اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - الجنسية الإسلامية [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مقدمة في الفقه - الجنسية الإسلامية [1] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
لقد وحّد الإسلام بين جميع الناس، وربط بينهم بروابط وثيقة لا توجد في غيره، فجعل المسلمين كالجسد الواحد، وكالبنيان يشد بعضه بعضاً، وساوى بينهم في الحقوق والواجبات، فلا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح.
الجنسية الإسلامية ومميزاتها
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الصادقين المفلحين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين! اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين! سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد: إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس الفروق الجلية بين الشريعة الربانية والقوانين الوضيعة الوضعية، وقلت: هذه الفروق كثيرة متعددة يمكن أن نجملها في خمسة عشر فرقاً:فذكرنا أن الشريعة الإسلامية مستمدة مأخوذة من رب البرية سبحانه وتعالى، وما في ذلك من دِلالات مَرَّ إيضاحها.وذكرنا أن شريعة الله جل وعلا فيها علم تام كامل، وفيها حكمة كاملة، وفيها هدى ونور، وإرشاد العباد إلى أقوم الأمور، وفيها خير وبركة، وهي رحمة عظيمة من رحمات الله لعباده وعلى عباده، ولا تناقض فيها ولا تضارب ولا خلل، لا في ألفاظها ولا في معانيها وأحكامها، وشريعة الله هي أحسن الحديث، وهي -كما تقدم معنا- حياة حياتنا، وروح هذا العالم، وهي المهيمنة على ما عداها، وهي محترمة مقدسة، ومصونة أيضاً من العبث والتغيير والتحريف، تتسع نصوصها لما جد ويجد، ثم بعد ذلك فيها إنصاف بين المخلوقات، فلا تحيز فيها ولا محاباة.هذه -إخوتي الكرام- أربعة عشر فرقاً، تقدم الكلام عليها، ووصلنا إلى الفرق الخامس عشر ألا وهو أنها: جنسية عظيمة فوق الجنسيات، جنسية فوق الجنسيات، في هذه الجنسية وحدة حقيقية بين المكلفين والمكلفات في هذه الحياة، عن طريق توحيد المشاعر والأفكار والعقائد والأعمال، فهذه الأمور تنتج بعد ذلك بين عباد الله الأخيار وجداناً مشتركاً، مهما تعددت أفرادهم كأنهم شخص واحد، وهم كالجسد الواحد، وكالبنيان المرصوص، يتساوون فيما يحبون وفيما يكرهون، ونظرتهم تستوي في هذه الحياة إلى جميع الأشياء تحليلاً وتحريماً، حباً وبغضاً، قرباً وبعداً، عندما وحَّد الإسلام بينهم في أفكارهم ومشاعرهم وأعمالهم وعقائدهم، فهم ذوات متعددة، لكنهم في الحقيقة شخص واحد.إخوتي الكرام! كما قلت: هذه الجنسية العظيمة التي من الله بها علينا وهي الإسلام الذي ننتمي إليه، ونفتخر بذلك، وهو دين ذي الجلال والإكرام، هي أعلى الجنسيات، فكل مَن كان عبدا لرب الأرض والسماوات، دخل في هذه الجنسية إذا وحد الله جل وعلا: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:92]، وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون:52]، والله جل وعلا خلقنا من أبوين مباركين، من أبينا وسيدنا آدم وأمنا وسيدتنا المباركة حواء على نبينا وعليهما أفضل الصلاة والسلام، فنحن إذاً بعد ذلك إخوة في الإنسانية، وإخوة في شريعة رب البرية، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات:13].
