اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث النبوة - أحداث في بيت النبي صلى الله عليه وسلم [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مباحث النبوة - أحداث في بيت النبي صلى الله عليه وسلم [1] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
كان بيت النبوة لا يخلو من بعض الكدر الذي يحصل في كل بيت، إلا أن محل العجب والحكمة أن هذا البيت كانت المشاكل فيه محدودة العدد والأثر على الرغم من كونها تمس تسع زوجات هن أمهات المؤمنين عليهن رضوان الله، وكان تعامله صلى الله عليه وسلم مثلاً ونبراساً تجاه هذه الإشكالات، في سعة صدره معهن، واحتوائه لما يقع بينهن، ومعالجته لذلك بأنسب طريق وأفضل سبيل.
تعامل النبي مع ما يحصل في بيوته من التقصير والخلل
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة أجمعين، وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً, وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا, وعلمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين! اللهم زدنا علماً نافعاً, وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين! سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك! سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك! اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: إخوتي الكرام! كنا نتدارس معاملة نبينا عليه الصلاة والسلام مع زوجاته أمهاتنا الطاهرات المباركات عليه وعليهن صلوات الله وسلامه. وقد تقدم معنا إخوتي الكرام! أن خير الناس خيرهم لأهله، وبما أن نبينا عليه صلوات الله وسلامه هو خير المخلوقات قطعاً وجزماً، فهو خيرهم للزوجات عليه الصلاة والسلام، وقد تقدم معنا أن نبينا عليه الصلاة والسلام كان يطوف على نسائه أمهاتنا الطاهرات في جميع الأوقات، فيتفقدهن في كل يوم كما مر معنا هذا، وتقدم معنا أيضاً أن نبينا عليه صلوات الله وسلامه كان يحنو عليهن, ويحفظ ودهن في حياتهن وبعد مماتهن، وتقدم معنا أيضاً أنه كان يحسن عشرتهن ومعاشرتهن, وقررت هذا بالأحاديث الصحيحة الصريحة في الدلالة على هذا الأمر. ووصلنا عند الأمر الرابع, ألا وهو أن نبينا عليه الصلاة والسلام كان يصبر عليهن, ويتحمل منهن قصورهن وتقصيرهن، وقلت: إن هذا الأمر الرابع به يتجلى حسن الخلق على وجه التمام والكمال، فحسن الخلق: أن تبذل الندى, وهو الخير والمعروف والبر والإحسان، وأن تتحمل الأذى، أحسنت إلى عباد الله, ثم بعد ذلك تتحمل الأذى منهم وتصبر عليهم، وهنا أحسنت إلى زوجاتك فلو قدر أنه جرى منهن قصور نحوك فينبغي أن تصبر وأن تحتسب, وأن تحلم وأن ترفق، وهذا هو خلق الكرام الذين يتصفون بالأخلاق الحسنة, ولنبينا عليه الصلاة والسلام من ذلك النصيب الأوفى الذي لا يمكن لبشر أن يصل إلى درجته في ذلك، كيف لا والله يقول في حقه: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]. اللهم صل على نبينا وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الكرام المباركين.