اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - اختلاف الأئمة [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مقدمة في الفقه - اختلاف الأئمة [1] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
لقد اختلف أئمتنا رحمهم الله تعالى في مسائل كثيرة في العبادات والمعاملات ونحوها، وذلك الاختلاف لم يكن مبنياً على الهوى والتشهي؛ بل إن كل إمام لا يقول قولاً إلا وله عليه دليل صحيح معتبر، وقد يستدلون جميعاً بنفس الدليل لكن كل إمام يفهم منه غير ما فهمه منه الآخر، وكلهم مجتهدون إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر وخطؤهم مغفور لهم، ولا يجوز لأي أحد كائناً من كان أن ينكر عليهم أو يخطئهم فيما اختلفوا فيه ما دام أن ما اختلفوا فيه مما يقبل الخلاف.
اختلاف الأئمة في المراد بحديث: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا) لاختلاف أفهامهم للحديث
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:فلا زلنا في ذكر الأمثلة على اختلاف الأئمة رحمهم الله في فهمهم لنصوص الشريعة ودلالاتها.المثال الثاني: اختلف فيه أئمة المذاهب الأربعة على قولين: إمامان قالا بقول وهما: أبو حنيفة وبعده مالك ، وإمامان قالا بقول وهما: الشافعي وبعده الإمام أحمد ، رضي الله عنهم وأرضاهم، وهو في الحديث المستفيض، الذي رُوي عن ثمانية من الصحابة كما سأبين لكم في التخريج عن نبينا عليه وآله وصحبه صلوات الله وسلامه أنه قال: ( البيعان بالخيار ما لم يفترقا، أو قال: حتى يفترقا، فإن صدقا وبينا بُورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما ).هذا الحديث نص ثابت، مستفيض، مروي في الصحيحين وغيرهما، لكن النص يحتمل أكثر من معنى، وأئمتنا رضي الله عنهم وأرضاهم مفاهيمهم اختلفت نحو هذا الحديث، ومع المفاهيم هناك قرائن أخرى حول هذا الحديث تؤيد تلك المفاهيم، فدعاهم هذا أن يقولوا بقولين نحو هذا الحديث، وأن يقرروا حكمين شرعيين في مسألة: هل للمتبايعين الخيار بعد الإيجاب والقبول؟
 إنكار ابن أبي ذئب على مالك قوله بأن التفرق يكون بالأقوال لا بالأبدان
إخوتي الكرام! الإمام ابن أبي ذئب رضي الله عنه وأرضاه من رجال الكتب الستة، واسمه: محمد بن عبد الرحمن ، ثقة، فقيه، فاضل، توفي سنة ثمان أو تسع وخمسين بعد المائة، إمام صالح من العلماء القانتين الربانيين، قال الإمام أحمد رضي الله عنه وأرضاه: كان يشبه بـسعيد بن المسيب . وتوفي قبل الإمام مالك وعمره ثمان وخمسين أو تسع وخمسين سنة، توفي قبل الإمام مالك رضي الله عنهم وأرضاهم بقرابة عشرين سنة، قيل للإمام أحمد : خلَّف مثله ابن أبي ذئب ؟ قال: لا، ثم قال: كان أفضل من الإمام مالك، إلا أن مالكاً رحمهم الله أجمعين كان أشد تنقية للرجال منه.هذا رأي للإمام أحمد أيضاً رضي الله عنه وأرضاه، قال الذهبي : قلت: وهو أقدم لقيا للكبار من مالك ، ولكن مالكاً أوسع دائرة في العلم والفتيا والحديث والإتقان منه بكثير، ونعته الإمام الذهبي بأنه: الإمام شيخ الإسلام رضي الله عنه وأرضاه.ومن مناقبه، وفضائله، وجرأته بالحق، وعدم مداهنته: أن الخليفة المهدي عندما دخل إلى مسجد نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، قام من قام، وفي رواية: ما بقي أحد إلا قام، إلا الإمام ابن أبي ذئب ، فجاء إليه الحاجب ومعه الحراس، وقال له: قم، خليفة المؤمنين أمير المؤمنين الخليفة المهدي ، قال: إنما يقوم الناس لرب العالمين، وهو قاعد، فقال المهدي : دعوه، والله لقد قفَّ كل شعرة في جسدي، وقفت من هذا الكلام: إنما يقوم الناس لرب العالمين.