اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فقه المواريث - أدلة توريث ذوي الأرحام للشيخ : عبد الرحيم الطحان


فقه المواريث - أدلة توريث ذوي الأرحام - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
وردت بعض آثار وأحاديث ضعيفة في توريث ذوي الأرحام، وقد احتج بها الحنفية والحنابلة على مذهبهم في ذلك، والبعض يرى أنها تصلح حجة في توريثهم تعلقاً بها واسترواحاً إلى كلام بعض السابقين كابن التركماني وابن القيم في الاحتجاج بها.
الأدلة من السنة على توريث ذوي الأرحام
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعن من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.اللهم! لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين.اللهم! زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.اللهم! صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: إخوتي الكرام! شرعنا في مدارسة توريث ذوي الأرحام، وقلت: سنتدارس هذا المبحث ضمن ثلاثة أقسام:أولها: في تعريف ذوي الأرحام، وقد انتهينا من ذلك، وبينت منزلة الرحم عند الله عز وجل وأن قطيعتها أيضاً من أعظم الكبائر.والأمر الثاني: في توريث ذوي الأرحام واختلاف أئمتنا الكرام في هذه المسألة، وقلت: إن الأقوال تنقسم إلى قولين، ويمكن عند التفصيل تعود إلى ثلاثة أحوال كما سنتدارس ذلك إن شاء الله.والمبحث الثالث وهو آخر المباحث: كيفية توريث ذوي الأرحام على القول بتوريثه.كنا نتدارس إخوتي الكرام! المبحث الثاني، ألا وهو توريث ذوي الأرحام واختلاف أئمتنا الكرام في ذلك، فذكرت أن مذهب أبا حنيفة والإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه يقولان بتوريث ذوي الأرحام إذا لم يوجد عاصب مطلقاً ولم يوجد صاحب فرض من النسب، فإذا وجدت التركة وليس هناك عاصب ولا صاحب فرض من النسب، ووجد أحد ذوي الأرحام يأخذ المال.وهكذا إذا وجد أحد الزوجين ولم يوجد عاصب ولا صاحب فرض من النسب فصاحب الزوجية يأخذ فرضه والباقي يرثه ذوو الأرحام، فلو مات عن زوجة وخالة للزوجة الربع وللخالة بقية المال.وكنا نتدارس أدلة هذا القول: قلت: استدلوا بآيات القرآن الكريم وبأحاديث نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام وبأقوال الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان.أما آيات القرآن فانتهينا منها فقلت: قرر الله هذا في كتابه فجعل أصحاب القرابات أولى من بعضهم: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ [الأحزاب:6]، وجعل الله جل وعلا علة الإرث القرابة: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا [النساء:7].وقلت: من فرض الله له نصيباً مقدراً يقدم، فإذا لم يكن هناك صاحب فرض مقدم فلا ينبغي أن يخرج المال عن القرابة، فيقدم القرابة على الصلة العامة التي بين الميت وبين المؤمنين فلا نعيد المال إلى بيت المال؛ لأنه يوجد قريب وهو أولى بقريبه من عموم المؤمنين.الدلالة الثانية: دلالة السنة المطهرة، وذكرت حديث أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وأعيد الكلام على حديث أمنا عائشة ، ثم نسرد الأحاديث التي تدل على هذا، وليست العمدة في توريث ذوي الأرحام من دلالة السنة على حديث أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها فقط، إنما هناك أحاديث كثيرة في ذلك: ‏
 الحديث الرابع في توريث ذوي الأرحام
