اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فقه المواريث - تعلق الدين بعين التركة للشيخ : عبد الرحيم الطحان


فقه المواريث - تعلق الدين بعين التركة - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
اختلف العلماء في لزوم الزوج مئونة تجهيز زوجته المتوفاة على ثلاثة أقوال، أرجحها اللزوم، واختلفوا في جواز تغسيل الزوج زوجته المتوفاة، والجمهور على الجواز خلافاً لأبي حنيفة، وإن مما يتعلق بتركة الميت الوصية، وهي تدور على أحكام ثلاثة: الوجوب والندب والحرمة.
ملخص أقوال العلماء في أي الحقوق المتعلقة بالتركة تقدم
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الرحمين! اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحابه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: إخوتي الكرام! كنا نتدارس الحقوق المتعلقة بالميت، وقلت: هذه الحقوق تنقسم إجمالاً إلى ثلاثة أقسام: حق للميت، وحق عليه، وحق لا له ولا عليه. وعلى التفصيل تنقسم إلى خمسة أقسام: أولها: مؤن التجهيز، ثانيها: الدين المتعلق بعين التركة، ثالثها: الدين المطلق المتعلق بالذمة، رابعها: الوصية، خامسها: الإرث.فالحق الذي له له نوع واحد وهو: مؤن تجهيزه. والحق الذي عليه نوعان: حق متعلق بعين التركة، وحق متعلق بالذمة والرقبة، فهو دين مطلق. والحق الذي لا له ولا عليه: وصية وإرث.كنا نتكلم في أول هذه الحقوق، وقلت: عند الجمهور الأئمة الثلاثة الكرام أبي حنيفة ومالك والشافعي عليهم جميعاً رحمة الله نقدم الدين المتعلق بعين التركة على جميع الحقوق المذكورة في هذه الخمسة.فأول شيء: نخرج دين الميت المتعلق بعين التركة لأمرين معتبرين:أولهما: قطعاً للخصومات والمنازعات.ثانيهما: أن هذه التركة التي ارتبط بها حق الغير لا تعتبر تركة، وخرجت عن ملك الميت قبل موته. وضربت مثالاً على هذا، وقلت: كالمرهون، فإذا رهنت أنا سلعة أو عيناً عند إنسان؛ لأنني استقرضت منه مثلاً ألف ريال، أو عشرة آلاف ريال، ثم قدر الله علي الموت فأنا راهن، وذاك مرتهن، ولو قدرنا ليس عندي شيء لأجهز به من كفن وثمن قبر وغير ذلك من أمور التجهيز، فعند الجمهور كما قلت: يقولون: هذه العين المرهونة يستوفى منها حق المرتهن، ولا تكون ملكاً للراهن، فلا نجهزه منها. هذا عند الجمهور والأئمة الثلاثة، وهو أول حق نبدأ به، وإن فضل شيء من تلك العين عن حقه يعاد إلي لتجهيزي، وإذا لم يفضل شيء فالتجهيز سيأتينا بعد ذلك من أين يكون إذا لم يكن عند الميت ما يجهز به من تركته.والإمام أحمد عليه رحمة الله قال: تقدم مؤن التجهيز من كفن وأجرة غسل وثمن قبر وغير ذلك على الدين المتعلق بعين التركة، ووجه ذلك عنده قال: قياساً على المفلس في الحياة، فالمفلس الذي عليه دين وهو حي لا يؤمر ببيع ملابسه من أجل قضاء دينه، بل ولا يؤمر ببيع بيته من أجل قضاء دينه؛ لأن هذه أمور ضرورية لا بد لها من ستره في هذه الحياة، وكما أن سترة الإنسان واجبة ولا يجوز أن نأخذها منه في حال حياته فستره واجبٌ أيضاً بعد مماته، فالكفن والقبر للميت بمثابة اللباس والدار للحي، فكما أن الإنسان إذا كان عليه دين لا يلزمه القضاء ببيع ثيابه وتجريده من ثيابه، ولا ببيع داره وإخراجه من داره التي يسكنها فهنا كذلك إذا مات وعنده عين مرهونة عند إنسان وليس له مالٌ غيرها نأخذ هذه العين ونبيعها ونجهز الميت منها، وإن فضل شيء رددناه على هذا الإنسان الذي له حق بهذه العين.هذان الحقان يقدمان على الحقوق الأخرى بالإجماع، لكن أي الحقين يقدم؟ هذا الذي اختلف فيه أئمتنا الكرام، فالجمهور يقدمون الحق المتعلق بعين التركة، وعند الإمام أحمد نقدم مؤن التجهيز، وإذا قدمنا مؤن التجهيز وفضل شيء نأتي للحق المتعلق بعين التركة فنبدأ به، وعند الجمهور إذا دفعنا الحق المتعلق بعين التركة لصاحبه نبدأ بعد ذلك بمؤن التجهيز، هذا لا خلاف فيه بين أئمة الإسلام. هذان الحقان يقدمان، لكن أيهما أولى بالتقديم؟ هذا الذي جرى حوله نزاع، وبينت ملحظ كلٍ من أئمتنا ووجه اعتباره في تقديم قوله على قول من خالفه، رحمهم الله ورضي الله عنهم أجمعين.
