اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - فضل العلم [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


مقدمة في الفقه - فضل العلم [1] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
للعلم منزلة عظيمة ومكانة رفيعة من دين الله تعالى، فهو من أفضل العبادات وأكثرها أجراً، وقد جاءت الآيات المحكمات في كتاب رب الأرض والسماوات، والأحاديث المتواترات عن نبينا خير البريات، والآثار الكثيرة عن سلفنا أصحاب العقول الزاكيات في بيان منزلة العلم وشأنه، وعظيم قدره ومكانته.
منزلة العلم من الدين
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الصادقين المفلحين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين! اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: إخوتي الكرام! سنتدارس -كما قلت- في كل أسبوع موعظتين في علم الفقه، في يوم الأحد ويوم الإثنين، نسأل الله أن يعيننا على ذلك، وأن يتقبل منا بفضله ورحمته.إخوتي الكرام! وهذه أول موعظة في هذا العلم المبارك، سأقدم لهذا العلم مقدمة تقوم على أمرين اثنين: الأمر الأول: في بيان منزلة علم الفقه في الدين في شريعة رب العالمين. والأمر الثاني: في تراجم أئمتنا المهتدين، ساداتنا أئمة المذاهب الأربعة المتبعة: سيدنا أبي حنيفة النعمان فقيه هذه الملة المباركة المرحومة، الذي توفي سنة خمسين بعد المائة، وسيدنا الإمام مالك رضي الله عنه وأرضاه، أبو عبد الله ، الذي توفي سنة تسع وسبعين ومائة، والثالث سيدنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، الذي توفي سنة أربع ومائتين، والإمام الرابع الإمام المبجل سيدنا أحمد بن حنبل، الذي توفي سنة إحدى وأربعين بعد المائتين، ويكنى بـأبي عبد الله أيضاً، عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه.أما الأمر الأول وهو: منزلة الفقه في الدين في شريعة رب العالمين، فسأقدم له مقدمة في بيان منزلة العلم، وإذا ظهرت لنا منزلة العلم فسنحدد منزلة علم الفقه من العلم.أما العلم فشأنه عظيم، ويكفى في بيان حقيقته ما قاله الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه: (يكفي في بيان شرف العلم أن كل أحد يحب أن ينسب إليه ولو في أمر حقير) يعني: العلم بأمر حقير، كما لو قلت: هذا يعرف ويعلم كيف يزرع الشجر، وكيف يبني بيت الدجاج، وكيف يرتب البيت، فإذا وصفته ونعته بالعلم حتى في أمر حقير تراه يفرح، فيكفي في شرف العلم أن كل أحد يحب أن يمدح وأن يوصف به ولو في أمر حقير، وكل أحد يحزن إذا رفع عنه هذا الوصف ولو في أمر حقير، فإذا قلت: هذا يجهل أمراً من الأمور الحقيرة، كأنه ينكسر خاطره، فكل أحد يحب أن ينسب إلى العلم، وكل أحد يكره أن ينسب إلى الجهل، وهذا يكفي في بيان شرف العلم، كما قال الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه.وقد جاءت الآيات المحكمات في كتاب رب الأرض والسموات، والأحاديث المتواترات عن نبينا خير البريات، عليه وعلى صحبه صلوات الله وسلامه، والآثار الكثيرات عن سلفنا أصحاب العقول الزاكيات، في بيان منزلة العلم وشأنه.
