اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [33] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [33] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
إن الصرع نوعان: حسي ومعنوي، فالحسي يكون بتسلط شيطان الجن على جسد الإنسي فيؤذيه، أو يخطفه، وقد يقتله، وأما الصرع المعنوي فهو الغالب في تسلط الشياطين على الإنس فتجعلهم في غفلة وبعد عن الله إلا من حفظه الله وعصمه، وقد جعل الله لنا ملائكة يتعاقبون فينا ويحفظونا من الأذى، وقد أمرنا أن نحبس الأطفال أول الليل؛ لأن الشياطين تنتشر وتتمكن في الظلمة أكثر، والطاعون الذي يصيب البشر هو وخز من الجن؛ لذلك كان المطعون شهيداً لأنه قتيل الجن.
صرع الجن للإنس
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: فلا زلنا نتدارس المبحث الثالث من مباحث الجن، ألا وهو: صلة الإنس بالجن، وصلة الجن بالإنس، وتقدم معنا أن هذا المبحث يقوم أيضاً على أربعة أمور:أولها: حكم استعانة الإنس بالجن.وثانيها: حكم التناكح بين الإنس والجن، وقد مر الكلام على هذين المبحثين.وثالثها: صرع الجن للإنس، وهذا الذي كنا نتدارسه وبقي بقية منه. ورابعها: تحصن الإنس من الجن. لا زلنا في الأمر الثالث من هذه الأمور، ألا وهو: صرع الجن للإنس، وتقدم معنا أن الصرع قد يكون حسياً، وقد يكون معنوياً، وقد يجتمعان، وأشنع أنواع الصرع: الصرع المعنوي، بحيث يستحوذ الشيطان على الإنسان فينسيه ذكر الرحمن.وتقدم معنا أن نسبة الصرعى بهذا الصرع كبيرة، بحيث وصلت إلى تسعمائة وتسعة وتسعين في الألف، وسلم واحد فقط، وأكثر الناس عن هذا الصرع في غفلة.وتقدم معنا أنه يدخل في هذا النوع من الصرع الخطف، كما يدخل أيضاً الموت والقتل.وينبغي أن نتذكر في أول هذه الموعظة أمراً، ألا وهو: أن أخبث الأعداء بالنسبة للإنسان من كان قريباً منه وخفياً عنه، والأمران مجتمعان في هذا العدو الجني الصرف العاصي الشيطان الذي يكون قريباً منا وخفياً عنا، يرانا ولا نراه، فلا نستطيع أن نتحصن ونتمكن منه وأن نقاتله مقاتلةً غامضة أو مكشوفة إلا إذا التجأنا إلى ربنا جل وعلا.
 آداب البيوت ليلاً
قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً )، وهذا من السنة والأدب: أن تغلق الباب الخارجي وباب الحجرة إذا نمت، فالشيطان لا يدخل عليك إذا أغلقت الباب وسميت الله، ( أغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله، وأوكوا قربكم ) والقرب جمع: قربة -بكسر القاف في الجمع والإفراد- وهي وعاء يوضع فيه الماء فأغلقه بإحكام واضبطه ولا تتركه مفتوحاً ( واذكروا اسم الله، وخمروا آنيتكم ) وهي: المواعين والصحون والقدور والسطول وما يجتمع فيه الماء أو الطعام، فينبغي أن تغطيه ( واذكروا اسم الله، ولو أن تعرضوا ) بضم الراء، أي: أن تجعلوا في عرض الإناء والوعاء شيئاً فوقه كالعود -مثلاً- وهذا إذا لم يكن ثم غطاء للإناء، ( ولو أن تعرضوا عليه شيئاً، وأطفئوا مصابيحكم ).وفعل مرة بعض الصالحين هذا على وعاء له ليس عنده ما يخمره، فوضع عوداً وسمى عليه رب العالمين، فاستيقظ فرأى الثعبان قد لف نفسه على هذا العود، وما استطاع أن يقع في داخله، لأن أمامه حصن حصين.وكذلك المصابيح ينبغي أن تطفأ من أجل ألا يحصل شيء من الحريق والفساد، وهذا فيما يمكن أن يحصل بسببه حريق كالمصابيح القديمة التي كانت توقد بالوقود، فقد تأتي حشرة كفأرة -مثلاً- وتضرم النار في البيت وأنت نائم، فهي خبيثة تسعى للفساد، وإذا أمن المضرة من ذلك كما هو الحاصل في مصابيح الكهرباء المحكمة فلا حرج، ومع ذلك لو أطفأ المصابيح كلها لكان أهدأ له في نومه، وألذ لجسده.كذلك من الآداب الشرعية غلق الأبواب، وما قاله بعض المخرفين من الصوفية كما نقل عنه الإمام المناوي في فيض القدير في الجزء (1/423) قال: نحن نفتح الأبواب ولا نغلقها، فهذا سوء أدب في مقابلة هذا الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، وليس في إغلاق الباب ليلاً إشارة إلى بخل ولا امتناع عن ضيافة، وإنما أدب نبوي فالتزم به، ولا داعي بعد ذلك للشغب ولا للفلسفة على كلام النبي عليه الصلاة والسلام.
