌ على صاحبه، والجهاد بلا صدقٍ خسار على الإنسان، فهو فريضة الله الدائمة التي لا ينفك عنها المؤمن في حينٍ من الأحايين، ولذلك أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن يسأله أن يجعل الله مدخله ومخرجه مدخل صدقٍ ومخرج صدق، فقال جل وعلا: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا [الإسراء:80]، المدخل يكون صدقاً إذا كان لله، وبالله، ولأجل الله، وعلى حسب شريعة الله، وهكذا المخرج يكون صدقاً إذا كان كذلك، وكل داخلٍ إما أن يدخل بصدقٍ أو بنفاق، وكل خارجٍ إما أن يخرج بصدقٍ أو بنفاق.وقد أمرنا الله جل وعلا أن نتأسى بخليله إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والتسليم، وأن نسأله أن يجعل لنا لسان صدقٍ لا لسان كذبٍ وزور: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ [الشعراء:84]، ولنا به أسوةٌ حسنة، ولسان الصدق هو أن يثنى عليك بما فيك، ولا يثنى عليك بما ليس فيك، وقد أخبرنا الله جل وعلا أن المؤمنين لهم عند ربهم قدم صدق، حياتهم كلها في الصدق، وفي أول سورة يونس: أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [يونس:2]، (قدم صدقٍ)، قال الإمام ابن القيم : فسرت بثلاثة أمورٍ متلازمة: أولها: الجنة، وثانيها: الأعمال الصالحة التي يقدمونها لرب العالمين، ويثابون عليها عند أحكم الحاكمين، وثالثها: محبة النبي الأمين عليه صلوات الله وسلامه.قال الإمام ابن القيم : وحقيقة القدم ما يقدمون عليه وما يقدمونه، وهم قدموا الأعمال الصالحة، ورأس ذلك حب النبي صلى الله عليه وسلم، ويقدمون على جنة النعيم، وقد أخبرنا الله جل وعلا أن المؤمنين عند الله في مقعد صدق، فقال جل وعلا في آخر سورة القمر: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:54-55].وذكر ربنا جل وعلا لفظ المقعد بالإشارة إلى أن جلوسهم لا يزول، بخلاف المجلس كهذا فيزول وينقطع، إنما هذا بقاءٌ مع لبث ودوام لا يزول، بخلاف المجلس، فالإنسان يجلس فيه لينتقل، ولذلك قال الله: إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ [المجادلة:11]، فلم تتخذ للاستيطان والدوام، إنما يجلس فيها الإنسان وينتقل بعد ذلك، وحاله في الجنة ليس كهذا فهي إقامةٌ دائمة: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:55].
خوف السلف من النفاق وتحذيرهم منه
حياة المؤمنين كلها تدور حول الصدق، ولذلك اشتد خوف سلفنا من النفاق؛ لأنه إذا لم يتصف بالصدق في هذه الأمور المتقدمة ففيه شائبةٌ من شائبة النفاق، فكيف سيلقى بعد ذلك الكريم الخلاق؟وفي أصح الكتب بعد كتاب الله بوب الإمام البخاري باباً يشير به إلى هذا في كتاب الإيمان، فقال: بابٌ في خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، وما يحذر من الإصرار على النفاق والمعصية من غير استغفار، ثم أورد ثلاثة آثارٍ عن سلفنا معلق: الأول: عن إبراهيم التيمي ، وهو إمام التابعين وواعظهم ومعلمهم، قال: ما عرضت قولي على فعلي إلا خشيت أن أكون مُكَذِّباً، وروي: مُكَذَّباً، (مكذِّباً)، أي: خشيت أن أكون مكذباً بما أقول، فإذا لم يوافق فعلي قولي فأنا إذاً كذاب، و(مُكَذَّباً) أي: ينسبني إلى الكذب من رآني أتكلم بالحق وعملي يخالف هذا. والأثر وصله البخاري في تاريخه وغيره أيضاً.والأثر الثاني: رواه عن ابن أبي مليكة وهو من أئمة التابعين أيضاً، قال: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ما فيهم واحدٌ يقول: إن إيمانه على إيمان جبريل وميكائيل، كلهم يخاف النفاق على نفسه.