اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - المكفرات من المخالفات [3] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مقدمة في الفقه - المكفرات من المخالفات [3] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
شرع الله تعالى وحكمه هو الحق الذي لا مرية فيه، وهو العدل الذي لا جور فيه، وهو الصدق الذي لا مين فيه، وهو الحكمة البالغة العظيمة؛ لأنه من لدن حكيم خبير بما يصلح عباده وما يفسدهم، ومن استهزأ بشرع الله أو بشيء منه، أو استخف به، أو عارضه بفكره وعقله، أو لم يرض به؛ فقد كفر بالله تعالى، واستحق عقوبة الكافرين الملحدين، وهي الخلود في نار الجحيم، والعياذ بالله رب العالمين.
من المخالفات المكفرة الاستهزاء والاستخفاف بشرع الله ومعارضته
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الصادقين المفلحين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحَزْن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس أحوال الإنسان عندما يخالف شرع الرحمن، وقلت: له ثلاثة أحوال: حالة يعذر فيها، وحالة يوزر ويأثم فيها، وحالة يرتد ويكفر فيها. أما الحالة الأولى التي يعذر الإنسان فيها عند وقوعه في مخالفة شرعية، فلها ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يتأول فيما فيه مجال للتأويل، وهو من أهل التأويل، والحالة الثانية: أن يجهل حكم الله الجليل من غير إعراض ولا تقصير، كما تقدم معنا تقرير هذا وبيانه، والحالة الثالثة: أن يُكره ويقسر على معصية الله عز وجل، ففي هذه الحالات الثلاث هو معذور عند رب الأرض والسموات.الحالة الثانية التي يأثم فيها الإنسان، ويرتكب وزراً دون أن يصل إلى الكفر والردة نسأل الله العافية: أولها: أن يتأول في غير مجال التأويل أو هو ليس من أهل التأويل، ثانيها: أن يجهل حكم الله ويقع في مخالفة بناء على جهله، لكنه أعرض وقصر، أعرض عن العلم وقصر في طلبه، الحالة الثالثة: أن يتعمد المعصية دون استحلال لها.الحالة الثالثة للإنسان: إذا وقع في مخالفة يكون كافراً مرتداً، وذكرنا أن لذلك ست حالات، تدارسنا أربعة منها، ولعلنا ننتهي إن شاء الله من بقية هذه الأمور لنشرع في المواعظ الآتية في ترجمة ساداتنا أئمتنا أصحاب المذاهب الأربعة رضوان الله عليهم أجمعين.إخوتي الكرام! تدارسنا أربع حالات من الحالة الثالثة للإنسان عندما يقع في معصية الرحمن ويكفر إذا وقع في تلك المعصية: الحالة الأولى: ألا يرى أن شرع الله جل وعلا حق وصواب، فعل التباب وقال: إن شرع الله ليس بحق ولا صواب.الحالة الثانية: أن يرى أنه حق وصواب، وفيه خير ورشاد، لكنه يقول: شرع العباد في هذه الأوقات أنفع، ويحصل مصلحة لنا، فقد كفر بذلك.الحالة الثالثة: أن يقول: إن شرع الله فيه خير ونفع، وشرع العباد لا يفضل عليه لكنه يساويه، فشرع العبيد يساوي شرع الله المجيد، ولك أن تأخذ بأيهما تريد، فهذا أيضاً كفر وردة. الحالة الرابعة أن يقول: إن شرع الله خير وهدى ونفع وبركة، لكن يجوز أن نأخذ بالقوانين الوضيعة الوضعية في بعض الحالات تحقيقاً لمصلحة دنيوية، مع جزمنا واعتقادنا أن القوانين الوضيعة الوضعية دون شريعة رب البرية، فهذا أيضاً كافر عندما استباح وأجاز الخروج عن شرع الله جل وعلا، هذه الأحوال تقدم معنا مدارستها، وسرد أمثلة عليها.الحالة الخامسة التي يكفر فيها الإنسان عندما يقع في مخالفة لشرع ذي الجلال والإكرام: أن يستخف ويعاند، ويستهزئ ويعارض، إذا صدر منه هذا فمعصيته كفر.