 

من يجهز الميت عند تقديم الحق المتعلق بالتركة وعدم بقاء شيء للتجهيز
إذا قدمنا الحق المتعلق بعين التركة فلم يبق شيء لتجهيزه فإن الذي يجهز الميت من كفن وغسل وقبر ورثته، فالغرم بالغنم، كما أنهم سيغنمون منه ويرثونه لو ترك مالاً فيغرمون مؤن تجهيزه إذا لم يترك مالاً، الغرم بالغنم، والغنم بالغرم، فمن يغرم يغنم، ومن يغنم يغرم، أما أنه يغنم بلا غرامة هذا لا يصلح، فإذا لم يكن عنده قرابات وورثة أو وجدوا لكنهم فقراء لا يملكون مؤن تجهيزه فهم مفلسون فتجهيزه على بيت المال؛ لأن هذه الولاية العامة تأتي بعد الولاة الخاصة والحقوق الخاصة، فإذا لم يكن هناك بيت مال فتجهيزه على المسلمين على من علم منهم، فهو فرض كفاية، كل من علم وجب عليه أن يسعى في تحصيل مؤن التجهيز لهذا الميت من كفن وغسل وقبر وما يلزم الميت في دفنه.
 

أقوال العلماء في لزوم الزوج مؤن تجهيز زوجته
قبل أن ننتقل للحق الثالث وهو الدين المطلق المتعلق بالرقبة وبالذمة عندنا مسألة أوردها الفرضيون عند هذا المبحث، وهي موجودة في سائر كتب الفقه، والمسألة فيها شيء من الغرابة والطرافة أيضاً: هل يلزم الزوج مؤن تجهيز زوجته؟يعني: هل يلزمه أن يشتري لها الكفن والقبر، وأحياناً تكون قيمة القبر عشرة آلاف دولار، فهل الزوج ملزم بذلك؟تجهيزها من مالها أو من مال ورثتها أو من بيت المال أو على المسلمين والزوج واحد منهم، فإن كانت غنية والزوج لا يجب عليه تجهز من مالها، وإن كانت ليست غنية وما تركت شيئاً فعلى ورثتها، فإن كان ورثتها لا يملكون شيئاً فعلى بيت المال، وإذا كان بيت المال غير موجود فعلى المسلمين والزوج واحدٌ منهم، يشارك كما يشارك إخوانه المسلمون.هل يجب على الزوج تجهيز زوجته ومؤن تجهيزها ملزم بها؟لعلمائنا الكرام في هذه المسألة قولان معتبران، وهناك قولٌ ثالث أيضاً في المسألة، لكن هذين القولين هما المعتبران في الأصل، قال بهما أهل المذاهب الأربعة.‏
 خلاصة المسائل السابقة
خلاصة الكلام إخوتي الكرام! الزوجة هل يلزم الزوج بمؤن تجهيزها من كفن وقبر وغير ذلك؟قلنا: للعلماء في ذلك قولان معتبران: قول الحنابلة: لا يلزم الزوج. قول الحنفية والشافعية: يلزم، وللمالكية قولان في ذلك. والذي يظهر من الأدلة وهو الذي رجحه أئمتنا المتأخرون هو قول الجمهور بأن الزوج ملزم بمؤن تجهيز زوجته، كما هو ملزم بنفقتها في حال حياتها؛ لأن الصلة الزوجية لم تنقطع بين الزوجين.وتغسيل المرأة لزوجها جائز بالإجماع، وهذا في الحقيقة يرد قول الحنابلة بأن الزوج لا يلزم بمؤن تجهيز زوجته.كيف لم تقطعوا الصلة بينهما وقلتم: المرأة تغسل زوجها، ثم إذا ماتت تقولون لا يلزم بنفقة تجهيزها؟إذاً: الصلة الزوجية باقية بينهما، وإذا كانت باقية فينبغي أن يقوم بكفنها وإعداد القبر لها بعد موتها، كما يقوم بالنفقة عليها في حال حياتها، والعلم عند الله جل وعلا.