حقيقة الطاعون وذكر أمور حوله
كنا نتكلم على خنق وقتل الجن للإنس, وقد انتهينا من صرع الجن للإنس، كما انتهينا من خطف الجن للإنس، ودخلنا في الأمر الثالث الذي يتعلق بمبحث الصرع ألا وهو القتل والوخز.وتقدم معنا أن الطاعون وخز الجن، وقررت هذا بالأحاديث الكثيرة, وأثبت أن الطاعون وخز خفي من هؤلاء الجن الذين يرونا ولا نراهم، ويترتب عليه أعراض ظاهرة وتغير في لون الجسد، وقد يصحبه ألم شديد كما تقدم معنا من أعراض، وفي النهاية يؤدي إلى الموت، لكنه هو بقية رجز أرسل على من كان قبلنا، وهو أيضاً دعوة نبي من أنبياء الله، وفيه درجة الشهادة.وإن مرض الطاعون يختلف عن الأوبئة الأخرى، فكل طاعون وباء وليس كل وباءٍ طاعوناً، فمرض الكوليرا -مثلاً- وباء وليس بطاعون، وأما الطاعون فهو وباء ومرض عام، أي: أثره يكون عاماً ولا يكون على فرد واحد، لكن بسببٍ خفي أخبرنا عنه من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم.وقررت هذا كما قلت بأحاديث كثيرة، وختمتها بكلام الحافظ ابن حجر وكلام ابن القيم .ذكر ابن حجر أنه مما يقرر أن الطاعون من وخز الجن وطعنهم للإنس طعناً خفياً، عدة أمور وهي:أنه يكون في أصح الفصول وأنشطها، كما يكون في أطيب البلاد وأجملها، ولو كان مبناه على العفونات لحصل عند تغير الرياح وفسادها، كما أنه إذا انتشر في بلد يصاب به بعض الناس دون آخرين، ولو كان بسبب عفونات في البدن لكان عاماً، يصاب به بعض أماكن من الجسد، وقد لا يصحبه أحياناً أعراض المرض من ألم ونحوه كلما انتشر الطاعون ثم يموت، وأما الأوبئة والأمراض فتقدم معنا: أنه يصاحبها آلام وآلام.