الرواية الرابعة: رواه الإمام ابن وهب في الجامع عن ابن شهاب بلاغاً مرفوعاً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، وابن شهاب من صغار التابعين، وعليه بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام راوٍ أو راويان، وإذا كان بينهما راويان فالحديث معضل، وإذا كان راوٍ فهو مرسل.عن ابن شهاب بلاغاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العم أبٌ إذا لم يكن دونه أب، والخالة أمٌ إذا لم يكن دونها أم)، والحديث لاشك أنه ضعيف، يعني: إما معضل أو مرسل، لكن يتقوى بما تقدم من باب جمع الروايات التي فيها توريث ذوي الأرحام، هذه رواية سابعة.رواية ثامنة: رواها أبو داود بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ابن أخت القوم منهم). قال الحافظ في الفتح: يحتمل الحديث معنيين:المعنى الأول: منهم في المعاونة والانتصار والبر والشفقة ونحو ذلك.الثاني: منهم، أي: حكمه حكم ذوي الأرحام الذين يرثون كما يرث العصبة، والحديث صحيح. الرواية التاسعة: ثابتة في صحيح البخاري وسنن النسائي ومسند الإمام أحمد من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ابن أخت القوم من أنفسهم).وبوب الإمام البخاري في صحيحه باباً على هذا الأثر فقال في كتاب الفرائض: مولى القوم من أنفسهم، وابن أخت القوم منهم أو من أنفسهم، فإذا كان ابن أخت القوم من أنفسهم، فينبغي أن يقدم على عموم القرابة والصلة التي بين هذا الميت وبين المسلمين، فينبغي أن يرث ماله دون بيت المال، فهو منهم بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم وهو من أنفسهم، ويحتمل معنيين: في البر والنصرة والشفقة والمودة والرحمة والإخاء، وهو منهم أيضاً في الإرث، فكما يتوارث القرابات فيما بينهم يرث هذا أيضاً؛ لأنه قريب وصاحب رحم. هذه إخوتي الكرام أدلة متعددة منها ما يصرح بأن الخال وارث، ومنها ما يصرح بأن ابن الأخت وارث، ومنها ما يقرر أن مولى القوم من أنفسهم، وأن ابن الأخت منهم ومن أنفسهم، والعلم عند الله جل وعلا.هذه أدلة القول الأول من السنة المطهرة، وهي أدلة في الجملة ثابتة قطعاً وجزماً.
فهمان مردودان لحديث: (الخال وارث)
إخوتي الكرام! قبل أن ننتقل إلى الدلالة الثالثة، هذه الدلالة الثانية -لا إله إلا الله- هذه الدلالة الثانية حولها رأيان مردودان بعيدان، قبل أن ننتقل للدلالة الثالثة. ‏
 الفهم الثاني: تخصيص الخال بالحديث دون غيره من ذوي الأرحام
القول الثاني: ذهب بعض العلماء إلى أن الخال يعتبر وارثاً على خصوصه من بين ذوي الأرحام، لورود هذه الأحاديث فيه، وغض الطرف عن ما ورد في أحاديث أخرى من كون ابن لأخت أيضاً وارثاً كما تقدم معنا، وغض الطرف أيضاً عن المعنى الذي من أجله ورث الخال، ألا وهو أنه قريب صاحب رحم، فليس هو بذي فرض ولا عصبة، فما ينطبق عليه ينطبق على غيره. وقد تبنى هذا القول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في أضواء البيان (2/424) فقال: أظهر الأقوال دليلاً عندي أن الخال يرث من لا وارث له، يعني: لما رأى صحة الأحاديث كما تقدم معنا، ولا يمكن ردها، وتأويلها بما أولها به ابن العربي لا يمكن قبوله، فقال: إذاً: الخال وارث، لكن دون غيره من ذوي الأرحام، لثبوت ذلك عن نبينا عليه الصلاة والسلام للحديثين المذكورين، والأحاديث ليست حديثين، فقد تقدم معنا ثلاث روايات صحيحة مرفوعة متصلة من رواية أمنا عائشة ، والمقدام ، وسيدنا عمر رضي الله عنهم أجمعين.ورواية أبي هريرة فيها ضعف لأنها رواية مرسلة، عدا بعد ذلك عن الشواهد الأخرى التي تقدمت معنا دون لفظ: (الخال وارث من لا وارث له).