اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث النبوة - معاشرة النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه وتعامله معهن للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مباحث النبوة - معاشرة النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه وتعامله معهن - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
كان النبي صلى الله عليه وسلم واسع الصدر في تعامله مع أزواجه، يراعي ما جبلن عليه من الغيرة، ويرحم فيهن الضعف البشري، ورغم ذلك فهو يبين للأمة من بعده ويرسم لها الطريقة السليمة للتعامل مع أخطاء البشر، وأن المخطئ لابد له من حد يمنع عنده من الاستمرار في الخطأ والتمادي فيه، وكان من ذلك اعتزاله صلى الله عليه وسلم لنسائه شهراً، وما تلا ذلك من تخييره إياهن العيش معه عيش الزهد والكفاف والإقلال، وبين طلب الدنيا مع غيره، فما كان منهن إلا اختيار الله ورسوله والدار الآخرة، فرضي الله عن أمهات المؤمنين أجمعين.
مجمل ما سبق ذكره من الحوادث التي جرت من زوجات النبي وكيفية تعامله معهن
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبمحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: أخوتي الكرام! كنا نتدارس خلق نبينا عليه الصلاة والسلام مع أهل بيته الكرام، وكنت أقدم لهذا الكلام مقدمة فيما جرنا إلى الكلام على هذا الموضوع من المبحث الثالث في الأمور التي يعرف بها صدق نبينا الرسول عليه الصلاة والسلام، ورأيت أن الأمر يطول في كل موعظة في تكرار تلك المقدمة، لذلك أرى أن ندخل في هذه الموعظة وفي المواعظ التي بعدها في الموضوع مباشرة، ونكمل ما وقفنا عنده إن شاء الله.إخوتي الكرام! تقدم معنا الكلام على خلق نبينا عليه الصلاة والسلام مع أزواجه أمهاتنا الطيبات الطاهرات، وقد قدمت إخوتي الكرام أن أكمل الناس وأفضل المؤمنين أحسنهم خلقاً، وخير الناس خيرهم لنسائهم، ونبينا عليه الصلاة والسلام هو خير المخلوقات، وهو أحسن الناس أخلاقاً مع الزوجات عليه وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.وقد قدمت إخوتي الكرام! ما يتعلق بطواف نبينا عليه الصلاة والسلام على جميع زوجاته، وتفقده لأحوالهن في جميع الأوقات، فما من يوم إلا ويطوف على نسائه عليه الصلاة والسلام، ويتفقد أحوالهن كما تقدم معنا هذا، وكان يقسم عليه الصلاة والسلام فيعدل، مع أن الله جل وعلا ما أوجب عليه القسم كما تقدم معنا هذا، بل كان عليه الصلاة والسلام يعدل في القسم في الحضر والسفر كما بينت هذا. ثم انتقلت إلى أمر آخر ألا وهو رعاية نبينا عليه الصلاة والسلام لأمهاتنا زوجاته الطيبات الطاهرات المباركات على نبينا وأزواجه وصحبه صلوات الله وسلامه، وكيف كان نبينا عليه الصلاة والسلام يقوم على وجه التمام بالوفاء نحوهن، ويحفظ ودهن في حال حياتهن وبعد مماتهن، كما تقدم معنا تقرير هذا بالأدلة فيما مضى.ثم انتقلت إلى الأمر الثالث وكنا نتدارسه وما أكملته ألا وهو حسن عشرة نبينا عليه الصلاة والسلام، وكرم معاشرته لزوجاته، وملاطفته لهن، ذكرت حديثاً يتعلق بهذا الأمر الثالث في معاملة نبينا عليه الصلاة والسلام لأزواجه، وكيف كان يعطيها العرق -العظم- لتتعرقه، فإذا تعرقته أخذه النبي عليه الصلاة والسلام فوضع فاه عليه الصلاة والسلام، فمه موضع فيها. وأما النماذج التي سأذكرها مما كان يجري في بيت نبينا عليه صلوات الله وسلامه، وكيف كان يتحمل التقصير الذي يجري من نسائه فكما قلت: سأحصي ما جرى في بيته مما يعد بأنه سلبيات، لكن كما قلت حوادث فردية لا تصل إلى العشرة، كلها بعد ذلك تعالج على حسب شريعة الله المطهرة، هذا هو حال البشر، وقد كان يجري بين أجلة الصحابة الكرام ما كان يجري، ثم بعد ذلك كل هذا يحسم على حسب شريعة الله والقلوب لا تتأثر.