إخوتي الكرام! حسن الخلق يتجلى كما قلت عند هذا الأمر الرابع، فلا بد من الرفق وتحمل الأذى من الزوجات عندما يصدر منهن نحو أزواجهن، وقد ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم من رواية أمنا عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه ). فعليك بالرفق في جميع حياتك لاسيما مع أهلك وزوجاتك, واضبط أعصابك، فإذا أحسنت ما أحسنت وجرى منها ما جرى من الإساءة فحذاري أن تقابل هذه الإساءة بغضب وبانفعال؛ لئلا تحبط عملك الذي عملته، ولئلا يضيع إحسانك الذي بذلته، ولذلك كان نبينا عليه الصلاة والسلام يوصينا بأن نضبط أنفسنا في جميع أحوالنا، ففي مسند الإمام أحمد وموطأ الإمام مالك ، والحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه، والإمام الترمذي في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: ( أن رجلاً جاء إلى نبينا عليه صلوات الله وسلامه فقال: أوصني، قال: لا تغضب، فردد مراراً: أوصني .. أوصني، يقول: لا تغضب .. لا تغضب ). كلما يكرر طلب الوصية يجيبه نبينا عليه الصلاة والسلام بهذه القضية: (لا تغضب). فإن الغضب يجمع شر الدنيا والآخرة، وسوء الدارين العاجلة والآجلة، فإذا جرى من أهلك نحوك ما جرى لا تغضب.وأنت حقيقة إذا ضبطت نفسك ولم تضيع إحسانك فأنت الرجل الشهم وأنت الكريم وأنت صاحب الخلق الحسن، وقد ثبت في المسند وموطأ الإمام مالك والصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس الشديد بالصرعة, إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ). ليس الشديد بمن يصرع الرجال، فهو مصارع قوي ماهر، يضجعهم على الأرض ويلقيهم على التراب. ( ليس الشديد بالصرعة, إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ). فأنت قيم وأنت سيد بكتاب الله, وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ [يوسف:25]، وأنت ترعى البيت ومن فيه، لكن ليس معنى هذا أنك ينبغي أن تتصف بالجبروت والغلظة والفضاضة والغضب والحماقة، لا ثم لا، فإذا جرى من هذه المسكينة ما جرى نحو إحسانك ومعروفك وفضلك فقابله بصدر رحب، وصرف الأمور على حسب شرع العزيز الغفور. نعم، أمران لا ينبغي أن تتهاون فيهما إذا صدرا من الأهل والزوجات: الأول: معصية في حق الله جل وعلا، فلابد من أن تثأر لله كما يثأر الليث الحرب، وأن توقف الأمور عند حدها، وأن لا تتساهل في حقوق الله جل وعلا، أما في حقوقك كلما صفحت فهذا خير لك. والناس عكسوا القضية, يغضبون لحقوق أنفسهم, ويحلمون عند ضياع حقوق ربهم، وهذا هو الضلال المبين. الأمر الثاني: إذا جرى من زوجة اعتداء على زوجة أخرى حقيقة لا يصلح الحلم أيضاً والصفح في هذا الأمر, فهذا ليس حقك، ينبغي أن تعطي كل زوجة حقها، وأن لا تميل مع واحدة على حساب الأخرى. هذا ليس لك الآن. ثم ما عدا هذين الحقين كلما عفوت وصفحت فأنت أحسن، فإذا أطالت لسانها بل مدت يدها ودفعت بك في صدرك وأحياناً جرى منها ما جرى من هجران ونفور فكل هذا تحمله, وطيب خاطرها بكلام طيب؛ لعل الله جل وعلا يعفو عنك, ويستر الزلات التي تصدر مني ومنك يوم القيامة, فهو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.إخوتي الكرام! هذا الأمر الرابع, قلت: سأستعرض نماذج منه مما جرى في بيت نبينا عليه الصلاة والسلام من أمهاتنا نحو نبينا عليه صلوات الله وسلامه, وهو بلا شك كما تقدم معنا قصور منهن، وتقصير نحو نبينا عليه الصلاة والسلام، ولا نقصد بذلك أن نعيرهن كما تقدم معنا, فهن أكمل النساء وأطهر النساء بلا شك، لكن هذه هي الحياة الدنيا كما سيأتينا، وقلت هذه السلبيات التي جرت في بيوت خير البريات عليه الصلاة والسلام إن أحصيت واستوعبت لا تصل إلى عدد أصابع اليدين، ثم هي كما سيأتينا سلبيات ظاهرة, ما دخلت إلى القلب, ولا عشعشت فيه، ونحن عندما ندرس هذا نستفيد فوائد عظيمة أبرزها فائدتان:الفائدة الأولى: لنعلم أن الدنيا دار كدر، مهما صفت فلا تخلو من عكر وكدر.