اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث النبوة - أزواج المؤمنين في جنات النعيم للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مباحث النبوة - أزواج المؤمنين في جنات النعيم - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
لقد دلت أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم على أن للمؤمن في الجنة اثنتين من الزوجات، كما دلت أحاديث صحيحة أخرى على أن له أكثر من ذلك، ففي بعضها سبعون، وفي بعضها اثنتان وسبعون، وفي بعضها عدد غير معين من الحور العين، والجمع بينها أن العدد القليل يدخل ويندرج تحت العدد الكبير، وعليه فإن المؤمن في الجنة يتزوج بإذن الله من الحور العين أكثر من زوجتين وما شاء، وفضل الله تعالى عظيم.
تقرير أن للمؤمنين في الجنة أكثر من زوجتين والجواب عما ورد في ذلك
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك الله وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد:إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس وصف القاصرات في أحاديث نبينا خير البريات عليه صلوات الله وسلامه، وتقدم معنا أن هذا المبحث ساقنا إليه بحث استطرادي ضمن مباحث النبوة ألا وهو: مقاصد النكاح، وتقدم معنا من مقاصد النكاح وحكمه: تذكر لذة الآخرة، وعند هذه الحكمة بحثت في أحوال الحوريات الحسان اللائي يكن في غرف الجنان، فذكرت ما وصفهن به ربنا الرحمن في آيات القرآن، وما ورد من وصفهن في أحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام، وباختصار: أعطاهن الله الكمال في خلقهن وفي أخلاقهن، فهن مطهرات من كل آفة حسية أو معنوية. إخوتي الكرام! وعند المبحث ذلك تقدم معنا أن الله يمن على عباده الموحدين في جنات النعيم بعدد كثير عظيم من الحور العين، وما ورد من أن الواحد يتزوج زوجتين أو سبعين أو ثنتين وسبعين، أو أن له خيمة من لؤلؤة مجوفة له فيها أهلون يطوف عليهن فلا يرى بعضهم بعضاً، أو أن السحابة تمر -كما تقدم معنا في كلام كثير بن مرة - فتقول: يا أهل الجنة! ماذا تريدون أن أمطركم؟ فما طلبوا شيئاً إلا أمطرتهم إياه، قال كثير بن مرة : لئن أشهدني الله ذلك لأقولن لها: أمطري علينا جواري مزينات. وخلاصة ما قلته حول هذه الأحاديث الثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام: أن ذكر القليل لا يتنافى مع الكثير، والله يغدق على عباده ما شاءوا وما أرادوا وما أحبوا لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:35]، وقلت: هذا الجواب هو فيما يظهر أسد الأجوبة في هذا الموطن وفيما يشبهه عندما يرد معنا أعداد مختلفة، فالجمع بينها: أنه لا تعارض بينها؛ لدخول القليل في الكثير والعلم عند ربنا الجليل، وهذا الجواب هو الذي يميل إليه شيخ الإسلام الإمام النووي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في مثل هذه المباحث.
 أجوبة الإمام ابن القيم في عدد أزواج المؤمن في الجنة والتعليق عليها
وأما الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح في صفحة ستين ومائة، فقد أبعد كثيراً في القول، فذكر ثلاثة احتمالات لهذه الأعداد المختلفة في عدد النساء اللائي يتزوج بهن المؤمن في جنات النعيم، فقال -وهو الاحتمال الأول الذي أورده-: الأحاديث الصحيحة صرحت بأن لكل منهم زوجتين، وليس في الصحيح زيادة على ذلك، هذا الوارد في الصحيحين، مع أنه سيأتينا في آخر كلامه، وتقدم معنا خبر الصحيحين وهو آخر ما ذكرته، حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه، وهو في المسند وسنن الترمذي وغير ذلك، بأن للمؤمن