اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث النبوة - طبت حياً وميتاً للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مباحث النبوة - طبت حياً وميتاً - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
إن الله تعالى خلق الخلق واختار منهم رسلاً، وجعل الرسل من البشر ويعتريهم ما يعتري جميع البشر في الحياة الطبيعية، إلا أن الله تعالى صانهم تكريماً لهم وتشريفاً عن ما فيه منقصة كالتثاؤب؛ لأنه من الشيطان، وكرمهم بأن جعل أجسادهم لا تتغير بعد موتهم ولا يعتريها ما يعتري سائر الموتى من بني آدم.
التثاؤب في حق رسول الله وجميع الأنبياء
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس المبحث الثالث من مباحث النبوة في بيان الأمور التي يعرف بها صدق النبي والرسول على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله جميعاً صلوات الله وسلامه، وقد قدمت الكلام على أن هذه الأمور كثيرة وفيرة، يمكن أن نجملها في أربعة أمور نتحقق بها من صدق من يدعي أنه رسول على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.أول هذه الأمور: النظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه خَلْقاً وخُلُقاً.وثاني هذه الأمور: النظر إلى دعوته ورسالته التي بعث بها ودعا إليها.وثالث هذه الأمور: المعجزات والخوارق التي أيده الله بها.ورابعها: النظر إلى حال أصحابه وأتباعه رضوان الله عليهم أجمعين.كنا إخوتي الكرام! نتدارس الشق الأول من الأمر الأول ألا وهو النظر إلى خلق النبي عليه الصلاة والسلام، وقد قلت فيما مضى: إن الله أعطى رسله وأنبياءه على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، أعطاهم الكمال في خَلْقهم وخُلُقهم، ففي خلقهم وخلقهم كمال من جلال وجمال كما تقدم معنا، وأخذنا الشق الأول لنتدارسه وكان في ظني أن نجمل الكلام عليه في موعظة أو موعظتين، لكن الدروس فيما يبدو ويظهر زادت على خمسة دروس في الشق الأول في بيان ما يتعلق بخَلْق النبي عليه الصلاة والسلام، ووجهة دلالة ذلك على أنه رسول الله حقاً وصدقاً على نبينا صلوات الله وسلامه، وهذه الدروس أقول: وإن طالت في هذا الجانب فهي في الحقيقة قطرة من البحر الذي عليه نبينا عليه الصلاة والسلام في خلقه من الكمال من جلال وجمال، من ملاحة وبهاء على نبينا صلوات الله وسلامه، وإذا فاتنا أن نصحب النبي صلى الله عليه وسلم، وأن نمتع العينين بالنظر إلى نور وجهه الكريم الشريف عليه صلوات الله وسلامه وفداه أنفسنا وآباؤنا وأمهاتنا، فلا أقل من أن نطيل الحديث بعض الشيء في وصف بدنه وخَلْقه وجسمه الشريف على نبينا صلوات الله وسلامه.إخوتي الكرام! كما قدمت أعطى الله أنبياءه الكمال في خَلْقهم فجعل خَلْقهم يتصف بالجمال والجلال فعوارض البشر التي يصاب بها كثير من البشر بوصفهم بشراً، وبوصفهم من بني آدم، هذه العوارض إذا كان فيها ما يشير إلى نقص فقد صان الله الأنبياء الكرام عنها، فالتثاؤب من العوارض البشرية التي يصاب بها بنو الإنسان، لكن التثاؤب يصان عنه الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام، لا يمكن لنبي أن يتثاءب؛ هذا يتنافى مع الجمال والجلال، مع الملاحة والبهاء، الذي يكون عليه خَلْق النبي عليه الصلاة والسلام، التثاؤب من الشيطان، ويدل على فتور وضعف عزيمة في الإنسان، فكيف يتصف به نبينا عليه الصلاة والسلام.