اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - شريعة ربانية وقوانين وضعية [4] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مقدمة في الفقه - شريعة ربانية وقوانين وضعية [4] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
مما يميز شريعة الله على غيرها من الشرائع: اتساع نصوصها لكل ما يجد من حوادث ومسائل ونوازل إلى قيام الساعة، وهذه معجزة عظيمة لهذا الدين العظيم، فلا توجد مسألة ولا نازلة في كل عصر وزمان إلا ولها في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ما يبين حكمها.
تابع الفروق بين شرع الخالق وشرع المخلوقات
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الصادقين المفلحين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين!اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين!سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد: إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس مقدمة لعلم الفقه الشريف، وقلت: هذه المقدمة ستدور على أمرين اثنين: الأمر الأول: في بيان معنى علم الفقه وفضله، وقد مر الكلام على ذلك، ونحن نتدارس آخر ما يتعلق بهذا الأمر في هذه الموعظة بعون الله وتوفيقه. والأمر الثاني كما تقدم معنا: ترجمة موجزة لساداتنا وأئمتنا الفقهاء الأربعة رضوان الله عليهم أجمعين.الأمر الأول إخوتي الكرام -كما قلت- مر الكلام عليه، ونحن الآن في الدرس التاسع من دروس المدارسة كما قلت في هذه المقدمة.وبدأت فيه بعد أن بينت فضل هذا العلم ومكانته بعد تعريفه أيضاً، وقلت: إنه يحسن بنا بل يجب علينا أن نتدارس الفروق بين شرع الخالق سبحانه وتعالى وشرع المخلوق، وهذه الفروق كما قلت: تحتم علينا وتوجب علينا أن نلتزم بشرع ربنا سبحانه وتعالى، كما تحتم علينا أن نبتعد عن التشريعات الوضيعة الوضعية. وقلت: إخوتي الكرام! إن الأمر معروف لا يرتاب فيه اثنان، إنما من باب البيان فقط، وإلا لا مقارنة بين شرع الخالق وشرع المخلوق، وقلت: فضل شرع الخالق على شرع المخلوق كفضل الله سبحانه وتعالى على المخلوق.إخوتي الكرام! كما قلت: الفروق كثيرة، وسأوجزها في خمسة عشر فرقاً، غالب ظني أننا تدارسنا اثني عشر فرقاً منها، أذكرها سرداً، ثم نتدارس الفروق الثلاثة الباقية. أولها: -كما تقدم معنا إخوتي الكرام-: أن شرع ربنا مستمد من خالقنا، مستمد منه سبحانه وتعالى، وبينت ما في هذا من فائدة ومعنىً معتبر، فشرع الله مستمد من خالقنا، من ربنا، من سيدنا ومالكنا.الأمر الثاني: أن شرع الله صاحبه علم تام، كيف لا والله بكل شيء عليم سبحانه وتعالى.الأمر الثالث: أن صاحبه حكمة تامة وهي وضع كل شيء في موضعه، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، وقد أحسن خلقه وشرعه، فما ترى في خلقه من تفاوت، كما أنك لا ترى في شرعه من تناقض وتضارب.الأمر الرابع: فيه هدى ونور، وإرشاد العباد إلى أقوم الأمور.الأمر الخامس: فيه خير وبركة، وتقدم معنا أن هذه الخيرية وهذه البركة هي أعظم ما منَّ الله به علينا من الخيرات، فنعمة الله علينا بنعمة الهداية والإرشاد أعظم علينا من نعمة الخلق والإيجاد.الفرق السادس: أن هذا الشرع صاحبه رحمة واسعة، فهو شرع الخالق إلى عباده، إلى مخلوقاته.الأمر السابع: أنه لا تناقض فيه ولا تضارب، وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82]، والتشريعات الوضيعة الوضعية متناقضة متضاربة فاسدة.الفرق الثامن: أنه أحسن الحديث، وهو من الله القوي العزيز سبحانه وتعالى.الفرق التاسع: أن شرع الله فيه حياة أرواحنا، وهو روح هذا العالم وروح الوجود.الفرق العاشر: أنه هو المهيمن الرقيب الشاهد المتطلع على ما سواه، يقر ما في سواه من حق ويبطل ما فيه من باطل.الفرق الحادي عشر: أنه محترم مقدس.الفرق الثاني عشر: أنه مصون من التغيير والعبث.وهذه الفروق: مر الكلام عليها، ووصلنا إلى الفرق الثالث عشر من الفروق بين شرع الخالق والمخلوق.
