اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث النبوة - ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مباحث النبوة - ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه [1] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
من مقاصد النكاح التمتع وارتفاق كل من الزوجين بالآخر، ولذلك وصف الشارع الرجل الذي لا زوجة له بالمسكين، وكذا المرأة التي لا زوج لها، وقد بين الله في كتابه أن صفة السكن نعمة كبرى لا يحصلها إلا من له زوج في الدنيا، لما في العلاقة بين الزوجين من المودة والرحمة، فضلاً عما يوفره هذا الجو من علاقة زوجية كريمة في إطارها الشرعي الحلال.
المنافع الدنيوية المتبادلة بين الزوجين
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد: إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس فصلاً مستطرداً ضمن مباحث النبوة على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فتقدم معنا أن هذا الفصل المستطرد يقوم على ثلاثة أمور: أولها: في مقاصد النكاح العامة.وثانيها: في بيان حكم التعدد في حق الأمة.وثالثها: في بيان حكم التعدد في حق نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه زيادةً عما أحل الله لأمته.وقلت: أختم بعد ذلك هذه الأمور الثلاثة بترجمة موجزة لأمهاتنا أزواج نبينا على نبينا وأزواجه وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، وكنا في المبحث الأول من هذه المباحث، ألا وهو مقاصد النكاح العامة، والحكمة من مشروعيته، وقلت: لذلك مقاصد كثيرة وحكم متعددة يمكن أن نجملها في خمس حكم: أولها: تحصين النفس البشرية من كل آفة ردية، سواء كانت حسيةً أو معنوية.وثانيها: إيجاد الذرية التي تعبد وتوحد رب البرية.وثالثها: تحصيل الأجر للزوجين عن طريقين اثنين: حسن عشرة كل منهما لصاحبه، ومساعدته له في نفقته.والأمر الرابع: تذكر لذة الآخرة.وشرعنا في مدارسة المقصد الخامس من مقاصد النكاح العامة، ألا وهو ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه وبأهل زوجه وقراباته.
 ما جبلت عليه العلاقة الزوجية من المودة والرحمة
خلاصة الكلام إخوتي الكرام: أن الذي ليس عنده زوجة مسكين فقد حاجةً ضروريةً هو محتاج إليها، والتي ليس عندها زوج تأوي إليه مسكينة فقيرة فقدت حاجةً ضرورية لازمةً لها، والعلم عند الله جل وعلا.هذا المعنى إخوتي الكرام ألا وهو ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه وبأهل زوجه وقراباته، أشار إليه ربنا جل وعلا أيضاً في غير الآية المتقدمة إلى ذلك في آيات كثيرة من آيات القرآن الكريم، من ذلك آية الروم، وفيها يقول ربنا الحي القيوم سبحانه وتعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم:20-21].إذاً: صفة السكن لا تحصل عند كل من الصنفين إلا إذا أوى وآوى إلى قرينه وزوجه وعاش معه.والمودة هي أتم أنواع الحب، وألطفه، وأعظمه، وهذه المودة ممزوجة برحمة عظيمة برقة من كل صنف نحو الصنف الآخر، أي: من أحد الزوجين نحو الآخر. وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم:21] ، وإنما قرن الله الرحمة بالود ليبين أن هذا الود الذي بين الزوجين ليس من أجل قضاء الشهوة فقط، ولو كان الود من أجل قضاء الشهوة لزال من الزوجين بعد قضاء الشهوة، أو عند عدم قضائها كما لو كبر أحد الزوجين، إنما في ذلك آية من آيات الله أن كل واحد منهما محتاج إلى صاحبه، كما تقدم معنا في قصة الرجل الحلبي الذي زاد على الثمانين وعندما ماتت زوجه أراد أن يتزوج، حقيقةً لا يجد أنساً في البيت، لا يجد من يدفئه في فراشه، لا يجد من يستأنس به في بيته، وهنا: وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم:21] .إخوتي الكرام! الإمام الرازي الذي توفي سنة (606هـ) عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا له كلام غريب عجيب في تفسير هذه الآية، أذكره إن شاء الله بعد أن أبين صلة هذه الآية بما قبلها وأبين دلالتها على وجه الاختصار، ثم أقرأ عليكم كلامه، وأبين أيضاً فساده بطرق وترتيبات محكمة إن شاء الله، وأنا حقيقةً أعجب غاية العجب لهذا الإمام كيف قرر هذا الكلام في تفسير هذه الآية من كلام ربنا الرحمن، وما أعلم أن أحداً سبقه إلى ذلك، وما علمت أن أحداً بعده قال بقوله، فأذكر لكم كلامه كما قلت بعد أن أبين صلة هذه الآية بما قبلها، ومعناها على وجه الاختصار، ثم بعد ذلك أذكر كلامه وأنقضه وأبين فساده إن شاء الله.
