اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - شريعة ربانية وقوانين وضعية [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مقدمة في الفقه - شريعة ربانية وقوانين وضعية [2] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
من الأمور التي تميز شرع الخالق سبحانه على شرع المخلوق: أن شرع الله تعالى فيه الهدى والنور في الدنيا والآخرة، والأخذ به فيه الخير والبركة وحصول النعم المتزايدة، كما أن شرع الله ودينه هو أعظم نعمة ورحمة امتن الله بها على عباده، وهو أحسن الحديث وأبلغ الكلام وأفصحه، الذي لا تناقض فيه ولا تضارب ولا تضاد بأي وجه من الوجوه.
تابع الفروق بين شرع الخالق والمخلوق
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الصادقين المفلحين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين. اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين. سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: إخوتي الكرام! انتهينا من مدارسة منزلة علم الفقه في شريعة الله المطهرة، وشرعنا في مدارسة مبحث عظيم، سوف نختم به الكلام على منزلة علم الفقه في شريعتنا المطهرة، هذا المبحث -إخوتي الكرام- هو استعراض الفروق بين شرع الخالق وشرع المخلوق، والأمر في منتهى الظهور والوضوح، ومن أراد أن يتلمس الفروق بين شرع الخالق وشرع المخلوق، كمن أراد أن يبحث عن الفروق بين الطاهر والنجس، وبين المعدوم والموجود، وبين الحق والباطل، وبين النور والظلام، فالأمر في منتهى الوضوح.ولذلك -إخوتي الكرام- ما أذكره هو من باب المزايا التي في شريعة ربنا جل وعلا، وتحتم علينا أن نلتزم بذلك، ومن أعرض عن ذلك فقد سفه نفسه وكفر بالله جل وعلا.وقد ذكرنا ثلاثة فروق:أولها: أن شرع الله جل وعلا مستمد من خالقنا، من ربنا، من سيدنا، من مالكنا، وقلت: هذا وضع الأمر في موضعه، ووضع الشيء في نصابه، أن يأخذ المخلوق بشرع خالقه، وألا يعبد بعضهم بعضاً من دون الله جل وعلا.الأمر الثاني: قلت: أن شرع الله جل وعلا صاحبه علم كامل، كيف لا وهو شرع مَن هو بكل شيء عليم.والأمر الثالث: صاحبه أيضاً حكمة تامة وضعت الأمور في مواضعها، فهو تنزيل من حكيم حميد.هذه الأمور الثلاثة مر الكلام عليها، ووقفنا عند الفرق الرابع من الفروق التي سنتدارسها، وهي خمسة عشر فرقاً.
 شرع الله تعالى هو أحسن الحديث وأفصح الكلام وأبلغه
الفرق الثامن من الفروق المعتبرة: أن شرع الله جل وعلا هو أحسن حديث، وأحسن كلام، وأبلغ ما يقال، أفصح الكلام هو شرع ربنا الرحمن سبحانه وتعالى، وقد أشار الله جل وعلا إلى هذا في كثير من آيات كتابه، فقال جل وعلا في سورة المائدة: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:49-50]، الآية -إخوتي الكرام- تحتمل معنيين اثنين:المعنى الأول: كما تقدم معنا عند قوله تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2]، وهنا وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] خصهم لأنهم هم المنتفعون أيضاً، فحكمه لهؤلاء الموقنين المنتفعين هو أحسن الأحكام، وشريعته خير الشرائع، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] أي: للمؤمنين الموحدين المهتدين المتقين.وقيل: إن (اللام) هنا بمعنى (عند)، والتقدير: (ومن أحسن من الله حكما عند قوم يوقنون) فمَن الذي يقر بسلامة حكم الله وأحسنيته وسداده وصوابه؟ هم الموقنون، المتقون، المهتدون، العاقلون، أما الجاحدون المكابرون فقد أعرضوا عن الانتفاع بشرع الحي القيوم، وبعد ذلك تكلموا بالباطل ووصفوه بما وصفوه به؛ من سحر، وكهانة، وشعر، وأساطير الأولين اكتتبها، ولكن وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] أي: عند الموقنين، يرون أن هذا الحكم هو أحسن أحكام المكلفين، وهو أحسن أحكامه للمكلفين، فهو أحسن الأحكام للناس، وهو أحسن الأحكام عند الأكياس، وعليه من طعن فيه فهو ممن غضب الله عليه، وممن لا إيقان في قلبه، وليس هو من عِداد العقلاء، وواقع الأمر كذلك.وهو أحسن الحديث، وقد أشار الله إلى هذا المعنى في سورة الزمر، فقال جل وعلا: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:23].قوله: (متشابهاً) أي: متماثلاً في الفصاحة، والبلاغة، والإعجاز، ومتشابهاً في الأهداف الشريفة الحميدة، التي تتضمن الغايات النبيلة الجليلة، متشابهاً متماثلاً.وهنا المراد من التشابه: التشابه اللغوي، وهو: التشابه العام في القرآن، وتقدم معنا أنه أيضاً محكم كله: الْرَّ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ [هود:1] كما تقدم معنا في أول سورة نبي الله هود على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، وهكذا قول الله تعالى: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [يونس:1] فهو كله محكم وكله متشابه.