 

اتساع نصوص الشرع لما يجد من حوادث ووقائع إلى قيام الساعة
الفرق الثالث عشر: شرع الله جل وعلا تتسع نصوصه لما جد، ولما سيجد إلى قيام الساعة، فهي نصوص محددة لكنها تحتمل معاني كثيرة لما يقع من حوادث، فنلحق النظير بالنظير حسب ما وُجد من نصوص بعد ذلك عامة من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، تشمل الوقائع.. الواقعة في مستقبل الزمن إلى قيام الساعة.وقد تقدم معنا إخوتي الكرام! في تعريف الفقه أنه: العلم بالأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد من أدلتها التفصيلية.إذاً: عندنا أدلة تفصيلية، قواعد تستنبط منها تلك الأحكام الشريعة لكل واقعة تقع في هذه الحياة إلى لقاء رب الأرض والسموات.وعليه فالأمر كما قال أئمتنا: إن الثروة الفقهية هي من أعظم معجزات نبينا عليه الصلاة والسلام خير البرية، فهي معجزة عظيمة تفوق سائر المعجزات، وهي أن هذا التشريع صالح لكل زمان ومكان، ويتسع لجميع الحوادث التي تقع في مستقبل الزمان، هذه المعجزة هي أعظم وأبلغ من المعجزات التي فيها إخبار بغيب، ووقع كما أخبر ربنا ونبينا عليه الصلاة والسلام، وهي أعظم أيضاً من المعجزات التي حصلت لنبينا عليه الصلاة والسلام عن طريق الفتوحات والانتصارات التي أيده الله بها، هذه حقيقة المعجزة: كلام وجيه بليغ يشمل لكل حادثة تقع إلى قيام الساعة، بحيث أي حادثة تقع وتجد يمكن أن تدرجها ضمن نص شرعي من كتاب الله وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام. حقيقة هذه ثروة عظيمة، كما قال شيخ الإسلام الشيخ مصطفى صبري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا في كتابه: موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين، في الجزء الرابع صفحة ست وتسعين ومائتين، قال: إنها ثروة عظيمة لا تفنى جِدَتُها، ولا تبلى جِدَّتُها، هي غنية لا تفنى كنوزها، والنضرة والبهجة والحيوية فيها لا تبلى، كأن النص الذي نزل على نبينا عليه الصلاة والسلام من خمسة عشر قرناً، كأنه نزل في هذه الأيام ويخاطبنا في هذا الزمان. وكما قلت: إنها من أعظم معجزات نبينا، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.
 

مما يبين اتساع النصوص الشرعية لما يجد القياس
ولإيضاح هذا الأمر -إخوتي الكرام- وهو أن هذه النصوص الشرعية محددة، لكنها تشمل وقائع لا حصر لها، نص يشمل ما شئت من وقائع تجد، هذا من الذي كشف عنه؟ ساداتنا وأئمتنا الفقهاء رضوان الله عليهم أجمعين، لإيضاح هذا الأمر استمعوا إلى مثالين اثنين ولا أريد أن أطيل، وكما قلت سابقاً إخوتي الكرام: كل قضية من هذه القضايا، وكل فرق من هذه الفروق يمكن أن يُشرح في مواعظ إذا أردنا أن نسترسل فيه، لكن كما قلت: أوجز قدر الإمكان من أجل أن ندخل في مباحث علم الفقه، فلذلك سأقتصر على مثالين اثنين:المثال الأول: ثبت في مسند الإمام أحمد، وموطأ الإمام مالك، والحديث في السنن الأربعة، وسنن الدارمي، ورواه الإمام ابن حبان في صحيحه، وهكذا ابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في مستدركه، كما رواه الإمام الدارقطني في السنن، والبيهقي في السنن الكبرى، ورواه البغوي في شرح السنة، والحديث في أعلى درجات الصحة، قال عنه الإمام الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقد صححه الإمام البخاري كما نقل ذلك عنه أئمة الحديث ومنهم الإمام الترمذي، وصححه الحاكم وابن خزيمة وابن حبان، وأقر الذهبي تصحيح الحاكم عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه، ولفظ الحديث: عن كبشة بنت كعب بن مالك رضي الله عنها وأرضاها، وكانت تحت ولد سيدنا أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنهم أجمعين: ( أنه دخل عليها سيدنا أبو قتادة رضي الله عنه وأرضاه، فسكبت له وَضوءه -بفتح الواو، وهو الماء الذي يتوضأ ويتطهر به- فجاءت هرة فأصغى لها الإناء لتشرب، فنظرت زوجة الابن مستغربة كيف يصغي أبو قتادة الإناء لهذه الهرة وسيتوضأ بعد ذلك من هذا الماء! فقال: يا بنية! -يعني لعلك تتعجبين- قالت: نعم، قال سيدنا أبو قتادة رضي الله عنه وأرضاه: فعلت مثل ما فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام، وسمعته يقول: إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات)، ليست بنجس، هذه سؤرها طاهر، فلا إشكال لو شربت من هذا الماء. وهذا الحديث -إخوتي الكرام- ماذا استنبط منه أئمتنا؟ سأشير -كما قلت- بعد أن أسرد الآن رواية الحديث على سبيل الإيجاز أيضاً، هذا الحديث أيضاً رُوي بسند صحيح عن أمنا الصديقة المباركة سيدتنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها في سنن أبي داود، وسنن ابن ماجة، والحديث رواه الإمام ابن خزيمة في صحيحه، والحاكم في مستدركه، والإمام الدارقطني في السنن، والبيهقي في السنن الكبرى، ورواه الإمام الطبراني في معجمه الأوسط، والطحاوي في شرح معاني الآثار، ورواه الإمام أبو نعيم في الحلية، وكما قلت: إن الحديث صحيح، وفيه: ( أنه أُهدي إلى أمنا الصديقة المباركة سيدتنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها هريسة، فجاءت هرة فأكلت منها، فأكلت أمنا عائشة رضي الله عنها من هذه الهريسة، فقيل: يا أم المؤمنين! أكلت منها هرة، فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات، ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بفضل الهرة ) يعني: تأتي هرة تشرب، ثم ما يبقى يأتي ويتوضأ منه عليه صلوات الله وسلامه. وهذا الحديث -إخوتي الكرام- رُوي عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه في معجم الطبراني الصغير، انظروا معجمه في الجزء الأول صفحة تسع وسبعين وثلاثمائة، وانظروا كلام الإمام الهيثمي على هذا الحديث في المجمع في الجزء الأول صفحة ست عشرة ومائتين، ورُوي عن سيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين، رواه عنه الإمام ابن شاهين في كتابه الناسخ والمنسوخ صفحة اثنتين وأربعين ومائة، وانظروا الكلام على هذه الأحاديث تصحيحاً وتقوية في أحسن كتاب في التخريج كما قلت مراراً، وهو نصب الراية للإمام الزيلعي رضوان الله عليه في الجزء الأول صفحة ثلاث وثلاثين ومائة إلى صفحة سبع وثلاثين ومائة، وقد أخذ أربع صفحات في الكلام على هذا الحديث تخريجاً، من ثلاث وثلاثين ومائة إلى سبع وثلاثين ومائة، وانظروا مختصره الدراية للإمام ابن حجر في الجزء الأول صفحة ستين إلى صفحة اثنتين وستين، وانظروا التلخيص الحبير له أيضاً في الجزء الأول صفحة ثلاث وخمسين إلى صفحة خمس وخمسين.