مناسبة قوله تعالى: (خلق لكم من أنفسكم أزواجاً) لآية الدلالة على البعث
إخوتي الكرام! الآية التي سبقت الآية التي قبلها وهي قول الله جل وعلا: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الروم:19] .ذكر الله جل وعلا دليلاً على البعث ألا وهو إحياء الأرض بالنبات، فهو قادر على إحياء الأموات، وهذا القياس كثر استعماله في الآيات كما سيأتينا إن شاء الله في ضمن مباحث التوحيد التي معنا بعد الانتهاء من مرحلة النبوة، إذا شرعنا بعد ذلك في مباحث الغيبيات وأمور الآخرة نأتي لهذا الدليل إن شاء الله، وهو قياس كما قلت، يعني يقيس ربنا جل وعلا إحياء الأموات على إحياء الأرض بالنبات، ذكر الله أيضاً دليلاً آخر يدل على البعث ألا وهو: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ [الروم:20]، فالخلق الأول أيضاً يدل على الخلق الآخر، كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الأنبياء:104]، كما أحيينا الأرض الميتة نحيي هذه الأجساد بعد موتها، كما خلقناكم في الأول نعيدكم بعد ذلك يوم القيامة، أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ق:15]، فخلقنا لها دليل على بعثها، وهذا أظهر من إحياء الأرض بعد موتها بالنبات الذي يخرج منها: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ [الروم:20].والبشر سموا بشراً -وهو بنو آدم- لظهور بشرتهم وهي ظاهر جلدهم، ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ [الروم:20].انتبه لهذه الدلالة في هذه الآية الكريمة، (من تراب)، والتراب لم يشم رائحة الحياة، وليس بينه وبين ذواتكم وصفاتكم أي مناسبة، هذا تراب جامد، ثم خلق منه بشراً يتحرك، سبحان العظيم الذي يحيي العظام وهي رميم!وفي الإشارة إلى أننا خلقنا من تراب امتنان علينا من وجهين: أن أصلنا فيه هذه الرزانة والهدوء والسكينة، وفيه أيضاً الصلاح والإنبات، وهكذا ينبغي أن نتصف بصفات أصلنا، أن نتصف بالحل والصلاح والإصلاح والنفع لأنفسنا ولغيرنا.(ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ)، (إذا) فجائية، و(ثم) إما أن تكون للترتيب مع التراخي، وهنا الترتيب مع التراخي الحقيقي لما بين الخلق والإنشاء من مدة بعيدة طويلة، خلقكم من تراب ثم أنشأكم بشراً تنتشرون في ذلك، فترة طويلة بين هذا وهذا.وإما أن يكون هذا كما قال بعض أئمتنا: للترتيب في الرتبة، فكنتم تراباً لا قيمة له ولا وزن له ولا حركة فيه، ثم صرتم خلقاً آخر له شأن يتحرك.المراد من قوله: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ [الروم:20]، أمر واحد، ألا وهو خلق أبينا آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، خلقه من تراب ثم نحن موجودون في ذلك الأصل، فالفرع موجود في الأصل، فصح علينا أننا خلقنا من تراب باعتبار خلق أصلنا؛ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ [الروم:20].