لخيمة مجوفة من لؤلؤة، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم فلا يرى بعضهم بعضاً، إذن ليس زوجتان فقط، بل أهلون، فهو يقول: الأحاديث الصحيحة مصرحة بأن لكل منهم زوجتين، ثم قال: وأما الأحاديث الزائدة، فإن كانت محفوظة نجمع بينها وبين ما في الصحيح فنقول: ما في الصحيح لكل منهم زوجتان، أي: الزوجة التي هي زوجة حقيقة، سواء من نساء أهل الدنيا أو من الحوريات، وما زاد على ذلك فهو من السراري والإماء والخدم، ولسن من الزوجات، هذا الجواب الأول، يقول: إن ثبت هذا في الأحاديث وصحت فإن الزيادة على الزوجتين على الثنتين هن من باب السراري والإماء، والخدم، لا أنهن زوجات.ثم أورد احتمالاً ثانياً أبعد من الأول بكثير فقال: لعل النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أن كل واحد له زوجتين، ويعطى قوة سبعين أو أكثر في الجماع، مع أنه ليس له إلا زوجتان، فتصرف بعض الرواة في حديث نبينا خير البريات عليه الصلاة والسلام، فبدل من أن يقول: إنه يعطى قوة سبعين، قال: يزوج بسبعين، فقال: هذا لعله من باب تصرف الرواة.والاحتمال الثالث الذي ذكره، قال: لعل هذا التفاوت فيما بينهم إن ثبتت به الأحاديث -وهي ثابتة- لتفاوتهم في الدرجات، فبعضهم له زوجتان، وبعضهم له اثنتان وسبعون، وبعضهم له سبعون، وبعضهم أربعة آلاف، على حسب درجته ومنزلته عند ربه جل وعلا، وختم الكلام بقوله: ولا ريب أن للمؤمن أكثر من اثنتين؛ لحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه.وأنا أقول معلقاً على كلام شيخ الإسلام الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: أما الاحتمال الأول الذي ذكره وهو أن الأحاديث الصحيحة صرحت بأن لكل واحد زوجتين، والزائد إن ثبت فنقول: هذا من باب السريات والإماء، فأقول: لا فارق بين أحاديث الصحيحين وغيرهما إذا صحت، فإذا صحت فالكل كلام النبي عليه الصلاة والسلام، ينبغي أن نأخذ به، والأحاديث الصحيحة، سواء كانت في المسند أو في الصحيحين، إذا صحت فلا داعي بعد ذلك وأن نقول: ما في الصحيحين يحمل على أنه زوجة، وما في المسند يحمل على أنه سرية، وقد تقدم معنا أحاديث صحيحة متعددة بأن للمؤمن أكثر من زوجتين في جنات النعيم، فهذا الاحتمال بعيد.وأبعد منه فتح باب توهيم الرواة وتخطئتهم بدون بينة ولا برهان لا يعول عليه، ولا يجوز أن نفتح هذا الباب قطعاً، ولا يحل لنا أن نقول به، يقول: لعل الرواة أخطئوا وتصرفوا، فبدلاً من أن يقولوا: يعطى الواحد قوة سبعين، قالوا: يعطى سبعين زوجة، وهذا كما قلت: فتح باب تخطئة الرواة بدون مبرر، وهو خطأ.الأمر الثالث: قوله: يتفاوتون في المنزلة، نعم هم يتفاوتون، وإذا تفاوتوا فلكل واحد على حسب منزلته، لكن لا يعني أن بعضهم قد يقتصر على زوجتين فقط. فالجواب المعتمد أن نقول: ذكر القليل لا يتنافى مع الكثير، ثم هم يتفاوتون في ذلك، فلا مانع أن يكون عند بعضهم عشرة آلاف، وعند بعضهم ألف، لكن ليس واحد منهم له زوجتان فقط، فإن الأحاديث صرحت بأن أدنى أهل الجنة له اثنتان وسبعون كما تقدم معنا، ويوجد أعداد زائدة، فلا يجوز إذن أن نقول: إنهم يتفاوتون، فبعضهم له زوجتان، وبعضهم له اثنتان وسبعون، وبعضهم مائة، وبعضهم ألف، بل نقول: ذكر القليل لا يتنافى مع الكثير، ثم هم يتفاوتون حتماً فيما بينهم على حسب رغبتهم، فإذا كان الواحد منهم كـكثير بن مرة رضي الله عنه وأرضاه يريد أن تمطره السحاب جواري مزينات، يعطيه الله من الحوريات ما شاء، وإذا كان الواحد منهم لا يريد عدداً كثيراً على حسب ما يطلب، فلهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد.