وتقدم معنا: صدعه بالحق في مجلس أبي جعفر المنصور رحمهم الله وغفر لهم.الإمام ابن أبي ذئب من العلماء القانتين، ومع ذلك قال ما قال، فعلق الإمام الذهبي على كلمته بما ستسمعونه في السير، في الجزء السابع صفحة اثنتين وأربعين ومائة، قال الذهبي: قال الإمام أحمد رضي الله عنه وأرضاه: بلغ ابن أبي ذئب أن الإمام مالكاً لم يأخذ بحديث: ( البيعان بالخيار )، وكلمة (لم يأخذ) في الحقيقة فيها تساهل، إنما لم يفهم منه ما فهم غيره أن المراد بالتفرق التفرق بالأبدان، هو هذا الذي لم يفهمه، فقال: يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ثم قال أحمد: هو أورع وأقول بالحق من الإمام مالك رضي الله عنهم وأرضاهم، قال الذهبي معلقاً على كلام الإمام أحمد رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين: قلت: لو كان ورعاً كما ينبغي لما قال هذا الكلام القبيح في حق إمام عظيم. وحقيقة هو كلام قبيح، كلام فج، كلام غليظ، من نفس طيبة طاهرة مؤمنة صالحة قانتة، وليس من شرط الولي ألا يخطئ، وليس من شرط الولي إلا يغضب، والله يقول في كتابه: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:201].ويقيننا أن ابن أبي ذئب ندم على هذه الكلمة، لكن كل بني آدم خطاء، والتسرع خطأ، وقول الذهبي : لو كان ورعاً كما ينبغي!! نقول: الورع كما ينبغي لا يوجد إلا في الأنبياء الكرام، فهم المعصومون، ومن عداهم لا يسلم من زلة، على نبينا وأنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، قال الذهبي : لو كان ورعاً كما ينبغي لما قال هذا الكلام القبيح في حق إمام عظيم، فـمالك -استمع لالتماس العذر، ولبيان صحة قول الإمام مالك ، والذهبي شافعي، يرى أن التفرق بالأبدان، لكن لابد من إنصاف علماء الإسلام، وهذا فهم شرعي معدود على أنه من أحكام الشريعة، لا يجوز التسفه عليه- قال: فـمالك إنما لم يعمل بظاهر الحديث لعلتين: الأولى: لأنه رآه منسوخاً، وقيل: عمل به وحمل قوله (حتى يتفرقا) على التلفظ بالإيجاب والقبول. فـمالك في هذا الحديث، وفي كل حديث له أجر ولابد، فإن أصاب ازداد أجراً آخر، قال: وإنما يرى السيف على من أخطأ في اجتهاده الحرورية، وهم الخوارج شر البرية، الذين يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، وقد سموا بالحرورية نسبة إلى بلدة حروراء بظاهر الكوفة، عندما اجتمعوا فيها وتعاقدوا على حرب وتكفير سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه، قال: وإنما يرى السيف على من أخطأ في اجتهاده الحرورية، وبكل حال: فكلام الأقران بعضهم في بعض لا يعول على كثير منه، فلا نقصت جلالة الإمام مالك بقول ابن أبي ذئب فيه، ولا ضعف العلماء ابن أبي ذئب بمقالته هذه.فهذه كلمة غضب وانفعال لا تقف عندها كثيراً، بشر زل وأخطأ، فلا الإمام ابن أبي ذئب يضعف بهذه الكلمة الخشنة، والإمام مالك ما نزلت مكانته ورتبته بكلام ابن أبي ذئب فيه، فهو كلام لغو، لا أثر له في القائل ولا في المقول فيه، بل هما عالما المدينة المنورة، على منورها صلوات الله وسلامه، في زمانهما رضي الله عنهما. هذا هو الإنصاف، وهذه هي الديانة.