 الرش من بول الغلام والغسل من بول الجارية وعلاقة ذلك بأصل الخلقة
ذكرت في بعض مواعظ الجمعة أيضاً تعليلاً جليلاً دقيقاً للإمام أبي عبد الله الشافعي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في التفريق بين بول الجارية وبول الغلام، وقد فرقت سنة نبينا عليه الصلاة والسلام بينهما، فبول الغلام ينضح ويرش، وبول الجارية يغسل، ذكر الإمام الشافعي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا تعليلاً لهذا الأمر الثابت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، والحديث إخوتي الكرام صحيح تقدم معنا أيضاً في مواعظ الجمعة، وهو مروي في السنن الأربع إلا سنن النسائي من رواية سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ينضح من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية)، الثوب إذا أصابه بول غلام ينضح ويرش، وإذا أصابه بول الجارية يغسل، وهذا ما لم يطعما.وثبت الحديث ذلك أيضاً في سنن أبي داود وابن ماجه من رواية لبابة بنت الحارث ، وثبت في الكتب الستة وموطأ الإمام مالك عن أم قيس بنت محصن رضي الله عنها وأرضاها: (أنها أتت بابن لها صغير إلى نبينا الجليل عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه لم يأت للطعام، فأخذه نبينا عليه الصلاة والسلام فوضعه في حجره فبال عليه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله). وتقدم معنا أن بعض الحمقى ممن يعيشون في هذه الأيام ويدعون رتبة الاجتهاد استشكل هذا الحديث قال: وضعه في حجره فبال عليه، قال: كيف يبول النبي عليه الصلاة والسلام عليه؟ أي: فهم أن النبي عليه الصلاة والسلام بال على الغلام، فاستشكل وقال: كيف يبول عليه؟ والذي بال هو هذا الغلام المسكين، الصحابي الصغير رضي الله عنهم أجمعين لما وضع في حجر النبي عليه الصلاة والسلام بال، فالنبي عليه الصلاة والسلام أخذ ماءً ونضحه ولم يغسل ثوبه عليه صلوات الله وسلامه، والحديث كما تقدم معنا وذكرته في الصحيحين وغيرهما، والأحاديث في ذلك كثيرة: (يغسل بول الجارية، وينضح بول الغلام)، الإمام الشافعي ذكر لهذا تعليلاً دقيقاً لطيفاً كنت ذكرته في مواعظ الجمعة من فترة قليلة. وهو أن أصله من تراب وطين، وأما بولها فمن لحم ودم، فبما أنه كذلك يختلف عن بول الغلام، والحديث إخوتي الكرام في سنن ابن ماجه (1/175) عندما سأل أحد الأئمة الإمام الشافعي عن هذا وهو أبو اليمان المصري ، ثبت اسمه بذلك في سنن ابن ماجه والحافظ في التقريب يقول: أبو لقمان ، أما أبو اليمان يقول: هذا خطأ، ورد في سنن ابن ماجه ، والصواب: أبو لقمان وهو محمد بن عبد الله بن خالد الخراساني مستور، وهو من رجال سنن ابن ماجه ، وحديثه في التعليق على حديث علي رضي الله عنه الذي ذكرته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في بول الرضيع: (ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية). قال أبو الحسن بن سلمة : حدثنا أحمد بن موسى بن معقل ، قال: حدثنا أبو اليمان المصري ، قال: سألت الشافعي عن حديث النبي عليه الصلاة والسلام (يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية)، والماءان جميعاً واحد هذا بول وهذا بول، قال: لأن بول الغلام من الماء والطين، وبول الجارية من اللحم والدم، ثم قال لي: فهمت؟ أو قال: لقنت؟ قال: قلت: لا، يعني بما أن بول الغلام من الماء والطين فالأصل ألا يكون نجساً، وهذا من لحم ودم، وعليه له حكم الدم فهو نجس نجاسةً مغلظةً ينبغي أن يغسل، ثم قال لي: فهمت؟ أو قال لي: لقنت؟ قلت: لا. أبو اليمان الذي صوابه أبو لقمان لما قال له الشافعي : ذاك من ماء وطين، وهذا من لحم ودم، فهمت؟ قال: لا، فقال الإمام الشافعي : إن الله لما خلق آدم خلقت حواء من ضلعه القصير، فصار بول الغلام من الماء والطين، وصار بول الجارية من اللحم والدم، ثم قال لي: فهمت؟ قلت: نعم، قال لي: نفعك الله به!إذاً: أمنا حواء خلقت من أبينا آدم على نبينا وعليهما الصلاة والسلام.