وقد ثبت في كتاب التاريخ لشيخ المحدثين الإمام البخاري ، والأثر رواه ابن سعد في الطبقات، وابن أبي شيبة في المصنف، عن يزيد الأصم، ويزيد المعتمد في أمره أنه من أئمة التابعين الكبار الأبرار، وهو يزيد بن الأصم أبو عوف البكائي ، وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها وعن سائر الصحابة الكرام الطيبين، يقال: له رؤية للنبي عليه الصلاة والسلام، لكن لا يثبت ذلك كما قال الحافظ ابن حجر ، نعم هو من أئمة التابعين الأبرار وميمونة رضي الله عنها أم المؤمنين تكون خالة لـيزيد بن الأصم رضي الله عنه وأرضاه، وتوفي سنة ثلاث ومائة للهجرة، وحديثه مخرج في صحيح مسلم والسنن الأربعة، وروى عنه البخاري في الأدب المفرد، وهذا الأثر لفظه عن يزيد الأصم رضي الله عنه وأرضاه، قال: ( ما تثاءب النبي صلى الله عليه وسلم قط ). أي: أن نبينا لم يتثاءب عليه صلوات الله وسلامه.والأثر إخوتي الكرام! مرسل، وله حكم الرفع إلى نبينا عليه الصلاة والسلام؛ لأنه يحكي هذا الوصف عن نبينا عليه الصلاة والسلام، لكن بما أنه لم يدركه فإذاً يكون له حكم الإرسال، وهذا المرسل روي ما يشهد له أيضاً من مرسل آخر رواه ابن أبي شيبة أيضاً في المصنف، والإمام الخطابي كما قال الحافظ في الفتح في الجزء العاشر صفحة ثلاث عشرة وستمائة، والأثر الثاني مروي عن مسلمة بن عبد الملك الأمير ، وقال الحافظ عندما ذكر هذا الأثر عنه في الفتح قال: إنه صدوق، وحديثه مخرج في سنن أبي داود ، يقول هذا العبد الصالح مسلمة بن عبد الملك الأمير : ( ما تثاءب نبي قط ) على وجه العموم، وأثر يزيد بن الأصم : ( ما تثاءب النبي صلى الله عليه وسلم قط )، وهنا ( ما تثاءب نبي قط )، هناك يخبر عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه أنه لم يجر منه تثاؤب مطلقاً، منذ ولادته إلى وفاته عليه صلوات الله وسلامه، هذا يتنافى لو تثاءب مع الكمال الخلقي الذي جعل الله عليه أنبياءه ورسله عليهم صلوات الله وسلامه، فهذه الصفة التي تكون لنبينا الميمون عليه الصلاة والسلام هي ثابتة أيضاً لجميع أنبياء الله ورسله، فما تثاءب أحد منهم؛ لأن هذا يتنافى مع الكمال، مع الجمال والجلال الذي جعل الله عليه أنبياءه ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.إخوتي الكرام! ولا غرو في ذلك ولا عجب، فالعطاس من الله والله يحبه، والتثاؤب من الشيطان والله يكرهه، وإذا كان كذلك فكيف يتصف الأنبياء على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه بخصلة هي من فعل الشيطان ووسوسته وتحريكه، وهو المتسبب فيها؟ لا يمكن أن يكون هذا أبداً.وقد ثبت في المسند والحديث في صحيح البخاري ، ورواه البخاري في الأدب المفرد أيضاً، وهو في سنن الترمذي وأبي داود وصحيح ابن خزيمة ، ومستدرك الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم فحمد الله فحق على من سمعه أن يشمته، وأما التثاؤب فإنه من الشيطان، فإذا جاء ذلك أحدكم -أي التثاؤب- فليرده ما استطاع، فإن أحدكم إذا تثاءب وقال: ها، ضحك الشيطان منه ).إذاً: لا يمكن لنبي أن يتثاءب على نبينا وعلى جميع أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.