ذكر حديث ابن مسعود الطويل: (يجمع الله الأولين والآخرين...) الدال على أن للمؤمن في الجنة أكثر من زوجتين
إخوتي الكرام! والأحاديث الصريحة الصحيحة في ذلك كثيرة، سيأتينا بعد حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه الذي ذكرته في آخر الموعظة المتقدمة سأذكر بعده عدة أحاديث منها ما يتعلق بالشهداء، أن الواحد منهم له أكثر من زوجتين، وهذا ثابت عن نبينا سيد الكونين على نبينا وآله وصحبه صلواته الله وسلامه.إخوتي الكرام! الحديث -كما قلت- في مجمع الزوائد، انظروه في الجزء العاشر في صفحة أربعين وثلاثمائة إلى صفحة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، أورده في قرابة الصفحتين ونصف، وهو حديث صحيح ثابت عن نبينا صلى الله عليه وسلم، رواه الإمام الطبراني من طرق في معجمه الكبير، ورجال أحدها رجال الصحيح كما قال الإمام الهيثمي في المجمع في الجزء العاشر صفحة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، قال: غير أبي خالد الدالاني وهو ثقة، فجميع رجال الإسناد رجال الصحيح غير أبي خالد الدالاني وهو ثقة، وسأتينا ذكر أبي خالد الدالاني وترجمته إن شاء الله، وقد نص شيخ الإسلام الإمام الهيثمي على تصحيح هذا الحديث في مكانين: في هذا المكان الذي ذكرته لكم في باب جامع في البعث، وذكره بعد ذلك في باب أدنى أهل الجنة منزلة، وآخر من يدخلها، ثم قال: تقدم حديث صحيح طويل رواه ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه ذكرته في جامع في البعث، أي: في باب فيما يتعلق بأمر البعث.
 بيان الحكم على حديث ابن مسعود الطويل والتعقيب على كلام الذهبي حوله
إخوتي الكرام! هذا الحديث -كما قلت- صححه عدد من أئمتنا كما تقدم معنا: الإمام الهيثمي والمنذري والحافظ ابن حجر عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه، وقد علق الإمام الذهبي في تلخيص المستدرك على هذا الحديث فقال: ما أنكره حديثاً على جودة إسناده، ثم قال: وأبو خالد هو الدالاني شيعي منحرف.إخوتي الكرام! هذا الكلام الذي قاله الإمام الذهبي عليه رحمة الله ينبغي أن ننظر فيه ضمن ثلاثة أمور:أولها: أما أبو خالد فهو يزيد بن عبد الرحمن الدالاني ، قال الحافظ ابن حجر في ترجمته في التقريب: صدوق يخطئ كثيراً، وكان يدلس، وقد أخرج حديثه أهل السنن الأربعة، وقال الذهبي في ترجمته في الكاشف في الجزء الثالث صفحة تسعين ومائتين: وثقه أبو حاتم ، وقال ابن عدي : في حديثه لين، وتقدم معنا أن الإمام الهيثمي قال: رجال الإسناد كلهم رجال الصحيح غير أبي خالد الدالاني وهو ثقة، وأبو حاتم يوثقه، والهيثمي وثقه، وابن عدي يقول: في حديثه لين، ولذلك حكم الحافظ ابن حجر عليه حكماً وسطاً فقال: صدوق، يعني حديثه في درجة الحسن. قال الإمام ابن حجر في تهذيب التهذيب في الجزء الثاني عشر صفحة اثنتين وثمانين في تراجم الكنى من تراجم الرجال: قلت: قال الإمام أحمد : لا بأس به، إذن هذا العبد وهو أبو خالد الدالاني نقم عليه التشيع، وقلت لكم -إخوتي الكرام- مراراً: التشيع الذي يوصف به من يوصف من المتقدمين من رواة الحديث هو تقديم على علي غيره من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وقلت: هذا مع شناعته وعدم قبوله، لكن ليس في ذلك ما يوجب رد رواية هذا الإنسان؛ لأنه ما انتقص أحداً من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، فما وقع في عرض أحد، إنما قال هذا القول المبتدع في تقديم علي وتفضيله رضي الله عنه وعن سائر الصحابة أجمعين.الأمر الثاني: لم ينفرد أبو خالد الدالاني في هذه الرواية، وعليه فقد زال المحذور الذي نخشاه مما قيل فيه من كلام، فإذا قال ابن عدي : في حديثه لين، هذا المحذور زال مطلقاً، ولا عبرة بهذا المحذور على الإطلاق لوجود متابع له، وهو زيد بن أبي أنيسة ، فقد تابع أبا خالد الدالاني في الرواية عن المنهال بن عمرو فإن المنهال بن عمرو روى عنه أبو خالد الدالاني وزيد بن أبي أنيسة هذا الحديث، ورواية زيد بن أبي أنيسة عن المنهال من غير طريق أبي خالد الدالاني التي رواها عبد الله ولد الإمام أحمد في كتاب السنة والإمام البيهقي في كتاب البعث.