اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فقه المواريث - أصحاب الفروض للشيخ : عبد الرحيم الطحان


فقه المواريث - أصحاب الفروض - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
الفروض المقدرة في كتاب الله ستة: النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس، فالنصف يستحقه خمسة أصناف: الزوج، والبنت، وبنت الابن، والأخت الشقيقة، والأخت لأب، وكل صنف من هؤلاء يستحق النصف بشروط، والربع يستحقه اثنان: الزوج والزوجة، والثمن للزوجة أو الزوجات إذا وجد فرع وارث، والثلثان للبنت وبنت الابن والأخت الشقيقة والأخت لأب بشروط معينة.
الإرث بالفرض
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الرحمين.اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحابه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد:آخر ما تدراسناه في بيان عدد الورثة الذين يرثون من القرابات أو من الأزواج أو من المعتقين، من يرث ومن يستحق الإرث سواء بسبب القرابة أو النكاح أو العتق والولاء، قلت: عددهم تفصيلاً من الصنفين من الذكور والإناث خمسة وعشرون وارثاً.وآخر شيء تكلمنا عليه أنهم ينقسمون إلى أربعة أقسام: فصنف يرثون بالفرض فقط، وصنف بالتعصيب فقط، وصنف بالفرض أو بالتعصيب أو بهما، وصنف يرثون واحداً منهما دون أن يجتمع الأمران لهما.فالذين يرثون بالفرض سبعة فقط، وهم: الأم والجدتان وولدا الأم، الأخ لأم، والأخت لأم، والزوجة، فهنا سبعة أصناف يرثون بالفرض فقط.والذين يرثون بالتعصيب اثنا عشر وارثاً، وهم: الابن وابنه والأخ الشقيق أو الأب، وابن الأخ الشقيق أو لأب، والعم الشقيق أو لأب، وابن العم الشقيق أو لأب، والمعتقان، هؤلاء لا يرثون إلا عن طريق التعصيب.والذين يرثون بالفرض أو بالتعصيب أو بهما معاً صنفان فقط، وهما أبٌ وجد.والذين يرثون بالفرض أو بالتعصيب ولا يجتمع الأمران لهما، أربعة أصناف من الورثة وهن: البنت، بنت الابن، الأخت الشقيقة، الأخت لأب، فالواحدة من هؤلاء قد ترث فرضاً وقد تكون عصبة مع أخيها.ننتقل الآن إلى أنواع الإرث.الإرث ينقسم إلى نوعين اثنين:النوع الأول: إرث بالفرض، والثاني: إرث بالتعصيب.
 

تعريف الفرض
أما الإرث بالفرض فقد تقدم معنا سابقاً تعريف الفرض، وقلت: إنه مشترك لفظي في اللغة يدخل تحته عدة معانٍ أذكرها على سبيل الإيجاز دون أدلتها، قلت: يأتي بمعنى القطع، وبمعنى التقديم، وبمعنى الإنزال، وبمعنى التبيين، وبمعنى الإحلال، وبمعنى الإلزام وبمعنى التوقيت، وبمعنى القراءة، وبمعنى الهبة وبمعنى الحج، هذا كله تقدم معنا عند بيان علم الفرائض، وذكرت الأدلة على ذلك، وذكرت الصلة بين الألفاظ ومعانيها، وقلت: لا تخرج عن أربعة أنواع أيضاً: اشتراك، تباين، توافق، ترادف، فهنا اشتراك لفظي أي: لفظ يدخل تحته معانٍ كثيرة ويدل على أمور متعددة مختلفة، هذا يقال له: مشترك لفظي.ومعناه في الاصطلاح عند الفقهاء: الفرض ما يثاب امتثالاً، ويعاقب تاركه مطلقاً.وأما معنى الفرض عند الفرضيين، وهو الذي يتعلق ببحثنا، ولنا به دراية، وهو متعلق بأمرنا، ينبغي أن نعتني به وأن نعيه، الفرض قلت: إنه سهم مقدر لوارث، لا يزيد إلا بالرد، ولا ينقص إلا بالعول.ويمكن أن نقول في تعريفه: نصيب مقدر لوارث معين، لا يزيد إلا بالرد، ولا ينقص إلا بالعول، أما الرد والعول فسيأتينا الكلام عليهما طول مباحث الفرائض إن شاء الله، وهذا التعريف مر معنا أيضاً عند تعريف علم الفرائض، إنما من باب التمثيل.