اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فقه المواريث - ميراث اللقيط للشيخ : عبد الرحيم الطحان


فقه المواريث - ميراث اللقيط - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
من أسباب الإرث المختلف فيها: الالتقاط، وهو العثور على طفل منبوذ لا يعرف نسبه، والالتقاط دائر بين فرض العين وفرض الكفاية، ويحكم بإسلام أو عدم إسلام اللقيط باعتبارات معينة، ونفقة اللقيط من ماله وإلا فمن بيت المال وإلا فعلى الملتقط، فإن عجز فعلى أغنياء المسلمين، والجمهور على عدم توريث الملتقط ممن التقطه، ورجح ابن القيم التوارث وجعله أولى من العتق الذي هو من أسباب الميراث، أما الرق فهو من موانعه.
السبب الرابع من أسباب الإرث المختلف فيها: الالتقاط
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الرحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد:كنا نتدارس أسباب الإرث، وقد انتهينا من مدارسة أسباب الإرث المجمع عليها، وهي ثلاثة بلا خلاف: النكاح, والولاء، والنسب.أسباب ميراث الورى ثلاثةكل يفيد ربه الوراثةوهي نكاح وولاء ونسبما بعدهن للمواريث سببثم انتقلنا بعد ذلك إلى مدارسة الأسباب المختلف فيها، وقلت إنها أربعة أسباب, وقد تدارسنا ثلاثة منها:السبب الأول: جهة الإسلام، وهي التي يعبر عنها ببيت المال.والسبب الثاني: الموالاة والمعاقدة والمعاهدة، أرثك وترثني, فدمي دمك، وهدمي هدمك، وتعقل عني وأعقل عنك.الأمر الثالث: التسبب في إسلام إنسان، إذا مات المسلم الذي أسلم على يدي إنسان يرثه هذا الذي تسبب في إسلامه.هذه أسباب ثلاثة مر الكلام عليها مفصلة، وبينت ملحظ وتعليل ودليل كل قول من أقوال أئمتنا الكرام حسب اختلافهم في الأسباب المتقدمة الثلاثة.ننتقل إلى السبب الرابع المختلف فيه، ثم إذا انتهينا منه نشرع -إن شاء الله- في بيان موانع الإرث، وهذا آخر ما يكون معنا في مقدمة الفرائض، ثم سندخل في بيان الوارثين والوارثات من الرجال والنساء، ثم ندخل في بيان الفروض المقدرة، ثم التعصيب، حسب تتابع مباحث الفرائض إن شاء الله.
 ميراث اللقيط
نشرع الآن في ميراث اللقيط, هل يورث؟ وهل يرثه ملتقطه؟ وكما قلت: هذا هو السبب الرابع من الأسباب المختلف فيها في أسباب الإرث، لعلمائنا الكرام في ذلك قولان معتبران:القول الأول: قال به الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي ، وهو أحد القولين للإمام أحمد ، وهو ظاهر مذهب الحنابلة: أن الملتقط لا يرث اللقيط؛ لأن اللقيط حر، ولا ولاء لأحد عليه، ومن أسباب الإرث كما تقدم معنا وجود نسب أو ولاء، ولا نسب بينك وبين من التقطته, وليس لك ولاية عليه، فإذا أحسنت إليه بالتقاطه وتربيته لا يكون هذا من أسباب إرثه.القول الثاني: أن الملتقط يرث اللقيط إذا لم يكن هناك أسباب الإرث المتفق عليها، يعني: لو مات وترك ابناً وملتقطه, المال للابن، وهذا لا إشكال فيه.لكن نحن نقول: إذا لم يكن هناك ورثة من أصحاب الأسباب المتفق عليها، ووجد ملتقط، هل ندفع المال لبيت المال أو لمن التقطه أو لذوي أرحامه؟ هل نقدم الملتقط وينزل منزلة المعتق؟يعني: مات وترك معتقاً وبنت عم، المال للمعتق؛ له عاصب، وهنا ترك بنت عم وملتقطه, فهل نعطي المال للملتقط، ونجعل له ولاية عليه كولاية العتق؟على القول الثاني الملتقط له ولاء على لقيطه، وهذا هو القول الثاني للإمام أحمد ، وقال به إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، وقال به الإمام النخعي كما في فتح الباري في الجزء الثاني عشر (صفحة: 32)، وقال به شريح من قضاة التابعين عليهم جميعاً رحمات رب العالمين.وقد أشار البخاري في صحيحه إلى هذه المسألة، فقال في كتاب الفرائض: باب: الولاء لمن أعتق وميراث اللقيط، وسيأتينا ما ذكره الإمام البخاري عليه رحمة الله في هذا الباب من قصة وقعت في عهد عمر رضي الله عنه وأرضاه عند سرد أدلة هذا القول فاستمعوها إن شاء الله.وهذا القول الثاني قرره أئمتنا بدليلين معتبرين:الدليل الأول: قالوا: ثبت في السنن الأربعة، وقال الإمام الترمذي : حسن غريب، عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه وأرضاه، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( تحوز المرأة ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنت عليه )، أي: تكون عصبة في هذه الأحوال الثلاثة، وتأخذ مال هؤلاء بأكمله، وليس للمرأة تعصيب إلا في هذه الأحوال. أما الحالة الأولى فمجمع عليها:وليس في النساء طراً عصبةإلا التي منت بعتق الرقبةتحوز المرأة ثلاثة مواريث: عتيقها، إذا أعتقت إنساناً فهي عصبته، ( الولاء لمن أعتق ) كما تقدم معنا، ( عتيقها، ولقيطها ) , التقطت إنساناً ومات تحوز ميراثه، ( وولدها الذي لاعنت عليه )، إذا حصل اللعان بينها وبين زوجها في نفي الولد, فالولد ينسب بعد اللعان للأم, فإذا مات هذا الولد ترثه أمه.