قال: لثبوت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام للحديثين المذكورين دون غيره؛ لأن الميراث لا يثبت إلا بدليل، وعموم الآيتين مذكورتين تقدمتا معنا في أول دلالة هذا القول: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ [الأنفال:75]، وقول الله: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ [النساء:7]، يقول: وعموم الآيتين المذكورتين لا ينهض دليلاً على توريث ذوي الأرحام؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله قد أعطى كل ذي حقٍ حقه فلا وصية لوارث)، وقد تقدم معنا إخوتي الكرام الحديث ضمن مباحث الفرائض فيما مضى.إخوتي الكرام! هذا القول أيضاً بعيدٌ مردود كما قلت، وإنما جاء أيضاً لعدم تتبع الروايات، فليس فيها الخال فقط، بل فيها أيضاً أن ابن الأخت وارث، وما ينطبق عليه ينطبق على جميع ذوي الأرحام، ولذلك الحكم الفيصل في هذا: أن الصحابة عندما اختلفوا في توريث ذوي الأرحام على قولين:قول بتوريثهم مطلقاً، وقول بعدم توريثهم، ولا يوجد أحد فرق بين الخال وغيره. مما يدل على أن هذا الفهم فهم متأخر بعيد، وإن قال به إمام جليل عليهم جميعاً رحمات رب ذي الجلال، لكن الصحابة على قسمين: سيأتينا زيد بن ثابت لا توريث لذوي الأرحام لا لخالٍ ولا لغيره، ومن عداه كما سيأتينا توريث ذوو الأرحام الخال وغيره، لا يوجد قول للسلف بأن الخال يرث دون غيره، وعليه فالتفريق بين الخال وغيره من ذوي الأرحام لا دليل عليه.نعم وردت الأحاديث بأن الخال وارث، ووردت بأن ابن الأخت وارث، وما ينسحب عليه ما ينحسب على سائر القرابات؛ لأن الخال وابن الأخت ليس واحداً منهما بذي فرض ولا عصبة، فالعلة في الخال وفي ابن الأخت وفيما شاكلهما علة واحدة، وهي أنه قريب، فالخال لا نورثه عن طريق التعصيب ولا عن طريق الفرض، فما ينبغي أن يأخذه الخال لأنه قريب، ينبغي أن تأخذه الخالة، وأن تأخذه العمة والجد الفاسد، وبنت البنت وما شاكل هذا من ذوي الأرحام.وعلى هذا كما قلت: قول السلف الكرام من الصحابة والتابعين ممن ورثوا الخال، ما فرقوا بين الخال وغيره، نعم يوجد قول بعدم توريث ذوي الأرحام على سبيل العموم للخال ولغيره، أما التفرقة بين الخال وغيره فما قال بهذا أحد من سلفنا فيما أعلم، والعلم عند الله عز وجل.
الآثار الواردة عن السلف في توريث ذوي الأرحام
الدلالة الثالثة: وهي آخر الدلالات للقول الأول: الآثار عن الصحابة الأخيار والتابعين الأبرار رضي الله عنهم أجمعين.أولها: أثر سيدنا عمر رضي الله عنه، وهو ثابت عنه ثبوت الشمس في رابعة النهار، وهو ممن أمرنا بالاقتداء به، وهو ثاني الخلفاء الراشدين عليه وعلى جميع الصحابة رضوان رب العالمين.تقدم معنا إخوتي الكرام! أنه كتب إلى أبي عبيدة رضي الله عنهم بأن يدفع مال الرجل الذي مات وليس له وارث إلا الخال، أن يدفع هذا المال إلى خاله لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (الخال وارث من لا وارث له).وقلت: إن الحديث في سنن الترمذي بسند حسن صحيح من طريق سهل بن حنيف ، وتقدم معنا في المسند، وسنن الترمذي ، وابن ماجة ، وصحيح ابن حبان ، وسنن الدارقطني والبيهقي ، ورواه الطحاوي ، وابن الجارود ، وابن أبي شيبة وقلت: إن الحديث صحيح صحيح، هذا قضاء سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه.كما تقدم معنا أيضاً قضاء عمر رضي الله عنه في ابن الدحداح عندما دفع ماله إلى أخواله.هذان قضاءان لسيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه، أيضاً نقل عنه في ذلك أقوال ثابتة متعددة في توريث ذوي الأرحام منها:ما رواه الإمام الدارمي ، وسعيد بن منصور ، وابن أبي شيبة في المصنف، والدارقطني في السنن، والبيهقي في السنن الكبرى من رواية زياد، قال: أتي عمر رضي الله عنه في عمة وخالة مات إنسان ولم يترك غيرهما، فأعطى العمة الثلثين وجعلها بمنزلة الأب، وأعطى الخالة الثلث وجعلها بمنزلة الأم. قال الإمام ابن التركماني في تعليقه على سنن البيهقي (6/217) ذكر الطحاوي أن رواية زياد عن عمر صحيحة متصلة رضي الله عنهم أجمعين.