 أبو العلاء المعري واستهزاؤه بالدين
وخليفة إبليس الثاني، الذي كان يعترض على الله جل وعلا، ويسلك هذه المعصية المكفرة وهي الاستهزاء والمعارضة، والاستخفاف والمعاندة، هو المعري الذي يطلق عليه الإمام ابن الجوزي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا عندما يذكره يقول: قال خليفة إبليس المعري ، وهو أحمد بن عبد الله بن سليمان ، توفي سنة تسع وأربعين وأربعمائة للهجرة.قال الإمام ابن كثير في البداية والنهاية في حوادث هذه السنة في ترجمته، في الجزء الثاني عشر صفحة أربع وسبعين: كان ذكياً ولم يك زكياً. وقال الإمام الذهبي في السير، في الجزء الثامن عشر صفحة ثلاث وعشرين وترجمه إلى صفحة أربعين: بقي خمساً وأربعين سنة لا يأكل اللحم، تزهداً فلسفياً، وقال: وما على الرجل أنس زهاد المؤمنين، والله أعلم بما خُتم له، ثم قال: ويظهر لي أنه متحير ولم يجزم بنحلة. وكان هذا أيضاً يعارض شريعة الله، ويستخف بها ويعاند، وجعل شعره في معارضة شرع ربه سبحانه وتعالى، انظر مثلاً لزندقته وإلحاده وما قاله حول حد السرقة:يد بخمس مئين عسجد وديتما بالها قُطعت في ربع دينار تناقض ما لنا إلا السكوت لهوأن نعوذ بمولانا من النار يقول: اليد ديتها في شريعة الله المطهرة خمسمائة دينار ذهبي، وخمسمائة دينار عسجد من الذهب، هذه ديتها، فما بالها قطعت في ربع دينار؟ إذا سرق الإنسان بعد ذلك شيئاً قيمته ربع دينار تقطع يده، وديتها خمسمائة دينار، يقول: هذا هو التناقض أن نجعل دية اليد خمسمائة دينار ونقطعها بربع دينار.تناقض ما لنا إلا السكوت لهوأن نعوذ بمولانا من الناريقول: هذه سفاهة وهذا تناقض في الشرع، يقول: نسكت ونعوذ بالله من النار فقط ولا نعترض. يا أعمى البصيرة! كما أعمى الله بصرك، وجمعت بين عمى البصر والبصيرة، الحكمة تقتضي أن تغلظ دية اليد من أجل ألا يتساهل الناس في قطع أطراف غيرهم وأعضاء غيرهم، والحكمة تقتضي أن يخفف نصاب القطع في السرقة من أجل صيانة الأموال، وحفظ أموال العباد، فهذا مقتضى الحكمة، ولو جعلنا دية اليد ربع دينار لتساهل الناس في قطع أيدي غيرهم، ولو جعلنا نصاب القطع خمسمائة دينار لسرق الناس أموالاً طائلة، خمسمائة دينار من الذهب، قدرها اثنان كيلو ونصف حتى تقطع يده، يعني: زيادة على المائة ألف، لو سرق مائة ألف فلا تقطع يده، هذا لو جعلت نصاب اليد خمسمائة دينار، وهذا فساد، فالناس سوف يتساهلون في أخذ أموال العباد، فالحكمة تقتضي أن نغلظ دية اليد، وأن يخفف نصاب القطع في السرقة. ولذلك قال أئمتنا في الرد عليه وبيان فساد كلامه، كما قال القاضي عبد الوهاب المالكي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا:صيانة العضو أغلاها وأرخصهاصيانة المال فافهم حكمة الباريوقال الإمام علم الدين السخاوي : عز الأمانة أغلاها وأرخصهاذل الخيانة فافهم حكمة الباريوقال الإمام ابن الجوزي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا: لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت، فتقطع في هذا الشيء التافه الحقير.هذا -إخوتي الكرام- مما قاله في معارضة شرع الله جل وعلا، والاعتراض عليه فيما يتعلق بحد السرقة. وقال أيضاً، وهو من أخبث أقواله في معارضة ما أتى به رسل الله الكرام على نبينا وعلى أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه، يقول: فلا تحسب مقال الرسل حقاًولكن قول زور سطروه وكان الناس في عيش رغيدفجاءوا بالمحال فكدروه (في عيش رغيد): في نعمة وسعة وترف، فجاءوا بالمحال فكدروه.وتقدم معنا إخوتي الكرام مراراً: أن أعظم نعم الله علينا أن أرسل رسله الكرام على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام، وأنزل علينا كتبه الحسان؛ ليخرجنا من الظلام إلى النور، وشرع الله لعقولنا كالشمس لأعيننا، ولو لم يتكرم علينا ربنا جل وعلا برسله الكرام على نبينا وعليهم صلوات الله وسلامه، لكان الناس أحط دركة من البهائم العجماوات.