وكذا تغسيل الزوج لزوجته خالف في ذلك الحنفية فقط، والإمام أحمد له قول بالمنع لكن المعتمد عنده أنه يجوز، وإذا كان كذلك فالذي يظهر والعلم عند الله أنه يجوز للزوج أيضاً أن يغسل زوجته، كما يجوز للزوجة أن تغسل زوجها، والعلم عند الله جل وعلا.وهذا كله إخوتي الكرام! يرتبط بالحقين الأولين: مؤن التجهيز، وبعد ذلك الدين المتعلق بعين التركة، وأيهما نقدم؟ فعند الجمهور نقدم الدين المتعلق بعين التركة، وعند الحنابلة نقدم مؤن التجهيز، وعند مؤن التجهيز بحث أئمة الفرائض تجهيز الزوجة وهل يلزم الزوج به أم لا؟ وأنا أقول عدا عن الأدلة المتقدمة، فينبغي من باب البر والإحسان وعدم نسيان المعروف والجميل أن يتحمل الزوج مؤن تجهيز زوجته: وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237]، يعني: كنت تنفق عليها في حال حياتها، فإذا بعد ذلك ماتت تتخلى عنها؟ والله هذا ليس من المروءة، مع أنه كما تقدم معنا خلاف الدليل الشرعي، والعلم عند الله جل وعلا.
الحق الثالث من الحقوق المتعلقة بالميت: الدين المتعلق بالذمة
الحق الثالث: الدين المتعلق بالذمة، ويقال له: دين مطلق .. دين مرسل، لم يتعلق بعين التركة. وهو في المرتبة الثالثة بالاتفاق، ديون عليك استقرضت دون أن ترهن شيئاً مقابل القرض، وعليه فالدين متعلق في مالك العام .. برقبتك .. بذمتك، ولم يتعلق بعين التركة، هذا يقال له: دين مطلق، وهذا يؤخر عن مؤن التجهيز بالاتفاق، ويؤخر عن الدين المتعلق بعين التركة من باب أولى.وهذا الدين سواء كان لله أو للعباد، لله من نذر واجب، كما لو نذر إعتاق رقبة، أو نذر التصدق بألف ريال، فهذا نذر وإذا مات ولم يف بنذره فهو واجب يؤخذ من تركته، هذا لله، أو كان للعباد بدين استقرضه من الناس، المقصود: حق وجب عليه في ماله لا بعين التركة، ويطالب بإخراجه من ماله دون تحديد عين معينة من التركة، فيقال له: دين مطلق، سواء كان لله أو للعباد، فإذا كانت التركة تفي بقضاء الديون التي هي لله وللعباد فالحكم واضح، نأخذ من هذه التركة ما نسد به الديون التي هي حق لله، والديون التي حق للعباد. وإذا كانت التركة لا تفي كما لو ترك مائة ألف ريال وعليه عتق رقبة نذر عتقها يساوي مائة ألف ريال وعليه دين بمائة ألف ريال، فعليه إذاً: مائتا ألف، ينبغي أن يقضيها وما ترك إلا مائة ألف فهل نقدم دين العباد أو حق الله أو نأخذ التركة ونوزعها على حسب نسبة الديون؟ثلاثة أقوال في الحقيقة معتبرة:أما الحنفية والمالكية فقدموا حق العباد، قال: لأنه مبني على الشح والمماسكة، فيقدم حق العباد على حق الله جل وعلا، ففي هذه الصورة التي ذكرنا عنده مائة ألف وعليه نذر بعتق رقبة بمائة ألف وعليه ديون بمائة ألف، ماذا نفعل؟ نأخذ المائة الألف ونعطيها لأصحاب الديون، والنذر هذا يعود بعد ذلك إلى حق الله ورحمة الله واسعة. هذا قول الحنفية والمالكية، يقولون: حقوق العباد مبنية على المماسكة والمشاحة، والنفوس لا تطيب بها، وحق الله مبني على المسامحة والمساهلة.