اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - المكفرات من المخالفات [4] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مقدمة في الفقه - المكفرات من المخالفات [4] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
شرع الله تعالى كامل مكمَّل، صالح لكل زمان ومكان، فلا عيب فيه ولا نقص بوجه من الوجوه، ومن زعم أن شرع الله تعالى لابد أن يساير القوانين والشرائع الوضعية، وحرَّف شرع الله تعالى لأجل هذا الغرض فهو كافر كفراً أكبر يخرجه من الملة، وذلك كمن يريد تحليل الربا ونحوه من المحرمات بحجة أن ذلك فيه مصالح دنيوية.ومن حكم بغير ما أنزل الله تعالى فهو دائر بين الكفر والظلم والفسق، على اختلاف عبارات العلماء في المراد بذلك.
من المخالفات المكفرة سلوك طريق الحيل الماكرة بزعم تطوير الشريعة لتساير القوانين الوضعية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد:الحالة السادسة، وهي آخر الأحوال عندنا إخوتي الكرام: أن يسلك الإنسان طريق الحيل الماكرة التي يزعم بها أنه يريد تطوير الشريعة المطهرة، لتساير قوانين الكفرة الفجرة بالتأويلات الخارجة، هذا نوع من الكفر وما أكثره في هذه الأيام، هو يقول: أنا لا أريد معصية، وما يفعله هو شر المعاصي، فبدلاً من أن تستورد القوانين الوضعية الوضيعة لتحكم في بلاد المسلمين على أنها قوانين كفرية مستوردة، يقول: لا، دعونا نطور شريعة الله المطهرة، لتحتوي على تلك المواد الكافرة لكن باسم شريعة الله، وأول من فعل هذا هو الشيطان السنهوري ، وما حاوله هو شر الحلول، وأعظم المصائب التي ابتُليت بها الأمة في هذا العصر المرذول.. الكفر نكسوه ثوب الإسلام، فنطور شريعتنا من أجل أن تتناسب مع حياتنا، ومن أجل أن نقترب مع الكفار أعدائنا، فهي أحكام إسلامية دون أن نأخذها مستوردة، نحن نطور شريعة الله جل وعلا. هذا إخوتي الكرام ما أكثره في هذه الأيام!‏
 تحريف شرع الله تعالى بدعوى مسايرة القوانين الوضعية
إخوتي الكرام! حقيقة ابتلينا بصنف في هذه الأيام يحرفون دين الإسلام، وحالهم كحال اليهود اللئام، عليهم لعائن ذي الجلال والإكرام، قال الله في حق اليهود: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:75].والتحريف إخوتي الكرام: تغيير النص لفظاً أو معنى، فهو شامل للأمرين، إما أن يحرفه لفظاً ويغيره ويتلاعب فيه، وإما أن يحرف معناه، ونحن ابتلينا بهذا الصنف الذي يحرف معاني نصوص الشريعة المطهرة لتساير كما قلت الأنظمة الكافرة، أنظمة الفجرة، وفعل هذا من المكفرات، وقد خشي علينا نبينا عليه الصلاة والسلام، وخاف على أمته عليه الصلاة والسلام من هذا الصنف الخبيث أكثر من خوفه وخشيته عليها من الدجال .ثبت في مسند الإمام أحمد وصحيح مسلم والحديث في السنن الأربعة إلا سنن النسائي، من رواية سيدنا النواس بن سمعان رضي الله عنه وأرضاه، في حديث الدجال الطويل، وفيه: أن نبينا الجليل عليه صلوات الله وسلامه قال: ( غير الدجال أخوفني عليكم من الدجال ) عندما ذكر نبينا عليه الصلاة والسلام الدجال ، وارتاع الصحابة، وظنوا أنه في طائفة من النخل، قال عليه الصلاة والسلام: ( غير الدجال أخوفني عليكم من الدجال ) من؟ ثبت في مسند الإمام أحمد بسند جيد، من رواية سيدنا أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه. قالوا: ( من يا رسول الله عليه الصلاة والسلام؟! قال: الأئمة المضلون )، إمام ضلالة، إمام حكم أو إمام دعوة، إمام ضلالة هذا أشد خطراً على الأمة من الدجال ؛ لأنه يفسد فيها باسم الإسلام، ( غير الدجال أخوفني عليكم من الدجال، الأئمة المضلون ).وهذا الحديث -أعني حديث سيدنا أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه الذي فيه أن نبينا عليه الصلاة والسلام يخشى علينا من الأئمة المضلين أكثر من خشيته علينا هذه الأمة من الدجال - رُوي عن عدة من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، فروي من رواية سيدنا أبي الدرداء رضي الله عنه في مسند الإمام أحمد ومعجم الطبراني الكبير، ومن رواية سيدنا أبي إمامة رضي الله عنه وأرضاه في معجم الطبراني الكبير، ومن رواية سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه في مسند الإمام أحمد، ومن رواية سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه في مسند أبي يعلى، ومن رواية سيدنا شداد بن أوس وسيدنا ثوبان مولى نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه في مسند الإمام أحمد .انظروا هذه الروايات في المجمع، في الجزء الخامس صفحة تسع وثلاثين ومائتين، وانظروا رواية النواس بن سمعان -وكما قلت إنها في صحيح مسلم والسنن الأربعة إلا سنن النسائي - في جامع الأصول، في الجزء العاشر صفحة إحدى وأربعين وثلاثمائة: ( غير الدجال أخوفني عليكم من الدجال ، الأئمة المضلون ) يدَّعون أنهم يطورون شرع الحي القيوم ليتمشى مع الكفر الملعون.ولقد خشي علينا نبينا عليه الصلاة والسلام من كل منافق عليم اللسان، فقد ثبت في صحيح ابن حبان ، انظروا الإحسان في الجزء الأول صفحة ثمان وأربعين ومائة، والحديث رواه البزار والطبراني في معجمه الكبير كما في المجمع، في الجزء الأول صفحة سبع وثمانين ومائة، ورواه البيهقي في شعب الإيمان، من رواية سيدنا عمران بن حصين رضي الله عنهما عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان ). والحديث كما قلت: رواه البزار والطبراني وغيرهما، لكن بالنسبة لإسناد البزار والطبراني يقول الهيثمي في المجمع: رجاله رجال الصحيح، ورواه ابن حبان وصححه، وقال الإمام المنذري في الترغيب والترهيب في الجزء الأول صفحة سبع وعشرين ومائة: رواته محتج بهم في الصحيح، وهذا الحديث رُوي أيضاً عن عدة من الصحابة الكرام، فقد رواه الإمام أحمد في المسند، والإمام البزار وأبو يعلى من رواية سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، قال: ( حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كل منافق عليم اللسان )، والحديث رُوي من رواية سيدنا علي وعقبة بن عامر ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم أجمعين.هذه -إخوتي الكرام- الحالة السادسة التي من تلبس بها فقد كفر بشرع الله عز وجل، وهي: أن يطور شريعة الله المطهرة لتتمشى مع أنظمة الكفرة الفجرة، فهذا كفر، ومن فعله فهو كافر مرتد.
