اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - شريعة ربانية وقوانين وضعية [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مقدمة في الفقه - شريعة ربانية وقوانين وضعية [1] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
لا مقارنة أبداً بين شرع الله تعالى وشرع المخلوقين، فشرع الله تعالى مستمد منه سبحانه، وهو العليم الخبير بما يصلح عباده وما يكون به سعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة، كما أن شرع الله تعالى فيه الحكمة البالغة، فمشرعه هو الحكيم الخبير الذي يضع كل شيء في موضعه، وهذا هو عين الحكمة، وكل هذه الأمور يفتقدها شرع المخلوق القاصر الجاهل، فالفرق بين الشرعين كالفرق بين الخالق والمخلوق، وهذا يدركه من أنعم الله عليه بعقل سليم وقلب غير سقيم.
الفروق بين شرع الخالق وشرع المخلوق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.. أما بعد:فسنذكر بمشيئة الله تعالى الفروق بين شرع الخالق وشرع المخلوق، التي تحتم علينا أن نأخذ بشرع ربنا، وأن نترك بعد ذلك آراءنا وآراء غيرنا.إخوتي الكرام! هذه الفروق سأوجزها في خمسة عشر فرقاً، كل واحد منها يحتم علينا أن نأخذ بشرع الله، وأن نترك شرع غيره مهما كان، من إنسان أو شيطان، من شيطان إنسي أو شيطان جني، كل هذا ينبغي أن يُترك، وأن نقبل على شرع الله عز وجل.
 شرع الله تعالى فيه الحكمة الكاملة بعكس شرع المخلوق
الأمر الثالث من الفروق بين شرع الخالق والمخلوق: أن شرع الله جل وعلا مستمد منه، وصاحبه علم تام، وحكمة كاملة، فالعلم لا بد له من حكمة، فإن العلم بدون حكمة يضع الشيء في غير موضعه، فلابد من علم مع حكمة.والحكمة -إخوتي الكرام- هي باختصار: الإتقان، وكون الشيء في منتهى الانتظام، وهي التي يعبر عنها أئمتنا الكرام بقولهم: وضع الشيء المناسب، في الزمن المناسب، في المكان المناسب.قال الإمام ابن القيم في مدارج السالكين عليه وعلى أئمتنا رحمة رب العالمين، في الجزء الثاني صفحة تسع وسبعين وأربعمائة في ضبط الحكمة وبيانها، قال: فعل ما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، على الوجه الذي ينبغي. وهذا هو وضع الشيء في موضعه. وأنت إذا فعلت شيئاً لكن في غير وقته، فقد وضعت الأمر في غير موضعه، فلا بد من وضع الشيء في موضعه.وكما قال أئمتنا: لكل مقام مقال، والبلاغة: مطابقة الكلام لمقتضى الحال، هذا لا بد من وعيه. وقال أيضاً في ضبط الحكمة: أن تعطي كل شيء حقه، بحيث لا تعديه حده -لا تزيد على حده- ولا تعجله عن وقته، ولا تؤخره عنه.إذاً: شرع ربنا مستمد منه، عن علم مطلق، هذا العلم وُضع كما قلت في موضعه المناسب له، وهذه هي الحكمة، ولذلك الحكيم كما قال الإمام الرازي في لوامع البينات في شرح أسماء الله والصفات، قال: الحكيم هو الذي ليس في قوله ريب، ولا في فعله عيب. ليس في قوله ريب: شك وتهمة وخلل وفساد، كما قال تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:2]، ولا في فعله عيب، مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ [الملك:3]، فالله تعالى ليس في قوله ريب، ولا في فعله عيب، سبحانه وتعالى، فشرع الله محكم متقن، يقول ربنا المعبود في أول سورة نبيه هود، على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ [هود:1-2]، أحكمت آياته، ثم فصلت من لدن حكيم خبير.وقال جل وعلا في أول سورة العبد الصالح لقمان، عليه وعلى سائر الصديقين الرحمة والرضوان: الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ [لقمان:1-3] (تلك آيات الكتاب الحكيم) لا إله إلا الله!والآيات -إخوتي الكرام- في ذلك كثيرة، أختمها بهذه الآية وبها أختم الموعظة، ونتدارس الصفة الرابعة وما بعدها في الموعظة الآتية إن شاء الله، يقول الله جل وعلا في سورة فصلت: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ * مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ [فصلت:41-43]، ما يقال لك إلا هذه المقولة، وما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من أقوال وجهالات وضلالات جَهِلَ بها الأقوام على رسلهم الكرام، على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام، وأنت سيقال لك من أمتك ما قيل للرسل من أقوامهم، وأنت يقال لك أيضاً: إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ [فصلت:43]، كما قيل لهم هذه المقولة.الفرق الرابع: أن شرع الله كما هو مستمد منه وصاحبه علم تام وحكمة تامة، فيه هدى ونور، وسيأتينا بيان هذا إن شاء الله في الموعظة الآتية بعون الله وتوفيقه.وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً.اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن أوقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر لجيرانه من المسلمين، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً.والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - شريعة ربانية وقوانين وضعية [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net