والأمر الثاني: لنستفيد معالجة هذا الكدر من بيوت نبينا خير البشر عليه صلوات الله وسلامه، فقد جرى هذا في بيته، وهو عليه صلوات الله وسلامه أسوتنا وقدوتنا وإمامنا في جميع شئوننا, فيما نحب وفيما نكره، فإذا طرأ في بيوتنا شيء مما نكرهه نعالجه كما كان نبينا عليه الصلاة والسلام يعالجه.حقيقة هذا يدل على حال الدنيا، ثم ما سلم من هذا بيت النبي عليه الصلاة والسلام وإن كانت الحوادث كما قلت بمقدار, وعولجت معالجة حسنة, فلنقتد بنبينا عليه الصلاة والسلام في هذا الأمر.إخوتي الكرام! الناس في هذه الحياة لا ينفك عنهم وصف البشرية، لا يخرجون عن وصف الإنسانية، وفيهم الخطأ والنسيان والذهول والتقصير, هذا لا يمكن أن ينفك عنه بشر مادام في هذه الحياة، وهذه الحياة لا يمكن أن تكون دار صفاء ووفاء، إنما الصفاء والوفاء على وجه التمام هذا في غرف الجنان, هناك لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر:48]. هناك الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر:34]. هناك: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ [ق:35]. وأما هنا ما يحصل لك مما تشاؤه أقل بأضعاف مضاعفة مما لا يحصل لك، فأنت تريد أشياء كثيرة ولا يحصل لك منها إلا القليل، فانتبه لهذا الأمر! هذا حال الدنيا, والأمر كما قال بعض الأكياس:طبعت على كدر وأنت تريدها صفواً من الأقذاء والأكدار ومكلف الأيام ضد طباعهامتطلب في الماء جذوة نار لا يمكن أن تحصله, يعني: جذوة نار .. قطعة نار من جوف الماء لا يمكن هذا، وهذا حال الدنيا، إذا أردت الصفاء والراحة والطمأنينة فيها فهذا خيال ووهم، هذا لا يحصل إلا في الدار التي لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر:48]. فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام وهو خير عباد الرحمن، وهو خير المخلوقات جرى في بيته عليه صلوات الله وسلامه ما جرى، وتحمل وعفا وصفح، هذه حياة كدر .. حياة عناء .. حياة يقع فيها شيء من الشدة والبلاء، فلا بد من أن تصبر, ولا تقل للزوجة: أنا أفعل وأحسن وأقدم وأنت تقابليني هذا بهذه المعاملة؟ يا عبد الله هذا حال الحياة، لا راحة إلا بلقاء الله جل وعلا.ثم - كما قلت- هذه الحوادث من أولها لآخرها إذا كانت القلوب طاهرة تبقى انفعالات ظاهرية, تزول بعد ذلك مباشرة، إنما حصل انفعال إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:201]. ذكرت الحادثة الأولى إخوتي الكرام! في تآمر من تآمر من أمهاتنا على نبينا صلوات الله وسلامه, وكيف تسبب عن هذه المؤامرة أن يحرم نبينا عليه الصلاة والسلام على نفسه سريته، وأن يحرم على نفسه شرب العسل، فعوتب من قبل الله عز وجل، ثم بعد ذلك هجر نساءه شهراً، فكل واحدة تتمنى لو قطعت في ذلك الشهر قطعاً ولم يحصل هذا الهجر من نبينا عليه الصلاة والسلام لها، ثم عندما نزلت آية التخيير وبدأ بأصغرهن أمنا عائشة رضي الله عنهن جميعا، قال: ( سأعرض عليك أمراً لا تستعجلي حتى تستشيري أبويك، ثم تلا الآية، قالت: أفيك أستشير؟ بل أختار الله ورسوله ) على نبينا وآل بيته جميعاً صلوات الله وسلامه. ثم استقرأ نساءه التسع كل واحدة تقول: بل أختار الله ورسوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:28-29].