وزياد نسب في إحدى روايتي سنن سعيد بن منصور ، نسب إلى ابن أبي مريم ، أي زياد بن أبي مريم ، وزياد بن أبي مريم وثقه الإمام العجلي ، وهو من رجال سنن ابن ماجة ، قال الحافظ في التقريب: وجزم أهل بلده بأنه غير ابن الجراح ، يعني: غير زياد بن الجراح ، وزياد بن الجراح ثقة روى له الإمام النسائي .زياد بن أبي مريم وزياد بن الجراح هما شخصان، وقد قال ابن حبان وبعده الدارقطني : هما شخص واحد، يعني: زياد بن الجراح هو زياد بن أبي مريم ، والحافظ ابن حجر يقول: هذا وهم، أهل بلده يقولون: إنه غير ابن الجراح ، وزياد بن الجراح ثقة روى له النسائي ، وزياد بن أبي مريم ثقة روى له ابن ماجة .والحافظ ابن حجر يقول في تهذيب التهذيب: هذا وهم، ولذلك في ترجمة زياد بن الجراح وهو قبل ترجمة زياد بن أبي مريم في التقريب بعد أن ترجمه وقال: ثقة، وحديثه في سنن النسائي قال: وقيل: هو زياد بن أبي مريم كما سيأتي.وعند زياد بن أبي مريم قال: إنه ثقة في التقريب، وأنه من رجال ابن ماجة ، قال: قال أهل بلده: إنه غير ابن الجراح ، لكن زياداً نسب في رواية الدارقطني بأنه زياد بن أبي سفيان ، وهو المعروف بـزياد ابن أبيه وحوله كلام من ناحية ثبوت صحبته أولاً، والثاني: من ناحية عدالته إن لم يكن صحابياً، فهل هو ثقة وروايته تقبل أم لا؟فالإمام الذهبي تعرض له في الميزان والحافظ ابن حجر علق على كلام الإمام الذهبي في لسان الميزان (2/493). أصل الكلام وفي بدايته للإمام الذهبي في الميزان يقول: زياد ابن أبيه الأمير لا يعرف له صحبة، مع أنه ولد عام الهجرة، قال ابن حبان في الضعفاء: ظاهر أحواله المعصية، وقد أجمع أهل العلم على ترك الاحتجاج بمن كان كذلك، ومعصيته هي معصية الأمراء الظالمين الجبارين كما سيأتينا.قال ابن عساكر : لم ير النبي صلى الله عليه وسلم، وأسلم في عهد أبي بكر ، وولي العراق من معاوية رضي الله عنهم أجمعين، يروي عنه ابن سيرين وعبد الملك بن عمير وجماعة، ثم أورد هذا الأثر الذي معنا: عن الشعبي قال: أتي زياد في رجل توفي وترك عمته وخالته؟ فقال: هل تدرون كيف قضى فيها عمر ؟ قالوا: لا. قال: جعل العمة بمنزلة الأخ، والخالة بمنزلة الأخت، فأعطى العمة الثلثين والخالة الثلث، والرواية التي تقدمت معنا: جعل العمة بمنزلة الأب؛ لأنها تدلي بالأب، وجعل الخالة بمنزلة الأم.نهاية القضائين واحد: ثلثان وثلث، لكن هما هي بمنزلة الأخت والأخ، أو بمنزلة الأب والأم؟ يقول: وهو زياد ابن أبيه ، ويقال له: زياد بن عبيد أيضاً، فلما استلحقه معاوية وزعم أنه أخوه قيل: زياد بن أبي سفيان . انتهى كلام الإمام الذهبي في الميزان.ثم علق عليه بعد ذلك الإمام ابن حجر عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، يعني: بما يبين جوره وظلمه، فقال: هو من نمط مروان بن الحكم والمختار بن أبي عبيد ، والعجب أن هؤلاء الثلاثة أنسابهم متقاربة، وكذا نسبتهم إلى الجور في الحكم، وكل منهم ولي الإمارة.يقول بعد ذلك: وكان زياد قوي المعرفة جيد السياسة وافر العقل، وكان من شيعة علي رضي الله عنه، هذا في أول الأمر، ثم انقلب على علي ، وكان يسب علياً رضي الله عنه ويقتل أتباع علي ، يقول: فلما استلحقه معاوية صار أشد الناس على آل علي وشيعته، وهو الذي سعى في قتل حجر بن عدي ، وهو الذي يقال له: حجر الخير ، وكان من فضلاء الصحابة، ولما قتله دعا عليه عبد الله بن عمر رضي الله عنه فعجل الله قتله، وكان ابن عمر رضي الله عنه يقول: اللهم إن كنت جعلت القتل كفارة لمن يموت به فلا تقتله، يعني: لا يموت قتلاً وإنما يموت موتاً، فظهر فيه الطاعون ومات وأراح الله منه المسلمين.