قال الإمام ابن الأثير في جامع الأصول: اللقيط حر في قول عامة الفقهاء، وذهب بعضهم يعني: إذا كان حراً فملتقطه لا يرثه وليس لملتقطه ولاية عليه، وذهب بعضهم إلى أن ولاء اللقيط لملتقطه احتجاجاً بهذا الحديث، وليس هذا الحديث حجة عند الأكثر، وهو ثابت عند الأكثر من أهل النقل، كأنه يقول: الذين لم يأخذوا به لم يروا في هذا الحديث حجية، وقالوا معارض بما تقدم معنا، والحديث قلنا: في أعلى درجات الصحة: ( الولاء لمن أعتق )، وقصر الولاية في هذه الحالة، وهي حصول العتق، كما تقدم معنا: من تسبب في إسلام أحد هل يكون له ولاية عليه؟ أقول: ما حصر النبي عليه الصلاة والسلام الولاء في جهة واحدة، فالذين لم يروا هذا الحديث حجة رأوا أنه معارض بما هو أقوى منه فيقدم عليه، وهنا سلكوا مسلك التأويل بعد ذلك في موضوع الولاية، قالوا: هذه الولاية معناها أولى الناس بمحياه ومماته، كما تقدم معنا فيمن تسبب بإسلام أحد, قالوا: هو أولى الناس ببره ورعايته وشهود صلاته والإحسان إليه وما شاكل هذا، وليس هو أولى الناس بإرثه؛ فهذا لا يثبت له لعدم وجود أسباب الإرث الثابتة، وهنا كذلك.يقول الإمام ابن الأثير : وليس حجة عند الأكثر، وهو ثابت عند الأكثر من أهل النقل، يعني: المحدثون يثبتون هذا الحديث ويصححونه، وقلت لكم: الإمام الترمذي قال عنه: حسن غريب، وهو في السنن الأربعة.الدليل الثاني: ما ذكره البخاري في كتاب الفرائض: باب: الولاء لمن أعتق وميراث اللقيط، وأورده أيضاً في كتاب الشهادات: باب: إذا زكى رجلٌ رجلاً كفاه، وانظروه في الجزء الخامس من كتاب الشهادات في ( صفحة: 210).ولفظ الأثر: وقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: (اللقيط حر). قال الحافظ ابن حجر : وصله البيهقي ، والإمام مالك في الموطأ، ولكلام عمر رضي الله عنه قصة, وقد أوردها البخاري عليه رحمة الله في المكان الأول في الجزء الخامس، وهي في سنن البيهقي وموطأ الإمام مالك ، لكن البخاري رواها معلقة، وقد وصلها الإمام البيهقي والإمام مالك في الموطأ، وهي: عن سُنين بنونين مع التصغير، سُنين أبي جميلة، وهو رجل من بني سليم، قال: وجدت منبوذاً في زمان عمر -رضي الله عن الصحابة أجمعين- فجئت به إلى عمر , فقال عمر : عسى الغوير أبؤساً, وفي طبعة الريان عندكم في فتح الباري, ضبطها عسى الغُبر أبؤسا، عسى الغوير تصغير الغار، غار غوير، والغار معروف كالكهف يدخل الناس فيه في فجوة في الأرض، في جبل غار، عسى الغوير أبؤساً، أبؤساً أي: شدة, وفيه مشكلة من البؤس.قال أئمتنا: وهذا الكلام فاشٍ عند أهل المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، يقولونه لشيء ظاهره السلامة، لكن فيه هلاك وعطب، فيقولون: عسى الغوير أبؤساً.وأصل هذا الكلام قيل لأناس دخلوا غاراً، فسقط عليهم الغار فماتوا، وقيل: أناسٌ دخلوا غاراً فارين من أعداء لهم، فوجدوا أعداءهم في الغار فذبحوهم.فيقال لشيء ظاهره السلامة لكن فيه شدة وعناء وبؤس وخيانة: عسى الغوير أبؤساً.قال سنين أبو جميلة : كأنه يتهمني، عسى الغوير أبؤسا، يعني: من أين أتيت بهذا المنبوذ, وأنت تقول: إنك وجدته في الطريق؟!وما قاله بعض شراح الأثر: أنه يتهمه بالزنا، فنعيذ بالله عمر بن الخطاب والصحابة الكرام أن يتهموا أحداً بهذه المنقصة والرذيلة، إنما عمر رضي الله عنه على حسب فهم سنين أبي جميلة يتهمه بطلب النفقة، يقول: عسى الغوير أبؤساً، يعني: هذا ولدك وولد على فراشك، وجئت تقول: منبوذ لنفرض له في بيت المال، تأخذ نفقة على ولدك، هذا هو معنى قوله: يتهمني، يعني: هذا ولدي وادعيت أنه لقيط من أجل أن آخذ نفقته, عسى الغوير أبؤساً.يقول: فقال الحرسي, وهو الشرطي الحارس عند عمر رضي الله عنه وأرضاه، وقيل المراد بالحرسي هنا: العريف الذي جعله عمر رضي الله عنه على القبائل، فجعل لكل قبيلة عريفاً، فقبيلة بني سليم التي منها سنين يوجد عليها عريف، يعني: بمعنى العمدة أو المختار أو المزكي، على حسب اصطلاحات الناس، يعني: المسئول عن هذه القبيلة.قال: يا أمير المؤمنين! إنه رجل صالح، يعني: ما حوله تهمة، فقال عمر : أكذلك؟ قال: نعم. قال: اذهب فهو حر، ولك ولاؤه. وسنين المعتمد صحابي، وشهد فتح مكة مع النبي عليه الصلاة والسلام، وبعض الأئمة وهم وقال: هو من التابعين، وهو صحابي كما حقق ذلك الحافظ ابن حجر .فقوله هنا: ولك ولاؤه، هذا ما استدل به الإمام أحمد في الرواية الثانية، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي وإبراهيم النخعي وشريح ، وقالوا: قيل هذا بمحضر الصحابة, وما أنكره أحد، فصار كأنه إجماع؛ أن الملتقط له ولاء على لقيطه.