 تعامل النبي مع سائر زوجاته في غيرتهن من عائشة ومن كثرة ما يهدى له وهو عندها
واستمع لهذه الحادثة أيضاً وهي في مسند الإمام أحمد والصحيحين وسنن الترمذي والنسائي ؛ لأنها تتعلق بمبحثنا في موضوع ما كان يجري بين أزواج نبينا عليه الصلاة والسلام, وانتبه كيف بعد ذلك عندما الواحدة تكلم من قبل النبي عليه الصلاة والسلام تقف عند حدها. كما قلت الحديث في المسند والصحيحين وسنن الترمذي والنسائي عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: ( إن الناس كانوا يتحرون هداياهم يوم عائشة يبتغون بها أو يبتغون بذلك مرضات رسول الله صلى الله عليه وسلم ). لاشك أنهم علموا أن قلبه يميل لأمنا عائشة أكثر من ميله إلى غيرها، وقلنا: هذا الميل كله بإرشاد رباني ووحي إلهي, فما نزل عليه كما سيأتينا في لحاف امرأة من نسائه إلا في لحاف أمنا عائشة , وهذا للإشارة إلى تقديمها، وكما قلنا: هذا تقديم قلبي، أما المعاملة الظاهرة: ( هذا قسمي فيما أملك, فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ).وفي رواية عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: ( إن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كن حزبين ). التسع ينقسمن إلى حزبين، حزب رئيسه أمنا عائشة , وحزب آخر رئيسه أم سلمة , فاستمع لهذين الحزبين المباركين، وأحسن ما عرفته البشرية من أحزاب في المنافسة على الخير والحرص على خير خلق الله عليه صلوات الله وسلامه، قالت أمنا عائشة : ( فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة -والرئيس عائشة - والحزب الآخر أم سلمة وسائر أزواج النبي عليه الصلاة والسلام, وهن أربع مع أم سلمة , زينب وميمونة وجويرية ورملة أم حبيبة ). هذه خمس مع أم سلمة , أربع وهي، وأما عائشة ثلاث وهي، أربع وخمس, كن حزبين. قالت: ( وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لـعائشة , فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام أخرها حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة رضي الله عنها وأرضاها ذهب صاحب الهدية بها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في بيت عائشة ). تكلم حزب أم سلمة الأربع فقلن لها: ( كلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم الناس, فيقول: من أراد أن يهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية فليهد إليه حيث كان من نسائه ). وهذه الهدية ما تستأثر بها أمنا عائشة , لا ثم لا، لكن يحصل لها الفضيلة في بيتها، جاءت الهدية إليها ثم قسمها النبي عليه الصلاة والسلام بين نسائه, فكأن تلك البيوت مفضولة وهذه بيت الفاضل، يعني: هذا يخرج منه الجود وتلك البيوت تأخذ فقط، فقالت أمهاتنا الأخريات: لم بيت عائشة هو منبع الجود؟ تأتي الهدية إلى البيت الذي يكون فيه النبي عليه الصلاة والسلام, ومن ثم تقسم لسائر بيوته. فهذا الحزب الثاني قال للمسئول أمنا أم سلمة رضي الله عنهن جميعاً: ( كلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فكلمته أم سلمة بما قلن فلم يقل لها شيئاً -سكت وما أجابها بشيء- فسألنها فقالت: ما قال لي شيئاً، فقلن لها: كلميه مرة ثانية، قالت: فكلمته حين دار إليها )، يعني: حين جاءتها ليلتها ونوبتها، ( فلم يقل لها شيئاً، فسألنها فقالت: ما قال لي شيئاً، فقلن الثالثة: كلميه حتى يكلمك )، يعني: لا تقبلي منه السكوت، قولي له: النساء يطلبن أن تقول للصحابة: كل واحد يهدي إليك حيث كنت, ولا يتحرون بهداياهم ليلة عائشة , ولا تسكتي, أعيدي عليه حتى يجيبك, ننظر ماذا سيقول النبي عليه الصلاة والسلام, فدار إليها فكلمته، فقال لها: ( لا تؤذيني في عائشة , فإن الوحي لم يأتيني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة ). وتقدم معنا الحكمة من ذلك, قلنا: لمكان أبيها، فأبوها لم يفارق النبي عليه الصلاة والسلام في سفر ولا حظر، فسرى سره إليها، فكان الوحي ينزل على نبينا عليه الصلاة والسلام وهو في لحاف ابنة أبي بكر , على نبينا وآله وصحبه جميعاً صلوات الله وسلامه. وقيل: لحكمة ثانية أوردها الحافظ ابن حجر , ذكرتها, وهي أنها كانت تبالغ في نظافة ثيابها وجسمها وطهارتها، فكان الملك يخصها بذلك من قبل الله جل وعلا، فينزل على النبي عليه الصلاة والسلام في لحافها، وانتبه للانصاف والوقوف عند الحد قالت أم سلمة: ( أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله عليه الصلاة والسلام )! إذا كان هذا الكلام يؤذيك أنا أتوب إلى الله منه ولا أعود إليه. انظروا لهذا الإنصاف. وكما قلنا: هذه غيرة ظاهرية تزول بعد ذلك.