يقول: وقد تحامل على حجر بن عدي ، وكانت وفاته (سنة 53) من الهجرة، وهو على إمرة العراق لـمعاوية وأخباره في التاريخ شهيرة.فإذا كان من رواية زياد بن أبي سفيان ، يقال: إن أبا سفيان في الجاهلية لما نزل الطائف طلب وليدة مومسة بغية ليجتمع بها في تلك الليلة، وكان العرب في الجاهلية يفعلون هذا، فلما عاشرها تلك الليلة حملت منه فولدت زياداً ، فلما رأى معاوية رضي الله عنه عندما آلت الخلافة إليه ما في زياد من الحنكة والذكاء والمهارة، قال: هذا ابن أبي واستلحقه، وهو ليس عن طريق النسب كما قلت، إنما يقال: حصل في تلك الليلة دون زواج في الجاهلية والعلم عند الله جل وعلا.على كل حال إذا لم يكن صحابياً وهو كذلك فهو تابعي، فيبقى بعد ذلك تحت ميزان الجرح والتعديل، يعني: أئمتنا أجمعوا على أن من كان هذا حاله لا يحتج بخبره لوجود هذه المعصية عنده.إخوتي الكرام! بالنسبة لـحجر بن عدي الذي يقال له: حجر الخير ، انظروا ترجمته في سير أعلام النبلاء.يقول: كان شريفاً أماراً، وهو من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، أميراً مطاعاً أماراً بالمعروف مقدماً على الإنكار، من شيعة علي رضي الله عنه، شهد صفين أميراً، وكان ذا صلاح وتعبد، ثم أنكر على زياد ابن أبيه ما حصل من الجور والظلم، ثم بعد أن قتل كما قلت دعا عليه ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين.يقول: كان ابن عمر في السوق فنعي إليه حجر فأطلق حبوته وقام وقد غلب عليه النحيب، وهكذا دعت أمنا عائشة رضي الله عنها على زياد فاستؤصل بعد ذلك وأراح الله الأمة منه.وترجمة زياد أيضاً في سير أعلام النبلاء (3/494). أقول: بلغ ابن عمر أن زياداً كتب إلى معاوية : إني قد ضبطت العراق بيميني وشمالي فارغة، وسأله أن يوليه الحجاز ليضبط الحجاز والعراق، فقال ابن عمر : اللهم إن تجعل في القتل كفارة فموتاً لـابن سمية لا قتلاً، يعني: لئلا تكفر عنه أوزاره، وتدخر له ذنوبه عندك، قال: فخرج في أصبعه الطاعون فمات.قال الحسن البصري : بلغ الحسن بن علي أن زياداً يتتبع شيعة علي بالبصرة فيقتلهم فدعا عليه.يقول: وله أخبار طويلة، وولي المصرين في الآخر، يعني الكوفة والبصرة، ثم ختم ترجمته عن الشعبي : أتي زياد في ميت ترك عمة وخالة؟ قال: قضى فيها عمر أن جعل الخالة بمنزلة الأخت، والعمة بمنزلة الأخ، فأعطاهما المال.كما قلت: هذا مروي من طريق زياد، لكن إن كان ابن أبي مريم كما تقدم معنا هو ابن أبي مريم فقلت: إنه ثقة.أما موته بالطاعون وكونه شهادة لهذه الأمة، لكن هو دون منزلة الشهادة، يعني: ولعل الله أراد أن يغفر لهذا الإنسان وعلمه عند الرحمن، لكن لم يحصل شرف الشهادة، يعني: القتل في سبيل الله، ثم هل هذا الطاعون أيضاً يكون عقوبة في حق أفراد؟ هو في الأصل أنزل عذاباً على الأمم السابقة، وجعله الله لهذه الأمة رحمة، فالله أعلم بحال عباده عندما يؤولون إليه.لكن حقيقة دخل هؤلاء في نوع من الظلم والجور لا تتحمله الجبال فضلاً عن البشر، وكيف يريق دم صحابي رضي الله عنه وأرضاه مع ستة معه وهو سابعهم، من أجل أنهم اعترضوا عليه ظلمه وجوره؟! ومعاوية رضي الله عنه وأرضاه عندما دخل على أمنا عائشة من بلاد الشام ليسلم عليها في المدينة المنورة على نبينا صلوات الله وسلامه، أول ما كلمته في حجر : كيف قتلت حجراً ؟ فقال: دعيني وحجراً نختصم أمام الله، يعني: لا تكلميني فيه، فأعرضت عنه، حجر من الصحابة تقتله، وهو من خيار الصحابة وفضلائهم، ثم قال معاوية في قتله صلاح العامة..والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
 الفهم الثاني: تخصيص الخال بالحديث دون غيره من ذوي الأرحام