الاعتذار للأئمة في اختلافهم
إخوتي الكرام! لابد من أن نعي هذا في هذه الأيام على وجه الخصوص؛ لأنه كثر لغط حول هذه القضايا، ويأتيك بعد ذلك سفيه من السفهاء فيقول: تقولون: الأئمة الأربعة أصولهم واحدة فلمَ اختلفوا؟يا عبد الله! لو أردنا أن نلغي مذاهبهم لتتفضلوا أنتم لتجتهدوا، ستخبطون تخبيطاً، وتضعون من الأقوال ما لا يخطر على بال الخلق من خلافات فيما بينكم، فاتقوا الله وقفوا عند حدكم, نص احتمل أكثر من معنى، وأئمتنا جاءوا بعد ذلك والتمسوا هذه المعاني، ولو أجمعوا على معنى من معانيه لكان حجة قاطعة، ولكن عندما اختلفوا الحمد لله رحمة واسعة.إثارة هذه المشاكل والتشويش حولها ما يفعله إلا من غضب الله عليه، والتماس مثل هذا الزلل، يأتي إنسان ويقول: الإمام مالك عندما خالف الحديث قال ابن أبي ذئب : تضرب رقبته، وهذا ينبغي أن نعمله مع من يخالف السنة، ونقول لكم: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام، وتقولون: قال أبو بكر وعمر ، يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء. يا عبد الله! قف عند حدك، إنسان انفعل وقال ذلك الكلام، غاية ما يقال: أنه انفعل وأخطأ يغفر الله لنا وله.وتقدم معنا عندما قال عروة بن الزبير لسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين: هما أعلم بالسنة منك. فيا عبد الله! لا داعي لهذا الكلام المعسول الذي يُخدع به السامع، تريدنا أن نتبع السنة ونترك ما عليه أبو بكر وعمر ؟! لا يا عبد الله، هما أعلم بالسنة منك، ففعلهما سنة، وأما أنت ففهمك دون فهمهم، فسكت ابن عباس عند تلك المقولة، وهنا كذلك، ما يأتي إنسان ويستدل بهذا أو ينشر هذا بين المسلمين، ولا ينشره بينهم إلا من غضب عليه رب العالمين.
 خطر الانشغال بخلافات الأئمة وتخطئتهم وترك ما هو أهم
نحن إخوتي الكرام -كما قلت مراراً- أمام كفر بواح، وردة عن دين الله جل وعلا في هذه الأيام، وأمام فسوق وانحلال، بدل من أن نحاربها نُشغل الأمة بهذه الأشياء، فلعله لا يخلو بيت من بيوت المسلمين في هذه الأيام من الجهاز اللعين، فلماذا لا نشغل دروسنا وتحذيرنا للمسلمين من هذا الفساد، وأن من في بيته هذا الجهاز وهذا الفساد لا تقبل له صلاة، ولا يقبل له صيام، هذا -إخوتي الكرام- لابد من وعيه، وكيف سيلقى الرحمن، أما أن هذا كله يترك، ونأتي بعد ذلك لهذه الأمور! هذا لا ينبغي.والله -يا إخوتي الكرام- لو بُعث نبي من الأنبياء وهذا الجهاز في البيوت، لا يمكن لهذا النبي أن يؤثر ولا أن ينتفع بدعوته مادام هذا الجهاز في البيوت، فلنكن على علم بذلك، ومع هذا فهذا كله يُترك، ونأتي الخلافات بين أئمة الإسلام!يا إخوتي الكرام! ينبغي أن نتقي الله وأن نقف عند حدوده، وهكذا بقية المفاسد التي نخوض فيها إلى آذاننا، كلها تُترك، وتُشغل دروس العلم بعد ذلك كلها خلافات، واتباع النص، وعدم اتباع المذاهب، واتباعها بدعة، وهو يُشغل الناس بهذيان لا وجود له في هذا الزمان، ثم بعد ذلك نسمع دعوا الاجتهاد، ودعوا التطوير ونحوها، كأن الأمة فقط لا يلزمها إلا مجتهدون ليُحكم باجتهادهم ليكون شريعة مقررة في العالم من أوله لآخره.يا عبد الله! ماذا تنفع الاجتهادات وشريعة الله كلها نُحيت عن الحياة، وبعد ذلك نأتي نثير هذه الخصومات بيننا وبين سلفنا.