اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - وزر المخلوقات في المخالفات [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مقدمة في الفقه - وزر المخلوقات في المخالفات [1] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
من فعل المعصية والمخالفة الشرعية متأولاً في غير محل التأويل، أو لم يكن هو من أهل التأويل والاجتهاد؛ فإنه يأثم بفعله ذلك، ولا يعذره كونه متأولاً في ذلك، وذلك مثل المسائل المجمع عليها بين الأئمة، سواء على مشروعيتها كمشروعية إعفاء اللحية، أو على عدم مشروعيتها، فلا يحق لأحد أن يجتهد أو يتأول في القول بجواز حلق اللحية؛ لأنه لا يجوز التأويل والاجتهاد في مقابلة النص الشرعي.
الأحوال التي يأثم فيها صاحبها ولا يعذر إذا خرج من حكم الله وشرعه
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الصادقين المفلحين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، يا أرحم الراحمين. اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين. سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: إخوتي الكرام! كنا نتدارس أحوال الإنسان عندما ينحرف عن شرع ربنا الرحمن، وتقدم معنا قبل ذلك بيان الفروق بين شرع الخالق جل وعلا وشرع المخلوق، وقلت: إن ذلك يحتم علينا أن نأخذ بشرع ربنا وأن نبتعد بعد ذلك عن القوانين الوضيعة الوضعية، وهذا الأخذ -كما تقدم معنا- واجب حتمي لا مفر لنا منه، والإنسان إذا خرج عنه فله -كما تقدم- حالة من حالات ثلاث: إما أن يكون معذوراً، وإما أن يكون آثماً موزوراً، وإما أن يكون جاحداً مرتداً كفوراً.ولا يخرج أحوال الناس عندما ينحرفون عن شريعة رب الناس عن هذه الحالات الثلاث. والحالة الأولى إذا كنا من أهلها فهنيئاً لنا، والحالة الثانية إذا كنا من أصحابها فيرجى لنا الخير عند ربنا، وأما الحالة الثالثة فنستعيذ بالله منها ومن أهلها، ونسأل الله أن يحفظنا من الوقوع فيها، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.فالحالة الأولى: وهي أن يكون الإنسان معذوراً عندما ينحرف عن شرع ربنا الرحمن، فلا يصيب حكم الله، ولا يفعل ما أمر الله به، تقدم معنا أن له ثلاثة أحوال: أولها: أن يتأول فيما فيه مجال للتأويل، وهو من أهل التأويل، فأخطأ شرع الله الجليل، وأخطأ إصابة شرع الله الجليل، ففي هذه الحالة لا لوم عليه، ولا ذنب عليه، ولا معصية عليه، وهو معذور، وتقدم معنا أنه قد يوجه إليه اللوم أحياناً لوجود تقصير منه, لكن دون أن يكون عليه عقاب في العاجل أو في الآجل.الحالة الثانية: أن يكون جاهلاً بحكم الله، وهذا الجهل يشترط ألا يصاحبه إعراض عن شرع الله، ولا تقصير في تعلم دين الله، إنما -كما هو معلوم- لا يمكن لبشر أن يحيط بشرع الله جل وعلا، فطلب واجتهد وتعلم، لكن أخطأ بعد ذلك الفهم وما أصاب الحكم، فرحمة الله واسعة، يصحح له خطؤه ولا إثم عليه ولا ذنب.الحالة الثالثة: أن يُقسر وأن يكره على معصية الله عز وجل، ففي هذه الأحوال الثلاثة تقدم معنا أن الإنسان لا يقصد معصية الرحمن، والشارع قد عذره في هذه الأحوال الثلاثة، فلا إثم عليه، ولا ذنب عليه، ولا معصية عليه، وقد يوجه إليه اللوم أحياناً لوقوع تقصير منه في الجملة، والعلم عند الله جل وعلا.وقد تقدم معنا -إخوتي الكرام- تفصيل الكلام على هذه الأمور الثلاثة الحسان.عندنا الآن الحالة الثانية من أحوال من لم يحكم بما أنزل الرحمن، أو لم يحتكم إلى شريعة ذي الجلال والإكرام.الحالة الثانية: أن يكون الإنسان آثماً موزوراً، وقد يقصد المعصية في هذه الحالة، وقد لا يقصدها، لكن الشارع ما عذره، هناك لم يقصد المعصية قطعاً وجزماً لكن الشارع عذره، وسمح له في فعله، لكن هنا له حالتان: قد يقصد معصية الرحمن لكن دون استحلال لها كما سيأتينا، قصد المعصية وغلبته شهوته، وكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون.الحالة ثانية: ما قصد المعصية، فعل فعلاً لا يريد به معصية الله عز وجل، لكن الشارع ما أذن له في ذلك الفعل، ولا عذره فيه، ولا رخص له في فعله، فهو آثم موزور. هذه الحالة -الثانية- أيضاً لها ثلاث حالات:
 عدم صحة التأويل إذا كان المتأول ليس من أهل التأويل
الشق الثاني للحالة الأولى: إذا كانت المسألة من محل التأويل، وفيها مجال للتأويل، لكن المتأول ليس من أهل التأويل، ليس من أهل الاجتهاد، فلا يحق له أن يدلي بدلوه، وإذا تكلم في هذه المسألة فهو عاص لله جل وعلا.ثبت في مسند الإمام أحمد، وسنن الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، والحديث رواه الطبري في تفسيره، والبغوي في معالم التنزيل، أي: في تفسيره وفي شرح السنة، وحسنه، وفي إسناده الإمام عبد الأعلى بن عامر الثعلبي ، صدوق يهم يخرج له أهل السنن الأربعة، وحديثه إن شاء الله في درجة الحسن، وقد تقدم معنا من حسنه من الترمذي والبغوي رضي الله عنهم أجمعين.ولفظ الحديث: عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من قال في القرآن بغير علم، فليتبوأ مقعده من النار )، ليس هو بأهل لأن يتكلم، فتكلم وفسر وأدلى بدلوه، فهذا آثم أصاب أو أخطأ، فإن أخطأ حصل إثمين وعقوبتين، أخطأ الصواب، وخالف شرع الكريم الوهاب، ولا يحق له أن يجتهد، وإن أصاب فعليه إثم؛ لأنه أثم في اجتهاده وليس من أهل الاجتهاد وإن أصاب الحق؛ لأن هذه الإصابة ليست مقصودة، وإذا أصاب مرة سيخطئ مئات المرات.والحديث -إخوتي الكرام- أيضاً رواه الإمام أحمد بلفظ آخر في المسند، وهكذا الترمذي في السنن وحسنه، والبغوي في معالم التنزيل، والطبري في تفسيره أيضاً، عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين بلفظ، والحديث مرفوع إلى نبينا الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه: ( من قال في القرآن برأيه، فليتبوأ مقعده من النار )، وفي رواية في المسند: ( من كذب في القرآن بغير علم، فليتبوأ مقعده من النار ).إذاً: هذه الحالة الأولى التي يأثم فيها الإنسان، وهي إذا كانت المسألة ليست من محل التأويل، أو أن الإنسان ليس من أهل التأويل.نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن ينفعنا بما سمعنا، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - وزر المخلوقات في المخالفات [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net