والإمام الشافعي عكس رحمة الله عليه ورضي الله عنه، فقال: يقدم حق الله على حق العباد، فنقدم النذر هنا ونؤخر الديون، لمَ؟ قال: للحديث الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام في المسند والكتب الستة في الصحيحين والسنن الأربعة: ( اقضوا، فدين الله أحق بالقضاء ). والحديث من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين: ( اقضوا فدين الله أحق بالوفاء )، وفي رواية: ( فدين الله أحق بالقضاء ). والحديث ورد في عدة مناسبات، في بعض رواياته: ( جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: إن أختي نذرت أن تحج ثم ماتت ولم تحج؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام له: أرأيت لو كان على أختك دينٌ أكنت قاضيه؟ قال: نعم، قال: فدين الله أحق بالوفاء )، وفي رواية: ( فدين الله أحق بالقضاء )، يعني: اقض هذا الحج الذي نذرته أختك، وفي بعض الروايات: ( جاءت امرأة من جهينة وقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم! إن أمي ماتت ولم تحج أفأحج عنها؟ فقال لها: لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق بالقضاء )، وفي بعض الروايات: ( جاءت امرأة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالت: إن أمي نذرت أن تصوم شهراً، ثم ماتت ولم تصم أفأصوم عنها؟ فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق بالقضاء، صومي عن أمك ).إذاً: هذه عدة روايات فيها دين الله أحق بالوفاء، أحق بالقضاء. فالإمام الشافعي عليه رحمة الله يقول: هذا نص صريح بأن حقوق الله تقدم على حقوق العباد، فإذا مات وعليه ديون والتركة لا تفي بقضاء ديونه كلها التي هي لله وللعباد نقدم حق الله، فإن بقي شيء رددناه على العباد.والإمام أحمد عليهم جميعاً رحمة الله توسط، وقال: نسوي بين هذه الديون، ونقسم المال عليها، ويأخذ كل واحد بمقدار دينه، فلو قدرنا في الصورة المتقدمة نذر كما قلنا بمائة ألف، وديون بمائة ألف سنعطي هذه المائة لهذين الحقين، سنعطي للنذر خمسين ألفاً وللديون التي للعباد خمسين ألفاً، فنقسم المائة ألف على المائتي ألف، وكل واحد يدخل عليه النقص بمقدار دينه، ويدخل النقص عليهم جميعاً بالتساوي على حسب نسبة ديونهم.والثلاثة الأقوال في الحقيقة لها وجاهة واعتبار، والقول الثاني وإن تعلق بالحديث فدين الله أحق بالوفاء، فقد يظن أنه من حيث الظاهر أقوى، لكن الذي يظهر -والعلم عند الله- أن المراد من الحديث دين الله أحق بالوفاء، هذا إذا أمكننا أن نقضي حق العباد وحق الله، وهذا مسوق لعدم التساهل بحقوق الله، لكن إذا ضاقت الأمور وعندنا حقٌ للعبد وحق للرب، فأمر الرب جل وعلا مبني على المسامحة والمساهلة، ورحمته واسعة، والعفو عنده أقرب، وأما حق العبد فعلى الشح والمماسكة فعفوه أبعد، ولذلك قول أبي حنيفة والإمام مالك بأن حق العباد يقدم في الحقيقة أظهر؛ لأن فيه نظر إلى واقع الأمر في شريعة الله جل وعلا وفيما يتعلق بالله وفيما يتعلق بعباد الله، والعلم عند الله.