والمتشابه هنا: هو الإحكام، وعليه فهو متشابه في إحكامه، ومحكم في تشابهه، وهذان الوصفان لا يتقابلان إنما يجتمعان، ويتفقان، ويتآخيان، لكن إن أردت الانتظام في آيات القرآن فتقول: إنه محكم، وإن أردت التساوي تساوي الآيات في هذا الانتظام فتقول: إنه متشابه، متشابه في إحكامه، ومحكم في تشابهه، وهنا -كما قلت- لا يتقابل الإحكام مع التشابه بل يجتمعان ويتآخيان.متى يتقابلان؟ فيما أشار إليه ربنا الرحمن في سورة آل عمران، عندما قسم القرآن إلى قسمين: بعضه محكم، وبعضه متشابه، فهناك يتقابلان: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ [آل عمران:7].وقد تقدم معنا: أنه يصح الوقف على لفظ الجلالة والوصل، وتخريج كل من الأمرين.هنا يتقابل الإحكام والتشابه، فيراد من الإحكام: الإحكام الخاص، ويراد من التشابه: التشابه الخاص، فيتقابلان ويختلفان اختلاف تنوع أيضاً وليس اختلاف تضاد، فيصير كل واحد له معنى خاص.فالمراد من المحكم: ما عُرف المراد منه، وأمكن للعباد أن يقفوا عليه وعلى حقيقته، هذا الإحكام الخاص، والمراد من المتشابه: التشابه الخاص، وهو ما استأثر الله بعلمه ولا يمكن للعباد أن يقفوا على حقيقته. ومنه ما تقدم معنا من لفظ الروح مثلاً، فحقيقتها استأثر الله بعلمها, تفسيرها نعلمه نحن، تفسير الله يُعلم، لكن الحقيقة لا تُعلم، وهكذا صفات ربنا جل وعلا حقائقها لا تُعلم، أما معانيها في اللغة فإنها تُعلم, وكذلك ما يكون في الآخرة من نعيم وعذاب أليم، أصل المعنى معروف، والحقائق لا يعلمها إلا الله جل وعلا. وعليه فقوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] هذا محكم في غاية الإحكام، لا يحتمل إلا ما عرف العباد منه، وقول الله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] محكم في غاية الإحكام والوضوح، وأنه لا يوجد شيء يشبه الله لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.وعندما يأتي قوله جل وعلا: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75] فنقول: أصل المعنى معلوم، واليدان معروفتان، تليقان بذي الجلال والإكرام، أما حقيقتهما فنردها إلى قول الله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]، وعليه فينبغي أن يُفهم المتشابه التشابه الخاص، على ضوء المحكم الإحكام الخاص، فذاك هو أصل كما جعله ربنا كذلك: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران:7].فقول الله جل وعلا: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] ، وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:62]، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19]، هذا محكم عرف العباد منه معناه، والأمر في منتهى الوضوح. ففي كتاب الله آيات تدل على أنه سبحانه وتعالى إله فرد صمد، لا نظير له ولا مثيل، وعندما تأتي بعد ذلك بعض النصوص التي فيها ما لا يمكن أن نقف على حقيقته، فنردها إلى النصوص الأولى المحكمة. المعنى الثاني من المحكم الإحكام الخاص والمتشابه التشابه الخاص: أن المحكم ما احتمل معنى واحداً، والمتشابه ما احتمل أكثر من معنى، فينبغي أن نفهم المعنى فيه على ضوء المحكم، مثلاً: قول الله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] ، وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:62]، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19] هذا محكم، وقول الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] احتمل أكثر من معنى، احتمل الواحد الذي يعظم نفسه، واحتمل الجمع، فنرد هذا إلى المحكم، وعليه فيكون المعنى: واحد عظم نفسه، افهم هذا على حسب ما جاء في هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران:7]، وهي النصوص المحكمة التي لا تحتمل إلا معنى واحداً قطعياً.المعنى الثالث: أن المحكم ما عُرف المراد منه بنفسه، والمتشابه ما عُرف المراد منه بغيره، ما احتاج إلى غيره ليظهر المراد منه. وعليه فالتشابه هنا تشابه خاص. الشاهد إخوتي الكرام: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا [الزمر:23] المراد من التشابه هنا: التشابه العام الذي هو بمعنى الإحكام العام، (متشابهاً) أي: متماثلاً في الفصاحة والبلاغة والإعجاز، كما هو متماثل متشابه في الأهداف الشريفة والغايات الحميدة.نسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم.والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - شريعة ربانية وقوانين وضعية [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net