 الرجال هم طلاب العلم ورواده
إخوتي الكرام! لما تقدم من النصوص الحسان قرر أئمتنا الكرام أنه لا يطلب العلم إلا الرجل الشهم، والأمر كما قال سيد المسلمين في زمانه الإمام الزهري عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وأثره في الحلية، وفي كتاب الفقيه والمتفقه، وفي كتاب شرف أصحاب الحديث أيضاً للخطيب البغدادي، عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه، قال: (العلم ذكر، ولا يطلبه إلا ذكران الرجال) العلم ذكر لا يحبه إلا ذكران الرجال، ويكرهه مؤنثوهم. والمراد -إخوتي الكرام- من الذكران -كما وضحت هذا أيضاً ضمن محاضرات التفسير- أن لفظ الرجل والذكورة يطلق أحياناً على ما يقابل الأنوثة، ويطلق أحياناً على صفة الكمال في الإنسان، تقول: مررت برجل رجل أبوه، كما حكى ذلك سيبويه عن العرب، مررت برجل رجل أبوه، أبوه رجل قطعاً، إنما يقصد مررت برجل أبوه كامل الرجولة، فيه صفات الشهامة، والفتوة، والنخوة، والمروءة، وهنا العلم ذكر، أي: هذا العلم كريم لا يطلبه إلا من كان كريماً من الإناث والذكور، لكن بما أنه -كما قلت- صفة الرجولة صفة كمال، من اتصف بالكمال يقال: فيه صفة الرجولة، أي: الصفة التامة الكاملة الشهامة المروءة، فالمرأة الكاملة تطلب العلم، والرجل الكامل يطلب العلم، ومن انحرف عن العلم فقد انحرف عن الإنسانية كما سيأتينا، لما سئل سيدنا عبد الله بن المبارك رضي الله عنه وأرضاه: من الناس؟ قال: العلماء. فمن خرج عن هذا الوصف خرج عن الإنسانية.فالعلم ذكر، أي: العلم كريم، وله شأن عظيم عند رب العالمين، لا يطلبه إلا من كان كريماً، ومن كان فيه صفة دنيئة ذميمة فإنه لا يطلب العلم، من انحط عن الإنسانية لا يطلب العلم، هذا هو المقصود، وليس المقصود أن رجولته ناقصة بمعنى ذكوريته ناقصة، لا، فالعلم ذكر لا يطلبه إلا ذكران الرجال، لا يحبه إلا ذكران الرجال، لا يرغب فيه إلا ذكران الرجال، ويكرهه مؤنثوهم.ويقول العبد الصالح كما في شرف أصحاب الحديث صفحة واحد وخمسين، العباس بن محمد الخراساني: لا يطلب العلم إلا بازل ذكروليس يبغضه إلا المخانيث وكما قلت هنا: يريد من الذكورة أيضاً صفة الشهامة والمروءة والكمال والتمام في الإنسان. والبازل: هو السيد من الإبل الذي أكمل ثمان سنين أو تسع سنين، وليس بعد هذه الرتبة رتبة، بازل ذكر، وليس يبغضه إلا المخانيث. ومما ينسب إلى سيدنا علي صهر النبي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه، والأبيات تنسب إليه في كثير من كتب أئمتنا، في الإحياء وشرح الإحياء، والله أعلم بصحة النسبة؛ لأنهم لم يذكروا الإسناد إلى سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه.وتنظر هذه الأبيات مثلاً في شرح الإحياء في الجزء الأول صفحة ثمان وثمانين، والأبيات حكيمة محكمة، إن قالها سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه فهذه من معدنه والشيء من معدنه لا يستبعد، وإن لم يقلها فقالها رباني آخر من هذه الأمة المباركة، رحمة الله ورضوانه على قائلها، يقول:الناس من جهة التمثال أكفاء أبوهم آدم والأم حواءوإن يكن لهم في أصلهم شرف يفاخرون به فالطين والماء ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاءووزن كل امرئ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداءففز بعلم تعش حياً به أبداً الناس موتى وأهل العلم أحياءأبيات -كما قلت- محكمة حكيمة، إن قالها سيدنا علي رضي الله عنه وأرضاه فهي من الحكمة التي منَّ الله بها عليه، وإن لم يقلها فقائلها -كما قلت- رباني في هذه الأمة المباركة المرحومة.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , مقدمة في الفقه - فضل العلم [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net