وهو حر, أي: لا يكون عبداً تتملكه، لكن لك ولاية عليه، والنفقة علينا كما تقدم معنا في مال اللقيط وإلا ففي بيت المال، وإلا فعلى المسلمين من علم منهم، وإلا فعلى الملتقط.وأجاب الجمهور عن هذا فقالوا: لك الولاء، ليس المراد من الولاء هنا الولاء الذي يشبه ولاء العتق بحيث يرث به، إنما لك ولاية عليه دون غيرك في تربيته، وأنت أولى الناس به، وأنت الذي تسببت في أخذه، وأنت عندما أخذته منعت ادعاء نسبه؛ لأنه لو لم تأخذه لربما جاء بعض الناس وقال: هذا ولدي فادعاه، فأنت لك هذه الولاية عليه، يعني: أنت المسئول عنه، لا أنك ترثه.وحقيقة أولى الناس بتربية اللقيط من التقطه، وهو يأخذ نفقته من بيت المال ويربيه، وليس المراد أن له الولاء الذي يثبت للمعتق على عتيقه، هناك من عليه بالعتق، فهذا قول الجمهور.لكن ظاهر كلام عمر : لك ولاؤه وعلينا نفقته هو حر، استدل به من قال بتوريث الملتقط، وكما قلت: هو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد , وقال بهذا بعض أئمة الإسلام.هذا القول هو الذي رجحه الإمام ابن القيم في تعليقه على تهذيب السنن للإمام المنذري في الجزء الرابع (صفحة: 174) فقال الإمام ابن القيم : إن صح هذا الأثر وهو صحيح، فالقول ما قال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، إسحاق بن راهويه ، أنا أقول وهو قول الإمام أحمد كما تقدم معنا في إحدى الروايتين، وقول إبراهيم النخعي وشريح ، ثم علل هذا بأمرين معتبرين:أولهما: قال: إن إنعام الملتقط على لقيطه ليس دون إنعام المعتق على عتيقه، وإذا اتفقنا على أن المعتق له ولاء على من أعتقه من غير وجود نسب بينهما، ويرثه بتلك النعمة، فنعمة المتلقط أكثر؛ لأن ذاك لو لم يعتقه لما تضرر، فهو في كنفه ورعايته، فهو إذا لم يعتقه لم يحدث شيء، يأكل ويشرب وينام، وإذا طلب الزواج ستزوجه رغم أنفك وتنفق عليه وعلى زوجته كما سيأتينا، لكن هذا اللقيط إذا ما التقطته هلك، فنعمتك على اللقيط أكثر من نعمتك على الرقيق بالعتق، وإذا اتفقنا على أن المعتق يرث عتيقه، فينبغي أن نقول بإرث الملتقط منه لقيطه.والتعليل الثاني: قال: إن الملتقط ساوى المسلمين في صلتهم بهذا اللقيط وامتاز عليهم بأنه أحسن إليه بما لم يحسنوا إليه، وهو التقاطه ودفع الهلاك عنه، فمن محاسن الشرع أن يكون الملتقط أحق بماله من سائر المسلمين وأن لا يرد هذا المال إلى بيت مال المسلمين، وقد استقر الشرع على تقديم النسب لا على نسخ الأسباب الأخرى، وهذا كقول الحنفية كما تقدم معنا في المعاهدة والمعاقدة، يقولون: الشرع قدم النسب، فنقدمه، لكن ما نسخ: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ [النساء:33]، فإذا ما وجد نسب نعطي من بينهما موالاة ومعاقدة ومعاهدة على أنك ترثني وأرثك، ودمي دمك، وهدمي هدمك، تعقل عني وأعقل عنك، فإذا مت وليس لك وارث من النسب أنا أولى الناس بمالك، وهكذا إذا مت أنت أولى الناس بمالي.فالحنفية كما تقدم معنا يقولون: لم ينسخ ذاك، إنما وجد ما هو أقوى منه، وهذا كلام ابن القيم هنا عليهم جميعاً رحمة الله, يقول: استقر الشرع على تقديم سبب النسب، لا على نسخ الأسباب الأخرى، فهنا عصبة الملتقط عصبة، والمعتق عصبة، والابن عصبة، فلو وجد ثلاث عصبات في وقت واحد فلا تعط عصبة المعتق والملتقط، لو وجد عصبتان في وقت واحد، ابن ومعتق، المال للابن، وجد ابن وملتقط، المال للابن، فنقدم النسب لأنه أقوى، لكن ذاك ما ألغي غيره.فأنا أقول كما قال الإمام ابن القيم عليهم جميعاً رحمة الله: إذا صح الحديث وقد صح, فحديث واثلة قد تقدم معنا، وهو صحيح: ( المرأة تحوز ثلاثة مواريث، عتقيها ولقيطها وولدها التي لاعنت عليه )، وهنا قول عمر رضي الله عنه: اذهب فهو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته, مما يدل على أنه صار لك إنعام عليه، وأنه بهذا الإنعام تثبت لك ولاية عليه، وظاهر اللفظ المراد من الولاية ولاية التعصيب التي يرث بها؛ لأن ولاية النعمة هذه معلومة، سواء قالها عمر أو لم يقلها، والعلم عند الله.ولذلك أدخل الإمام البخاري هذا كما قلت في كتاب الفرئض، فقال: باب: الولاء لمن أعتق وميراث اللقيط، يعني: من يأخذ مال اللقيط؟ أي: يأخذه ملتقطه لأثر عمر المتقدم والعلم عند الله جل وعلا، هذا فيما يتعلق إخوتي الكرام بأسباب الإرث المجمع عليها والمختلف فيها.خلاصة الكلام: أسباب الإرث المجمع عليها ثلاثة: نكاح, وولاء, ونسب، والمختلف فيها أربعة: جهة الإسلام وهي بيت المال، الموالاة والمعاقدة والمعاهدة، من تسبب في إسلام غيره، من التقط غيره وأحسن إليه وصانه من الهلاك والتلف، هذه اختلف فيها، وبينت كما قلت وتقدم معنا تفصيل أقوال العلماء في ذلك ودليل كلٍ والعلم عند الله جل وعلا.