هذا حديث يتكلم عن شيء محدد وهو عن سؤر الهرة، استمع لكلام أئمتنا وماذا استنبطوا من هذا الحديث حكماً لآسار متعددة متنوعة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر علة في كلامه البليغ الوجيز المحكم، وقد أُوتي جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصاراً عليه صلوات الله وسلامه، فأينما توجد هذه العلة نرتب هذا الحكم الذي رتبه نبينا عليه الصلاة والسلام، هذا من الذي يكشف عنه؟ فقهاؤنا رضي الله عنهم أجمعين. سأنقل من أقوال الفقهاء الأربعة من ساداتنا الحنفية، ولكن هذا الحكم مقرر عند المذاهب الأربعة، لا خلاف بينهم فيه، يقول الإمام ابن عابدين عليه رحمات رب العالمين في رد المحتار على الدر المختار في الجزء الأول صفحة أربع وعشرين ومائتين، وهكذا في كتاب الاختيار لتعليل المختار في فقه السادة الحنفية أيضاً في الجزء الأول صفحة تسع عشرة، وهو يتكلم على سؤر الهرة، وأنه طاهر، لو شربت من الإناء لا يتنجس، يقول الحنفية وسائر المذاهب كذلك: (سقط حكم النجاسة اتفاقاً) لِمَ؟ قال: (لعلة الطواف المنصوصة) أي بالحديث: (إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات)، قال: (لأنها تدخل المضايق -يعني من الأماكن الضيقة، من نافذة من كُوة من جحر ونحوه، تدخل إلى بيتك من غير اختيارك، تتسلق من السطح-؛ لأنها تدخل المضايق، ولازمه شدة المخالطة)، يلزم إذا كانت تدخل بغير اختيارك أنها ستخالطنا مخالطة شديدة بغير اختيارنا، (بحيث يتعذر صون الأواني عنها). انتهى ما يتعلق بالهرة. ثم بعد ذلك يسحب الحكم على آسار كثيرة، لوجود هذه العلة فيها وهي الطواف، قال: (وفي ومعناها سواكن البيوت للعلة المذكورة، من فأرة وغيرها)، كل ما يشق بعد ذلك الاحتراز منه، ويخالطنا من غير اختيارنا، فله هذا الحكم.هذا من الذي كشف عنه؟ أئمتنا الفقهاء، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام ما نص على سؤر الفأرة، وما يشبهها من سواكن البيوت، ذكر فقط الهرة، وعليه فلو شربت الفأرة، والجرذان الذي يكون في البيوت، فهذا لا ينجس الماء؛ وذلك لمشقة الاحتراز، فهي ليست بنجس، وسؤرها طاهر، مع أن اللحم لا يؤكل واللحم نجس، ولكن من الطوافين عليكم والطوافات.
 ضرورة الأخذ بفهم الأئمة واستنباطهم للأحكام
يا إخوتي الكرام! هل رأيتم أحداً يراجع طبيباً في مستشفى من المستشفيات ويعترض عليه؟ يعني عندما يعطيه الوصفة ويقول له: تشرب واحدة وواحدة وواحدة، أو ثنتين وواحدة وثنتين، لو قال: لو جمعت الخمسة وشربتها مرة واحدة، هل يصلح هذا؟! هل يعترض أحد؟! ولو جاء أحيانا ليسأل الطبيب وكان الطبيب عنده حماقة ونزق فيقول: لا تتفلسف علينا، خذ الدواء وانصرف، أليس كذلك؟ يعني الطبيب الذي يعمل في معالجة داء، وقد يخطئ في تشخيص الداء، وقد يخطئ في وصف الدواء، ومع ذلك تستجيب له، وتستجيب له أحياناً ليفتح بطنك، وكم من بطن يُفتح ولا يحتاج إلى فتح، وكم أحياناً من طحال يستأصل وليست العلة فيه، ويكونون قد وهموا، هذا وقع بكثرة، وأنا على علم بذلك في حوادث لا تحصى، ومع ذلك سلم نفسه للطبيب ليشق بطنه، وينزع الطحال، ثم الأعراض هي هي، وقالوا: تبين أننا أخطأنا في هذا الأمر، وكان ما ينبغي أن نستأصل الطحال، لكن استؤصل.