 خلاصة المسائل السابقة
خلاصة الكلام إخوتي الكرام! الزوجة هل يلزم الزوج بمؤن تجهيزها من كفن وقبر وغير ذلك؟قلنا: للعلماء في ذلك قولان معتبران: قول الحنابلة: لا يلزم الزوج. قول الحنفية والشافعية: يلزم، وللمالكية قولان في ذلك. والذي يظهر من الأدلة وهو الذي رجحه أئمتنا المتأخرون هو قول الجمهور بأن الزوج ملزم بمؤن تجهيز زوجته، كما هو ملزم بنفقتها في حال حياتها؛ لأن الصلة الزوجية لم تنقطع بين الزوجين.وتغسيل المرأة لزوجها جائز بالإجماع، وهذا في الحقيقة يرد قول الحنابلة بأن الزوج لا يلزم بمؤن تجهيز زوجته.كيف لم تقطعوا الصلة بينهما وقلتم: المرأة تغسل زوجها، ثم إذا ماتت تقولون لا يلزم بنفقة تجهيزها؟إذاً: الصلة الزوجية باقية بينهما، وإذا كانت باقية فينبغي أن يقوم بكفنها وإعداد القبر لها بعد موتها، كما يقوم بالنفقة عليها في حال حياتها، والعلم عند الله جل وعلا.وكذا تغسيل الزوج لزوجته خالف في ذلك الحنفية فقط، والإمام أحمد له قول بالمنع لكن المعتمد عنده أنه يجوز، وإذا كان كذلك فالذي يظهر والعلم عند الله أنه يجوز للزوج أيضاً أن يغسل زوجته، كما يجوز للزوجة أن تغسل زوجها، والعلم عند الله جل وعلا.وهذا كله إخوتي الكرام! يرتبط بالحقين الأولين: مؤن التجهيز، وبعد ذلك الدين المتعلق بعين التركة، وأيهما نقدم؟ فعند الجمهور نقدم الدين المتعلق بعين التركة، وعند الحنابلة نقدم مؤن التجهيز، وعند مؤن التجهيز بحث أئمة الفرائض تجهيز الزوجة وهل يلزم الزوج به أم لا؟ وأنا أقول عدا عن الأدلة المتقدمة، فينبغي من باب البر والإحسان وعدم نسيان المعروف والجميل أن يتحمل الزوج مؤن تجهيز زوجته: وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237]، يعني: كنت تنفق عليها في حال حياتها، فإذا بعد ذلك ماتت تتخلى عنها؟ والله هذا ليس من المروءة، مع أنه كما تقدم معنا خلاف الدليل الشرعي، والعلم عند الله جل وعلا.
الحق الرابع من الحقوق المتعلقة بالميت: الوصية
ننتقل إلى الحق الرابع، وهو: الوصية، إذا انتهينا من الحقوق المتقدمة وبقي مال، وللميت وصية في هذا المال فالوصية كلها متأخرة عن هذه الحقوق، فلو أوصى وما ترك شيئاً لهذه الوصية، ترك مائة ألف وعليه ديون بمائة ألف فوصيته هذه ملغية بالاتفاق، فبعد الحقوق الثلاثة إن بقي مال له أن يوصي من هذا المال بمقدار الثلث كما سيأتينا.
 الحالة الثالثة: حرمة الوصية
الحالة الثالثة: الوصية المحرمة، توصي لكن ترتكب إثماً ومعصية بوصيتك، وهي ما فيها إضرار بالورثة. ثبت في تفسير الطبري وتفسير ابن أبي حاتم وسنن النسائي بسند رجاله ثقات عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً إلى نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( الإضرار في الوصية من الكبائر ). وهذا الحديث اختلف في رفعه وفي وقفه، وقد وقفه سعيد بن منصور في سننه، وصحح ذلك الإمام البيهقي ، ومثل هذا لا يقال من قبل رأي الإنسان وعقله. ( الإضرار في الوصية من الكبائر ). وقد ثبت في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجه والحديث رواه البيهقي في السنن الكبرى وقال الترمذي : حسن غريب ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الرجل ليعمل وإن المرأة لتعمل بطاعة الله )، وفي رواية: ( بعمل الخير ستين سنة )، وفي رواية: ( سبعين سنة، ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية، فتجب لهما النار، ثم قرأ أبو هريرة رضي الله عنه: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ [النساء:12] ). وفي بعض روايات الحديث: ( فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار ).نقف إخوتي الكرام! عند عنوان: صور الإضرار في الوصية، ما هي صور الإضرار، وكيف يضر الوارثة بوصيته؟ أتكلم عليها إن شاء الله في المحاضرة الآتية إن أحيانا الله.اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، اللهم آثرنا ولا تؤثر علينا، اللهم أرضنا وارض عنا، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , فقه المواريث - تعلق الدين بعين التركة للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net