 إسلام الذمي يسقط عنه ما كان قد وجب عليه من جزية
ولذلك إخوتي الكرام! نحن نقاتل الكفار -كما تقدم معنا- ليدخلوا في دين العزيز القهار، وإذا قبلوا الجزية فاستمع لهذا الحكم الشرعي الذي يقرره أئمتنا، والجزية -أولاً- مأخوذة من الجزاء كما قال أئمتنا؛ لأنه جزاء إعراضه عن الإيمان رُتب عليه شيء من الضريبة والمال إذلالاً له وصغاراً، وهي أيضاً من الإجزاء؛ لأن هذا المبلغ الذي يدفعه يجزئ في حقن دمه، ولا يجوز الاعتداء عليه، فيصبح له عهد الأمان، إذن: هي جزاء على عدم إيمانه، وهي تجزئ في المحافظة على ماله ودمه، ويصبح بعد ذلك في أمان الدولة الإسلامية.والجزية -إخوتي الكرام- سوف تأتينا مباحثها ضمن مباحث الفقه، وهل هي مقدرة أو موكولة لرأي الإمام؟ الإمام أحمد له رأي من آراء ثلاثة: أنها موكولة لرأي الإمام يقدر ما يراه مصلحة على كل رأس ممن يطيق العمل، والنساء ليس عليهن جزية، وليس بعد ذلك على الأولاد، هذا محل اتفاق، إنما هي على كل محتلم يطيق العمل نشيط، ليس بمريض لا يستطيع أن يتحرك، فتقدر وتضرب عليه الجزية. والمعتمد عند الحنابلة وهو مذهب الحنفية: أن الجزية على ثلاثة أقسام: فالفقير يؤخذ منه اثنا عشر درهماً، يعني دينار، والدينار في حدود خمسة غرامات من الذهب، وهو مبلغ يسير، والمسلم يدفع ضرائب أضعاف أضعاف ما يدفعه الذمي جزية، وهي تؤخذ فقط من المطيق على العمل مقابل أن يُحفظ في الدولة الإسلامية، ويعصم ماله ودمه، لكن هي من أجل إذلاله أيضاً، أنه يدفع لإشعاره بالذل عندما كفر بالله جل وعلا، فالفقير الذي ليس بغني وليس معدماً أيضاً، إنما عنده ما يكفيه لكنه ليس بغني ولا متوسط الحال، فيؤخذ منه اثنا عشر درهماً، ومتوسط الحال يؤخذ منه أربعة وعشرون درهماً، والغني الثري يؤخذ منه ثمانية وأربعون، فهي مرتبة هكذا: دينار، ديناران، أربعة دنانير، هذا عند أبي حنيفة والإمام أحمد رضي الله عنهم أجمعين، وهناك قول للإمام أحمد: أن أقلها يحدد، والأكثر موكول لرأي الإمام، والمالكية قالوا: أربعة دنانير على الغني والفقير بالتساوي، والإمام الشافعي قال: دينار واحد على الغني والفقير بالتساوي أيضاً.وعلى كل حال: هذا سوف يأتينا ضمن مبحث الجزية إن شاء الله.الذي نريد أن نقوله: إن هذه الجزية كيفما كان حالها، إذا أقر بها، وحال الحول، وحان وقت تسليمها، لو أسلم قبل أن يسلِّم الجزية سقطت عنه، مع أنها قد وجبت في رقبته، ولو وُضعت الدنانير في الميزان من أجل وزنها ليدفعها، وقبل أن توزن قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام، فنقول: خذ دنانيرك ودراهمك، وانصرف عنا، فقد صرت أخاً لنا لا يجوز أن نأخذ منك درهماً ولا ديناراً، فعندما قلت: لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام، سقط عنك هذا المال، وهذا الإذلال.وهذا عند الجمهور إخوتي الكرام! وما خالف في ذلك إلا سيدنا الشافعي كما سيأتينا؛ لأنه رأى أن الأحاديث الواردة في ذلك ضعيفة، كما سأذكره إن شاء الله على وجه الاختصار، وقال: بما أنه حق ثبت، وهو حق مالي، فإذا آمن لا يسقط عنه، كما أن الزكاة تؤخذ من المسلم، فهذا أيضاً تؤخذ منه الجزية، وهي ثبتت عليه في حال كفره، فإيمانه بعد ذلك لا يسقط عنه هذا الحق، وهو أخ لنا لا خلاف في ذلك، لكن بالإجماع بعد إيمانه لا يؤخذ منه جزية، هذا محل إجماع، لكن الجزية السابقة تسقط عند الجمهور وما خالف في ذلك إلا الإمام الشافعي رضي الله عنهم أجمعين.وقد روى الإمام أحمد في مسنده، والإمام أبو داود والترمذي في السنن، والحديث رواه الإمام ابن أبي شيبة في المصنف والطحاوي في مشكل الآثار، والإمام الدارقطني والبيهقي في السنن أيضاً، والإمام الضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة، والحديث في الحلية، ورواه الخلال في جامعه أيضاً، عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس على المسلم جزية)، والحديث رُوي أيضاً من طريق سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين في معجم الطبراني الأوسط كما في المجمع في الجزء السادس صفحة ثلاث عشرة: (من أسلم فلا جزية عليه)، فرواية سيدنا عبد الله بن عباس: (ليس على المسلم جزية)، ورواية ابن عمر: (من أسلم فلا جزية عليه).