مثلاً: مات عن بنت وأخٍ شقيق، البنت لها النصف ترث عن طريق الفرض، والأخ الشقيق عصبة، المسألة من اثنين واحد واحد، كيف سيزيد هذا الفرض وكيف سينقص؟ انتبه يزيد بالرد مات عن بنت وبنت ابن فقط، البنت لها النصف، وبنت الابن لها السدس تكملة للثلثين كما سيأتينا في أصحاب الفروض إن شاء الله، المسألة من ستة، نصفها ثلاثة، وسدسها واحد، ترد إلى أربعة، فهذه تأخذ ثلاثة من أربعة، بدل من أن تأخذ ثلاثة من ستة، إذا أخذت ثلاثة أرباع بدلاً من أن تأخذ النصف، زاد الفرض بالرد، لو لم يكن هناك رد لما زاد، أخذت ثلاثة أرباع بدل أن تأخذ النصف، يعني: أخذت ربعاً زائداً؛ لأن المال أربعة أرباع، فالنصف ربعان، فأخذت هي ثلاثة أرباع، وهذه بدل ما تأخذ السدس أخذت الربع، فهنا زادت، هذا السهم المقدر لا يزيد إلا بالرد، لا يمكن أن يزيد إلا في هذه الحالة.ولا ينقص إلا بالعول، خذ هذه المسألة مثلاً: بنتان وأبٌ وأمٌ وزوج، البنتان لهما الثلثان كما سيأتينا في الفروض المقدرة، والأب له السدس والتعصيب؛ لأن الفرع الوارث أنثى، فإن زاد شيء أخذه، وإلا لا ينقص عن السدس، والأم لها السدس فقط، والزوج له الربع، المسألة من اثني عشر، ثلثاها ثمانية: أربعة أربعة، سدس الاثني عشر هذا نؤخره، السدس اثنان والربع ثلاثة، اجمع ثلاثة عشر، إذاً: ما بقي للأب أكثر من السدس، بل نقص، نعطيه اثنان، يصبح خمسة عشر عالت، الآن هذا البنت الأولى والمرأة الثانية سيأخذان ثمانية من خمسة عشر، يعني: بدل من أن يأخذا الثلثين أخذا قرابة النصف، وأحياناً يمكن تعطيهم أقل؛ لأن عدد اثني عشر يعول إلى ثلاثة عشر وخمسة عشر وسبعة عشر، متى ما عال إلى سبعة عشر السدسان سينقصان عن النصف. هذا المثال على الرد والمثال على العول، وسيأتينا شرح بعد ذلك الرد والعول في حينه إن شاء الله.إنما هذا في بيان تعريف الفرض والتمثيل عليه، هنا ما زاد وما نقص، لذلك يقال: فريضة عائلة وفريضة زائدة، وفريضة مساوية، وسيأتينا هذا تفصيله إن شاء الله.
 

الفروض المقدرة
الفروض المقدرة في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام لا تخرج عن ستة فروض فقط، وهي: النصف والربع والثمن، الثلثان، الثلث، السدس، لا تخرج الفروض عن هذا أبداً، يعني: ليس عندنا خمس أو سبع أو تسع إلا أن يكون الفرض ربع ثمن، ثلث سدس.هذه الفروض الستة المقدرة قال أئمتنا في طريقة عدها وفي كيفية عدها ثلاثة طرق كلها حسنة إن شئت أن تعدها.الطريقة الأولى يقال لها: طريقة الترقي، بأن تأتي بالمخرج الأصغر، ثم ترتقي درجة فوقه ودرجة فوقه، فتقول: الثمن والسدس، وضعفهما، وضعف ضعفهما، ضعف السدس ثلث، وضعف الثلث ثلثان، ضعف الثمن ربع، وضعف الربع نصف.الطريقة الثانية: طريقة التدلي، وهي التي يقال لها: طريقة النزول، بأن تأتي بالمخرج الذي هو أكبر، فتأتي بالنصف والثلثين، فتقول: النصف والثلثان، ونصفهما ونصف نصفهما، نصفهما ربع وثلث، ونصف نصفهما ثمن وسدس. أو تقول: النصف ونصفه ونصف نصفه، والثلثان ونصفهما ونصف نصفهما.الطريقة الثالثة: طريقة التوسط، تأتي بالمخرج المتوسط الذي هو الثلث والربع، فتقول الربع والثلث وضعف كلٍ ونصفه، ضعف الربع نصف، وضعف الثلث ثلثان، ونصف الربع ثمن، ونصف الثلث سدس، أو أن تقول تفرد كل واحد منهما، فتقول: الربع وضعفه ونصفه، والثلث وضعفه ونصفه، فترتقي درجة وتنزل درجة.