كلام الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى: (خلق لكم من أنفسكم) وبيان بطلانه
ماذا قال الإمام الرازي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا؟ يقول: الآية في مسائل: المسألة الأولى: قوله: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ [الروم:21] دليل على أن النساء خلقن كخلق الدواب والنبات، وغير ذلك من المنافع، كما قال جل وعلا: خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29] ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:28-29]، وهذا يقتضي ألا تكون المرأة مخلوقةً للعبادة والتكليف.يعني: بما أن المرأة خلقت كخلق الدواب وخلق النبات. ينبغي أنها لا تكلف بالطاعات والعبادات، من أين أخذ هذا؟ قال: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ [الروم:21] ، هذا كقوله: خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29] ، إذاً مخلوقة كخلق الدواب والنبات، أقول: والله إن الله لا يريد هذا المعنى، فلنستمع إلى كلامه وإلى تقريره، ثم إلى نقضه وبيان فساده رحمة الله عليه وعلى أئمتنا أجمعين.يقول: وهذا يقتضي ألا تكون المرأة مخلوقةً للعبادة والتكليف، فنقول: خلق النساء من النعم علينا، وخلقهن لنا وتكليفهن لإتمام النعمة علينا، لا لتوجيه التكليف نحوهن مثل توجيهه إلينا، وذلك من حيث النقل والحكم والمعنى، ثم هو يقول: الأصل ألا تكلف، لكن يقول: بما أنها خلقت لنا فتكليفها جاء تبعاً لتكليفنا من أجل إكرامنا لا من أجل أنها مكلفة هي أصالةً، فلتتم النعمة علينا كلف الله النساء، وإلا فالأصل أنها كالنبات والدواب، قال: هذا يدل عليه النقل والمعنى والحكم، أما النقل فهذا وغيره، يعني: خَلَقَ لَكُمْ [الروم:21] ، وأما الحكم فلأن المرأة لم تكلف بتكاليف كثيرة كما كلف الرجل بها.طيب! والرجل لم يكلف بتكاليف كثيرة لم تكلف بها المرأة، يعني المرأة كلفت بالحجاب، أوليس كذلك؟ ألا تثاب عليه؟ ونحن ما كلفنا نحن بالحجاب، هذا شرع العزيز الحكيم، الأصل كما سيأتينا يستوي الصنفان في التكليف، إلا ما خص به كل صنف عن الآخر، هذا خص بأحكام وهذا خص بأحكام، وما عدا هذا هما في التكليف مستويان كما سيأتينا.قال: وأما المعنى: فلأن المرأة ضعيفة الخلق سخيفة فشابهت الصبي لكن الصبي لم يكلف، فكان يناسب ألا تؤهل المرأة للتكليف كالصبي، لكن النعمة علينا ما كانت تتم إلا بتكليفهن لتخاف كل واحدة منهن العذاب، فتنقاد للزوج، وتمتنع من محرم، ولولا ذلك لظهر الفساد.إذاً يقول: المرأة مخلوقة كخلقة الدواب والأنعام والنبات، والأصل ألا تكلف، وما كلفت إلا لإتمام النعمة علينا، ودلل على هذا من النقل والحكم والمعنى، أما النقل فهذا وغيره مثل: أن النساء خلقن للرجال، وأما الحكم قال: لم تكلف النساء بكثير مما كلف به الرجال، وأما المعنى فالمرأة ضعيفة في الخلق، سخيفة، حكمها كحكم الصبي، فلو لم تكلف كالصبي لما انقادت للزوج، ولتعاطت الفساد والحرام، فكلفت من أجل أن تنقاد للزوج، وأن تخاف العقاب. وهذا كلام مردود، وهو باطل قطعاً، وما أعلم -كما قلت- أحداً سبق الإمام الرازي إلى هذا، وما قال بهذا أحد بعده، وبحثت في كتب التفسير فما رأيت أحداً تعرض لهذا المعنى لا من قريب ولا من بعيد، وما أحد رد على الرازي هذا الكلام، وأنا على يقين أنهم اطلعوا على هذا، يعني لم أيضاً ما تعقبوا هذا القول وبينوا أنه فاسد لا يجوز أن يذكر في كلام الله جل وعلا، حقيقةً ما يعلم هذا إلا الله، والإمام الألوسي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا ينقل عن الرازي بكثرة، فليته نقل كلامه وعلق عليه بما يبين قيمته، وإذ لم ينقل أحد كلامه، ولم يبين أحد فساد هذا القول، فسأنقضه إخوتي الكرام من ستة أوجه، أبين بطلانه وأن هذا كلام لا يصح، ولا ينبغي أن يقال في تفسير هذه الآية، ولا في النساء أنهن خلقن كخلقة الدواب والجماد، لا يجوز هذا أن يقال أبداً.اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