موانع الإرث
ننتقل إلى آخر المباحث معنا في هذه المقدمة، ألا وهو موانع الإرث.موانع الإرث جمع مانع، والمانع هو: الحائل والحاجز, يقال له: مانع وحاجز. واستعمل الله جل وعلا هذا في كتابه، فكل من حجز معروفه أو خيره عن الناس سماه بأنه ممن يمنعونه، فهو اتصف بصفة المنع، قال الله جل وعلا في سورة الماعون: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ [الماعون:4-7]، وقال في العاتي المشرك: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ [القلم:12]، أي: يحول بين معروفه وبين وصوله إلى الناس، فلا يحسن إلى عباد الله، وقال جل وعلا: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا [البقرة:114].إذاً: معنى المانع في اللغة الحاجز والحائل.ومعناه في الاصطلاح: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته، عكس الشرط، والشرط هو: ما يلزم من عدمه العدم, ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته، وهنا: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته، كيف هذا؟إذا وجد المانع ينعدم الإرث قطعاً وجزماً، لو كان الوارث قاتلاً أو رقيقاً أو كافراً فلا إرث، إذاً: يلزم من وجوده عدم الإرث، فإذا لم يوجد المانع، أي: أن الوارث ليس بقاتل ولا كافر ولا رقيق لا يلزم حصول الإرث ولا انتفاؤه؛ لأنه قد يكون هناك أخ وارث ليس بقاتل ولا كافر ولا رقيق، لكن وجد من هو أقرب منه كالابن، فليس للأخ شيء.فإذاً: هنا ليس عند الأخ مانع من موانع الإرث وما ورثه؛ لأن انتفاء المانع لا يلزم منه وجود للإرث ولا عدم للإرث.موانع الإرث: المتفق عليها أيضاً ثلاثة، والمختلف فيها يأتينا بعد بيان المتفق عليها إن شاء الله.المتفق عليها ثلاثة: الرق, والقتل, واختلاف الدين، قال الإمام الرحبي عليه رحمات ربنا القوي:ويمنع الشخص من الميراثواحدة من علل ثلاثِرقٌ وقتلٌ واختلاف دينِفافهم فليس الشك كاليقينِ
 ميراث اللقيط
نشرع الآن في ميراث اللقيط, هل يورث؟ وهل يرثه ملتقطه؟ وكما قلت: هذا هو السبب الرابع من الأسباب المختلف فيها في أسباب الإرث، لعلمائنا الكرام في ذلك قولان معتبران:القول الأول: قال به الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي ، وهو أحد القولين للإمام أحمد ، وهو ظاهر مذهب الحنابلة: أن الملتقط لا يرث اللقيط؛ لأن اللقيط حر، ولا ولاء لأحد عليه، ومن أسباب الإرث كما تقدم معنا وجود نسب أو ولاء، ولا نسب بينك وبين من التقطته, وليس لك ولاية عليه، فإذا أحسنت إليه بالتقاطه وتربيته لا يكون هذا من أسباب إرثه.القول الثاني: أن الملتقط يرث اللقيط إذا لم يكن هناك أسباب الإرث المتفق عليها، يعني: لو مات وترك ابناً وملتقطه, المال للابن، وهذا لا إشكال فيه.لكن نحن نقول: إذا لم يكن هناك ورثة من أصحاب الأسباب المتفق عليها، ووجد ملتقط، هل ندفع المال لبيت المال أو لمن التقطه أو لذوي أرحامه؟ هل نقدم الملتقط وينزل منزلة المعتق؟يعني: مات وترك معتقاً وبنت عم، المال للمعتق؛ له عاصب، وهنا ترك بنت عم وملتقطه, فهل نعطي المال للملتقط، ونجعل له ولاية عليه كولاية العتق؟على القول الثاني الملتقط له ولاء على لقيطه، وهذا هو القول الثاني للإمام أحمد ، وقال به إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، وقال به الإمام النخعي كما في فتح الباري في الجزء الثاني عشر (صفحة: 32)، وقال به شريح من قضاة التابعين عليهم جميعاً رحمات رب العالمين.وقد أشار البخاري في صحيحه إلى هذه المسألة، فقال في كتاب الفرائض: باب: الولاء لمن أعتق وميراث اللقيط، وسيأتينا ما ذكره الإمام البخاري عليه رحمة الله في هذا الباب من قصة وقعت في عهد عمر رضي الله عنه وأرضاه عند سرد أدلة هذا القول فاستمعوها إن شاء الله.وهذا القول الثاني قرره أئمتنا بدليلين معتبرين:الدليل الأول: قالوا: ثبت في السنن الأربعة، وقال الإمام الترمذي : حسن غريب، عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه وأرضاه، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( تحوز المرأة ثلاثة مواريث: عتيقها، ولقيطها، وولدها الذي لاعنت عليه )، أي: تكون عصبة في هذه الأحوال الثلاثة، وتأخذ مال هؤلاء بأكمله، وليس للمرأة تعصيب إلا في هذه الأحوال. أما الحالة الأولى فمجمع عليها:وليس في النساء طراً عصبةإلا التي منت بعتق الرقبةتحوز المرأة ثلاثة مواريث: عتيقها، إذا أعتقت إنساناً فهي عصبته، ( الولاء لمن أعتق ) كما تقدم معنا، ( عتيقها، ولقيطها ) , التقطت إنساناً ومات تحوز ميراثه، ( وولدها الذي لاعنت عليه )، إذا حصل اللعان بينها وبين زوجها في نفي الولد, فالولد ينسب بعد اللعان للأم, فإذا مات هذا الولد ترثه أمه.