 

تغير أجساد الأنبياء بعد الموت
إخوتي الكرام! تقدم معنا أن هذا الكمال الخَلْقي الذي جعل الله عليه أنبياءه ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه يصاحبهم في الحياة وبعد الممات، فلا تتغير أبدانهم، ولا يعتريهم ما يعتري البشر من تحلل وعفونات ونتن وغير ذلك، أبدانهم طرية تتثنى، وهم في قبورهم أحياء حياةً أكمل من حياة الشهداء بكثير، هي حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا رب البرية، وهم في قبورهم يصلون ويعبدون الحي القيوم، وتقدم معنا أن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء، وأن أعمالنا تعرض على نبينا عليه صلوات الله وسلامه، فما كان من خير حمد الله عليه، وما كان من شر وسوء استغفر لنا نبينا صلى الله عليه وسلم.هذا إخوتي الكرام! تقدم تقريره، وكان المفروض بعد أن تدارسنا هذا أن ننتقل إلى الشق الثاني من الأمر الأول من الأمور التي يعرف بها صدق النبي والرسول، ألا وهو خلق أنبياء الله ورسله عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، لكن أردت أن أجعل هذه الموعظة ختام الكلام على خلق النبي عليه الصلاة والسلام، وسيدور هذا حول أمرين اثنين:الأمر الأول: حول تنبيه على أمر يتعلق بما مضى حول خَلْق نبينا عليه الصلاة والسلام.والأمر الثاني: عظم المصيبة على هذه الأمة بفقد خَلْق النبي عليه الصلاة والسلام وبدنه، عندما انتقل إلى جوار ربه، على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه.إخوتي الكرام! أما الأمر الأول الذي سأذكره -وقد تقدم معنا- ( أن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء ) وذكرت الأحاديث التي تقرر هذا وتدل عليه، وأن الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون، هذا الحديث جرى بيني وبين بعض ما أعلم ما أعبر عنهم بعض الشيوخ أو بعض الضالين؟ جرى بيني وبينه كلام حول هذا الحديث، وهو في المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، فلما ذكرت له هذا الحديث وهو حديث أوس بن أوس : ( إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء )، قال لي: الحديث ضعيف، قلت: صححه أئمتنا ولا نزاع بينهم في ذلك، قال: من صححه؟ قلت شيخ الإسلام الإمام النووي من جملة من صححه، قال: النووي متمذهب لا يؤخذ بكلامه، قلت: فما علة الحديث عندك؟ حتى ترد كلام النبي عليه الصلاة والسلام، وتطعن في أئمة الإسلام؟ قال: أقول لك: النووي متمذهب.وأنا أقول: إن سنة النبي عليه الصلاة والسلام ينبغي أن نحترمها، وكم من يدعي في هذه الأيام أنه على السنة، وأنه صاحب حديث، وهو في الحقيقة على بدعة وصاحب حدث.وكان أئمتنا الكرام يقولون كما هو قول وكيع بن الجراح شيخ الإمام الشافعي عليهم جميعاً رحمة الله، يقولون: من طلب الحديث كما هو نفعه الله، ومن طلب الحديث ليؤيد به رأيه فهو مبتدع، يطلب الحديث لكن في ذهنه هوى ورأي وأمر من الأمور، يريد أن يتصيد من السنة ما يقرره، وبعد ذلك ما يخالفه يرده، ليست هكذا دراسة ومدارسة حديث نبينا عليه صلوات الله وسلامه.إخوتي الكرام! هذا الحديث -كما قلت- حديث صحيح، ويدل على أن أجساد الأنبياء لا تأكلها الأرض ولا تبلى. وهذا الذي يقول هذا الكلام إنما يقوله لأنه لا يوجد في هذه الحياة من يقدر الأمور حق قدرها، أو يحاسب كل إنسان على كلامه، ولو وجد لضربت رقبته وألقيت بين رجليه، وعلق بعد ذلك مصلوباً أمام الناس عندما يقول هذا الكلام الذي فيه طعن بنبينا عليه الصلاة والسلام، ألا وهو أن أجساد الأنبياء تبلى كغيرهم، لا يا عبد الله!