 الأمر السادس الذي يبين فساد كلام الرازي
آخر الأدلة التي تبطل هذا الكلام الذي ذكرته وهو الدليل الثالث، ما ذكره الإمام الرازي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا أن هذه الآية تدل على أن النساء خلقن كخلقة الدواب والنبات والجماد: أن هذا الكلام إخوتي الكلام مفهوم جاهلي، كان يقول به العرب في جاهليتهم، فأنقذ الله المرأة من هذه الجاهلية التي كانت تتخبط فيها البشرية. وقد تقدم معنا ضمن مباحث النبوة في معاشرة نبينا عليه الصلاة والسلام لأمهاتنا أزواجه الطيبات الطاهرات المباركات على نبينا وأزواجه وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، تقدم معنا في بيان حسن خلقه معهن قصة عمر رضي الله عنه مع زوجه، ثم علق عليها بأنه قال: ما كنا نعد النساء شيئاً حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، فرأينا أن لهن حقاً علينا. تقدم معنا إخوتي الكرام هذا، وقلت: إن الحديث في المسند والصحيحين وسنن الترمذي والنسائي ، وذكرت لفظه مطولاً، الشاهد فيه يقول سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه: (كنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة على منورها صلوات الله وسلامه وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، قال: فتغضبت يوماً على امرأتي فإذا هي تراجعني، قال: فأنكرت ذلك أن ترد علي، فقالت لي: وما تنكر؟ فو الله إن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، فقال: ويفعلن ذلك؟ قالت: نعم، اذهب إلى المسجد وتحقق، فلبس ثيابه رضي الله عنه وأرضاه وذهب إلى أمنا حفصة رضي الله عنها وأرضاها فقال: الواحدة منكن تراجع النبي عليه الصلاة والسلام وتهجره إلى الليل؟ فقالت: نعم نفعل هذا، فقال: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسرت، أتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله عليه الصلاة والسلام)؟.. تقدم معنا هذا، لا إله إلا الله.وفي بعض روايات الحديث كما في مسند أبي داود الطيالسي قال عمر رضي الله عنه لزوجته بعد أن أخبرنا أنه كان يتأمر أمراً، أي: يفكر فيه، ويدبر شأنه، ويتأمله رضي الله عنه وأرضاه، يقول: (بينا أنا في أمر أتأمره قالت لي زوجتي: لو صنعت كذا وكذا، فقلت لها: متى كنت تدخلين في أمورنا؟ قالت: وما تنكر؟ أزواج النبي عليه الصلاة والسلام خير مني يراجعن النبي عليه الصلاة والسلام) أي: الواحدة تتكلم عنده وتقول أمامه، فلم أنت تنكر إذا تكلمت وأبديت رأيي أمامك؟ وفي بعض روايات الحديث قالت له: (يا ابن الخطاب ! ما يستطيع أحد أن يكلمك، وابنتك تكلم النبي عليه الصلاة والسلام وتهجره حتى يظل يومه غضبان).وفي صحيح البخاري: (وابنتك تؤذي رسول الله عليه الصلاة والسلام)، أي: لا نستطيع أن نكلمك وابنتك حفصة تكلم خير خلق الله عليه الصلاة والسلام، لم أنت تثور علينا إذا كلمناك؟وفي رواية في صحيح مسلم يقول سيدنا عمر رضي الله عنه: (والله كنا في الجاهلية لا نعد للنساء أمراً، حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم، يقول: فقالت لي زوجتي: لو صنعت كذا وكذا، ثم قال لها: لم تدخلين نفسك في أمورنا)، ثم قالت له ما قالت.وفي بعض الروايات من مسند أبي داود الطيالسي قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: (كنا لا نعتد بالنساء، ولا ندخلهن في أمورنا).وفي بعض روايات الحديث قال عمر رضي الله عنه: (كنا ونحن في مكة لا يكلم أحد امرأته، إلا إذا كانت له حاجة قضى منها حاجته).إذاً: هذا المفهوم مفهوم جاهلي، النساء ليس لهن اعتبار، وخلقن كخلقة الدواب والأنعام، فحقيقةً ليس بمفهوم شرعي، ولا يدل عليه شرع العزيز القهار، وعليه ما قاله الرازي منقوض لهذه الأمور الستة.