بيان حال من لم يحكم بشرع الله تعالى في ضوء الآيات الثلاث في سورة المائدة
سوف نستعرض الآيات التي في سورة المائدة، وفيها حكم الله جل وعلا بالكفر والظلم والفسق على من لم يحكم بشرعه المطهر، وهي قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47].إخوتي الكرام! هذه الأوصاف الثلاثة لمن لم يحكم بشرع الله، ولمن لم يحتكم إلى شرع الله جل وعلا، سوف ينزل عليها التفصيل المتقدم فانتبهوا لذلك.أما الحالة الأولى: فلا تدخل في هذا، لا يشمله الكفر ولا الفسق ولا الظلم؛ لأنه تقدم معنا أن ضابطها أنه ما قصد معصية الله عز وجل، تأول فيما فيه مجال للتأويل، أو هو من أهل التأويل، أخطأ من غير قصد، ولا يريد المعصية، أو جهل الحكم الشرعي ففعل ولا يظن أنه عاصٍ، وتقدم معنا أنه ما قصر ولا أعرض، إنما فهم على حسب لغة قومه ما فهمه من النص الشرعي، لكن فهمه خطأ، فيصحح له الوضع. والحالة الثالثة تقدم معنا: أنه أكره على المعصية ولا يريدها، ولا يحبها، فالحالة الأولى لا تدخل في هذه الأوصاف الثلاثة المذكورة في هذه الآيات.والحالة الثانية تدخل، والحالة الثالثة تدخل: كفر دون كفر، أو كفر مخرج من الملة، أو ظلم أكبر، يعتدي به الإنسان على الله جل وعلا، فيكفر، أو أنه يظلم نفسه فيما بينه وبين ربه دون أن يصل إلى درجة الكفر، وهكذا الفسق، فسق يخرج عن الشريعة جملة، وفسق يبقي في حظيرة الإسلام لكنه عاصٍ للرحمن، فكما قلت: سنطبق هذه الأوصاف الثلاثة عليها حسبما نقل عن سلفنا، فانتبهوا لذلك إخوتي الكرام.
 حكم من حكم بالقوانين الوضعية الجاهلية
إخوتي الكرام! ينبغي أن نعلم في ختام المبحث أن من استباح القوانين الجاهلية فهو كافر برب البرية.وللإمام ابن كثير عليه وعلى أئمتنا رحمات ربنا الجليل في هذا كلام محكم جليل، سأقرؤه عليكم من تفسيره في الجزء في صفحة سبع وستين، عند قول رب العالمين: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50].وأختم الكلام على هذه المسألة بكلامه رحمة الله ورضوانه عليه، يقول: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم، المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء، والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله عز وجل، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان ، الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصار في بنيه شرعاً متبعاً، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [المائدة:50] أي: يبتغون يريدون، وعن حكم الله يعدلون: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه، وآمن به، وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء. وقال عليه رحمة الله في البداية والنهاية، في حوادث سنة أربع وعشرين ستمائة، عند ترجمة هذا الشيطان الرجيم جنكيز خان، الذي وضع للتتار الياسَق، ويقال له: الياسا، ويأخذونها ويحتكمون إليها، قال في حوادث سنة أربع وعشرين وستمائة؛ لأنه في هذه السنة هلك جنكيز خان ملك التتار، في الجزء الثالث عشر صفحة ثماني عشرة ومائة، يقول: هو الذي وضع لهم -جنكيز خان - الياسا التي يتحاكمون إليها، ويحكمون بها، وأكثرها مخالف لشرائع الله وكتبه، وهو شيء اقترحه من عند نفسه، وتبعوه في ذلك.ثم ذكر مما يوجد في الياسق من حكم بغير شرع الله، وأحكام غير موجودة في شرع الله، فهذا هو كفر أكبر مخرج من الملة ..نسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - المكفرات من المخالفات [4] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net