 كلام ابن القيم في إطلاقات الطاعون وأثر فساد الهواء في انتشاره
ثم قال ابن القيم: والطاعون يعبر به عن ثلاثة أمور:أحدها: الأثر الظاهري من الخراجات والانتفاخ الذي يكون في بعض الأماكن من جسد الإنسان وجسمه.الثاني: الموت الحادث عنه، وهو المراد بالحديث الصحيح في قوله عليه الصلاة والسلام: ( الطاعون شهادةً لكل مسلم ) روى في صحيح مسلم وغيره، ويأتينا في فضل الإصابة بالطاعون.الثالث: السبب الفاعل لهذا الداء، وقد ورد في الحديث الصحيح: ( أنه بقية رجزٍ أرسل على بني إسرائيل )، وورد فيه ( أنه وخز الجن )، وجاء ( أنه دعوة نبي ).وهذه الأمور الثلاثة قررتها فيما مضى.قال الإمام ابن القيم : وهذه العلل والأسباب ليس عند الأطباء ما يدفعها، هذا هو السبب المحدث للأورام في بدن الإنسان ويترتب عليه الموت بعد ذلك.إذاً: ما تكلم عنه الأطباء ليس عندهم ما يدل عليه، فإن هذا من المغيبات، والرسل تخبر بالأمور الغائبة، كما أن صرعى الأرواح ليس علاجهم عند الأطباء كما تقدم معنا.وهذه الآثار التي أدركوها من أمر الطاعون ليس معهم ما ينفي أن تكون بتوسط الأرواح، فإن تأثير الأرواح في الطبيعة وأمراضها وهلاكها أمر لا ينكره إلا من هو أجهل الناس بالأرواح وتأثيراتها، وانتعال الأجسام وطبائعها، والله سبحانه وتعالى قد يجعل لهذه الأرواح تصرفاً في أجسام بني آدم عند حدوث الوباء وفساد الهواء، كما يجعل لها تصرفاً عند بعض المواد الرديئة التي تحدث للنفوس هيئةً رديئة، ولا سيما عند هيجان الدم والمرة السوداء وعند هيجان المريء، فإن الأرواح الشيطانية تتمكن من فعلها بصاحب هذه العوارض ما لا تتمكن في غيره، ما لم يدفعها دافع هو أقوى من هذه الأسباب؛ كالذكر والدعاء والابتهال والتضرع والصدقة وقراءة القرآن، فإنه يستنزل بذلك من الأرواح الملكية ما يقهر هذه الأرواح الخبيثة, ويبطل شرها ويدفع تأثيرها.وقد جربنا نحن وغيرنا هذا مراراً لا يحصيها إلا الله جل وعلا، ورأينا لاستنزال هذه الأرواح الطيبة واستجلاب قربها تأثيراً عظيماً في تقوية الطبيعة ودفع المواد الرديئة، وهذا يكون قبل استحكامها وتمكنها، ولا يكاد ينخرم، فمن وفقه الله بادر عند إحساسه بأسباب الشر إلى هذه الأسباب التي تدفعها عنه، وهي له من أنفع الدواء، وإذا أراد الله عز وجل إنفاذ قضائه وقدره أغفل قلب العبد عن معرفتها وتصورها وإرادتها، فلا يشعر بها ولا يريدها ليقضي الله فيه أمراً كان مفعولاً.وسنزيد هذا المعنى إن شاء الله إيضاحاً وبياناً عند الكلام على التداوي بالرقى والعوذ النبوية والأذكار والدعوات وفعل الخيرات، ونبين أن نسبة كل الأطباء إلى هذا الطب النبوي كنسبة كل الطرقية والعجائب إلى طبهم, كما اعترف به حذاقهم وأئمتهم.ونبين أن الطبيعة الإنسانية أشد شيءٍ انفعالاً عن الأرواح, وأن قوى العوذ والرقى والدعوات فوق قوى الأدوية، حتى أنها تبطل قوى السموم القاتلة بإذن الله جل وعلا. والمقصود أن فساد الهواء جزء من أجزاء السبب التام, يعني: قد يحصل وخز من الجن عند فساد الهواء، وعند انتشار الأوبئة، لكن ليس فساد الهواء هو سبب الطاعون، وكونه حصل عند ذلك السبب فليس معنى ذلك أن هذا السبب هو الطاعون، لا ثم لا!