 

محنة الإمام وكيع بالقول بتغير جسد النبي عليه الصلاة والسلام بعد موته
وقد جرى من بعض أئمتنا الكرام في العصر الأول في القرن الثاني للهجرة ألا وهو وكيع الذي ذكرته قبل قليل، وهو شيخ الإسلام، توفي سنة سبع وتسعين ومائة للهجرة، وكما قلت: هو شيخ الإمام الشافعي وهو من الأعلام ومن أئمة الهدى، جرت منه زلة سأذكرها لكم، وهذه الزلة رواها، لكن روى الحديث ضعيفاً، يشير إلى أن نبينا عليه الصلاة والسلام بعد موته انتفخ بطنه، وانثنت خنصراه -خنصر الإنسان وهما إصبعان معروفان- يقول: انثنى خنصراه، وصار في بطنه شيء من الانتفاخ، فأفتى شيخ أهل مكة في ذلك الوقت عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد وهو في الإسناد ( حياتي خير لكم، ومماتي خير لكم فلا تغفلوا )، أفتى بأن تضرب رقبة وكيع بن الجراح ، وأخذ وحبس، وقد أصر الأمير على ضرب رقبته من أجل رواية رواها، وما قال: هذا رأيي، فلماذا رواها إذاً؟! حتى تدخل سفيان بن عيينة إمام الحرم المكي لهذا الأمير وتوسط في إخراجه، وقال: هذا الحديث رويناه وما روي لـسفيان بن عيينة ، إنما قال هذا من أجل تخليص هذا العبد الصالح من زلة زلها في كلامه عندما روى هذه الرواية التي هي ليست ثابتة، فاستمعوا إخوتي الكرام إلى هذا الأمر، وقارنوا بين ما يقع من هذا الإمام في ذلك العصر، وبينما يقع في هذا العصر، إمام من شيوخ أهل السنة الكرام روى أثراً يمكن أن يؤول، انتفاخ البطن من مرض يمكن أن يقع، والإنسان إذا مرض فإن أصابعه تذبل، وإذا خرجت روح الإنسان من بدنه فإن أصابعه تميل، يعني: ليس في هذا منقصة، لكن لما كان ظاهر الخبر يشعر بأن النبي عليه الصلاة والسلام تغير بعد موته عما كان عليه في حياته قالوا: ينتقص النبي عليه الصلاة والسلام، فلا جزاء له إلا ضرب الرقبة.
 الموقف الشرعي مما نقل عن وكيع ومحنته
إخوتي الكرام! ما جرى من وكيع زلة، والأثر لا يثبت، فهو ضعيف ومنقطع، ولكن لا نشنع عليه بذلك، إنما لنعلم أن الذي يقول: إن بدن النبي عليه الصلاة والسلام ينتن ويبلى في قبره بعد موته ينبغي أن تضرب رقبته بالاتفاق، إذا كان هذا روى أثراً يقول: هذا ليس فيه إشارة إلى بلى جسده، ولا إلى تعفن بدنه، إنما هذا كالمرض الذي يصيب الإنسان عند الموت حصل انتفاخ من شدة الموت وسكراته، وانثناء الخنصر عندما مات عليه الصلاة والسلام.الإمام الذهبي تعرض إلى هذا أيضاً في ميزان الاعتدال عند ترجمة عبد المجيد بن أبي رواد ، يقول هنا: ونقم على عبد المجيد أنه أفتى الرشيد بقتل وكيع ، والحديث حدثناه قتيبة ، قال: حدثنا وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الله البهي ، وتقدم معنا. قال قتيبة : حدث به وكيع بمكة، وكان سنة حج فيها الرشيد ، فقدموه إليه، فدعا الرشيد سفيان بن عيينة وعبد المجيد فقال: عبد المجيد : يجب أن يقتل، فإنه لم يرو هذا إلا وفي قلبه غش للنبي صلى الله عليه وسلم، فسأل الرشيد سفيان فقال: لا يجب عليه قتل رجل سمع شيئاً فرواه، والمدينة شديدة الحر، توفي النبي عليه الصلاة والسلام يوم الإثنين فترك إلى ليلة الأربعاء، قلت: النبي صلى الله عليه وسلم سيد البشر، وهو بشر يأكل ويشرب وينام ويقضي حاجته ويمرض ويتداوى، فهو في هذا كسائر المؤمنين -يعني: هذه أعراض بشرية تعتريه كما يعتري غيره من أكل من شرب من قضاء حاجة من نوم، فلما مات بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم عمل به ما يعمل بالبشر من الغسل والتنظيف والكفن واللحد والدفن، انتبه لكن ما زال طيباً مطيباً حياً وميتاً، وارتخاء أصابعه المقدسة وانثناؤها وربو بطنه ليس معنا نص على انتفائه، والحي قد يحصل له ريح وينتفخ منه جوفه، يعني: غازات، فلا يعد هذا إن كان قد وقع عيباً، لكن الأثر لا يثبت، وإنما معنا نص على أنه لا يبلى، وأن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل ويقع هذا لبعض الشهداء رضي الله عنهم.