والأثر الثالث: رواه عن الحسن البصري أنه قال: ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق. أي: ما خاف النفاق، وقد وهم الإمام النووي عليه رحمة الله في هذا الأثر، فقال: أي: ما خاف الله إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق. وهذا وإن كان صحيحاً فليس هو مرادٌ من كلام الحسن البصري عليه رحمة الله، إنما يقصد: ما خاف النفاق إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق، وهو المطابق لترجمة الباب، والأثر روي موصولاً مسنداً إلى الحسن البصري في كتاب صفة النفاق وذم المنافقين لـأبي بكر الفريابي عليه رحمة الله أنه كان يقول: والله ما على ظهر الأرض من مؤمنٍ فيما مضى ولا فيما يأتي إلا وهو يخاف النفاق على نفسه، وما على ظهر الأرض منافقٌ فيما مضى وفيما يأتي إلا وهو آمنٌ من النفاق. فالكلام إذاً في النفاق، والبخاري عليه رحمة الله علقه أيضاً بصيغة التمريض فقال: ويروى؛ لأنه تصرف فيه في المعنى، وهذا عند المحدثين مختلفٌ في جوازه، لذلك ساقه بصيغة التمريض، كما بين هذا الإمام ابن حجر فيما نقله عن شيخه الحافظ العراقي عليهم جميعاً رحمة الله تعالى. وكان سلفنا عليهم رحمة الله يحذرون من النفاق أشد الحذر، روى ابن أبي إسحاق بلاغاً عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه كان يسأل حذيفة بن اليمان صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم في الفتن والمنافقين، فيقول: أسألك بالله! هل سماني النبي صلى الله عليه وسلم من المنافقين؟ سبحان الله! هو من المبشرين بالجنة، وفي الصحيحين وغيرهما: ( إذا سلك عمر فجاً سلك الشيطان فجاً غيره )، ومع ذلك يسأل حذيفة : هل سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين؟ فيقول حذيفة : لا، ولا أؤمن أحداً بعدك. وفي مسند البزار بسندٍ صحيح عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: (أنه دخل على أمنا أم سلمة رضي الله عنها فقال لها: إني أكثر قريشٍ مالاً، وإني أخشى أن يهلكني مالي، فقالت: تصدق، فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن من أصحابي من لا يراني بعد أن أفارقه، فخرج عبد الرحمن بن عوف وهو متقطعٌ قلبه من الخوف، فالتقى بـعمر وأخبره بالأثر، فدخل على أمنا أم سلمة فقال: أسألك بالله! هل أنا منهم؟ فقالت: لا، ولا أبرئ أحداً بعدك)، ولذلك لما قيل للحسن البصري عليه رحمة الله: يزعمون أن لا نفاق في هذا الزمان؟ فقال الحسن : والله لو أعلم أني بريءٌ من النفاق لكان أحب إليّ من ملء الأرض ذهباً، وكان يقول: والله لو كان للمنافقين أذناب لما استطعتم أن تمشوا في الطرقات.زمانٌ كل حبٍ فيه خبٌ وطعم الخل خَلٌ لو يذاقلهم سوقٌ بضاعته نفاقٌ فنافق فالنفاق له نَفَاقلو كان للمنافقين أذناب لما استطعتم أن تمشوا في الطرقات، فكيف سيكون حالهم عند الاحتضار؟ عند لقاء رب الأرض والسموات؟ كيف سيكون حالهم؟ وهذا الأمر هو الذي كان سلفنا يحذرونه أشد الحذر. وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن النفاق يتلبس به من هم في الظاهر خيار هذه الأمة، ففي مسند الإمام أحمد وغيره بسندٍ صحيح عن عبد الله بن عمرو وعقبة بن عامر رضي الله عنهم أجمعين قالا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أكثر منافقي هذه الأمة قراؤها)، أي: علماؤها، وقد تقدم أنه إذا خالف القول الفعل فصاحبه منافق، (أكثر منافقي هذه الأمة قراؤها)، أسأل الله ألا نكون منهم، وألا يجعلنا ممن يؤيد الله به الدين وليس له خلاقٌ عند أحكم الحاكمين.وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)، والله إنه ليفطر القلب، ومن هو إلا نحن، وبأي شيءٍ سيختم لنا؟!وفي المسند بسندٍ صحيح: (إن الله ليؤيد هذا الدين بأقوامٍ لا خلاق لهم)، فمن الذي يبرأ من النفاق؟ وإذا اتصف الإنسان بالنفاق فكيف سيكون حاله عند الفراق؟
 فضل الصدق ومنزلته من الدين
