اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - لم يتبدل موضوع الفقه للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مقدمة في الفقه - لم يتبدل موضوع الفقه - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
علم الفقه هو ذلك العلم الذي يهتم ببيان الأحكام العملية المتعلقة بالمكلفين المستنبطة من أدلتها التفصيلية، فهو يتعلق ويعنى بالعبادات والمعاملات والحدود والعقوبات، هذا هو موضوعه عند السلف الصالح وعند المتأخرين، وقد أخطأ من قال بأن علم الفقه كان يُطلق قديماً على ما يبحث في طريق الآخرة ودقائق آفات النفوس، وفي مفسدات الأعمال.. ونحو ذلك فقط، وإن كان يجب على الفقيه ألا يهمل هذه الأمور في معرض كلامه في الفقه وتدريسه.
علم الفقه بين إطلاق المتقدمين والمتأخرين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الصادقين المفلحين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: إخوتي الكرام! لا زلنا مستمرين في دروس الفقه، وقلت إخوتي الكرام: قبل أن نشرع في مدارسة موضوعات الفقه سنتدارس مقدمة لهذا العلم الشريف، تدور على أمرين اثنين كما ذكرت في بدء مواعظ علم الفقه:أولها: في منزلة علم الفقه، وقد مر الكلام على ذلك في تعريفه، وفي الأدلة التي تبين منزلته ورتبته ومكانته، وختمت هذا المبحث بأربعة أحاديث عن نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، تدل على منزلة التفقه في الدين، وختمت الأحاديث أيضاً بترجمة لسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فقيه هذه الأمة المباركة، وهو فقيه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين. قبل أن ننتقل إلى الأمر الثاني في مدارسة ترجمة لأئمتنا وساداتنا فقهاء هذه الأمة المباركة المرحومة، سيدنا أبي حنيفة ومالك وسيدنا الإمام الشافعي وأحمد رضوان الله عليهم أجمعين، قبل هذا -إخوتي الكرام كما قلت- عندنا أمر لا بد من مدارسته عند مدارسة منزلة الفقه، ألا وهو: الفروق بين شرع الخالق والمخلوق، وقبل أن نتدارس هذا عندنا أمر يتعلق بما تقدم لا بد من مدارسته، وعليه سنتدارس في هذه الموعظة أمرين، أمر من باب التنبيه على ما تقدم، ثم أشرع بعد ذلك في بيان الفروق بين شرع الخالق جل وعلا وشرع المخلوق.أما الأمر الأول إخوتي الكرام: فقد تقدم معنا في تعريف علم الفقه، أنه العلم بالأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد من أدلتها التفصيلية، وبينت إخوتي الكرام فيما مضى أن علوم الشرع المطهر تدور على خمسة أمور:أولها: العقائد، وثانيها: الأخلاق والآداب، وثالثها: العبادات، ورابعها: المعاملات، وخامسها: الحدود والعقوبات. وقلت: الأمور الثلاثة الأخيرة تكفل ببيانها علم الفقه، فهو يشمل أمور العبادات والمعاملات وأمور الحدود والعقوبات، وقلت: يشمل جميع مناحي الحياة، بقي بعد ذلك موضوع الوعظ والتذكير في كتب الرقاق والمواعظ، ومباحث التوحيد تؤخذ من كتب علم التوحيد.
 ضرورة المزج بين علم الفقه وبين علم القلوب والرقائق وسير الصالحين
علم الفقه حقيقة ما بُدل -كما قلت- موضوعه، والذي كان يشمله هذا العلم في عهد سلفنا هو الذي يدل عليه في حياتنا، لكن لا بد من أن يصحب هذا العلم خشية من العليم سبحانه وتعالى. ولذلك كان الإمام ابن الجوزي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، يُوصي بمزج علم الفقه بترقيق القلب، بما يرقق القلب، وبشيء من ذكر الله جل وعلا، ومن فضل المجاهدة، ومن ومن، هذا لا بد من ذكره ضمن مباحث علم الفقه، وسيأتينا إن شاء الله هذا عند دراستنا لمباحث الفقه بعون الله ربنا وتوفيقه.والإمام ابن الجوزي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا يخبر عن نفسه في صيد الخاطر، صفحة واحد وأربعين ومائة، يقول: مع ما للذكر من لذة، ومع ما للمجاهدة من أثر على النفس، ولها شأن مع ذلك، يقول: فالعلم أفضل وأقوى حجة، أما أنه ينصرف إلى مجرد أذكار وأوراد وعبادات يقوم بها دون أن يتعلم فلا.فالعلم أفضل وأقوى حجة، ويقول في كتابه لفتة الكَبَد صفحة خمس وأربعين: الفقه أصل العلوم، والتذكير حلواؤها وأعمها نفعاً، وذكر في صفحة سبع وتسعين ومائة من كتابه صيد الخاطر، كلاماً موجزاً محكماً في حدود نصف صفحة، استمعوا إليه إخوتي الكرام:يقول: وجوب مزج الفقه والحديث بالرقائق وسير الصالحين. وإنما أقرأ هذا لأن عدداً من الإخوة الكرام أبدوا اعتراضات في عدد من المناسبات، قالوا: أحياناً تكون في مبحث حديث في مبحث فقه في مبحث تفسير، فإذا ذكرت إنساناً تذكر شيئاً من ترجمته وأحواله، وكذا، أقول: يا عبد الله! هذه مثل الحلوى مع الطعام لا بد منها، وإلا فإن الأمور سوف تبقى أموراً علمية، وكلها كما يقال: جد وجهد، فدعنا نأخذ -كما يقال- مرحلة في تنشيط نفوسنا، وشحذ عزائمنا، فإذا ترجمنا مثلاً للإمام مبارك جاء معنا، وذكرت بعض القصص الطريفة من أحواله، ماذا جرى، يعني أنت يضيق صدرك لمَ؟