أما من روى حديث عبد الله البهي ليغض به من منصب النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا زنديق، بل لو روى الشخص حديثاً: إن النبي صلى الله عليه وسلم سحر، وحاول بذلك تنقصاً كفر وتزندق، يعني: إذا روى حديث سحر النبي عليه الصلاة والسلام وقال: بشر ناقص يمتهن، هذه منقصة في حقه يقصد تحقير النبي عليه الصلاة والسلام فقد كفر وتزندق، وكذا لو روى حديثاً أنه سلم من اثنتين في صلاته، وعندما قيل له: ( أقصرت الصلاة أم نسيت؟ ) وقال: ما درى كم صلى يقصد بقوله شينه ونحو ذلك كفر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ) فالغلو والإطراء منهي عنه، والأدب والتوقير واجب، فإذا اشتبه الإطراء بالتوقير توقف العالم وتورع، وسأل من هو أعلم منه حتى يتبين له الحق فيقول به، وإلا فالسكوت واسع، ويكفيه التوقير المنصوص عليه في أحاديث لا تحصى، وكذا يكفيه مجانبة الغلو الذي ارتكبه النصارى في عيسى، ما رضوا له بالنبوة حتى رفعوه إلى الإلهية وإلى الوالدية، وانتهكوا رتبة الربوبية الصمدية فضلوا وخسروا.وقوله: (الوالدية) غلط لعله الولدية، فتكون إلى الإلهية وإلى الولدية، يعني: إلى أنه ولد لله جل وعلا، أما الوالدية ما يظهر لها وجه والعلم عند الله، أما هم كونهم يقولون له: أبونا وكذا ليس في هذه منقصة، إنما إلى الولدية يعني: رفعوه إلى الإلهية وإلى الولدية أنه ولد لله، أما الوالدية لا تصلح.على كل حال انتهكوا رتبة الربوبية الصمدية فضلوا وخسروا، فإن إطراء رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤدي إلى إساءة الأدب على الرب، نسأل الله أن يعصمنا بالتقوى، وأن يحفظ علينا حبنا للنبي صلى الله عليه وسلم كما يرضى.إخوتي الكرام! هذه الحادثة أردت أن أذكرها لتكون لنا عبرة، ولنعلم بعد ذلك الذين يدعون في هذه الأيام أنهم على سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وينفون سنته، ويردون ما صح من حديثه بما لا سند له، هذا حديث موضوع، وذاك حديث باطل، وهذا صححه النووي مخرف، وهذا متمذهب، إذاً: فالإسلام ممن يؤخذ؟ هل يؤخذ منكم الذين جئتم في آخر هذا الزمان؟ نسأل الله حسن الختام.إخوتي الكرام! هذا الأمر الأول الذي أردت أن أنبه عليه، فالنبي عليه الصلاة والسلام طيب مطيب، سواء كان حياً أو ميتاً عليه صلوات الله وسلامه، وكمال الخلق ثابت له في حياته وبعد مماته عليه صلوات الله وسلامه.
مصيبة المسلمين بموت النبي وانعدام رؤيته
أما الأمر الثاني: هو غياب هذا الجسد الطيب الطاهر الشريف العظيم المبارك، الذي جمع جلالاً وجمالاً ملاحةً وبهاءً، هذا الجسد الذي كتب الله علينا ألا ندركه في هذه الحياة، ولا نمتع العينين بالنظر إليه، حقيقةً هذه مصيبة نزلت علينا، والله لا يعدلها مصيبة على وجه الأرض، فما أصيب المؤمنون بمصيبة كمصيبتهم بموت نبيهم عليه صلوات الله وسلامه، وهذه المصيبة نحتسبها عند الله، وهي أجل المصائب عندنا وهي فقد نبينا عليه الصلاة والسلام، فنسأله أن يثيبنا عليها أعظم الثواب، وألا يرضى لنا ثواباً إلا بالاجتماع مع نبينا عليه الصلاة والسلام في جنات النعيم مع عباده المقربين، إنه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين.