ولذلك قال الإمام ابن كثير عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في البداية والنهاية، معارضاً كلام هذا الضال الخبيث، وانظروا البداية والنهاية في ترجمته التي ذكرتها في الجزء الثاني عشر، صفحة أربع وسبعين، قال: وقلت أنا معارضةً له:فلا تحسب مقال الرسل زوراًولكن قول حق بلغوهوكان الناس في جهل عظيمفجاءوا بالبيان فأوضحوهوقد ذكر الإمام ابن القيم عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في المدارج، في الجزء الثالث صفحة ست وأربعمائة، ذكر كلام الشيطان المعري خليفة إبليس، وعارضه أيضاً بكلام محكم نفيس فقال:وكان الناس في لبس عظيمفجاءوا بالبيان فأظهروه وكان الناس في جهل عظيمفجاءوا باليقين فأذهبوهوكان الناس في كفر عظيمفجاءوا بالرشاد فأبطلوهكانوا في لبس فزال عنهم اللبس والشك والظلمات، بالبيان الذي أظهره رسل الله الكرام، على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام، كانوا في جهل فجاء رسل الله الكرام باليقين فأذهبوا ذلك الجهل، كانوا في كفر عظيم فجاءوا بالرشاد فأبطلوا ذلك الكفر، وصار الناس على صراط الله المستقيم.ويقول أبياتاً كثيرة في معارضة شريعة الله المطهرة، فمما يقول هذا الشيطان الغرور المغرور: وما حجي لأحجار بيتكؤوس الخمر تشرب في ذراهاإذا رجع الحليم إلى حجاهتهاون بالشرائع وازدراها وقال وهو من أخبث ما قاله أيضاً: هفت الحنيفة والنصارى ما اهتدت (هفت) أي: زلت وضلت، (الحنيفة): وهي الملة الإسلامية، يقول:هفت الحنيفة والنصارى ما اهتدتويهود حارت والمجوس مضللةيعني: المسلمون هفوا وانحرفوا، والنصارى ضالون، واليهود حيارى، والمجوس مضللون، إذن من المهتدون؟ الزنادقة الملحدون، هو وأمثاله، ثم قال: رجلان أهل الأرض هذا عاقللا دين فيه وهذا ديِّن لا عقل لهيعني هذا عاقل ليس عنده دين، وهذا ديِّن وليس له عقل.هذا حال خليفة إبليس في اعتراضه على شرع الله العزيز، ومن استخف واستهزأ وعارض شرع الله عز وجل، فلا شك في كفره.دخل مرة بعض الناس على المعري ولامه، وقال: الناس يتكلمون عليك، وأنت تقول هذا الكفر، قال: إنهم يحسدونني، قال يحسدونك على أي شيء وقد تركت لهم الدنيا والآخرة؟ أما الدنيا فأنت تركت لذاتها ومطالبها واعتزلت في صومعتك، وفي حجرتك، وفي ظلماتك، وأما الآخرة فليس لك فيها نصيب، فيحسدونك على أي شيء؟ قال: والآخرة أيضاً؟ قال: نعم، الآخرة خسرتها قبل الدنيا، فقال: أنا ما هجوت بشعري أحداً، ولو أردت أن أمدح وأتكسب لحصلت مالاً طائلاً، قال: نعم صدقت، ما هجوت أحداً من البشر، لكنك هجوت الله عز وجل ورسله الكرام على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام، ما هجوت أحداً من الناس لكن هجوت رب الناس، وما استحييت من ربك ولا وقفت عند حدك.إذاً: هذه معصية استهزاء، معصية استخفاف، وأنا أعجب لهذه العقول الخبيثة التي هي في الأصل من صنع الله جل وعلا، كيف يعترض هذا المخلوق الضعيف على الخالق القوى الجليل سبحانه وتعالى، ومن أراد أن يزن حكمة الله بعقله كمن أراد أن يبحث عن ضياء الشمس بشمعة من صنعه، صنع شمعة يريد أن ينظر بها إلى الشمس، يقول: أن الشمس، أنا أبحث عنها بشمعة صنعتها!يا عبد الله! طلع الصباح فأطفئ القنديل، ما تنفع شمعتك ولا قناديلك إذا أضاءت الشمس، وهنا هذا نور الله، وهذه هداية الله، ستزن كلام الله على حسب هوسك، وإذا بعد ذلك ما راق للفساد ذهنك ستعترض على ربك! هذا هو الضلال المبين، وأول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس.هذا -إخوتي الكرام- نموذج خامس، وحالة خامسة من الحالات التي يكفر فيها الإنسان ويخرج عن دين الرحمن.نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يرزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً.. إنه سميع مجيب.والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - المكفرات من المخالفات [3] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net