ثم إنهن بقية الحزب دعون فاطمة بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام, فأرسلنها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول: ( إن نساءك يسألنك العدل في بنت أبي بكر , فكلمته -يعني: فاطمة - فقال: يا بنية! ألا تحبين ما أحبه، فقالت: بلى )، وفي رواية المسند: ( إنها حبة أبيك ورب الكعبة, فأحبي هذه ). وفي بعض الروايات قال: ( أتحبينني؟ قالت: نعم، قال: فأحبيها، فرجعت إليهن فأخبرتهن، فقلن لها: ارجعي إليه - يعني: مرة ثانية- فأبت أن ترجع، فأرسلن زينب بنت جحش ). هذا المبعوث الثالث، وهي لا زالت من الحزب الثاني، زينب , ( فأتته فأغلظت وقالت: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي قحافة , فرفعت صوتها ثلاثاً, حتى تناولت عائشة وهي قاعدة ), يعني: ما ذنبها؟ الآن هي لا دخل لها بذلك، رسول الله عليه الصلاة والسلام يأتي إليها والمسلمون يهدون إليه في بيتها، طيب هي ما دخلها؟ ( تناولت عائشة وهي قاعدة فسبتها ). افهم معنى السب, لا تفهمه على اصطلاحنا, سبتها كأنها تقول: أنت لم ما تقولين للنبي عليه الصلاة والسلام كما نقول له نحن أن يقول للصحابة أن يهدوا إليه حيث كان, لم أنت تستأثرين بالخير وتتميزين علينا؟ ومن هذا الكلام، كله محاسبات شرعية، ( حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لينظر إلى عائشة هل تتكلم، فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عائشة فقال: إنها ابنة أبي بكر ).وفي رواية أخرى قالت: ( كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة ، فاجتمع صواحب لـأم سلمة , فقلن: يا أم سلمة ! إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة , وإنا نريد الخير كما تريد عائشة , فمري رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان، أو حيثما دار، قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم، قالت: فأعرض عني، قالت: فلما عاد إلي ذكرت ذلك له فأعرض عني، فلما كانت الثالثة ذكرت ذلك له فقال: يا أم سلمة ! لا تؤذيني في عائشة , فإنه والله ما نزل عليّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها ).وفي رواية أخرى قالت: ( أرسل أزواج النبي عليه الصلاة والسلام فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنت عليه وهو مضطجع في مرط، وهو كساء كان يتغطى به في بيت أمنا عائشة , فأذن لها، فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إن أزواجك أرسلنني يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة , وأنا ساكتة - وهي أمنا عائشة رضي الله عنها- قالت: فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي بنية ألست تحبين ما أحب؟ فقالت: بلى، قال: فأحبي هذه، قالت: فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعت إلى أزواج النبي عليه وعليهن جميعاً صلوات الله وسلامه، فأخبرتهن بالذي قالت والذي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقلن لها: ما نراك أغنيت عنا من شيء، فارجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة , فقالت فاطمة : لا والله لا أكلمه فيها أبداً. قالت عائشة : فأرسل أزواج النبي عليه الصلاة والسلام زينب بنت جحش زوج النبي عليه الصلاة والسلام، وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم )، أي: تضاهيني وتناظرني, من السمو وهي العلو، فهي لها مكانة كمكانتي وقريبة من مكانتي عند النبي عليه الصلاة والسلام، وهي ابنة عمته زينب بنت جحش , على نبينا وعلى آله جميعاً صلوات الله وسلامه. انتبه لكلام أمنا عائشة , ( ولم أر امرأة قط خيراً في الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثاً، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالاً -يعني: امتهاناً وتحميلاً لنفسها الصعاب والشداد- لنفسها في العمل الذي تصدق به وتتقرب به إلى الله عز وجل ). انظر لهذه الصفات التي تقولها أمنا عائشة في أمنا زينب , فيها هذه الصفات. انتبه! ما