قال الإمام ابن الأثير في جامع الأصول: اللقيط حر في قول عامة الفقهاء، وذهب بعضهم يعني: إذا كان حراً فملتقطه لا يرثه وليس لملتقطه ولاية عليه، وذهب بعضهم إلى أن ولاء اللقيط لملتقطه احتجاجاً بهذا الحديث، وليس هذا الحديث حجة عند الأكثر، وهو ثابت عند الأكثر من أهل النقل، كأنه يقول: الذين لم يأخذوا به لم يروا في هذا الحديث حجية، وقالوا معارض بما تقدم معنا، والحديث قلنا: في أعلى درجات الصحة: ( الولاء لمن أعتق )، وقصر الولاية في هذه الحالة، وهي حصول العتق، كما تقدم معنا: من تسبب في إسلام أحد هل يكون له ولاية عليه؟ أقول: ما حصر النبي عليه الصلاة والسلام الولاء في جهة واحدة، فالذين لم يروا هذا الحديث حجة رأوا أنه معارض بما هو أقوى منه فيقدم عليه، وهنا سلكوا مسلك التأويل بعد ذلك في موضوع الولاية، قالوا: هذه الولاية معناها أولى الناس بمحياه ومماته، كما تقدم معنا فيمن تسبب بإسلام أحد, قالوا: هو أولى الناس ببره ورعايته وشهود صلاته والإحسان إليه وما شاكل هذا، وليس هو أولى الناس بإرثه؛ فهذا لا يثبت له لعدم وجود أسباب الإرث الثابتة، وهنا كذلك.يقول الإمام ابن الأثير : وليس حجة عند الأكثر، وهو ثابت عند الأكثر من أهل النقل، يعني: المحدثون يثبتون هذا الحديث ويصححونه، وقلت لكم: الإمام الترمذي قال عنه: حسن غريب، وهو في السنن الأربعة.الدليل الثاني: ما ذكره البخاري في كتاب الفرائض: باب: الولاء لمن أعتق وميراث اللقيط، وأورده أيضاً في كتاب الشهادات: باب: إذا زكى رجلٌ رجلاً كفاه، وانظروه في الجزء الخامس من كتاب الشهادات في ( صفحة: 210).ولفظ الأثر: وقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: (اللقيط حر). قال الحافظ ابن حجر : وصله البيهقي ، والإمام مالك في الموطأ، ولكلام عمر رضي الله عنه قصة, وقد أوردها البخاري عليه رحمة الله في المكان الأول في الجزء الخامس، وهي في سنن البيهقي وموطأ الإمام مالك ، لكن البخاري رواها معلقة، وقد وصلها الإمام البيهقي والإمام مالك في الموطأ، وهي: عن سُنين بنونين مع التصغير، سُنين أبي جميلة، وهو رجل من بني سليم، قال: وجدت منبوذاً في زمان عمر -رضي الله عن الصحابة أجمعين- فجئت به إلى عمر , فقال عمر : عسى الغوير أبؤساً, وفي طبعة الريان عندكم في فتح الباري, ضبطها عسى الغُبر أبؤسا، عسى الغوير تصغير الغار، غار غوير، والغار معروف كالكهف يدخل الناس فيه في فجوة في الأرض، في جبل غار، عسى الغوير أبؤساً، أبؤساً أي: شدة, وفيه مشكلة من البؤس.قال أئمتنا: وهذا الكلام فاشٍ عند أهل المدينة المنورة على منورها صلوات الله وسلامه، يقولونه لشيء ظاهره السلامة، لكن فيه هلاك وعطب، فيقولون: عسى الغوير أبؤساً.وأصل هذا الكلام قيل لأناس دخلوا غاراً، فسقط عليهم الغار فماتوا، وقيل: أناسٌ دخلوا غاراً فارين من أعداء لهم، فوجدوا أعداءهم في الغار فذبحوهم.فيقال لشيء ظاهره السلامة لكن فيه شدة وعناء وبؤس وخيانة: عسى الغوير أبؤساً.قال سنين أبو جميلة : كأنه يتهمني، عسى الغوير أبؤسا، يعني: من أين أتيت بهذا المنبوذ, وأنت تقول: إنك وجدته في الطريق؟!وما قاله بعض شراح الأثر: أنه يتهمه بالزنا، فنعيذ بالله عمر بن الخطاب والصحابة الكرام أن يتهموا أحداً بهذه المنقصة والرذيلة، إنما عمر رضي الله عنه على حسب فهم سنين أبي جميلة يتهمه بطلب النفقة، يقول: عسى الغوير أبؤساً، يعني: هذا ولدك وولد على فراشك، وجئت تقول: منبوذ لنفرض له في بيت المال، تأخذ نفقة على ولدك، هذا هو معنى قوله: يتهمني، يعني: هذا ولدي وادعيت أنه لقيط من أجل أن آخذ نفقته, عسى الغوير أبؤساً.يقول: فقال الحرسي, وهو الشرطي الحارس عند عمر رضي الله عنه وأرضاه، وقيل المراد بالحرسي هنا: العريف الذي جعله عمر رضي الله عنه على القبائل، فجعل لكل قبيلة عريفاً، فقبيلة بني سليم التي منها سنين يوجد عليها عريف، يعني: بمعنى العمدة أو المختار أو المزكي، على حسب اصطلاحات الناس، يعني: المسئول عن هذه القبيلة.قال: يا أمير المؤمنين! إنه رجل صالح، يعني: ما حوله تهمة، فقال عمر : أكذلك؟ قال: نعم. قال: اذهب فهو حر، ولك ولاؤه. وسنين المعتمد صحابي، وشهد فتح مكة مع النبي عليه الصلاة والسلام، وبعض الأئمة وهم وقال: هو من التابعين، وهو صحابي كما حقق ذلك الحافظ ابن حجر .فقوله هنا: ولك ولاؤه، هذا ما استدل به الإمام أحمد في الرواية الثانية، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي وإبراهيم النخعي وشريح ، وقالوا: قيل هذا بمحضر الصحابة, وما أنكره أحد، فصار كأنه إجماع؛ أن الملتقط له ولاء على لقيطه.