إذن: الحديث روي من طريقين، من طريق زيد بن أبي أنيسة ، ومن طريق أبي خالد الدالاني ، أبو خالد الدالاني في طريق الحاكم ، وفي إحدى طرق الطبراني ، لكن عندنا طريق آخر فيه زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين، فالشيخ -وهو المنهال بن عمرو - روى عنه هذان التلميذان: أبو خالد الدالاني وزيد بن أبي أنيسة ، وزيد بن أبي أنيسة ثقة من رجال الكتب الستة، توفي سنة تسعة عشرة ومائة، وقيل: سنة أربع وعشرين ومائة، وإذا حذفت أبا خالد الدالاني ووضعت مكانه زيد بن أبي أنيسة فرجال الإسناد كلهم على شرط الصحيح؛ لأنه تقدم معنا أن رجاله رجال الصحيح غير أبي خالد الدالاني ، فـزيد بن أبي أنيسة من رجال الكتب الستة، وهو ثقة، وليس حوله كلام.وعليه: فإن المحذور الذي يخشى من تفرد أبي خالد الدالاني بالرواية لو تفرد قد زال لوجود هذا المتابع، على أن الحديث له طرق أخرى غير طريق زيد بن أبي أنيسة وغير طريق أبي خالد الدالاني عند الدارقطني في كتاب الرؤيا وعند الآجري في الشريعة، انظروا المكانين المتقدمين في الشريعة للآجري وفي الرؤيا للإمام الدارقطني .الأمر الثالث: ليس في الحديث ما يستنكر، إسناده ثابت ومتنه ثابت في أحاديث صحيحة كثيرة، فما الداعي للقول: ما أنكره حديثاً على جودة إسناده؟ لكل فقرة من فقراته شواهد ثابتة في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، ولذلك أشار المنذري إلى هذا، فبعد أن رواه قال: وقد روي هذا الحديث أيضاً مختصراً عن عبد الله بن مسعود في صحيح مسلم ، وروي ما يشهد لفقراته في الصحيحين وغيرهما من رواية أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أجمعين، انظروا بعض هذه الروايات، وفيها شواهد لهذا الحديث في جامع الأصول في الجزء العاشر صفحة ثمان وثلاثين وأربعمائة وست وأربعين وأربعمائة وثلاث وخمسين وخمسمائة، وهي روايات في الصحيحين منها رواية هذين الصحابيين أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أجمعين، فما هو الذي يستنكر فيه؟ لا أعلم، فما يوجد فقرة من فقراته إلا ولها شواهد ثابتة عن نبينا صلى الله عليه وسلم.ولذلك -إخوتي الكرام- الحديث لا ينزل عن درجة الحسن، بل هو صحيح كما نص على ذلك شيخ الإسلام الهيثمي وقبله المنذري وبعدهما الحافظ ابن حجر عندما قال: رواه إسحاق بن راهويه وإسناده صحيح، فالحديث صحيح إن شاء الله والعلم عند الله جل وعلا.هذا الحديث -إخوتي الكرام- يقرر معنى ما تقدم: أن للمؤمن أكثر من زوجتين، فهذا أقل أهل الجنة منزلاً له سرر وعليها أزواج في هذه الدرة المجوفة، وهو يطوف عليهن ولا يرى بعضهم بعضاً، وهذا وارد في أحاديث كثيرة، أنه من يدخل الجنة يتمتع بأكثر من زوجتين، ولا داعي للقول: زوجتان من نساء أهل الدنيا، والزائد من الحور العين، ولا داعي للقول: له زوجتان وما زاد إما من باب الخدم والإماء، وإما من باب خطأ الرواة... ونحو ذلك، بل الجواب المعتمد -كما تقدم- أن هذا مفهوم عدد ولا يتعارض، ولا منافاة بين ذكر القليل والكثير والعلم عند الله الجليل.
أحاديث أخرى تدل على أن للمؤمن في الجنة أكثر من زوجتين
استمع للروايات التي سأذكرها، وكما صرحت روايات صحيحة بأن للواحد زوجتين من نساء الدنيا، صرحت أيضاً أن له زوجتين من الحور العين، إذن ما زاد من الحور العين لا يتعارض مع هذا، وما زاد من نساء الدنيا لا يتعارض أيضاً مع ذاك، ولا داعي أن نقول: زوجتان من نساء أهل الدنيا والزيادات من الحور العين؛ لأنه ورد التصريح بأن الزوجتين من نساء الدنيا ومن الحور العين من كلام نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، وعليه فالزائد نقول: لا يتعارض؛ لدخول القليل في الكثير، أما إذا قيل: إن أحد العددين من نساء أهل الدنيا، فإنه مع وجود الرواية: بأن الزوجتين من الحور العين، سيقع في الأمر تعارض.