عدا فيها بس خصلة واحدة، قالت: ( ما عدا ثورة ), وهي الوثوب والثوران والغضب والانفعال، قالت: ( ما عدا ثورة من حد كانت فيها كانت تسرع منها الفيئة ). فيها تلك الصفات, وفيها غضب, بمجرد ما تغضب تعود إلى الرشد والصواب. قالت: ( فاستأذنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع عائشة في مرطها على الحال التي دخلت فاطمة عليها وهو بها، فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقالت: يا رسول الله! إن أزواجك أرسلنني يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة , قالت: ثم وقعت بي ). هذه هي الثورة في الحد، الشدة والغضب والانفعال، مع أنها ما رأت مثلها أتقى لله وأصدق حديثاً، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تتقرب به إلى ربها. ( ثم وقعت بي فاستطالت عليّ, وأنا أرقب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرقب طرفاً, هل يأذن لي فيها )، تسمح لي أن أرد، قالت: ( فلم تبرح زينب - لم تفارق المكان- حتى عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكره أن أنتصر فلما وقعت بها لم أنشبها -يعني: لم أمهلها ولم أتركها- حتى أثخنت عليها )، وفي رواية: ( لم أنشبها -أي: أمهلها وأتركها- حتى أثخنتها غلبة )، ليس أنها قطعتها وأسكتتها، ( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبسم: إنها ابنة أبي بكر )، وفي رواية المسند قال: ( فأقبلت عليها )، أمنا عائشة على أمنا زينب , ( حتى رأيتها قد يبس ريقها في فمها, ما ترد عليّ شيئا، فرأيت وجه النبي عليه الصلاة والسلام يتهلل ). طيب ماذا حصل من هذا؟ لا شيء، معاتبات ظاهرية جرت في بيوت خير البرية عليه الصلاة والسلام، عولجت في وقتها وانتهى الأمر، ثم هذه الثورة من حد الغضب فيها زالت بعد ذلك, وهذا الانفعال انطفأ، وفي الليل اجتمعن كما كنّ يجتمعن في بيت التي هي ليلتها, يتحادثن مع نبينا خير خلق الله على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.فلا بد إخوتي الكرام! من وعي هذا الأمر، لكن لا بد من تقدير موقف نبينا عليه الصلاة والسلام, وهو الذي ينبغي أن يقتدي به الأزواج الكرام مع الزوجات في هذه الحياة، فالمرأة إذا حصل منها ما حصل من غضب .. من انفعال .. من تقصير .. من قصور نحو الرجل، فإذا أنت ستقصر كما تقصر هي فالدنيا خربت، أنت القيم وأنت السيد، فأدخل هذا في واسع صدرك، وبعد ذلك عاملها بمعاملة الرفق والحنو والشفقة والصفح وتطييب الخاطر, بحيث تندم على ما جرى منها, وتعود الأمور إلى طبيعتها، بما أنه لا يوجد في القلب خبث متأصل ثابت لازم العلاج سهل، أما إذا كانت القلوب - نسأل الله العافية- فيها الفساد وفيها الخبث هذا كلما أصلحت في الظاهر تنفجر الأمور؛ لأن الداء كامن. لكن انتبه! هنا امرأة صالحة تقية نقية وهذا وصف جميع أمهاتنا أزواج نبينا عليه وعليهن جميعاً صلوات الله وسلامه، ما بقي إلا انفعال ظاهري هذا سيقع ليس فقط بين الضرائر، هذا سيقع بين أخلص الأصحاب مع بعضهم، كان يجري بين أبي بكر وعمر ما يجري من هذه الحوادث، وقلنا نحن: نعيش في هذه الحياة ولا تخلو من شوائب وكدر.فهذه الحوادث القليلة التي جرت في بيت نبينا عليه الصلاة والسلام عولجت بالحلم والصفح، وظهرت كما تقدم معنا معاملة نبينا عليه الصلاة والسلام لأمهاتنا، أحسن إليهن وصبر عليهن وتحمل منهن، هو على خلق عظيم فداه أنفسنا وآباؤنا وأمهاتنا.أما بقية الحوادث فلعله بقي معنا حادثتان أذكرهما إن شاء الله، وهذا مجموع الحوادث, لعله تقدم معنا بحدود خمس أو ست حوادث، نضيف إليها حادثتان، وهذا مجموع ما حصل كما قلت في بيوت نبينا عليه وعلى أمهاتنا وآل بيته وأصحابه صلوات الله وسلامه.بعد الانتهاء من ذلك سأختم كما قلت الكلام على هذا الأمر بترجمة عطرة موجزة لأمهاتنا؛ لأنه إذا ختمنا هذا المبحث فيما يجري منهن من قصور في الحقيقة نقصر معهن. لا بد بعد ذلك من ترجمة طيبة موجزة لكل أم من أمهاتنا مع نبينا عليه صلوات الله وسلامه.اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيرا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً. والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث النبوة - أحداث في بيت النبي صلى الله عليه وسلم [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net