فاستمع لما يقول الإمام ابن الجوزي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، يقول: رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب، إلا أن يمزج بالرقائق والنظر في سير السلف الصالحين، فأما مجرد العلم بالحلال فليس له كبير عمل في رقة القلب، وإنما ترق القلوب بذكر رقائق الحديث، وأخبار السلف الصالحين؛ لأنهم تناولوا مقصود النقل -يعني العلوم المنقولة- وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها والمراد بها، وما أخبرتك بهذا إلا بعد معالجة وذوق، لأني وجدت جمهور المحدثين وطلاب الحديث همة أحدهم في الحديث العالي، وتفسير الأجزاء، وجمهور الفقهاء في علوم الجدل وما يُغلب به الخصم، وكيف يرق القلب مع هذه الأشياء؟!وقد كان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح للنظر إلى سمته وهديه، لا لاقتباس علمه، وذلك أن ثمرة علمه هديه وسمته، فافهم هذا، وامزج طلب الفقه والحديث بمطالعة سير السلف والزهاد في الدنيا، ليكون سبباً لرقة قلبك، وقد جمعت لكل واحد من مشاهير الأخيار كتاباً فيه أخباره وآدابه، فجمعت كتاباً في أخبار الحسن -يريد سيدنا الحسن البصري رضي الله عنه وأرضاه، الذي كان أفصح الناس في زمنه، بسبب ما در عليه ثدي أمنا أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها زوج نبينا على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، فقد كانت أحياناً تعطيه ثديها وهو صغير فقيل درَّ عليه شيء من اللبن بعد وفاة نبينا المكرم عليه صلوات الله وسلامه، فتلك الفصاحة والحكمة والبلاغة من أثر ذلك اللبن المبارك، واللبن للفحل، لسيد الفحول نبينا الرسول، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.يقول: فجمعت كتاباً في أخبار الحسن، وكتابا في أخبار سفيان الثوري رضي الله عنهم أجمعين، وإبراهيم بن أدهم وبشر الحافي وأحمد بن حنبل ومعروف الكرخي ، وغيرهم من العلماء والزهاد، والله الموفق للمقصود، ولا يصلح العمل مع قلة العلم -انتبه لهذا- ولا يصلح العمل مع قلة العلم، فهما في ضرب المثل كسائق وقائد، والنفس بينهما حرون، ومع جد السائق والقائد ينقطع المنزل -منازل السفر- ونعوذ بالله من الفتور.هذا كلام الإمام ابن الجوزي وأنا أقول أيضاً مع هذه الكتب التي صنفها في تراجم بعض الزهاد والعباد: له كتاب في أربع مجلدات، وهو صفوة الصفوة في أخبار صالحي هذه الأمة المباركة، بدأ بسيد الصالحين نبينا الأمين على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، ثم بالعشرة المبشرين بالجنة، ثم بزهاد الصحابة وعبادهم إلى الزهاد في زمنه، والعلماء العاملين رضوان الله عليهم أجمعين.هذا فيما يتعلق بالتنبيه الأول -إخوتي الكرام- وهو منزلة الفقه التي مرت معنا، فلا يعكر عليها كلام الإمام الغزالي ، وهو أن هذا الاسم وُضع في غير محله، وبدأ يطلق على علم الطهارة، وعلم الحيض، وعلم النفاس، وعلم الطلاق، وعلم الظهار، وعلم النكاح، فهذا لا بد منه، وإلا كيف سينكح الإنسان؟ وكيف سيطلق؟ كيف سيعيش؟ تريد أن يعيش الناس مع نسائهم وأزواجهم على حسب الحرام؟! وماذا تنفعه أوراده وعباداته إذا كانت ذريته نجسة، وصلته بزوجته محرمة؟! وكم من إنسان تراه عابداً زاهداً ورعاً، وزوجته بائنة منه من زمن وهو يعاشرها على طريق الحرام وهو لا يدري! هذا ما نفعته عبادته، فلا بد -إخوتي الكرام- من وعي هذا الأمر. نعم، يوصى طلبة علم الفقه بأن يسيروا على طريقة الفقهاء المتقدمين، وسيأتينا تراجم الفقهاء الأربعة، وكما قال سيدنا الإمام الشافعي: ما أحد أورع لخالقه من الفقهاء.ستأتينا عباداتهم، واجتهاداتهم في طاعة الله عز وجل، فهذا لا بد أن يوصي بعضنا بعضاً به، أما أن نقول: إن علم الفقه تبدل، وكان يطلق على موضوع الزهد، وأمور الرقائق، والتعلق بالآخرة، ووضعوه بعد ذلك على العبادات والمعاملات والحدود والعقوبات، فلا ثم لا، علم الفقه هذا هو مدلوله منذ أن أُشير إليه في كلام نبينا عليه الصلاة والسلام: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)، وأما أنه انحرف من انحرف فهذا الانحراف يكون حتى فيمن يتعلمون العلوم الأخرى، فقد يتعلم علم الزهد والرقائق، وتراه شيطاناً مريداً بعد ذلك، فهذا موضوع آخر.فينبغي أن نوصي أنفسنا، وأن يوصي بعضنا بعضاً عندما نتعلم علم الفقه: أن نعمل بهذا العلم، وبعد ذلك نتذكر أحوال نبينا عليه الصلاة والسلام في عبادته، وورعه، وجده، واجتهاده، وأحوال الصالحين لنقتدي بهم رضي الله عنهم وأرضاهم. نسأل الله تعالى أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - لم يتبدل موضوع الفقه للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net