اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - اللهم فقهه في الدين [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مقدمة في الفقه - اللهم فقهه في الدين [1] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
مما يبين منزلة العلم والفقه في الدين: دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمه عبد الله بن عباس بالفقه والعلم في غير ما مناسبة، ولو كان هناك شيء أفضل من الفقه والعلم لدعا له به النبي صلى الله عليه وسلم، وببركة هذا الدعاء العظيم أصبح ابن عباس فقيه الأمة وعالمها وحبرها، وأثر عنه من العلم والفقه والفتيا ما لم يؤثر عن غيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم.
الأحاديث الواردة في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس بالفقه والعلم ودلالتها على منزلة الفقه في الدين
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الصادقين المفلحين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين. اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين! سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: إخوتي الكرام! كنا نتدارس بعض الآثار الثابتة عن نبينا المختار، عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه، في فضل التفقه في دين العزيز القهار سبحانه وتعالى.وقلت إخوتي الكرام: سنتدارس أربعة آثار في ذلك مر الكلام على ثلاثة منها:أولها: حديث سيدنا معاوية ومن معه من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).والحديث الثاني: حديث سيدنا أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن سيدنا النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً)، وتقدم معنا أن الحديثين في الصحيحين وغيرهما من دواوين السنة. والحديث الثالث: من رواية سيدنا عبد الله بن عمر وسيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم أجمعين، وقلت: رُوي الحديث عن اثني عشر صحابياً، كما رُوي عن أربعة من التابعين مرفوعاً إلى نبينا الأمين، على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه: ( أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع )، ( فضل العلم أحب إلي -إلى نبينا عليه الصلاة والسلام- من فضل العبادة، وأفضل الدين الورع ).لقد مر الكلام على هذه الآثار الثلاثة، وسوف نشرع في الأثر الرابع -وهو آخرها- في منزلة التفقه في الدين، وبيان مكانة التفقه في دين الله عز وجل.
 الفرق بين الإمام الحافظ والإمام الفقيه المستنبط
يذكر الإمام ابن القيم في صفحة سبع وسبعين، في الوابل الصيب، كلاماً طيباً نفيساً حول هذه المسألة وما يتعلق بها، وهو يتكلم في الأصل على حديث سيدنا أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه الذي تقدم معنا، في أن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام، على حسب ظاهر الحديث، لكن استظهر الحافظ ابن حجر أنهم أربعة أقسام، وفي كل طائفة قسمان، كما وضحت هذا. والإمام ابن القيم يمشي على أنهم ثلاثة أقسام، وأن الطائفة الخبيثة الأخرى التي لم تقبل هدى الله، ولم ترفع رأساً بدين الله، وهي طائفة واحدة: مَن أعرضت عن دين الله، والطائفة الأولى طائفتان: منهم من حفظ وعَلِم وفقُه وعَلَّم، ومنهم من حفظ وعَلِم لكنه لم يتفقه في دين الله عز وجل بحيث يستفيد الناس منه، إنما هو مجرد ناقل، الناس يأخذون الروايات عنه دون أن يتفاعل معها، وأن يستخرج كنوزها، وهو الفقه والاستنباط.يقول: وهذا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حبر الأمة، وترجمان القرآن، مقدار ما سمع من النبي عليه الصلاة والسلام لم يبلغ نحو العشرين حديثاً، الذي يقول فيه: سمعت فقط، وقد ذكرنا أنه وصل الأربعين، وأما رأيت وفُعل بحضرته فقال الحافظ ابن حجر : أزيد من هذا، وسمع الكثير من الصحابة، وبورك له في فهمه والاستنباط منه، حتى ملأ الدنيا علماً وفقهاً.قال أبو محمد بن حزم : جُمعت فتاويه، أو جَمعت فتاويه. يعني هل الإمام ابن حزم له كتاب جمع فيه فتاوى ابن عباس، أو أنه يخبر أنه جُمعت فتاوى ابن عباس ؟ حقيقة ما عندي علم بذلك.قال أبو محمد بن حزم: وجَمعتُ فتاويه في سبعة أسفار كبار، جُمعت فتاويه في سبعة أسفار كبار. والعلم عند الله، لكن تقدم معنا أنه بعض أحفاده جمعها في عشرين مجلداً. قال الإمام ابن القيم: وهي بحسب ما بلغ جامعها. يعني: إن كان الجامع هو ابن حزم أو غيره، فنقول: هذا بحسب ما بلغ ابن حزم أو غيره، وما وصل إليه من علم وفتاوى سيدنا عبد الله بن عباس، وإلا فعلم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كالبحر، وفقهه واستنباطه وفهمه في القرآن بالموضع الذي فاق به الناس، وقد سمع كما سمعوا، وحفظ القرآن كما حفظوا، ولكن أرضه كانت من أطيب الأراضي، وأقبلها للزرع، فبذر فيها النصوص، فأنبتت من كل زوج كريم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.وأين تقع فتاوى سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وتفسيره واستنباطه، من فتاوى سيدنا أبي هريرة وتفسيره رضي الله عنهم أجمعين، وأبو هريرة رضي الله عنه أحفظ منه، بل هو حافظ الأمة على الإطلاق، يؤدي الحديث كما سمعه، ويدرسه بالليل درساً، فكانت همته مصروفة إلى الحفظ وتبليغ ما حفظه كما سمعه، وهمة سيدنا عبد الله بن عباس مصروفة إلى التفقه والاستنباط، وتفجير النصوص، وشق الأنهار منها، واستخراج كنوزها، وهكذا الناس بعده قسمان: يعني الطيبان النافعان: قسم حفاظ معتنون بالضبط والحفظ والأداء كما سمعوا، لا يستنبطون ولا يستخرجون كنوز ما حفظوه، وقسم معتنون بالاستنباط واستخراج الأحكام من النصوص والتفقه فيها.فالأول: حفاظ، كـأبي زرعة وأبي حاتم، وقبلهم كـبندار محمد بن بشار وعمرو الناقد وعبد الرزاق، وقبلهم كـمحمد بن جعفر غندر وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم من أهل الحفظ والإتقان والضبط لما سمعوه من غير أن يستنبطوا ويتفقهوا فيما حفظوه، والقسم الثاني هم الفقهاء الذين حفظوا وفقهوا واستنبطوا، وذلك مثل سيدنا أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين، فهو فقيه هذه الملة المباركة المرحومة، كـأبي حنيفة ومالك والشافعي والأوزاعي وإسحاق والإمام أحمد بن حنبل والبخاري وأبي داود ومحمد بن نصر المروزي، وأمثالهم ممن جمع الاستنباط والفقه إلى الرواية، فهاتان الطائفتان هما أسعد الخلق بما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين قبلوه ورفعوا به رأساً.وتقدم معنا -إخوتي الكرام- تقرير هذا سابقاً: أن الفقهاء أطباء، والمحدثين صيادلة، وذكرت بعض الوقائع التي وقعت للمحدثين فما استطاعوا أن يجيبوا فيها بكلمة، حتى أُحيلت إلى من يفجرون النصوص ويستنبطون منها، فأجابوا بالحكم الشرعي رضي الله عنهم وأرضاهم.فسيدنا أبو هريرة رضي الله عنه راوية الإسلام، حافظ الإسلام حقيقة، وسيدنا عبد الله بن عباس فقيه الإسلام، ترجمان القرآن، فدرجته أعلى من درجة سيدنا أبي هريرة قطعاً وجزماً رضي الله عنهم أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - اللهم فقهه في الدين [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net