مشروعية العقيقة والرد على من أنكرها في حق الأنثى
إخوتي الكرام! من باب التعليق: ذهب بعض سلفنا رحمة الله ورضوانه عليهم جميعاً إلى أن العقيقة تشرع عن الذكر والغلام ولا تشرع عن الأنثى، وإذا رزق بأنثى لا يعق عنها، هذا كله يتبع هذا المفهوم، ومن قال به أخطأ لأنه لم يقف على الأثر، فيرد هذا القول، ويلتمس لصاحبه العذر، وإذا ثبت النص فلا كلام لمتكلم، فمن قال بذلك؟قال به إمامان حبران من أحبار المسلمين وسيدان عظيمان في هذه الأمة المباركة: الحسن البصري ، وقتادة بن دعامة السدوسي ، والأثر يرويه عنهما الإمام ابن المنذر ، وانظروه في المغني للإمام ابن قدامة (11/120)، ونقله الإمام ابن القيم في كتاب تحفة المودود لأحكام المولود (ص:52)، قال الحسن وقتادة : العقيقة جعلت شكراً للنعمة الحاصلة بالولد، والولد الذكر فيه نعمة وبهجة لأبويه فيعق الأب عنه، وأما الجارية فلا يحصل بها سرور، فلا يشرع لها عقيقة!لم لا يشرع لها سرور؟ أنا أريد أن أعلم لم؟ والله لو اجتمع أهل الأرض ومعهم أهل السماء على أن يوجدوا مثل هذه الأنثى لما استطاعوا إلا إذا شاء ربنا وقدر سبحانه وتعالى.لم هذه المرأة؟ والأمة بحاجة إلى نساء طيبات، وإلى رجال طيبين، يعني نريد رجالاً فقط وبعد ذلك لا يوجد نساء في الأمة فينقطع النسل؟ لم هذه المفاهيم العقيمة؟ لا أعلم.فالقول بأن الولد يحصل به سرور تشرع له عقيقة، والأنثى لا يشرع لها عقيقة، هذا كلام يصادم ما ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وأحاديث العقيقة متواترة، وما نسب إلى فقيه الملة سيدنا أبي حنيفة رحمة الله ورضوانه عليه أنه يقول: إن العقيقة بدعة، فالكلام لا يصح عنه، وغفر الله للحافظ ابن حجر عندما نسب القول ببدعية العقيقة إلى أبي حنيفة في الجزء التاسع صفحة ثمان وثمانين وخمسمائة، وقد علق الإمام العيني على عبارته بعبارة قاسية شديدة، فقال: قال بعضهم في شرحه ..، ويشير إلى الحافظ ابن حجر ، والإمام العيني توفي بعد الحافظ ابن حجر بثلاث سنين كما تقدم معنا.قال بعضهم في شرحه قال أبو حنيفة : العقيقة بدعة، قلت: هذا افتراء على أبي حنيفة ، والإمام العيني حنفي، إنما أبو حنيفة لا يقول: بأنها سنة مؤكدة، إنما يقول: سنة مستحبة، أي: مشروعة لكن ليست من باب الأمر الثابت اللازم، يستحب للإنسان أن ينسك عن الغلام شاتين، وعن الجارية شاة، وإذا نسك عن الغلام شاةً واحدةً تجزئ، والأكمل شاتان. على كل حال لا يصح نسبة القول بالبدعية إلى أبي حنيفة عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وأحاديث العقيقة متواترة، كان في نيتي أن أذكر بعضها، وأنها ثابتة في الذكر والأنثى، فأشير إليها في أول الموعظة الآتية، وأكمل خطوات البحث فيما يأتي إن شاء الله.وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار.اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لجيرانه من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ..