كل هذا مقبول في العد، وهو سليم، وهي طريقة كيفية العد، إنما الفروض لا تخرج عن ستة أنواع، قبل أن نذكر أصحاب هذه الفروض، وأوله عندنا سنبدأ بأصحاب النصف نذكر ما قاله الإمام الرحبي عليه رحمة الله من أبيات في أنواع الإرث وفي بيان الفروض المقدرة في كتاب الله جل وعلا.يقول الإمام الرحبي :واعلم بأن الإرث نوعان همافرض وتعصيب على ما قسماالفرض عرفناه، والتعصيب يأتينا عند بحث العصبات بعد الانتهاء من أصحاب الفروض، وقلت: إنه فيها سهم مقدر لوارث معين لا يزيد إلا بالرد، ولا ينقص إلا بالعول.(فالفرض في نص الكتاب ستة) يعني: الفروض المقدرة في كتاب الله وهكذا في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام ستة لا تخرج عنها.فالفرض في نص الكتاب ستةلا فرض في الإرث سواها البتةيعني: لا يوجد إرث عن طريق الفرض إلا ضمن هذه الفروض الستة: نصف وربع ثم نصف الربع والثلث والسدس بنص الشرعوالثلثان وهما التمام فاحفظ فكل حافظ إمامهذه عد الفروض الستة المقدرة التي لا يخرج الإرث عنها.ندخل بعد ذلك في أهل الفروض المقدرة في أصحابها من يأخذها، وأولها النصف.
 أصحاب الثلثين
الصنف الرابع: أربعة من الورثة يأخذون الثلثين بسبب النسب فقط، وهن من حظهن النصف منفردات، وهن أربع: بنت، بنت ابن، أخت شقيقة، أخت لأب، هؤلاء النسوة الأربع يرثن الثلثين بشروط سأبينها إن شاء الله:الأول: البنت وترث الثلثين بشرطين: أن تكون البنات اثنتين فأكثر، وأن لا يكون معهن معصب.دل على هذا قول الله جل وعلا: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11] انتبه: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ [النساء:11] انتبه لدلالة الآية لأنه حولها كلام وجرى خلاف من بعض الصحابة الأعلام في مفهوم دلالتها، ورجع عن قوله، لكن لابد من ذكره وبيان الرد على هذا القول؛ لنكون على علم ودراية بذلك؛ لأن ظاهر الآية من حيث الظاهر يؤيد ما قاله: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ [النساء:11] هنا قال اثنتين: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ [النساء:11]، يعني: ثلاث فما فوق. فَلَهُنَّ [النساء:11] هذا جمع: فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ [النساء:11]، فعندنا: فوق اثنتين، فلهن، ففي الآية إذاً دلالات متتابعة انتبه لها:أولها: في الآية دلالة قطعية لا خلاف فيها على أن البنت إن كانت واحدة لها النصف: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [النساء:11].وفي الآية دلالة قطعية لا خلاف فيها على أن البنات إذا كن مجتمعات أكثر من اثنتين ثلاث فما زدن لهن الثلثان وهذا لا خلاف فيه. إذاً: عندنا شيء آخر، وهو الثالث، والآية: أشارت إليه وما صرحت به، وهو ميراث البنتين، هل نلحقهما بالواحدة أو بالثلاث، الآية ما تعرضت للاثنتين: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ [النساء:11].