خلاصة الكلام كما قال الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في مدارج السالكين: إن منزلة الصدق ميزت أهل النفاق من أهل الإيمان، وفرقت بين أهل الجنان وأهل النيران، قال الله تعالى: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:24]، فالإيمان أساسه الصدق، والنفاق أساسه الكذب.ثبت في مسند البزار ومسند أبي يعلى بسندٍ صحيح عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يطبع المؤمن على كل خصلةٍ غير الخيانة والكذب)، فمن كذب في واحدٍ من تلك المقامات الست فهو من المنافقين، فكيف سيكون حاله عندما يفارق هذه الدار ويلقى رب العالمين؟! لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:24].وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الإنسان إذا التزم بالصدق فهو خيرٌ له في العاجل والآجل، وإذا انحرف عن ذلك فهو شرٌ له في العاجل والآجل، ففي الصحيحين من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البيعان بالخيار ما لم يفترقا، أو قال: حتى يفترقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما).قال الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله في شرح هذا الحديث: في هذا إشارةٌ إلى أن نعمة الدنيا وبركتها لا تتم إلا بالصدق، وإذا دخل الكذب في الدنيا أذهبها وأتلفها ورفعت البركة منها، (فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما)، هذا في العاجل، أما في الآجل فالله جل وعلا يقول: هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [المائدة:119]، ويقول جل وعلا: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ [الزمر:33-34].وصفوة الكلام في الصدق: أن الصدق هو فريضة الله الدائمة، من لم يتحلَّ به ويتصف به في كل حركةٍ من حركاته، وسكنةٍ من سكناته، لم يقبل الله منه الفرض المؤقت، فالصدق فريضة الله الدائمة، ولا يقبل الله الفرض المؤقت إذا لم تصاحبه الفريضة الدائمة، فالصلاة بلا صدقٍ يضرب بها وجه صاحبها، والعلم بلا صدقٍ وبالٌ على صاحبه، والجهاد بلا صدقٍ خسار على الإنسان، فهو فريضة الله الدائمة التي لا ينفك عنها المؤمن في حينٍ من الأحايين، ولذلك أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن يسأله أن يجعل الله مدخله ومخرجه مدخل صدقٍ ومخرج صدق، فقال جل وعلا: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا [الإسراء:80]، المدخل يكون صدقاً إذا كان لله، وبالله، ولأجل الله، وعلى حسب شريعة الله، وهكذا المخرج يكون صدقاً إذا كان كذلك، وكل داخلٍ إما أن يدخل بصدقٍ أو بنفاق، وكل خارجٍ إما أن يخرج بصدقٍ أو بنفاق.وقد أمرنا الله جل وعلا أن نتأسى بخليله إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والتسليم، وأن نسأله أن يجعل لنا لسان صدقٍ لا لسان كذبٍ وزور: وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ [الشعراء:84]، ولنا به أسوةٌ حسنة، ولسان الصدق هو أن يثنى عليك بما فيك، ولا يثنى عليك بما ليس فيك، وقد أخبرنا الله جل وعلا أن المؤمنين لهم عند ربهم قدم صدق، حياتهم كلها في الصدق، وفي أول سورة يونس: أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [يونس:2]، (قدم صدقٍ)، قال الإمام ابن القيم : فسرت بثلاثة أمورٍ متلازمة: أولها: الجنة، وثانيها: الأعمال الصالحة التي يقدمونها لرب العالمين، ويثابون عليها عند أحكم الحاكمين، وثالثها: محبة النبي الأمين عليه صلوات الله وسلامه.قال الإمام ابن القيم : وحقيقة القدم ما يقدمون عليه وما يقدمونه، وهم قدموا الأعمال الصالحة، ورأس ذلك حب النبي صلى الله عليه وسلم، ويقدمون على جنة النعيم، وقد أخبرنا الله جل وعلا أن المؤمنين عند الله في مقعد صدق، فقال جل وعلا في آخر سورة القمر: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:54-55].وذكر ربنا جل وعلا لفظ المقعد بالإشارة إلى أن جلوسهم لا يزول، بخلاف المجلس كهذا فيزول وينقطع، إنما هذا بقاءٌ مع لبث ودوام لا يزول، بخلاف المجلس، فالإنسان يجلس فيه لينتقل، ولذلك قال الله: إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ [المجادلة:11]، فلم تتخذ للاستيطان والدوام، إنما يجلس فيها الإنسان وينتقل بعد ذلك، وحاله في الجنة ليس كهذا فهي إقامةٌ دائمة: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:55].
