اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث في الطاعات للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مباحث في الطاعات - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
بين الشرع الحنيف والنبي عليه الصلاة والسلام في أحاديثه الكثيرة، وكذا الصحابة الكرام والأئمة العلماء من التابعين، ومن سار على نهجهم، بينوا أن الطاعة المتعدية أفضل من الطاعة القاصرة، فالطاعة المتعدية يصل أثرها وينفع خيرها عباد الله جل وعلا، وأما الطاعات القاصرة فهي بينك وبين ربك جل وعلا، فالطاعة المتعدية كالجهاد والنكاح وغيرها من العبادات أفضل من الطاعات القاصرة كالتخلي للنوافل وغيرها من العبادات.
الزهد في الدنيا دليل محبة لقاء الله وعدم كراهية الموت
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سَهِّل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعُنا، وانفَعنا بما علمتَنا يا أرحم الرحمين. اللهم زدنا علمنا نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد:إخوتي الكرام! تقدم معنا في المواعظ السابقة أن من آمن بالله جل وعلا واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخلص في جميع أحواله لله سيذوق حلاوة الإيمان بلا شك، وهذه الحلاوة سيظهر لها أثر في سلوكه وتصرفه، فسيعرض عن الدار الفانية ويقبل على الدار الباقية، ويستعد للموت قبل نزوله، ويكثر من ذكره، ويفرح به إذا حل به.إخوتي الكرام! ولذلك كان الموتُ كما تقدم معنا تحفةً للمؤمنين، وقررت هذا بالأدلة والبراهين، وأريد أن أوضح أيضاً هذا بشيءٍ لم يتقدم ذكره على سبيل الاختصار لترتبط الموضوعات، وليرتبط الكلام ببعضه إن شاء الله.إخوتي الكرام! الموت تحفة المؤمنين، وإذا آمن الإنسان برب العالمين، واتبع النبي الأمين عليه الصلاة والسلام، وأخلص لله في كل حين سيكثر من ذكر الموت، ويفرح به ويشتاق إليه، وإذا تعلق بهذه الحياة سيخاف من الموت ويفر منه ويعرض عنه، وهو آتيه ولابد، يقول العبد الصالح بشر بن الحارث الحافي عليه رحمة الله الذي توفي سنة (227هـ)، وهذا الأثر عنه منقول في حلية الأولياء لـأبي نعيم ، وتاريخ بغداد للإمام الخطيب البغدادي عليهم جميعاً رحمة الله، يقول هذا العبد الصالح: ما من أحد يحبُ الدنيا إلا لن يحبَ الموت، وما من أحد يزهد في الدنيا إلا أحبَّ لقاء الله. حتماً من أحب الدنيا وتعلق بها لن يحب الموت، ومن زهد في الدنيا وأعرض عنها أحب الموت وفرح به واشتاق إليه، وأكثر من ذكره، فما حالك أنت أيها العبد الصالح بشر بن الحارث ، بشر الحافي؟! قال: اللهم إنك تعلم أن الفقر أحبُّ إليَّ من الغنى، وأن الذُلّ أحبُّ إليَّ من العز، وأن الموتَ أحبُّ إليَّ من البقاء.وكان هذا العبد الصالح ينطق بالحِكَم، ويتحدث عن حال الأيام التي نعيش فيها ما مضى وما نعيش فيه وما سيأتي، فيقول: ما يقطع الأمل عن أهل الغرور يقول: أمسي ماتَ، ما مضى مات وفات، واليومُ في السياق. أي: أن اليوم يحتضر ليموت كما مات اليوم الماضي، وغداً لم يولد، أمسي مات، واليوم في السياق، وغداً لم يولد.بشر الحافي عليه رحمة الله من كلامه وعظيم مراقبته وعلمه بأحوال القلوب وما يجري فيها، كان يقول: إن العبد ليرائي بعمله بعد موته. قيل: كيف مات ويرائي؟! قال: يحب أن يَكثُر الخلقُ في جنازته. إذا توفي يتمنى هذا من أجل أن يتحدث الناس عنه بعد موته أنه شهد في جنازته جمٌ غفير، فيكتب عليه جرم الرياء بعد موته. قال: إن العبد ليرائي بعد موته يحب أن يكثُر الخلقُ في جنازته. ومن حلم الله بنا ومغفرته لنا أنه لم يخسف بنا الأرض، ونسأله جل وعلا إذا دفنا فيها ألا يأذن للأرض بأن تلفظنا، فوالله لو أذن للأرض في حال حياتنا فوقها أن تبتلعنا لابتلعتنا، ولو أذن للأرض أن تلفظنا بعد موتنا لتقصيرنا وتفريطنا للفظتنا، وإذا سَتَرَنا فوق الأرض وتحت الأرض فنسأله أن يُتَمَ ستره علينا يوم العرض، إنه أرحم الرحمين وأكرم الأكرمين.