وتقدم معنا ما كان يجري بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين زوجته، دع بعد ذلك ما يجري بين النساء، فيقول: ( أعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت عليّ غضبى )، ثم قالت: أجل، لكن قلبي يخفق بحبك، وهو كذلك، عندما يختصم النساء أحياناً مع بعضهن، ويدبرن أحياناً شيئاً من المؤامرات والمنازعات يحسم بعد ذلك على حسب شريعة الله، ويوضع كل شيء في موضعه، ويصغي الإنسان إلى الحق ويئوب إليه، وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون. ثبت في المسند، والحديث في الصحيحين وسنن الترمذي والنسائي ، من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: لم أزل حريصاً على أن أسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله عز وجل: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم:4].وتقدم معنا إخوتي الكرام عند المبحث الثاني من مباحث النبوة عند تعريف النبي والرسول، وتقدم معنا النبي هل هو مشتق من النبأ كما تقدم معنا وهو بمعنى الخبر، أو من نبا ينبو نبواً على قراءة الهمز وعلى ترك الهمز؟ وقلنا: قرأ بالهمز نافع من العشرة: (يا أيها النبيء)، كما تقدم معنا القول أنه مأخوذ من النبأ والخبر، فهو مخبِر ومنبأ عن الله، وهو مخبَر ومنبأ من قبل الله، وأما النبي بترك الهمز، إما أن يكون من باب التسهيل فمعناه بمعنى الخبر، وإما كما قلت: من نبا ينبو نبواً إذا علا وارتفع قدره، وقلت: المعنيان حاصلان في رتبة النبوة، فهو منبَأ من قبل الله ومنبئ عن الله، وهو صاحب مقام عظيم، فرتبة النبوة هي أشرف الرتب عند ربنا الكريم سبحانه وتعالى، والنبي هو أفضل أمته بلا نزاع، ولا يصل ولي إلى رتبة نبي مهما علت رتبة الولي على أنبياء الله ورسله جميعاً صلوات الله وسلامه.تقدم معنا إخوتي الكرام عند تعريف النبي ذكر هذه الآية التي هي من سورة التحريم: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ [التحريم:1-3]، فهو منبئ عن الله ومنبأ من قبل الله جل وعلا.
 اعتزال النبي لأزواجه وما ترتب على ذلك وتأديبه لهن بذلك
قال: وكان لي جار من الأنصار فكنا نتناوب النزول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل يوماً وينزل يوماً فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وآتيه بمثل ذلك، وكنا نتحدث أن غسان على حدود الشام تنعل الخيل لتغزونا، أي: تجعل له نعالاً، بمعنى أنها تتهيأ بتجهيز الخيل من أجل غزونا وقتالنا في المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، قال: فنزل صاحبي، يعني من العوالي إلى المدينة المنورة إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام ليتعلم ثم يأتيني بالخبر، وأنا إذا نزلت هو يبقى وأتعلم وآتيه بالخبر، ثم أتاني عشاء فضرب بابي ثم ناداني فخرجت إليه فقال: حدث أمر عظيم، فقلت: هل جاءت غسان؟ هذا الأمر العظيم الذي نحن ننتظره، جاءت هذه الجحافل من جهة الروم تريد أن تغزو المدينة، قال: لا، بل أعظم من ذلك وأهول، لا إله إلا الله، ووالله إنه أروع، فراق نبينا عليه الصلاة والسلام لأمهاتنا أعظم من مجيء جحافل الكفر لقتال الموحدين، طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، هذا أعظم من مجيء الكفار، قلت: قد خابت حفصة وخسرت، وقد كنت أظن هذا يوشك أن يكون، حتى إذا صليت الصبح شددت عليّ ثيابي ثم نزلت ودخلت على حفصة وهي تبكي، فقلت: أطلقكن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: لا أدري، هو معتزل في هذه المشربة وهي الغرفة التي يجلس فيها النبي عليه الصلاة والسلام، فأتيت غلاماً له أسود فقلت: استأذن لـعمر، فدخل ثم خرج إلي قال: قد ذكرتك له فصمت عليه الصلاة والسلام، فانطلقت حتى إذا أتيت المنبر فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم، فإذا عنده عند المنبر، فجلست قليلاً ثم غلبني ما أجده فأتيت الغلام فقلت: استأذن لـعمر، فدخل ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت، فخرجت فجلست إلى المنبر ثم غلبني ما أجد فأتيت الغلام فقلت: استأذن لـعمر، فدخل ثم خرج فقال: قد ذكرتك له فصمت، أي: الثالثة، فوليت مدبراً، فإذا الغلام يدعوني فقال: ادخل فقد أذن لك، فدخلت فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو متكئ على رمال حصير قد أثر في جنبه -رملت الحصير إذا ضفرته ونسجته، ويقصد بذلك أنه لم يكن على سرير النبي عليه الصلاة والسلام وطاء غير الحصير، حصير فقط فوق سريره الخشبي قد أثر هذا الحصير في جنبه-، فقلت: أطلقت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءك؟ فرفع رأسه إلي وقال: لا، فقلت: الله أكبر! لو رأيتنا يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فتغضبت على امرأتي يوماً فإذا هي تراجعني فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك، فوالله إن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وتهجره أحداهن اليوم إلى الليل، فقلت: قد خابت من فعلت ذلك منهن وخسرت، أفتأمن إحداهن أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هي قد هلكت؟! فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله قد دخلت على حفصة، فقلت: لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منكِ، فتبسم أخرى، فقلت: أستأنس يا رسول الله عليه الصلاة والسلام -يتمدمد رضي الله عنه وأرضاه ليزيل الغضب عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو استئذان في الأنس والمحادثة، يعني: أتأذن لي أن أتوسع في الكلام- قال: نعم، قال: فجلست مطمئناً، ورفعت رأسي في البيت فوالله ما رأيت فيه شيئاً يرد البصر إلا أهباً ثلاثة -جمع إهاب، وهو الجلد الذي لم يدبغ-، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! ادع الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالساً ثم قال: ( أفي شك أنت يا ابن الخطاب، أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في هذه الحياة، فقلت: استغفر لي يا رسول الله )، وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهراً من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة، من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله. قال الزهري: فأخبرني عروة عن عائشة قالت: (لما مضت تسع وعشرون ليلة دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ بي، فقلت: يا رسول الله! إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهراً، وإنك دخلت من تسع وعشرين أعدهن)، كل يوم هذا نحسبه كأنه يقطع منا عضواً من أعضائنا، فقال: ( إن الشهر تسع وعشرون )، زاد في رواية: (وكان ذلك الشهر تسعاً وعشرين ليلة، ثم قال: يا عائشة ! إني ذاكر لك أمراً، فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك، ثم قرأ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:28-29]، قالت عائشة رضي الله عنها: قد علم والله أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه، فقلت: أفي هذا أستأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة)، وفي رواية: (أن عائشة قالت: لا تخبر نساءك أني اخترتك، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: إن الله أرسلني مبلغاً ولم يرسلني متعنتاً ). إخوتي الكرام! هذه الحادثة كانت قبل فرض الحجاب، والحجاب فرض في العام الخامس من هجرة نبينا عليه الصلاة والسلام، فهذه قبل هذا التاريخ، حصلت ودخل عمر رضي الله عنه على أزواج نبينا عليه الصلاة والسلام، أمهاتنا وكلمهن، ثم بعد ذلك وجه الله أمهاتنا أزواج نبينا عليه الصلاة والسلام هذا التوجيه فاستقمن ورجعن إلى الله جل وعلا، فكان ماذا؟ طبيعة البشر أن يخطئ، ونبينا عليه الصلاة والسلام عندما قابل ذلك الخطأ بأن حرم ما حرمه على نفسه من شرب العسل أو سريته، عاتبه الله جل وعلا، وأمره أن يكفر عما صدر منه، وأن يعود إلى ما كان عليه عليه صلوات الله وسلامه.وهذا الحديث إخوتي الكرام تقدم معنا ذكره، لكن من رواية مسلم عند بيان معيشة النبي عليه الصلاة والسلام، وماذا يوجد في بيته من أمتعة، وتقدم معنا ضمن تلك الرواية أن عمر رضي الله عنه عندما استأذن كان ذلك الغلام الأسود اسمه رباح ، وقال له: يا رباح ! استأذن لي فإني أظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظن أني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني أن أضرب عنقها لأضربن عنقها، انظر لهذا الإيمان، انظر لهذه الشدة التي ظهرت مع ما فيها من كره كيف تظهر معادن المؤمنين وحقائقهم، والله لئن أمرني أن أضرب عنقها لأضربن عنقها، وهذا في صحيح مسلم، قال: ورفعت