 أثر يزيد بن شجرة: (.. وتنزل عليه ثنتان من الحور العين..)
إخوتي الكرام! كما قلت: الأحاديث في ذلك كثيرة وفيرة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، فيها أنه يحصل لكل واحد زوجتان من نساء الدنيا، زوجتان من الحور العين، اثنتان وسبعون من الحور العين، اثنتان وسبعون من نساء الدنيا، سبعون من نساء الدنيا، أكثر أقل كل ما ورد نقول: لا تعارض بين هذه الروايات، فلا تعارض بين القليل والكثير لدخول القليل في الكثير والعلم عند الله الجليل سبحانه وتعالى.إخوتي الكرام! مما يدخل أيضاً في هذه الرواية وأختم به الموعظة، ما رواه الإمام البزار في مسنده والطبراني في معجمه الكبير ورواه عبد الرزاق في مصنفه، والإمام الحاكم في مستدركه في الجزء الثالث صفحة أربع وتسعين وأربعمائة، ورواه شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد والرقائق صفحة ثلاث وأربعين وخمس وتسعين، ورواه أيضاً في كتاب الجهاد له، ورواه ابن أبي الدنيا كما في كتاب الترغيب والترهيب للإمام المنذري في الجزء الثاثى صفحة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وانظروا الأثر في كتاب البعث للإمام البيهقي صفحة اثنتي عشرة وثلاثمائة، وهو في مصنف ابن أبي شيبة ، وانظروه أيضاً في سنن سعيد بن منصور ، وانظروا الأثر في مجمع الزوائد في الجزء الخامس صفحة أربع وتسعين ومائتين من رواية يزيد بن شجرة ، ويزيد بن شجرة مختلف في صحبته، وقد رجح الإمام المنذري في الترغيب والترهيب في المكان الذي ذكرته أن صحبته لا تثبت، إنما هو من التابعين رحمة الله ورضوانه عليه وعلى المسلمين أجمعين، وانظروا كلام الحافظ على صحبته في الإصابة في الجزء الثالث صفحة ثمان وخمسين وستمائة، وعزا الأثر أيضاً إلى كتاب مكارم الأخلاق للإمام الخرائطي وإلى الغيلانيات وقال: رواه البغوي وأبو نعيم وابن منده ، ثم حكم الإمام المنذري على إسناده إذا كان من كلام يزيد بن شجرة من كلامه موقوفاً عليه فإسناده صحيح، وإذا كان روي مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام فيصبح مرسلاً، ورجح -كما قلت- رواية الوقف على يزيد بن شجرة ، وهو من أئمة التابعين كما تقدم معنا. انظروا مثلاً رواية سعيد بن منصور في الجزء الثاني صفحة مائتين وتسع عشرة، يقول: عن الأعمش عن مجاهد عن يزيد بن شجرة قال: كان يقص -يعني يزيد بن شجرة - كان يقص ويحدث ويعظ، وكان يصدق قوله فعله، أي: هو من العلماء الربانيين القانتين الذين يعملون بعلمهم، وكان يقول يزيد بن شجرة : السيوف مفاتيح الجنة، وكان يقول: إذا التقى الصفان في سبيل الله وأقيمت الصلاة، نزلن الحور العين فاطلعن، فإذا أقبل الرجل قلن: اللهم ثبته، اللهم انصره، اللهم أعنه، فإذا أدبر احتجبن عنه وقلن: اللهم اغفر له، وإذا قتل غفر له بأول قطرة تخرج من دمه كل ذنب له، وتنزل عليه ثنتان من الحور العين. وتقدم معنا: اثنتان وسبعون، وتقدم: تبتدره زوجتاه، وكل هذا لا تعارض فيه، وتنزل عليه ثنتان من الحور العين تمسحان عن وجهه الغبار وتقولان: قد آن لك، يعني أن تتصل بنا، وأن تتمتع بنا، فقد فارقت الحياة، ويقول: قد آن لكما أن أتصل بكما فقد فارقت الحياة الدنيا. هذا الأثر روي مرفوعاً وروي موقوفاً، وهذا الذي صححه ورجحه شيخ الإسلام الإمام المنذري في الترغيب والترهيب والعلم عند الله جل وعلا.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث النبوة - أزواج المؤمنين في جنات النعيم للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net