قال ابن عباس رضي الله عنهما: نلحق البنتين بالبنت فنعطيهما النصف؛ لأن الله جعل للبنات فرضين: النصف والثلثين، فالثلثان تستحقه البنات إذا كن جمعاً فوق اثنتين، وعليه الواحدة إلى الثلاث نصف، هذا قاله ابن عباس رضي الله عنهما، وهذا القول حتماً لم يقل به أحد من الأمة، ورجع عنه رضي الله عنه وأرضاه؛ لكن انظر لتأييد الأمة لقولها بأن البنتين يأخذان الثلثين، وليس حكم البنتين كحكم البنت الواحدة، انظر لهذه الدلالات التي ذكروها:أولها: قال أئمتنا: انعقد الإجماع على أن البنتين حظهن في الإرث كحظ الثلاث من البنات فما زاد، هذا الإجماع، وأن حظ البنتين ليس كحظ البنت، ودليل الإجماع أقوى الأدلة، ويقدم في الاستدلال، فإذا أراد الإنسان أن يستدل بدليل على الحكم ووجد الإجماع فلا ينظر فيما سواه، وإذا وجد نصاً في الظاهر يخالف الإجماع فهذا النص إما منسوخ وإما مؤول بما يوافق الإجماع؛ لأن الإجماع لا يَنسخ ولا يُنسخ، وإذا ثبت الإجماع فهو حكم قطعي إلى يوم القيامة.فإذاً: هنا إجماع، وقد حكى الإجماع عدد من أئمتنا الأتقياء: منهم ابن قدامة في المغني، والإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، والشيخ عبد الله بن محمد الشنشوري في الفوائد الخيرية في شرح الرحبية، وتوفي سنة: (999هـ)، فالإجماع إذاً: على أن حظ البنتين الثلثان، وليس حظ البنتين النصف كما هو قول ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين سابقاً وفي أول أمره.ولا يعترض على الإجماع بمخالفة ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين، فالإمام القرطبي في تفسيره في الجزء الخامس صفحة ثلاث وستين بعد أن حكى الإجماع، وأن الأئمة نقلوا الإجماع على أن حظ البنتين الثلثان، قال: لكن صح عن ابن عباس أن حظ البنتين النصف، فكيف ينعقد الإجماع؟ وهذا في الحقيقة اعتراض في غير محله؛ لأن الإجماع انعقد بعد ابن عباس رضي الله عنهما، خالف ثم رجع عنه، وأجمعت الأمة بعد ذلك على أن حظ البنتين الثلثان، وكم من مسألة كان فيها خلاف ثم زال الخلاف بالإجماع، كنكاح المتعة، أما كان فيه خلاف؟ بل المعتمد الثابت أن ابن عباس رضي الله عنهما مات وهو يقول بحله، ورجوعه عنه ضعيف، قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم : لم ينقرض عصر التابعين حتى أجمعوا على تحريمه، أي: على تحريم نكاح المتعة، انتهى.فإذاً: الإجماع كان بعد الاختلاف والاتفاق بعد الافتراق، وما أكثر ما يقع هذا، يعني: نحن ما قلنا الإجماع كان قبل ابن عباس ، أو في زمنه حتى كيف يقال: انعقد إجماع بمخالفته؟ مسألة كان فيها خلاف في الصدر الأول في زمن التابعين نقلت هذه المسائل وأجمع أئمتنا على أنه يرث البنتان الثلثين بالإجماع، والآية سيأتينا توجيهها بما يتفق مع هذا القول إن شاء الله. إذاً: هذه مسألة اتفاق بعد افتراق، مسألة أخرى لا خلاف فيها بين أئمتنا، وأبو بكر رضي الله عنه كان رأيه على خلافها، ووافقه الصحابة، ثم هجر رأيه رضي الله عنه وأرضاه: نساء المرتد وذريته هل يسبون أم لا؟ أبو بكر سباهم، في قتال المرتدين في بني حنيفة، وعلي استولد واحدة من أولئك السبي وجاءه منها محمد بن الحنفية ، قال الإمام النووي : لم ينقرض عصر الصحابة ليس التابعين، حتى أجمعوا على أن المرتد لا تسبى ذريته ولا زوجاته، فإذا ارتد فالزوجة لا تسبى، ولا يعامل كمعاملة الكافر الأصلي، مع أنه كما قلت كان في ذلك خلاف، وأبو بكر رضي الله عنه يرى سبي نساء المرتد وأولاده، كما هو الحال في الكافر الأصلي، ثم ترك هذا.فإذاً: إجماع بعد افتراق يقع بكثرة، ومنه هذان المثالان وأمثلة كثيرة أخرى، فقول الإمام القرطبي : كيف ينعقد الإجماع وابن عباس خالف؟ هذا في الحقيقة عدم تحقيق في المسألة، وليس طعناً في هذا الإمام المبارك، إنما من باب توجيه قول أئمتنا، ما حكوا قولاً لا واقع له، قالوا: كان هناك خلاف في العصر الأول، ثم اتفقت الأمة على أن حظ البنتين الثلثان كحظ البنات ثلاثاً فأكثر. فإن قيل: كان ابن عباس رضي الله عنهم أجمعين يخالف، نقول: على العين والرأس، لكن هذا الخلاف زال بعده، وهل من شرط الإجماع أن لا يكون هناك خلاف في السابق؟ لا، المراد وقت انعقاد الإجماع لا يخالف أحد، أما أنه كان هناك خلاف فلا يضيرنا.الدليل الثاني في أن حظ البنتين الثلثان: قال أئمتنا: قياس البنتين على الأختين في آية الكلالة، فكل من الآيتين يكمل الأخرى، ويؤخذ الحكم المذكور في كل آية إلى الحكم المسكوت عنه في الآية الأخرى، في كل من الآيتين شيء مسكوت عنه وشيء مذكور، فخذ المذكور من هنا إلى المسكوت عنه هنا، والعكس صحيح، واكتمل الحكم الشرعي في البنات والأخوات.أما في آية البنات فسكت الله عن البنتين، وأما في آية الأخوات فسكت الله عن الأخوات، ذكر حكم الأختين، فهنا قال: فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ [النساء:11]، ذكر حكم ما زاد على الثنتين، وفي آية الكلالة قال: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ [النساء:176]، فإذاً: ذكر حكم الثنتين، وفي البنات ذكر حكم ما زاد على الثنتين، فكل من الآيتين يكمل الأخرى.وعليه حكم البنتين كحكم الأختين، وحكم الأخوات كحكم البنات، قال أئمتنا: وينبغي أن نجعل البنتين كالأختين قطعاً وجزماً؛ لأن البنات أمس رحماً وأقوى سبباً، فالأخت الشقيقة تأخذ النصف بمفردها فإذا كان معها أختٌ ثانية يأخذان الثلثين بنص القرآن، فالبنت تأخذ النصف، وإذا كان معها بنت أخرى هل تجعلها أيضاً في النصف تشتركان؟ لا يمكن؛ لأن قرابة البنت أقوى من قرابة الأخت، فهي كما قلت: أمس رحماً وأقوى سبباً، وحقق ذلك الإمام ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية، والإمام ابن القيم في إعلام الموقعين، في الجزء الأول صفحة سبعين وثلاثمائة ، وذكره شيخنا الكريم في أضواء البيان في الجزء الأول صفحة تسع وثلاثمائة في توضيح هذا القول، فقال: نقيس آية البنات على آية الكلالة، الأخوات، فهناك ذكر شيء سكت عنه هنا، وهنا ذكر شيء سكت عنه هناك، فكل من الآيتين يكمل الأخرى، وعليه حكم الأخوات كحكم البنات، وحكم البنتين كحكم الأختين، فذكر هنا ما سكت عنه هناك، وذكر هنا ما سكت عنه، فخذ المذكور هنا إلى المسكوت هناك، وخذ المذكور هنا إلى المسكوت هنا، وكل من الآيتين يكمل الأخرى، لكن أخذ حكم الأختين للبنتين أقوى بكثير من أخذ حكم الأختين من البنتين أقوى.يعني: لو أن الآية ذكرت في البنتين لا في الأختين، لكان هناك مجال للبحث في إلحاق الأختين بالبنتين؛ لأن قرابة الأخوات دون قرابة البنات، لكن إلحاق البنتين للأختين هذا ما ينبغي أن يتردد فيه أحد؛ لأنه إذا كان للأختين ثلثين، فمن باب أولى أن يكون هذا للبنتين، فهما أمس في الرحم أقوى في سبب الإرث، فكيف نعطي للأبعد الثلثين عندما يكون هناك أختان، ولا نعطي للبنتين الثلثين؟ هذا لا يمكن أن يكون، نقول: للبنتين النصف، وللأختين الثلثان؟ هذا كلام لا يستقيم أبداً، فالله جل وعلا عندما قال: فَوْقَ اثْنَتَيْنِ [النساء:11]، لذلك حكمة كما سيأتينا في الأجوبة الستة التي سنذكرها، وكلمة فوق بعد ذلك لها تأويلات، إنما نحن ينبغي أن نجمع بين آيات الإرث، ونعلم أن الأختين إذا أخذتا الثلثين فينبغي أن يأخذ البنتان الثلثين من باب أولى.