تقدم معنا كلام العبد الصالح يحيى بن عمار أبي زكريا ، المتوفى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وهو من العلماء الربانيين القانتين، وانظروا ترجمته في السير، في الجزء السابع عشر صفحة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وكلامه في مجموع الفتاوى في الجزء العاشر، صفحة خمس وأربعين ومائة، قال: أنواع العلوم خمسة: علم فيه حياة الدين، وهو علم التوحيد، وعلم هو قوت الدين، وهو علم العظة والتذكير، وعلم هو دواء الدين، وهو علم الفقه، وعلم هو داء الدين، وهذا هو النزاع الذي جرى بين الناس، وعلم هو هلاك الدين، وهو علم الكلام والفلسفة، وعلم الشعوذة والطلاسم.فداء الدين هو أن تثير النزاع الذي كان بين سلفنا الكرام الطيبين رضوان الله عليهم أجمعين.إخوتي الكرام! هذه مسألة، والمسألة الثانية في العبادات لابد من ذكرها أيضاً على وجه الاختصار، أشير إليها وأذكرها في أول الموعظة الآتية بعون الله وتوفيقه، وكنت أشرت إليها باختصار، في آخر تفسير سورة الفاتحة.إخوتي الكرام! اتفق أئمتنا أنه لابد من القراءة في الصلاة، هذا محل اتفاق، واتفقوا أيضاً على أنه إذا قرأ الفاتحة أحسن وأجزأه ذلك، لكن هل تتعين الفاتحة أو لا؟على قولين: عند سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنه وأرضاه لا تتعين ويجزئ غيرها، وعند المذاهب الثلاثة تتعين.القول الثاني الذي يترتب على هذا: هذا الشيء الذي يتعين ولابد منه وهو القراءة من فاتحة أو من غيرها، على من يلزم؟ هل يلزم كل مصلٍ أو بعض المصلين؟فالإمام أبو حنيفة رضي الله عنه وأرضاه يقول: يلزم كل مصل إلا المأموم، فلا يقرأ فاتحة ولا غيرها، في جميع أحوال اقتدائه في جهرية أو في سرية.والإمام مالك والإمام أحمد يريان أنه لا يتعين على المأموم القراءة من باب الوجوب، لكن إن جهر الإمام فيُكره للمأموم أن يقرأ الفاتحة، ومن باب أولى ما عداها، وإن أسر فيسن له أن يقرأ. والقول الثالث: قول الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه، أن القراءة بالفاتحة واجبة في جميع الركعات، ويسن ما زاد عليها، سواء كان إماماً أو مأموماً أو فذاً.إذاً: عندنا خمسة أحوال: القراءة لابد منها، لكن هل تتعين الفاتحة؟ على قولين، وإذا تعينت القراءة الفاتحة أو غيرها فهل هي على كل مصل؟ على ثلاثة أقوال، فهذه خمسة أقوال، ولا يوجد واحد منها إلا وعليه دليل أظهر وأضوأ من ضوء القنديل، وأقوال معتبرة، كل قول قال به إمام جليل، فأنت ماذا تفعل نحو هذه الأقوال؟ حقيقة ما تراه أحوط يطمئن قلبك إليه إن كنت تبحث في الأدلة فلك أن تعمل به، أما أن تلزم أحداً بذلك وتقول: من لم يقرأ الفاتحة إذا كان مأموماً صلاته باطلة، أو إذا قرأ فصلاته مكروهة، فليس من حقك هذا.وحقيقة كما قلت لكم مراراً: يعلم الله ما أمرت أحداً أو نهيته نحو هذه المسألة، لا قلت اقرأ ولا لا تقرأ، ولما يأتي معنا بحث أذكر حسب الأدلة التي قررها أئمتنا، أحياناً بعض الناس يسأل يقول: ما الذي تفعله أنت؟ أقول: ما لك ولي يا عبد الله، أنا لست بحجة على نفسي فضلاً عن غيري، هذه أقوال أئمتنا، لكن من باب البيان قول كذا أراه في حق نفسي أحوط، أما أنني أدعو إليه، وألزم الناس به، وأحمل السيف في وجه الأمة إذا لم تفعلوا هذا ما صحت صلاتكم!يا إخوتي! هذا ضلال، ليس من حق أحد أن يفرض نفسه على أمة نبينا عليه وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، هذه أقوال كلها عليها أحاديث صحيحة صريحة في المطلوب، بقي بعد ذلك أن أئمتنا رجحوا هذه على هذه، أو هذه على هذه، على حسب ما قالوه من أقوال، وهم مأجورون.نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - اختلاف الأئمة [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net