يا إخوتي الكرام! هذا كما قلت: نفعله نحن مع طبيب نسلم بدننا إليه، بعد ذلك الطبيب شهد له أئمتنا بحسن الاستنباط والفهم بشهادة كبار المحدثين، أنتم الأطباء ونحن الصيادلة، وتقدم معنا أن هذا القول مأثور عن عدد من الأئمة، منهم الإمام الشافعي وغيره، فهذا الطبيب سننازعه؛ لأن دين الله ما بقي له قيمة في قلوبنا، والوازع الديني ضعُف، ولذلك ننازع الطبيب الشرعي، ولا ننازع الطبيب البدني، عظمنا الدنيا فاحترمنا أهلها، ولما امتهنا الدين عارضنا أهله، معارضة أبي حنيفة سهلة، وترى طبيباً نصرانياً هندوسياً ومجوسياً لا يعارضه ويستسلم له، لمَ هذا؟ كل صعلوك سيجعل نفسه هو المتخصص في الطب، وسيعترض على أبي حنيفة والشافعي وأحمد ومالك، وعندما تذكر له واحداً من هؤلاء، يقول: بلى، هم رجال ونحن رجال. طيب يا عبد الله! لم لا تلغي المستشفيات؟ ها هم الأطباء رجال وأنت رجل، لمَ تذهب مثل الصعلوك، وتلتزم بما يرشد ويقول هذا الطبيب، ولما تأتي للفقهاء تقول: هم رجال ونحن رجال! لأنه كما قلت: ما بقي في قلوبنا تعظيم لذي العزة والجلال، صرنا نتلاعب على حسب أهوائنا في هذه الأيام.وهذا إخوتي الكرام! لابد من وعيه، ولا يجوز أن نلبس على الناس باسم كتاب وسنة؛ لنقود الناس إلى أهوائنا وآرائنا، وقد ذكرت لكم -إخوتي الكرام- في موعظة الجمعة كم هو التخبيط الذي يخبط به الناس في هذه الأيام ممن يَّدعون اتباع الكتاب والسنة، ولا يريد المذاهب الأربعة، ويقول: كان حنفياً ثم اهتدى، ثم يفتي بعد ذلك! بأي شيء؟! والله يا إخوتي الكرام! فتوى لا تقبلها نساء البادية، دع طلبة العلم، دع الفقهاء، نساء البادية لا تقبلها.يفتي بأن المرأة إذا طلقت طلقتين وانتهت عدتها، ثم تزوجها زوجها بعقد جديد، وترتيب جديد، تعود إليه وله عليها ثلاث طلقات، من قال بهذا؟! هذا كما قلت: تستنكره نساء البادية، هذا يقوله مجتهد هذا الزمان، الذي يدعو إلى الكتاب والسنة، دعونا من المذاهب الأربعة، يقول: كنت حنفياً ثم اهتديت، ثم يقول هذا التخريف، وقلت لكم أنه بناء على هذه الفتيا: أعيد بعض النساء إلى أزواجهن، طلقها طلقتين وانتهت العدة، ثم تزوجها، وبعد الزواج على حسب فتيا الشيخ ذهب الطلاقان، فطلقها بعد أن عاد طلاقاً آخر، ثم راجعها، ثم طلقها طلاقاً آخر ثم راجعها، كم طلقة الآن؟ أربع طلقات ولا زالت في عصمته! هذا واقع، هذا هو التخبط والفتن التي نعيشها في هذا الزمن، ولو نظر في أي مختصر من مختصرات الفقه لاهتدى وهُدي إلى صراط الله المستقيم، لكن يقول: نريد كتاباً وسنة، على حسب فهم من؟! يا عبد الله! لا خلاف في هذا، وكما سيأتينا في فقه أئمتنا أنه ما منهم أحد إلا ومصادر الأحكام واستنباط الأحكام عنده: كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وإجماع وقياس باتفاق أئمتنا، فبعد ذلك تقول: كتاب وسنة! يعني هل جهل أئمتنا بالكتاب والسنة، وأعرضوا عن الكتاب والسنة عندما استنبطوا الأحكام؟! إنهم وضعوا النصوص في مواضعها، وجئنا نحن نريد أن نتلاعب بها.إذاً: هذا هو الفرق الثالث عشر: أن نصوص الشرع المطهرة تتسع لما جد ولما سيجد إلى قيام الساعة.نسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يرزقنا علماً نافعاً، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - شريعة ربانية وقوانين وضعية [4] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net