الدليل الثالث: قال أئمتنا: الآية التي فيها ميراث البنات نبهت على أن البنتين يأخذان الثلثين تنبيهاً دقيقاً ينبغي أن ينتبه له أهل الفطنة، وهذا التنبيه هو: التنبيه بالأدنى على الأعلى، ما هو الأدنى وما هو الأعلى؟ انتبه هنا: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]، إذا وجد ابن وبنت، ليس للبنت فرض لوجود المعصب، المسألة من ثلاثة؛ لأن رءوسهما ثلاثة سهمان وسهم، تأخذ البنت ثلثاً، إذاً: البنت أخذت مع أخيها الثلث، فهي أخذت نصفه وأخذت الثلث، فلو وجد معها بنت أخرى ينبغي أن تأخذ هذه الثلث مع هذه من باب أولى؛ لأن البنت مع الابن أخذت الثلث، فالبنت مع البنت من باب أولى أن تأخذ الثلث، يعني: هي عندما وجدت مع من هو أقوى منها ما نقصت عن الثلث، فكيف لو وجدت مع من يساويها لا يقال لها: خذي الربع؛ لأنها ستقول: أنا مع القوي أخذت الثلث، فلما جاءت أنثى مثلي أعطيتموني الربع! هذا لا يستقيم، إن لم تزيدوني على الثلث فلا تنقصوني، وعليه لو مات الميت عن: بنتين وعم كانت المسألة من ثلاثة: واحد، واحد، واحد، فتأخذ البنتان الثلثين.هذا التنبيه بالأدنى على الأعلى، يعني: حال البنت مع الابن أقل من حالها مع البنت الأخرى، فحال البنت مع الابن أدنى من حال البنت مع البنت، في حال دنوها وضعفها أخذت الثلث، فكيف في حال قوتها؟ وعليه لا يستقيم أن تعطى أقل من الثلث. الدلالة الرابعة: قال أئمتنا الكرام: يستحيل أن نعطي للبنتين النصف؛ لأن الله قيد فرض النصف للبنت إن كانت واحدة: وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [النساء:11]، وعليه لا تستحق البنت النصف إلا في حالة واحدة وهي إذا كانت واحدة، فإن وجد معها أختها قال أئمتنا: لها ثلاثة أحوال اختاروا، إذا كان عندكم عقول تفكرون بها يا معشر المستمعين المستنبطين:الحالة الأولى: إما أن نعطي البنتين أقل من النصف، فنقول: النصف تأخذه الواحدة، والثلثان يأخذه ما زاد على الثنتين، لا يأخذان الثلثين.إذاً: نعطيهم أقل من النصف فرضاً آخر، قال أئمتنا: هذا محال؛ لأنه إذا كانت الواحدة تأخذ النصف فلا يمكن للبنتين أن يأخذا أقل منه. الاحتمال الثاني: أن تشركوا بين البنتين في النصف، تكون واحدة لها النصف والثنتان لهما النصف، قال أئمتنا: هذا خلاف مدلول الآية، ويبطل فائدة التقييد بواحدة، الله يقول: وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً [النساء:11]، وأنتم جعلتم للثنتين نصفاً. الاحتمال الثالث: أن تجعلوا لكل واحدة النصف، فتقول الواحدة لها النصف والثانية لها النصف، وهذا أيضاً أشد بطلاناً من القولين المتقدمين؛ لأن البنات إذا كن ثلاثاً لا يأخذن كل المال، فكيف إذا كان ثنتين.فإذاً بطلت هذه الاحتمالات الثلاثة وبقي عندنا الاحتمال المقبول، وعليه لا نقول الآية بين ثلاثة احتمالات، إذ قد بطلت هذه الاحتمالات وتعين أن نجعل البنتين كالبنات الثلاث فما زاد؛ لأنه لا يمكن أن تعطي البنتين أقل من النصف، ولا يمكن أن نعطيهما النصف خلاف مدلول الآية، ولا يمكن أن تعطي لكل واحدة النصف، فيأخذا كل المال، وما جعل الله كل المال للبنات الثلاث، فكيف ثلاث يأخذن ثلثين وثنتان يأخذن كل المال؟ إذاً: حكم البنتين كحكم ما زاد على ذلك.وإلى هنا نصل إلى نهاية درسنا هذا، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فقه المواريث - أصحاب الفروض للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net