أقسام النفاق وحكم كل قسم
وصفوة الكلام في النفاق وهو آخر الكلام: أن النفاق ينقسم إلى قسمين:
 النفاق الأصغر
النوع الثاني: هو النفاق الأصغر، الذي هو نفاق العمل، ثبت في سنن الترمذي في كتاب الإيمان في باب علامة المنافق، قال الترمذي : وروي عن الحسن : النفاق نفاقان: نفاق العمل، ونفاق التكذيب. نفاق التكذيب تقدم وهو مخرجٌ من الملة ومحله القلب، وأما النفاق العملي فهو الذي يقع في الجوارح دون أن يستحسن في قلبه غير شرع الله، ودون أن يعتقد بقلبه أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يصدق فيما أخبر، ولا يطاع فيما أمر، كما تقدم معنا، لا يكون هذا في قلبه، إنما يقع عمل في جوارحه، فهذا نفاق العمل، نفاق المعصية لا يخرج من الملة. والنفاق الأصغر أيضاً يدور بين أمورٍ أربعة: الأمر الأول: أن يريد بعمله غير وجه الله، فهو منافقٌ النفاق الأكبر، وهو مراءٍ، كما تقدم معنا، فهذا أيضاً فهو منافقٌ النفاق الأصغر نفاق العمل وهو مراءٍ، إذا كان يريد بالعمل غير وجه الله، حظاً من حظوظ الدنيا، وهذا لا يكون فيه تلبيس في زمانه، إنما يركن إلى الدنيا ويستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فهو صاحب عصيانٍ عظيم، ولكن لا يخرج من شرع رب العالمين بهذا.الأمر الثاني: أن يطلب العلم بالله جل وعلا من غير خبره.الأمر الثالث: أن يقوم بالعمل لله جل وعلا من غير أمره.وقد وقع في هذين الصنفين المبتدعة من المتكلمين والمتنطعين في العبادة، فالمتكلمون في طلب العلم بالله عن طريق الأقيسة الكلامية وما شاكل هذا، هذا من النفاق، وهذا من الخروج عن شرع الكريم الخلاق سبحانه وتعالى، كذلك المبتدعون الذين ابتدعوا عبادات ما أنزل الله بها من سلطان، وعبدوا الله بغير أمره، وبغير ما شرع، فهذا أيضاً من النفاق، وهو نفاق العمل، ونفاق المعصية، من النفاق الأصغر، أن يطلب العلم بالله من غير وحيه، ومن غير طريقه، أو أن يعمل لله بغير أمره، كما قرر هذا الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله، فهذا من النفاق الأصغر.الأمر الرابع من النفاق الأصغر: ما ورد في مجموع الأحاديث: من أنه إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وأن يقوم بأعماله بخلاف ما أخبر به، أيضاً منافقٌ النفاق الأصغر. فهذا لا يخرج من الإيمان، لكنه في حال الاحتضار بين أمرين: قد يتزعزع إيمانه لما فيه من خبثٍ وفساد، فيختم له بشكٍ أو جحود، فيكون من المخلدين في نار الجحيم. والحال الثاني: قد لا يتزعزع إيمانه، إنما تعتريه الشبه، ويحب البقاء في الدنيا، ولا يموت وهو قرير العين بلقاء رب العالمين، فيلقى الله على معصية، فأمره مفوضٌ إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء غفر له. وعليه: فالنفاق من أسباب سوء الخاتمة، ولا يسلم منه أحد، ولذلك كان مطرف بن عبد الله بن الشخير من أئمة التابعين يقول: والله إني لا أعجب ممن هلك كيف هلك؟ فالهلكى كثيرون، إنما أعجب ممن نجا كيف نجا، والله يقول في محكم كتابه: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116]، فهم أئمة ضلال، ودعاة هدمٍ وإفساد، أكثر أهل الأرض أئمة ضلال، فكم عدد الضالين بسببهم؟ اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تختم لنا بما يرضيك عنا يا رب العالمين، اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وحصن فروجنا من الزنا، واحفظ أعيننا من الخيانة، بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اجعل سرنا خيراً من علانيتنا، واجعل علانيتنا صالحةً يا أرحم الراحمين، اللهم اهدنا وزدنا وعافنا واعف عنا، وإلى سواك ربنا لا تكلنا، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. اللهم إنا نسألك إيماناً لا يرتد، ونعيماً لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، ونسألك اللهم مرافقة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم في ديار الخلد، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير ساعاتنا ساعة نلقاك وأنت راضٍ عنا، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمةً إنك أنت الوهاب، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، اللهم اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين.اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , الخوف من سوء الخاتمة للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net