 حب المؤمن للموت وتوجيه كراهيته ونفرته عنه الوارد في الحديث
إذاً إخوتي الكرام! الموتُ تحفة المؤمنين، وإذا أخلص الإنسان لله وآمن به واتبع رسوله صلى الله عليه وسلم سيفرح بالموت ويتطلع إليه ويشتاق إليه، وسيكون الموت حبيباً له.إخوتي الكرام! قررت هذا بأدلة كثيرة، وبينت أن ما ورد من أدلة تبين أن المؤمن يكره الموت وينفر منه، فقلت: إن هذه النفرة نفرة طبيعيةٌ جبليةٌ غريزيةٌ، والمؤمن يحب الموت حباً اختيارياً شرعياً، وهذا الحب يظهر على وجه التمام والكمال كما تقدم معنا عند السياق والاحتضار، عندما يبشر بلقاء العزيز الغفار، فيحب لقاء الله فيحب الله لقاءه.والأحاديث التي دلت على أن المؤمن ينفر من الموت، وطبيعته تكرهه ولا تميل إليه، قلت سنتدارسها إما في مدارسة الحديث الثاني الذي رواه الإمام البخاري وغيره عليهم جميعاً رحمة الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأُعْطِيَنَّهُ، ولئن استعاذ بي لأُعِيِذَنَّهُ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه)، يكره الموت كراهة طبيعية جبلية، ويحبه محبة اختياريةً شرعيةً، ويظهر هذا على التمام عند الاحتضار والسياق.وتقدم معنا إخوتي الكرام شرح الجملة الأولى: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، وكنا في شرح الجملتين التاليتين للجملة الأولى: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحبَّ إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه)، وهاتان الجملتان وهذان الأمران حولهما عدة مباحث.كنا نتدارس إخوتي الكرام ما يتعلق بهذه المباحث، فدرسنا ثلاثة مباحث في الموعظة الماضية فيما يتعلق بقول الله جل وعلا: (وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحبَّ إلي مما افترضته عليه)، فقلت: إن الطاعات تتفاوت في الدرجات.والمبحث الثاني: أفضل الطاعات الواجبات المفروضات.والمبحث الثالث: أفضل الواجبات المفروضات توحيد رب الأرض والسماوات، وهذه الأمور الثلاثة مر الكلام عليها، وسأتبعها بثلاثة أخرى لا زالت المباحث تتعلق بالطاعات التي تدخل في هذه الجملة: (وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحبَّ إلي ممَّا افترضْته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، أما ما يتعلق بمحبة الله لعبده، وما يترتب على هذه المحبة من آثار، فتحت ذلك مبحث طويل جليل جميل يأتي في المواعظ الآتية إن أحيانا ربنا الجليل، إنما في هذه الموعظة سنتدارس ثلاثة أمور تتعلق بالطاعات أيضاً، نكمل بها المباحث الثلاثة المتقدمة، فيصبح مجموع المباحث معنا ستةُ فيما يتعلق بالطاعات.المبحث الأول الذي سنتدارسه: الطاعةُ المتعدية أعظم أجراً عند الله من الطاعة القاصرة.والأمر الثاني: فعل المأمور أعظم أجراً من ترك المحظور، كما أن ترك المأمور أشنع وأخبث وأبشع من فعل المحظور، وأقرر هذا بالأدلة والبيان إن شاء الله.والأمر الثالث: الصلة بين النوافل والفرائض.
الطاعة المتعدية أفضل من الطاعة القاصرة
أما المبحث الأول من هذه المباحث وهو أن الطاعة المتعدية أفضل من الطاعة القاصرة.إخوتي الكرام! يراد بالطاعة المتعدية ما يصل أثرها إلى عباد الله جل وعلا، ما يصل نفعُها وخيرُها إلى عباد الله، ويراد بالطاعة القاصرة ما بينك وبين ربك جل وعلا، فالطاعة المتعدية التي يصل نفعها إلى العباد أعظم أجراً من الطاعة القاصرة التي بينك وبين ربك جل وعلا، وقد وضح هذا نبينا صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الكثيرة.
 فضل عبادة الذكر
والأمر الثاني الذي سأؤنبه عليه: عبادة الذكر، ويستشكلها كثير من الناس، هذه العبادة التي فُضلت على كثير من الطاعات، واستشكلها بعض الناس فقالوا: هذه العبادة كيف فضلت كثيراً من الطاعات؟ واقع الأمر أن هذه العبادة كعبادة النكاح تسببت في طاعات كثيرة وسأتكلم على عبادة الذكر على وجه الاختصار، ثم أتكلم على الأمر الثاني كما قلت وهو أن فعل المأمور أعظم أثراً من ترك المحظور، ثم على الأمر الثالث وهو على الصلة بين الفرائض والنوافل في الموعظة الآتية إن أحيانا الله.استأذنكم الآن، وأسأل الله جل وعلا أن يجمعنا في هذه الدنيا على طاعته وفي الآخرة في دار كرامته، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث في الطاعات للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net