وهو حر, أي: لا يكون عبداً تتملكه، لكن لك ولاية عليه، والنفقة علينا كما تقدم معنا في مال اللقيط وإلا ففي بيت المال، وإلا فعلى المسلمين من علم منهم، وإلا فعلى الملتقط.وأجاب الجمهور عن هذا فقالوا: لك الولاء، ليس المراد من الولاء هنا الولاء الذي يشبه ولاء العتق بحيث يرث به، إنما لك ولاية عليه دون غيرك في تربيته، وأنت أولى الناس به، وأنت الذي تسببت في أخذه، وأنت عندما أخذته منعت ادعاء نسبه؛ لأنه لو لم تأخذه لربما جاء بعض الناس وقال: هذا ولدي فادعاه، فأنت لك هذه الولاية عليه، يعني: أنت المسئول عنه، لا أنك ترثه.وحقيقة أولى الناس بتربية اللقيط من التقطه، وهو يأخذ نفقته من بيت المال ويربيه، وليس المراد أن له الولاء الذي يثبت للمعتق على عتيقه، هناك من عليه بالعتق، فهذا قول الجمهور.لكن ظاهر كلام عمر : لك ولاؤه وعلينا نفقته هو حر، استدل به من قال بتوريث الملتقط، وكما قلت: هو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد , وقال بهذا بعض أئمة الإسلام.هذا القول هو الذي رجحه الإمام ابن القيم في تعليقه على تهذيب السنن للإمام المنذري في الجزء الرابع (صفحة: 174) فقال الإمام ابن القيم : إن صح هذا الأثر وهو صحيح، فالقول ما قال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ، إسحاق بن راهويه ، أنا أقول وهو قول الإمام أحمد كما تقدم معنا في إحدى الروايتين، وقول إبراهيم النخعي وشريح ، ثم علل هذا بأمرين معتبرين:أولهما: قال: إن إنعام الملتقط على لقيطه ليس دون إنعام المعتق على عتيقه، وإذا اتفقنا على أن المعتق له ولاء على من أعتقه من غير وجود نسب بينهما، ويرثه بتلك النعمة، فنعمة المتلقط أكثر؛ لأن ذاك لو لم يعتقه لما تضرر، فهو في كنفه ورعايته، فهو إذا لم يعتقه لم يحدث شيء، يأكل ويشرب وينام، وإذا طلب الزواج ستزوجه رغم أنفك وتنفق عليه وعلى زوجته كما سيأتينا، لكن هذا اللقيط إذا ما التقطته هلك، فنعمتك على اللقيط أكثر من نعمتك على الرقيق بالعتق، وإذا اتفقنا على أن المعتق يرث عتيقه، فينبغي أن نقول بإرث الملتقط منه لقيطه.والتعليل الثاني: قال: إن الملتقط ساوى المسلمين في صلتهم بهذا اللقيط وامتاز عليهم بأنه أحسن إليه بما لم يحسنوا إليه، وهو التقاطه ودفع الهلاك عنه، فمن محاسن الشرع أن يكون الملتقط أحق بماله من سائر المسلمين وأن لا يرد هذا المال إلى بيت مال المسلمين، وقد استقر الشرع على تقديم النسب لا على نسخ الأسباب الأخرى، وهذا كقول الحنفية كما تقدم معنا في المعاهدة والمعاقدة، يقولون: الشرع قدم النسب، فنقدمه، لكن ما نسخ: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ [النساء:33]، فإذا ما وجد نسب نعطي من بينهما موالاة ومعاقدة ومعاهدة على أنك ترثني وأرثك، ودمي دمك، وهدمي هدمك، تعقل عني وأعقل عنك، فإذا مت وليس لك وارث من النسب أنا أولى الناس بمالك، وهكذا إذا مت أنت أولى الناس بمالي.فالحنفية كما تقدم معنا يقولون: لم ينسخ ذاك، إنما وجد ما هو أقوى منه، وهذا كلام ابن القيم هنا عليهم جميعاً رحمة الله, يقول: استقر الشرع على تقديم سبب النسب، لا على نسخ الأسباب الأخرى، فهنا عصبة الملتقط عصبة، والمعتق عصبة، والابن عصبة، فلو وجد ثلاث عصبات في وقت واحد فلا تعط عصبة المعتق والملتقط، لو وجد عصبتان في وقت واحد، ابن ومعتق، المال للابن، وجد ابن وملتقط، المال للابن، فنقدم النسب لأنه أقوى، لكن ذاك ما ألغي غيره.فأنا أقول كما قال الإمام ابن القيم عليهم جميعاً رحمة الله: إذا صح الحديث وقد صح, فحديث واثلة قد تقدم معنا، وهو صحيح: ( المرأة تحوز ثلاثة مواريث، عتقيها ولقيطها وولدها التي لاعنت عليه )، وهنا قول عمر رضي الله عنه: اذهب فهو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته, مما يدل على أنه صار لك إنعام عليه، وأنه بهذا الإنعام تثبت لك ولاية عليه، وظاهر اللفظ المراد من الولاية ولاية التعصيب التي يرث بها؛ لأن ولاية النعمة هذه معلومة، سواء قالها عمر أو لم يقلها، والعلم عند الله.ولذلك أدخل الإمام البخاري هذا كما قلت في كتاب الفرئض، فقال: باب: الولاء لمن أعتق وميراث اللقيط، يعني: من يأخذ مال اللقيط؟ أي: يأخذه ملتقطه لأثر عمر المتقدم والعلم عند الله جل وعلا، هذا فيما يتعلق إخوتي الكرام بأسباب الإرث المجمع عليها والمختلف فيها.خلاصة الكلام: أسباب الإرث المجمع عليها ثلاثة: نكاح, وولاء, ونسب، والمختلف فيها أربعة: جهة الإسلام وهي بيت المال، الموالاة والمعاقدة والمعاهدة، من تسبب في إسلام غيره، من التقط غيره وأحسن إليه وصانه من الهلاك والتلف، هذه اختلف فيها، وبينت كما قلت وتقدم معنا تفصيل أقوال العلماء في ذلك ودليل كلٍ والعلم عند الله جل وعلا.