إن الطاعون وخز الجن، فهو العلة الفاعلة للطاعون، والمقصود أن فساد الهواء جزء من أجزاء السبب التام، والعلة الفاعلة للطاعون, فإن فساد جوهر الهواء الموجب لحدوث الوباء وفساده يكون لاستحالة جوهره إلى الرداءة لغلبة إحدى الكيفيات الرديئة عليه كالعفونة والنتن والسمية في أي وقت كان من أوقات السنة، وإن كان أكثر حدوثه في أواخر الصيف وفي الخريف، فغالباً: كثرة اجتماع الفضلات المرضية الحادة وغيرها في فصل الصيف، وعدم تحللها في آخره، وفي الخريف لبرد الجو وندرة الأبخرة والفضلات التي كانت تتحلل في زمن الصيف، فتنحصر فتثخن وتتعفن فتحدث الأمراض العفنة، لا سيما إذا صادفت البدن مستعداً قابلاً رهلاً قليل الحركة كثير المواد، فهذا لا يكاد يفلت من العطب.وأصح الفصول فيه فصل الربيع، قال أبقراط: إن في الخريف أشد ما يكون من الأمراض وأقتل، وأما الربيع فأصح الأوقات كلها وأقلها موتاً، وقد جرت عادة الصيادلة ومجهزي الموتى أنهم يستدينون ويتكلفون في الربيع والصيف على فصل الخريف فهو ربيعهم، وهم أشوق شيءٍ إليه وأفرح بقدومه، وقد روي في الحديث: ( إذا طلع النجم ارتفعت العاهة عن كل بلد ).ثم قال: وأولى الأقوال في المراد بالنجم أنه الثريا، وبالعاهة أنها الآفة التي تلحق الزروع والثمار في فصل الشتاء وصدر فصل الربيع, فحصل الأمن عليها عند طلوع الثريا في ذلك الوقت المذكور، ولذلك ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة وشرائها قبل أن يبدو صلاحها )، والمقصود الكلام على هديه عليه الصلاة والسلام عند وقوع الطاعون.وكما قلت: لا مانع من أن الجن يحصل لهم تصرف في الإنسان، ويتمكنون منه أكثر عند حصول تعفن وفساد في الرياح وعند حصول وخم ونتن، فيكون السبب الحقيقي والعلة الفاعلة للطاعون وخز أعدائنا من الجن كما أشار إلى ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام، وقد يقع هذا أحياناً عند تعفن الرياح وفسادها، وقد يكون في أنشط الأحوال وأصحها وأسلمها.والمقصود: أنه إن وقع عند تعفن الرياح، وعند حصول عفونات في بلدٍ ما، وجرى فيه نتن وصار فيه فساد، فليس ذلك الأمر المحسوس هو سبب الطاعون، وإنما عند تلك الأعراض حصل تمكن من الجن على الإنس والعلم عند الله جل وعلا.وحديث ( إذا طلع النجم ارتفعت العاهة ) حديث صحيح أحب أن أقف معه وقفة يسيرة. يقول هنا المعلق على الكتاب: أخرجه محمد بن الحسن في الآثار -الذي عندي كتاب الآثار لـأبي يوسف وليس لـمحمد بن الحسن - صفحة (51)، ورواه الطبراني في معجمه الصغير في الجزء الأول صفحة (81)، ورواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان في الجزء (1/121) عن أبي حنيفة -رضي الله عنه- عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ: ( إذا طلع النجم رفعت العاهة عن كل بلد ).يقول المعلق الشيخ الأرنؤوط : وإسناده صحيح والنجم هو الثريا، ثم قال في جامع المسانيد لـأبي حنيفة للخوارزمي في الجزء (2/14) من رواية أبي حنيفة عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تباع الثمار حتى تطلع الثريا ).وأخرج الشافعي وأحمد عن عبد الله بن عمر (أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الثمار حتى تذهب العاهة)، قال عثمان بن عبد الله بن سراقة راويه عن ابن عمر قلت: ومتى ذلك؟ قال: طلوع الثريا.وفي صحيح البخاري في الجزء (4/ 395) عن أبي الزناد قال: وأخبرني خارجة بن زيد أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا, ويتبين الأصفر من الأحمر، وهو في النص بلفظ: أنه كان لا يبيع ثماره حتى تطلع الثريا.