صوتي، وأنه أذن لـعمر بعد ذلك، يعني عندما قال عمر هذا وسمعه النبي عليه الصلاة والسلام أذن له، وأنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يخبر الناس أنه لم يطلق نساءه أيضاً فأذن له، وأنه قام على باب المسجد فنادى بأعلى صوته: لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، وأنه قال له وهو يرى الغضب في وجهه: (يا رسول الله! ما يشق عليك من شأن النساء فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكال وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، قال: وقل ما تكلمت وأحمد الله بكلامي إلا رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، فنزلت آية التخيير: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا [التحريم:5]).وفي تلك الرواية التي تقدمت معنا في صحيح مسلم أنه قال: ( فلم أزل أحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تحسر الغضب عن وجهه، وحتى كشر فضحك عليه صلوات الله وسلامه، وكان من أحسن الناس ثغراً، قال: ونزلت أتشبث بالجذع، وهو الجذع الذي يرقى كما تقدم معنا عليه من المشربة إلى الغرفة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جذع يرقى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وينحدر، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما يمشي على الأرض ما يمسه بيده، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إنما كنت في الغرفة تسع وعشرين، فقال: إن الشهر يكون تسعاً وعشرين )، قال: ونزلت هذه الآية: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83].قال: فكنت أنا الذي استنبطت ذلك الأمر، فأنزل الله عز وجل آية التخيير: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [الأحزاب:28، إلى آخر الآيات، وفي رواية للبخاري ومسلم قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، وهذا هو ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين، فما أستطيع أن أسأله هيبة له، وهذا حقيقة هو إجلال طلبة العلم للعلماء عندما كانت القلوب طاهرة نقية، والسؤال مطلوب، لكن لابد أيضا من الوقوف عند الحد، والإكثار من الأسئلة لاسيما إذا كانت أحياناً أسئلة من باب التعنت هذا كله مذموم شنيع.قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى خرج حاجاً، قال: فخرجت معه، فلما رجعنا وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، فوقفت له حتى فرغ، ثم سرت معه فقلت: يا أمير المؤمنين! من اللتان تظاهرتا على النبي عليه الصلاة والسلام من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشة، فقلت: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة فما أستطيع هيبة لك، قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فسلني، فإن كان لي به علم أخبرتك به، ثم قال عمر رضي الله عنه: والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمراً، وفي رواية: ما نعد النساء شيئاً، حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم، قال: فبينا أنا في أمر أتأمره، يريد يعني يخطط لأمر من أموره، إذ قالت امرأتي: لو صنعت كذا وكذا، فقلت لها: ما لك ولما هاهنا، فيما تكلفك في أمر أريده، لم تتكلفين؟ فقالت لي: عجباً لك يا ابن الخطاب ما تريد أن تراجع أنت، وإن ابنتك لتراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان، فقام عمر فأخذ رداءه مكانه حتى دخل على حفصة فقال لها: يا بنية! إنك لتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان، فقالت حفصة: والله إنا لنراجعه، فقلت: تعلمين أني أحذرك عقوبة الله وغضب رسوله عليه الصلاة والسلام، يا بنيتي لا يغرنك هذه التي أعجبها حسنها وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها يريد عائشة، قال: ثم خرجت حتى دخلت على أم سلمة لقرابتي منها فكلمتها، انظر لجواب أمنا أم سلمة، فقالت أم سلمة: عجباً لك يا ابن الخطاب دخلت في كل شيء، حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله عليه الصلاة والسلام وبين أزواجه، قال: فأخذتني والله أخذاً كسرتني به عن بعض ما كنت أجد، فخرجت من عندها، وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر، ونحن نتخوف ملكاً من ملوك غسان ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا فقد امتلأت صدورنا منه، فإذا صاحبي الأنصاري يدق الباب فقال: افتح افتح، فقلت: جاء الغساني؟ قال: بل أشد من ذلك، اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه، فقلت: رغم أنف حفصة وعائشة، فأخذت ثوبي فخرجت حتى جئت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشربة له، وهي الغرفة كما تقدم معنا، يرتقى عليها بعجلة، وهي الدرج من جذع النخيل، وغلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس الدرجة، فقلت: قل هذا عمر بن الخطاب ، فأذن له بعد أن استأذن ثلاثاً كما تقدم، قال عمر: فقصصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، فلما بلغت حديث أم سلمة حين قالت: تريد أن تدخل بين رسول الله عليه الصلاة والسلام وبين أزواجه، ما كفاك أنك تدخل نفسك في كل شيء حتى في هذه القضية الخاصة، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وإن عند رجليه قرضاً مصبوراً، وروي: مضبوراً، يعني جلداً مجموعاً على بعضه، وعند رأسه أهب -جمع إهاب- معلقة فرأيت أثر الحصير في جنبه الشريف عليه صلوات الله وسلامه، فبكيت، فقال: ما يبكيك؟ فقلت: (يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة، قلت: بلى)، كما تقدم معنا إخوتي الكرام.في الحادثة الأولى، مما كان يجري من أمهاتنا من تقصير نحو نبينا عليه الصلاة والسلام، فيتحمل ذلك، ثم بعد ذلك يفئن ويرجعن إلى الحق، فكان ماذا؟ ( وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون )، وهو كما قلت قصور يعتري البشر في هذه الحياة، ولذلك أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعفو عن المؤمنين، وأن يستغفر لهم، وأن يشاورهم في الأمر: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران:159]، اعف عنهم فيما يتعلق بحقك، استغفر لهم فيما يتعلق بحق ربك، فإذا طهروا فأنت قلبك راض عليهم، والله قد غفر لهم لاستغفارك، تأهب الآن لمناجاتك ولمشورتك، وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران:159]، تطييباً لخواطرهم، هذا حال البشر، لا ينفك عن قصور وتقصير، لكن كما قلت هذا القصور لابد من علاجه، والاعتراف بالخطأ فضيلة، والإصرار على الخطأ جريمة ورذيلة، فكان يجري من أمهاتنا أزواج نبينا عليه صلوات الله وسلامه ما يجري من قصور وتقصير، لكن كما قلت حوادث دون أصابع اليدين، في تلك العشرة الطويلة الطيبة الكريمة، يجري حوادث تأتي الحوادث بعد ذلك توجه إلى الصواب، وبعد ذلك ينبن إلى الله الكريم الوهاب: إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا [التحريم:4]، وكل واحدة تعد كل يوم عداً، ولما نزلت آية التخيير كلهن قلن ما قالته أمنا الأولى عائشة رضي الله عنها وأرضاها التي بدأ بها فقالت: أفيك أستشير، بل أختار الله ورسوله. إذاً مما يدل على أن ما جرى دافعه انفعال ظاهري لا لفساد قلبي، هذا الانفعال وهذا القصور عولج وبعد ذلك زال وانتهى الأمر، وهذا القصور كما قلت ليس هو ديدن للإنسان، إنما يقع فيه على اختلاف الزمان عند تكرر الأيام، هذا حال الإنسان، فيقلع ويتوب إلى ذي الجلال والإكرام. هذه الحادثة الأولى إخوتي الكرام! وبينت التوجيه نحوها، وكما قلت هناك عدة حوادث ستأتينا، وكلها يعالجها نبينا عليه الصلاة والسلام، وبعد ذلك تعود الأمور إلى أحسن مما كانت عليه في الظاهر، أما في الباطن فالأصل إن شاء الله لا يوجد انحراف ولا تغير ولا تكدر، إنما شيء من الانفعال الظاهري عولج وزال، ونسأل الله أن يحسن ختامنا، وأن يجعل سرنا خيراً من علانيتنا إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليماً كثيراً. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، واغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث النبوة - معاشرة النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه وتعامله معهن للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net