المانع الأول للإرث: الرق
أول الأسباب: الرق, معناه: العبودية، والرقيق هو المملوك، وجمع الرقيق أرقاء.والرق في الاصطلاح: عجز حكمي يقوم بالإنسان سببه الكفر؛ لأن عندنا عجز حكمي وعندنا عجز حقيقي حسي، فالعجز الحسي الجنون والصغر والمحجور عليه.وأما هنا فعجز حكمي، فقد يكون أعقل من مالكه بكثير, وأعلم منه وأفقه وأفصح، لكنه رقيق، فسلبه الشارع التصرف، وسبب ذلك الكفر الذي كان فيه أو في أصوله.قال أئمتنا الكرام: وهو حق لله ابتداءً وللسيد بقاء, أي: للمالك، فهذا الحق لله جل وعلا، وهو الذي أمرنا باسترقاق هؤلاء عندما نقاتلهم ونستولي عليهم وهم كافر، والله جل وعلا له على عباده جميعاً حق العبودية، ثم ملك الله جل وعلا المجاهدين هذا الحق وجعله إليهم، فسيد العباد وربهم ابتداءً هو الله جل وعلا، ثم أعطى بعد ذلك ربنا جل وعلا هذا الأمر إلى من ملكوا الأرقاء.فهو لا يدل معنى الرق على عقوبة في الرقيق، إنما جعله كما قلنا حقاً للمالك في المآل والنهاية لا لمعاقبة الرقيق.يعني: لو أن إنساناً ولد من أمة رقيقة، وما طرأ عليه الكفر طرفة عين، وهو مسلم صالح، يملكه مالك الأمة، وليس هذا عقوبة له أو جزاء له؛ ما عمل شيئاً.والرق مانع للإرث من جانبين:فالرقيق لا يرث ولا يورث، أما أنه لا يرث أحداً من أقاربه؛ لأنه لو ورث شيئاً لآل المال إلى مالكه وسيده، فالعبد وما ملكت يداه لسيده، والسيد أجنبي عن أقرباء الرقيق، فكيف سيرث السيد من أولئك؟ وعليه الرقيق لا يرث، فمن مات وترك ولدين أحدهما حر والآخر رقيق المال كله للحر وليس للرقيق شيء؛ لأن الرقيق إن أخذ سيأخذ اليد هذا المال، والسيد أجنبي عنه.قال أئمتنا: والرقيق لا يرث أيضاً، وإن أعتق قبل قسمة التركة بالإجماع، والسبب في ذلك: أن التركة استحقها الوارثون لها، ولم يكن الرقيق من جملتهم، فطروء الحرية بعد ذلك إذا حرر لا تفيد، إذ لابد من النظر إلى حاله عند موت المورث, فإن كان رقيقاً فلا يرث، وإن كان حراً صار وارثاً، وإن حرر بعد فترة والتركة لم تقسم نقول: لأن الحقوق وجبت لأهلها، كونها لم تقسم لأمر آخر، لكن عندما مات هذا الميت انتهى، هذه التركة موزعة لهذه النصف، وذاك له الباقي وانتهى الأمر.مات وترك بنتاً وأخاً شقيقاً، البنت لها النصف والأخ الشقيق له الباقي، فإذا أعتق الابن قبل قسمة التركة لا يأتي ويحجب الأخ ويعطى لأخته الثلث ويأخذ الثلثين، نقول: هذه التركة استحقت عند موت المورث، وصار هؤلاء أهلها، وأنت لم تكن من الورثة.وأما أنه لا يورث فلأنه لا يملك شيئاً، فكيف سيورث؟ ما بيد الرقيق الذي يجمعه ويحصله ملك لمالكه، فإذا مات كل ما يملكه الرقيق من ملابس وغيرها، كل هذا لمالكه، يعني: لو قدرنا عنده أمة وعليها من الحلي بمائة ألف، ثم ماتت، هل يرث والدها من حليها شيئاً؟ لا، بل هذا الحلي لمالك الأمة، فلا يرث الرقيق أحدٌ من قراباته، إنما يأخذ ماله مالكه سيده، فالرقيق لا يرث ولا يورث.‏
 مقارنة بين الرق في الإسلام والرق في العصر الحاضر
مرة كنت في بعض الأماكن في كلية الشريعة، فبعض الأساتذة تكلموا وقالوا: يا شيخ! الحمد لله عصر الرق زال، قلت: أخي الكريم أنت حر أو رقيق الآن؟ قال: يا شيخ! الآن يوجد رق؟ قلت: أسألك: أنت حر أو رقيق؟ قال: أنا حر، قلت: والله ما تعرف معنى الحرية إلا بالكلام، أنت لا تصلح أن تكون رقيقاً عند الأرقاء في الإسلام، وليس لك حقوق الأرقاء في الإسلام، قال: كيف؟ قلت: هل تستطيع أن تسافر من أي بلد إلى أي بلد في هذا الوقت كما تريد؟ هل تستطيع أن تخرج من بلد إلى أي بلد وتجوب الدنيا كما تريد من غير بطاقة ولا جواز ولا رخصة؟ من يستطيع؟ ولا أحد، ولو حتى من المسئولين الكبار لابد من جواز كما يقال: جواز دبلوماسي، وعندنا الرقيق في الإسلام عندما يريد أن يسافر يأتي لسيده يقول: سيدي تأذن لي أن أذهب إلى زيارة بيت الله ومسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ يكفي لذهابه أن يقول له: أذنت فقط، فيجوب الدنيا بكلمة: أذنت، وهذا الإذن لئلا يكون عاصياً عند الله، أما في الحياة ما أحد يعترضه، هذا هو الرقيق في الإسلام، وهذا هو الحر في النظام الغربي الذي نعيش فيه.أحياناً يكون عندك زوجة ولا يسمح لك باستقدامها للبلد الذي أنت فيه، أوليس كذلك؟ وأنت حر وهي حرة وستنفق عليها من مالك ومع هذا في النظام ممنوع، إذاً: أين الحرية؟هذه هي الهمجية التي نعيش فيها باسم الحرية! استمع لحقوق الرقيق في الإسلام: يقرر الإمام ابن قدامة في المغني في الجزء التاسع صفحة: (315)، وهذا الحكم هو عند أئمتنا الكرام، يقول: يجب على السيد إعفاف مملوكه إذا طلب، وهذا أحد قولي الشافعي ، كيف هذا؟ يستدعيك القاضي ويلزمك أن تزوجه، فإن عجزت وقلت: ما عندي قدرة أن أزوجك وأنفق عليك فأنت مكلف رغم أنفك ببيعه من أجل أن يزوجه من يشتريه بعد ذلك، اختر أحد الأمرين: تزوجه وتفتح له بيتاً، وتنفق عليه وعلى زوجته، وإذا غربت الشمس فلا يجوز لسيده أن يستعمله يقول: اذهب إلى زوجتك، كل هذا من أجل أن يدفع الضر عن هذا العبد. دليل ذلك قول الله تعالى: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [النور:32].