وهذه النصوص تؤيد القول الثالث الذي ذكره ابن القيم في تفسير معنى الحديث ( إذا طلع النجم ) أن المراد به الثريا، (ذهبت العاهة) أي: العاهة عن الثمار, والمراد هنا العاهة التي تكون في بلاد الحجاز؛ لأن ثمارهم تنضج في أول دخول فصل الصيف، وهي ثمار النخيل، فإذا دخلت أمنت العاهة، أما ما قبل ذلك فالثمار لم تنضج، وقد يعتريها عاهة فتسقط، فبمجرد طلوع الثريا -بإذن الله جل وعلا- ترتفع العاهة عن الثمار، والثمار تصفر، أي: تحمر وتدخل في الزهو والنضج وتأمن العاهة، فإذا طلعت الثريا والثمر لم يصب بعاهة حفظ بإذن الله جل وعلا.وروى هذا الحديث مع من مضى الإمام أحمد في المسند والبزار والطبراني في معجمه الأوسط، من طريق عسل بن سفيان وهذه متابعة لـأبي حنيفة رضوان الله عليهم أجمعين.وذكر الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة في الجزء (1/389) -ويعلم الله أنني ما عندي علم بقوله حتى نظرت في كتابه- ذكر أنه رواه الإمام أحمد والطبراني في الأوسط والصغير وكذا، فرجعت إلى جمع الجوامع للسيوطي الجزء (1/70) فوجدته عزاه إلى الإمام أحمد والبزار والطبراني في الأوسط والصغير، قلت: انظر بعد ذلك إلى صحيح الجامع وضعيفه -بعد أن صحح الحديث- فوجدته أورده في ضعيف الجامع وأحال على سلسلة الأحاديث الضعيفة، كما قلت (389) فذكر كلاماً مردوداً منكراً ينبغي أن نحذره.عند حديث ( إذا طلع النجم رفعت العاهة عن كل بلد ) ورقمه (397) يقول: ضعيف، أخرجه الإمام محمد بن الحسن في كتاب الآثار، قال: أخبرني أبو حنيفة ، قال: حدثنا عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً، ومن طريق أبي حنيفة أخرجه الثقفي وكذا الطبراني في معجمه الصغير وفي الأوسط، وعنه أبو نعيم في أخبار أصبهان، قال: (والنجم هو الثريا).وهذا إسناد رجاله ثقات، إلا أن أبا حنيفة رحمه الله على جلالته في الفقه قد ضعفه من جهة فقهه البخاري ومسلم والنسائي وابن عدي ، فهؤلاء أربعة من الحفاظ، ثم قال: وغيرهم من أئمة الحديث، ولذلك لم نجد الحافظ ابن حجر في التقريب -وهو من أنفس كتبه- يزيد على قوله: فقيه مشهور.الجواب: لم يعطه كما قال أئمتنا في التقريب درجة، ولم يتكلموا على درجته ومكانته من حيث التعديل والتجريح.قال الألباني : نعم قد تابعه عِسل بن سفيان عن عطاء .قال الهيثمي في المجمع عن عسل في الجزء (4/ 103): عسل بن سفيان وثقه ابن حبان , وقال: يخطئ ويخالف أيضاً غيره، ثم قال: وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح.قال ابن حجر في التقريب: عسل أبو قرة البصري ضعيف، وأشار إلى أنه من رجال أبي داود والترمذي .وعسل ضبطه بكسر العين وإسكان السين: عِسْل، وبفتحتين: عسل ، ضبطه بالأمرين في التقريب.يقول الألباني هنا: تابعه عِسْل بن سفيان عن عطاء لكنه ضعيف وخالفه في لفظه: ( إذا طلع النجم ذا صباح رفعت العاهة ) أخرجه أحمد والطبراني في الأوسط أيضاً والعقيلي في الضعفاء، وقال: عسل بن سفيان في حديثه وهم، وقال البخاري : فيه نظر.على حسب السماعات الحديثية لو قدر أن أبا حنيفة رضي الله عنه فيه ضعف ولا يقول عنه ذلك إلا ضعيف -إذا كان من المتأخرين، وأما من المتقدمين فلهم عذرهم كما سأذكر وأبين- ولا يجوز أن ينقل هذا الكلام في إمامٍ من أئمة المسلمين على الإطلاق، ونلتمس العذر للقائل ونقول: نسأل الله أن يرحمهم وأن يشفعهم فينا، ونمسك ألسنتنا عن أئمتنا ونتقي ربنا.