القول الثاني: ذهب بعض العلماء إلى أن الخال يعتبر وارثاً على خصوصه من بين ذوي الأرحام، لورود هذه الأحاديث فيه، وغض الطرف عن ما ورد في أحاديث أخرى من كون ابن لأخت أيضاً وارثاً كما تقدم معنا، وغض الطرف أيضاً عن المعنى الذي من أجله ورث الخال، ألا وهو أنه قريب صاحب رحم، فليس هو بذي فرض ولا عصبة، فما ينطبق عليه ينطبق على غيره. وقد تبنى هذا القول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في أضواء البيان (2/424) فقال: أظهر الأقوال دليلاً عندي أن الخال يرث من لا وارث له، يعني: لما رأى صحة الأحاديث كما تقدم معنا، ولا يمكن ردها، وتأويلها بما أولها به ابن العربي لا يمكن قبوله، فقال: إذاً: الخال وارث، لكن دون غيره من ذوي الأرحام، لثبوت ذلك عن نبينا عليه الصلاة والسلام للحديثين المذكورين، والأحاديث ليست حديثين، فقد تقدم معنا ثلاث روايات صحيحة مرفوعة متصلة من رواية أمنا عائشة ، والمقدام ، وسيدنا عمر رضي الله عنهم أجمعين.ورواية أبي هريرة فيها ضعف لأنها رواية مرسلة، عدا بعد ذلك عن الشواهد الأخرى التي تقدمت معنا دون لفظ: (الخال وارث من لا وارث له).قال: لثبوت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام للحديثين المذكورين دون غيره؛ لأن الميراث لا يثبت إلا بدليل، وعموم الآيتين مذكورتين تقدمتا معنا في أول دلالة هذا القول: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ [الأنفال:75]، وقول الله: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ [النساء:7]، يقول: وعموم الآيتين المذكورتين لا ينهض دليلاً على توريث ذوي الأرحام؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله قد أعطى كل ذي حقٍ حقه فلا وصية لوارث)، وقد تقدم معنا إخوتي الكرام الحديث ضمن مباحث الفرائض فيما مضى.إخوتي الكرام! هذا القول أيضاً بعيدٌ مردود كما قلت، وإنما جاء أيضاً لعدم تتبع الروايات، فليس فيها الخال فقط، بل فيها أيضاً أن ابن الأخت وارث، وما ينطبق عليه ينطبق على جميع ذوي الأرحام، ولذلك الحكم الفيصل في هذا: أن الصحابة عندما اختلفوا في توريث ذوي الأرحام على قولين:قول بتوريثهم مطلقاً، وقول بعدم توريثهم، ولا يوجد أحد فرق بين الخال وغيره. مما يدل على أن هذا الفهم فهم متأخر بعيد، وإن قال به إمام جليل عليهم جميعاً رحمات رب ذي الجلال، لكن الصحابة على قسمين: سيأتينا زيد بن ثابت لا توريث لذوي الأرحام لا لخالٍ ولا لغيره، ومن عداه كما سيأتينا توريث ذوو الأرحام الخال وغيره، لا يوجد قول للسلف بأن الخال يرث دون غيره، وعليه فالتفريق بين الخال وغيره من ذوي الأرحام لا دليل عليه.نعم وردت الأحاديث بأن الخال وارث، ووردت بأن ابن الأخت وارث، وما ينسحب عليه ما ينحسب على سائر القرابات؛ لأن الخال وابن الأخت ليس واحداً منهما بذي فرض ولا عصبة، فالعلة في الخال وفي ابن الأخت وفيما شاكلهما علة واحدة، وهي أنه قريب، فالخال لا نورثه عن طريق التعصيب ولا عن طريق الفرض، فما ينبغي أن يأخذه الخال لأنه قريب، ينبغي أن تأخذه الخالة، وأن تأخذه العمة والجد الفاسد، وبنت البنت وما شاكل هذا من ذوي الأرحام.وعلى هذا كما قلت: قول السلف الكرام من الصحابة والتابعين ممن ورثوا الخال، ما فرقوا بين الخال وغيره، نعم يوجد قول بعدم توريث ذوي الأرحام على سبيل العموم للخال ولغيره، أما التفرقة بين الخال وغيره فما قال بهذا أحد من سلفنا فيما أعلم، والعلم عند الله عز وجل.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فقه المواريث - أدلة توريث ذوي الأرحام للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net