 حنين الجذع إلى نبينا عليه الصلاة والسلام حافزاً لشوق المؤمنين لرسول الله
إخوتي الكرام! كان الجذع يحن إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، ويحزن لفراقه، ويشتاق إلى رؤيته، وإلى الاتصال به، فكيف بنا نحن إخوتي الكرام؟رحمة الله على الحسن البصري عندما كان يروي حديث حنين الجذع يقول: يا معشر المسلمين! الخشبة تحن شوقاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه.وحديث حنين الجذع إخوتي الكرام! حديث متواتر، روي عن جابر بن عبد الله ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس ، وعن أنس ، وعن سهل بن سعد ، وأبي بن كعب ، وعن بريدة ، وعن معاذ بن جبل ، وعن أم سلمة ، وروي عن غير هؤلاء بحيث بلغ رواته بضعة عشر صحابياً، وهو حديث مشهور، والخبر به متواتر كما قال الإمام عياض ، وقال الإمام البيهقي : هو من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف عن السلف، ورواية الأخبار الخاصة فيها كالتكلف. وحديث الجذع في صحيح البخاري والنسائي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ( كان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم جذع في قبلته يقوم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته، فلما وضع المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار -أي: مثل الناقة إذا مضى على حملها عشرة أشهر- حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه، قال الحسن : كان والله يحن لما كان يسمع عنده من الذكر ).وفي رواية: ( أن امرأةً من الأنصار قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أجعل لك شيئاً تقعد عليه؟ فإن لي غلاماً نجاراً، قال: إن شئت، قالت: فعملت له المنبر، فلما كان يوم الجمعة قعد النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر الذي صنع له، فصاحت النخلة التي كان يخطب عليها حتى كادت تنشق، وفي أخرى: فصاحت النخلة صياح الصبي، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم حتى أخذها فضمها إليه، فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت، حتى استقرت، قال: بكت على ما كانت تسمع من الذكر ) أخرجه البخاري . وفي رواية النسائي قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب يستند إلى جذع نخلة من سواري المسجد، فلما صنع المنبر واستوى عليه اضطربت تلك السارية تحن كحنين الناقة، حتى سمعها أهل المسجد، حتى نزل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقها ).ووردت روايات كثيرة توضح هذا وتبينه، ففي رواية معاذ بن جبل رضي الله عنه ( فاحتضن النبي صلى الله عليه وسلم الجذع فسكن، فقال: لو لم أفعل لما سكن ).وفي رواية الدارمي عن ابن عباس رضي الله عنهما: ( لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة ).والحديث روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لما زال هكذا إلى يوم القيامة، حزناً على فراق رسول صلى الله عليه وسلم، ثم أمر بالجذع فدفن ).وفي بعض الروايات: ( فصاحت النخلة صياح الصبي ).وفي بعض الروايات: ( اضطربت السارية كحنين الناقة الخلوج ) أي: التي انتزع ولدها منها، وفي بعض الروايات: ( خار ذلك الجذع كخوار الثور )، وفى بعض الروايات: ( فلما جاوز النبي صلى الله عليه وسلم الجذع خار حتى تصدع وانشق ).وفي رواية البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: ( كان رسول صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحن الجذع، فأتاه فمسح بيده عليه ). وفي رواية: ( فنزل إليه فاحتضنه وسآره بشيء ) يعني: تكلم معه بشيء سراً بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين هذا الجذع، أخرجه البخاري .وفي رواية الترمذي : ( فأتاه فالتزمه فسكن ).وفي سنن الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه: ( أن رسول صلى الله عليه وسلم خطب إلى عذق جذع واتخذوا له منبراً فخطب عليه، فحن الجذع حنين الناقة، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فمسه فسكن )، أخرجه الترمذي، والحديث صحيح.إخوتي الكرام! وورد في بعض الروايات كما في الدارمي وغيره من رواية بريدة رضي الله عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للجذع: اختر، إن شئت أن أغرسك في المكان الذي أخذت منه فتكون كما كنت قبل أن تصير جذعاً، وإن شئت أن أغرسك في الجنة، فتشرب من أنهارها، فيحسن نبتك وتثمر، فيأكل منك أولياء الله، قال النبي عليه الصلاة والسلام: فاختار أن أغرسه في الجنة ). هذا جذع وهو جماد يحن إلى خير العباد عليه صلوات الله وسلامه، فكيف بالمؤمنين الذين يحبون النبي الأمين عليه الصلاة والسلام. أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يحيينا على سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن يميتنا على ملة نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن يبعثنا يوم القيامة من أمته ومن أتباعه، وأن ينادينا يوم القيامة: يا أمة محمد! عليه الصلاة والسلام، يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [الإسراء:71] .اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه عدد ما خلقت وعدد ما أنت خالق يا أرحم الراحمين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم صل عليه صلاةً ترضيك وترضيه وترضى بها عنا يا رب العالمين، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مباحث النبوة - طبت حياً وميتاً للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net