قال الإمام الهيثمي: فيه من لم أعرفه، حديث سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين -إخوتي الكرام- فيه قابوس بن أبي ظبيان، قال الحافظ: فيه لين، ففي حديثه ضعف، روى له البخاري في الأدب المفرد وأهل السنن الأربع إلا الإمام النسائي، والإمام الترمذي بعد أن روى الرواية المتصلة: قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين، عن نبينا عليه الصلاة والسلام: (ليس على المسلم جزية)، قال: إن الحديث رُوي مرسلاً؛ لإسقاط سيدنا عبد الله بن عباس. قال الإمام الترمذي: والعمل على هذا عند عامة أهل العلم: أن النصراني.. -وأقول: وكذا اليهودي، وكذا من تؤخذ منه الجزية، فليس المراد خصوص النصراني فقط- أن النصراني إذا أسلم وُضعت عنه جزية رقبته، العمل على هذا عند عامة أهل العلم، توضع في المستقبل، هذا محل اتفاق، وما وجب عليه فيما مضى، أي: جزية السنين المتقدمة لو لم يدفعها، كما لو وجبت عليه جزية عشر سنين وما أداها، ثم جاء بعد ذلك وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ سقطت هذه الجزية عند الجمهور كما قلت، إلا عند الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه، فإنه يقول: يطالب بها؛ لأنه حق وجب عليه في حال كفره، فلا بد من أدائه بعد إيمانه.وقد روى الإمام أبو عبيد هذا الحديث في كتاب الأموال صفحة ست وستين، وهكذا الإمام ابن زنجويه في كتاب الأموال في الجزء الأول صفحة ثلاث وسبعين ومائة، رَوَيَا الأثر المتقدم أيضاً مرسلاً من طريق قابوس عن أبيه عن نبينا عليه الصلاة والسلام: (ليس على المسلم جزية)، قال الإمام أبو عبيد مفسراً المراد بالحديث: ليس عليه جزية إذا وجبت عليه ثم آمن سقطت عنه. هذا هو مراد الحديث، وهذا يحتمله الحديث، ويحتمل أنه ليس عليه جزية فيما بعد إسلامه، وأما ما وجب عليه فلا بد من أدائه.إذاً: الحديث يوجد حول إسناده كلام من ناحية الصحة وعدمها، وحول معناه كلام أيضاً، فيمكن أن تقول: معناه: أنه بعد إسلامه لا يؤخذ منه، وما ثبت عليه لا يسقط عنه، كما قال الإمام الشافعي، هذا إذا ثبت الحديث، وإذا قلت: لا يثبت، فهو حق مالي وجب عليه لا بد من أدائه بعد ذلك. الشاهد إخوتي الكرام! أنه عند الجمهور إذا نطق بكلمة الإسلام، وبقي عليه مقدار وجب في الجزية، فإنه يسقط بمجرد نطقه كلمة الإسلام، روى الإمام أبو عبيد أيضاً في كتاب الأموال، وهكذا الإمام ابن زنجويه، والإمام البيهقي في السنن الكبرى في الجزء التاسع صفحة تسع وتسعين ومائة عن مسروق: أن رجلاً من الشعوب -أي: من الأعاجم- أسلم، فأراد العامل أن يأخذ منه الجزية، فشد رحله وجاء إلى سيدنا عمر رضي الله عنه وقال: يا أمير المؤمنين! رضي الله عنهم أجمعين، أسلمت، ويريد العامل أن يأخذ مني جزية! فقال سيدنا عمر رضي الله عنه: لعلك أسلمت متعوذاً -يعني تريد أن تتعوذ بالإسلام لتسقط عنك الجزية التي ضُربت على رقابكم- فقال: يا أمير المؤمنين! أما في الإسلام ما يعيذني؟! يعني هب أنني تعوذت بالإسلام، فهل الإسلام لا يعيذ؟ أوليس هو حصناً حصينا لمن آمن ودخل فيه، وبعد ذلك حسابي عند ربي هل أنا صادق أم لا؟! أوليس في الإسلام ما يعيذني؟ قال: بلى، ثم كتب إلى العامل وإلى العمال: لا تأخذوا الجزية ممن أسلم، إن كان عليه جزية تسقط، والجزية في المستقبل لا تؤخذ منه. وثبت في طبقات ابن سعد وغيره في الجزء الخامس صفحة ست وخمسين وثلاثمائة، عن سيدنا خامس الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين عمر بن عبد العزيز: أنه كان يكتب إلى عماله ويقول: إن أسلم الكتابي والجزية في كفة الميزان فلا تؤخذ منه، فإن الله بعث محمداً عليه الصلاة والسلام هادياً ولم يبعثه جابياً. إن أسلم والجزية في كفة الميزان، وضعت لوزنها من أجل ضبط مقدارها، وفي هذه الحال قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيقال له: لقد صرت أخاً لنا لا يجوز أن نذلك بهذه الجزية، فصرت معصوم الدم بكلمة التوحيد، لا بمبلغ تذل به، وتدخل في رعايتنا، خذ مالك وأنت أخ لنا بعد ذلك.نسأل الله تعالى أن ينفعنا بالعلم والإيمان، وأن يرزقنا إيماناً في قلوبنا، وصدقاً في أعمالنا، وأن يجعل ما نقول ونعمل خالصاً لوجهه الكريم.والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - الجنسية الإسلامية [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net