وأما من عنده أمة وقالت: سيدي أنا نفسي تتطلع إلى النكاح وأخشى أن أقع في الزنا، وأنا مسلمة فزوجني، يجب على السيد نحوها ثلاثة أمور رغم أنفه لا اختيار: إما أن يزوجها، وإما أن يطأها، وإما أن يبيعها، وإذا وطئها وحملت منه صارت أم ولد، وصار لها في البيت كما يقال: حجرة وشجرة، وبمجرد ما يموت تصبح حرة.لا تظن بما أنه رق، أنك تعامله كما تريد، فلا يجوز أن تسبه، ولا يجوز أن تضربه، ولا يجوز أن تؤذيه، نعم سلبه الله كما قلت حرية التصرف.إن النظام العالمي استرق الناس وجعلهم أرقاء عنده، فالشيوعية مثلاً نزعت الملكية الفردية من الناس، وجعلت الرعية بكاملها أجراء عند لينين واستالين عليهم جميعاً لعنات رب العالمين.وهؤلاء أيضاً كذلك بدل من أن يكون هذا عنده عبد ورقيق هذا ممنوع، لكن أنتم كلكم عبيد للدولة، تتصرف فيكم كما تريد، ما أحد يسافر إلا بإذن، ولا أحد يدخل إلا بإذن، ولا أحد يقيم إلا بإذن، لا أحد يأتي بزوجة إلا بإذن، أهكذا يعامل الأحرار؟أي حرية يتغنى بها سفهاء البشرية في هذه الأيام! إن أكرم الناس في هذه الأيام ما حصل بعض حقوق الرقيق في الإسلام، ويأتي بعد ذلك من يطعن فيه ويقول: الرق منقصة، وهمجية ووحشية، أي منقصة وأنتم استرققتم الناس بأكملهم، ثم بعد ذلك تأتون إلى رق فيه منتهى الإحسان والرحمة بأسباب معينة وهو الجهاد تتهجمون عليه.عندما ذهب طريق الرق ماذا حصل؟ خادمات وشغالات! والله رقيقات أحسن، يكون عندك أمة تراها وتطلع عليها عارية كما ولدت وليس عليك إثم، وإن اتصلت بها لك أجر: ( وفي بضع أحدكم صدقة )، أحسن من أن تأتي لهذه الخبيثة وأن تملأ بيتك بعد ذلك خبثاً وفساداً، لكن صرنا أرذل من بني إسرائيل، أولئك أرادوا ثوماً وبصلاً بدل المن والسلوى والعسل، ونحن بدل أشياء طاهرة في الأعراف وفي المعاملات أردنا أشياء دنسة، والله إن دنس الفرج أشنع من دنس الأكل، أولئك طلبوا أكلاً مباحاً، قالوا: لا نريد لا من ولا سلوى، أعطنا ثوماً وبصلاً! أمة منتنة، أمة بصل وثوم، صرنا أعظم نتناً منهم في هذه الأيام، ماذا نريد؟ نريد شغالة، الشغالة كيف تمتهنها، وكيف امرأة تخلو بها وهي أجنبية، وكيف تختلط بها وهي أجنبية، تقول: يا شيخ أنا أحسن إليها أيضاً عندما أعطيها أجرة، وذاك الرقيق كذلك، ذاك يعني صار وحشية، يعني: المسألة التي تراها أنت صار نظاماً وإحساناً، والذي يشرعه الله صار سقيماً ومنقصة؟ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ [البقرة:61].إخوتي الكرام! موضوع الرق في الإسلام ينبغي أن نعيه تمام الوعي، وكل من يرتاب فيه ويرى فيه نقيصة فهو كافر مرتد، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، هذه شعيرة من شعائر الإسلام وحكم من أحكامه، ولا يوجد عندنا كتاب من كتب الفقه إلا وفيها بيان أحكام الرق، نحن عندما كنا ندرس الفرائض وأحكام الفقه ويأتي معنا بحث الرق، كان بعض السفهاء عندنا من الطلاب يقول: يا شيخ! ما فائدة دارسة هذه الأمور؟ هذا كله انقضى، يعني: يقول: لو حذف من كتب الفقه وكتبت كتب فقه جديدة ليس فيها رق ولا فيها ولاء لاسترحنا ولا داعي لتضييع الوقت فيها، وما أعلم لعله عما قريب سيقال تحذف أبواب الربا، وتحذف كذا؛ لأن الحياة أيضاً على خلاف ذلك، ولا مانع أن يلغى بعد ذلك الإسلام من أوله إلى آخره.قلت لهؤلاء: يا عباد الله أما تستحون من الله، إذا الجاهلية حرفت هذه المسائل وألغتها، فأنتم ينبغي أن تعلموها نظرياً وماذا فيها من حكمة ورحمة، وبعد ذلك أن تسعوا جادين مجدين من أجل إيجادها في هذه الحياة، يعني: إذا ضاعت شعائر الله ينبغي أن نهملها؟ أقول: إخوتي الكرام انتبهوا لهذا الموضوع، واحذروا من اللغط الذي يثار في هذه الأيام حوله، وكما ذكرت لكم، قارنوا بين الصورتين، بين إحسان الله لمن أرادوا أن يطفئوا نوره فقال: ( أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون )، وبين سفاهة البشر عندما يحسنون بمقدار من مال الله لا من مالهم إلى مخلوق إذا عاداهم بعد ذلك ماذا يفعلون به.سبحان الله لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه.اللهم صل على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً.اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين.اللهم جمعنا هذا جمعاً مرحوماً وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً.اللهم لا تجعل فينا ولا منا شقاً ولا محروماً.اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا.اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً.والحمد لله رب العالمين.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فقه المواريث - ميراث اللقيط للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net