والأصل أنه لو كان في أبي حنيفة ضعف، وكذا عسل فإنهما يتقويان، فلا إشكال فيه على حسب قواعد علم الحديث، فأي حديث ضعيف روى له متابع من طريق آخر تقوى:فإن يقل يحتج بالضعيف فقل إذا كان من الموصوفرواته بسوء حفظ يجبر بكونه من غير وجه يذكرنقول هنا: ولا يخفى وجه الاختلاف بين اللفظين، ففي حديث أبي حنيفة أطلق الطلوع وقيد الرفع عن كل بلد، (إذا طلع النجم رفعت العاهة عن أهل كل بلد ) وفي رواية عسل عكسه، فإنه قيد الطلوع بالصباح، وأطلق الرفع فلم يقيده بالقيد المذكور، وهذا الاختلاف مع ضعف المختلفين يمنع من تقوية الحديث كما لا يخفى على الماهر بهذا العلم الشريف. هذا حقيقةً يحتاج لبحث وتأمل، والناظر في كلا اللفظين لا يجد اختلافاً غير زيادة (عن أهل كل بلد) فهل هذا اختلاف؟ أين الاختلاف؟ أعني: هل هو من اختلاف التضاد، حتى نقول: هذا ليس بمعنى هذا ولا يشهد له، فـ: (رفعت العاهة عن أهل كل بلد) قيد الرفع عن كل بلد، وفي الآخر أطلق فهل هذا تعارض؟!لو قال: رفعت العاهة عن بقعة كذا، وما قال لكل بلد فقد يتوهم قاصر النظر أن فيه معارضة، لكن نقول: يدخل الفرد في العام وهذا من باب الترتيب، فإذا رفعت عن بلد فهي مرفوعة عن بقية البلاد.وأما هنا فإنه مسكوت عنه: (رفعت العاهة) وهناك: (رفعت عن كل بلد). فلا يتوهم المعارضة بين الحديثين إلا من كان أعجمي الفهم، أما من كان يعي ما يقول فإنه لا يقول بينهما معارضة.الأمر الثاني: يقول: إن حديث أبي حنيفة أطلق الرفع، فقال: (رفعت العاهة)، وحديث عسل قيدها: (ذا صباح)، فالنجم إذا طلع ذا صباح، يعني: توقع كل يوم الثريا عندما تطلع، فكم مرة تطلع؟! فإذا طلعت ففي صباح طلوعها رفعت العاهة.وكما قلت: سأبين أن معنى الحديثين واحد، والأصل لو كان في أبي حنيفة ضعف، لحسنا الحديث إلا إذا كان في النفس منه شيء فهذا موضوع آخر.( إذا طلع النجم ) هنا مطلق، والحديث الثاني: ( ذا صباح ) هل بينهما تعارض؟ النجم انتهى معه صباح من أيام الصيف وهو العاشر من آيار كما سيأتينا من كلام العلماء.إذاً: طلعت الثريا ذا صباح، لا يعارض هذا القيد هذا الأمر.وقال: يوجد اختلاف بين الحديثين من وجهين، هناك أطلق الطلوع وهنا قيد ذا صباح، وهناك قيد العاهة بأنها ترفع عن كل بلد وهنا أطلق رفع العاهة، والفهم في الأمرين معكوس ومنكوس.ولذلك قال: بما أنه يوجد راويان ضعيفان وقد اختلفا في أداء الحديث أبو حنيفة وعسل بن سفيان فلا يحسن الحديث من طريقهما، فالحديث ضعيف ضعيف.ثم أشاد بنفسه في الأخير فقال: كما لا يخفى على الماهر بهذا العلم الشريف، علقت أنا وقلت: هذه ليست مهارة؛ لأنك لو تأملت الحديثين لعلمت أنه ليس بينهما تعارض في اللفظ، وعليه لو كان في أبي حنيفة ضعف -وحاشاه فلا يضعفه إلا الضعيف- لتقوى بطريق عسل. ومتابعته، لكن كما قلت: توهم معارضة بين الأمرين فقال: بما أن الاختلاف مع ضعف المختلفين يمنع من تقوية الحديث كما لا يخفى على الماهر بهذا العلم الشريف -يريد نفسه- ولذلك ما قوى الحديث الذي هو من طريق أبي حنيفة .ثم انظر للأمانة العلمية التي ينادي بها الناس في هذه الأيام! أبو حنيفة ضعفه أربعة، هل من الأمانة أن نذكر ما قيل من قدحٍ في إنسان، ولا نذكر ما قيل فيه من توثيق؟! للكلام بقية فيما يأتي، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه وسلم تسيلماً كثيراً، اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا وارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا، ولمن له حق علينا، واغفر لمن علمنا ولمن تعلم منا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم الأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [33] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net