 الأمر السادس الذي يبين فساد كلام الرازي
آخر الأدلة التي تبطل هذا الكلام الذي ذكرته وهو الدليل الثالث، ما ذكره الإمام الرازي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا أن هذه الآية تدل على أن النساء خلقن كخلقة الدواب والنبات والجماد: أن هذا الكلام إخوتي الكلام مفهوم جاهلي، كان يقول به العرب في جاهليتهم، فأنقذ الله المرأة من هذه الجاهلية التي كانت تتخبط فيها البشرية. وقد تقدم معنا ضمن مباحث النبوة في معاشرة نبينا عليه الصلاة والسلام لأمهاتنا أزواجه الطيبات الطاهرات المباركات على نبينا وأزواجه وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، تقدم معنا في بيان حسن خلقه معهن قصة عمر رضي الله عنه مع زوجه، ثم علق عليها بأنه قال: ما كنا نعد النساء شيئاً حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، فرأينا أن لهن حقاً علينا. تقدم معنا إخوتي الكرام هذا، وقلت: إن الحديث في المسند والصحيحين وسنن الترمذي والنسائي ، وذكرت لفظه مطولاً، الشاهد فيه يقول سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه: (كنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة على منورها صلوات الله وسلامه وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، قال: فتغضبت يوماً على امرأتي فإذا هي تراجعني، قال: فأنكرت ذلك أن ترد علي، فقالت لي: وما تنكر؟ فو الله إن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام ليراجعنه وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل، فقال: ويفعلن ذلك؟ قالت: نعم، اذهب إلى المسجد وتحقق، فلبس ثيابه رضي الله عنه وأرضاه وذهب إلى أمنا حفصة رضي الله عنها وأرضاها فقال: الواحدة منكن تراجع النبي عليه الصلاة والسلام وتهجره إلى الليل؟ فقالت: نعم نفعل هذا، فقال: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسرت، أتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله عليه الصلاة والسلام)؟.. تقدم معنا هذا، لا إله إلا الله.وفي بعض روايات الحديث كما في مسند أبي داود الطيالسي قال عمر رضي الله عنه لزوجته بعد أن أخبرنا أنه كان يتأمر أمراً، أي: يفكر فيه، ويدبر شأنه، ويتأمله رضي الله عنه وأرضاه، يقول: (بينا أنا في أمر أتأمره قالت لي زوجتي: لو صنعت كذا وكذا، فقلت لها: متى كنت تدخلين في أمورنا؟ قالت: وما تنكر؟ أزواج النبي عليه الصلاة والسلام خير مني يراجعن النبي عليه الصلاة والسلام) أي: الواحدة تتكلم عنده وتقول أمامه، فلم أنت تنكر إذا تكلمت وأبديت رأيي أمامك؟ وفي بعض روايات الحديث قالت له: (يا ابن الخطاب ! ما يستطيع أحد أن يكلمك، وابنتك تكلم النبي عليه الصلاة والسلام وتهجره حتى يظل يومه غضبان).وفي صحيح البخاري: (وابنتك تؤذي رسول الله عليه الصلاة والسلام)، أي: لا نستطيع أن نكلمك وابنتك حفصة تكلم خير خلق الله عليه الصلاة والسلام، لم أنت تثور علينا إذا كلمناك؟وفي رواية في صحيح مسلم يقول سيدنا عمر رضي الله عنه: (والله كنا في الجاهلية لا نعد للنساء أمراً، حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم، يقول: فقالت لي زوجتي: لو صنعت كذا وكذا، ثم قال لها: لم تدخلين نفسك في أمورنا)، ثم قالت له ما قالت.وفي بعض الروايات من مسند أبي داود الطيالسي قال عمر رضي الله عنه وأرضاه: (كنا لا نعتد بالنساء، ولا ندخلهن في أمورنا).وفي بعض روايات الحديث قال عمر رضي الله عنه: (كنا ونحن في مكة لا يكلم أحد امرأته، إلا إذا كانت له حاجة قضى منها حاجته).إذاً: هذا المفهوم مفهوم جاهلي، النساء ليس لهن اعتبار، وخلقن كخلقة الدواب والأنعام، فحقيقةً ليس بمفهوم شرعي، ولا يدل عليه شرع العزيز القهار، وعليه ما قاله الرازي منقوض لهذه الأمور الستة.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث النبوة - ارتفاق كل من الزوجين بصاحبه [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net