اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [20] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [20] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
الاستعانة بالجن كالاستعانة بالإنس، فما جاز منها في حق الإنس فهو في حق الجن جائز، وما منع في حق الإنس منع في حق الجن.وقد سخر الله سبحانه وتعالى لسليمان الشياطين، وكان يستعملهم في أعمال متنوعة فمنهم البناء، ومنهم الغواص لاستخراج اللؤلؤ وغيره، ومن خالفه منهم قرنه في الأصفاد.ومن أعمال الشياطين لسليمان بناؤهم المحاريب وهي القصور الشامخة أو المساجد العظيمة.
قصة سليمان مع الجن في سورة سبأ
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد: فكنا نتدارس مبحث صلتنا بالجن، وصلة الجن بنا، وهذا المبحث كما قلت يقوم على أربعة أمور: أولها: حكم استعانة الإنس بالجن. وثانيها: حكم المنافعة بين الإنس والجن.وثالثها: تلبس الجني بالإنسي.ورابعها: زواج الإنس من الجن. وهذه الأمور كنا نتدارس أولها ألا وهي الاستعانة بالجن، وما حكم ذلك؟ وخلاصة الكلام في ذلك كما تقدم معنا: أن استعانة الإنس بالجن كاستعانة الإنس بالإنس تماماً، فالاستعانة بهم فيما هو مشروع مشروعة، والاستعانة بهم فيما هو ممنوع ممنوعة، وكنت أقرر بأن الله قد ذكر نموذجاً لاستعمال الجن من قبل الإنس في كتابه كما جرى لنبيه وعبده سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام عندما استعمل الجن، وقد سخرها الله له، فذكرت الآيات في سورة الأنبياء، وانتهينا من توضيح معناها ودلالتها، وكذلك الآيات التي في سورة النمل، وتقدم معنا أن الجن من جنود نبي الله سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ومنهم أحد العفاريت الذي قال له: أَنَا آتِيكَ بِهِ [النمل:39] بالنسبة لعرش بلقيس قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [النمل:39]، والموضع الثالث في سورة سبأ وانتهينا أيضاً من توضيح معناها ودلالتها وأن الجن كانوا يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13] إلى آخر الآيات الكريمات.
 الخلاصة في معنى المحاريب وحكمها
بناء على ما سبق فقول الله جل وعلا: يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ [سبأ:13]، ليس المراد منها محاريب المساجد، بل المقصود منها إما قصور عالية شاهقة، وإما مساجد عظيمة فخمة، ومنها المسجد الأقصى. ومعنى المحراب في اللغة: العلية وصدر المجلس من الأرض، ويطلق على القصور والأبنية الشامخة المرتفعة.وأما المحراب بالمعنى الاصطلاحي العرفي فهو حادث في مساجد المسلمين بعد عهد نبينا عليه صلوات الله وسلامه.ولو وجد من يحيي السنة ويميت هذه البدعة في المساجد لكان حسناً، لكن بدون تشويش وبدون ضوضاء؛ لأن المحراب صار عند الناس من عمدة المسجد، فلا يمكن أن يشيد مسجد بلا محراب، ولعله لو وجد مسجد بلا محراب لقالوا: هذا ليس بمسجد، وسبب ذلك تتابع الناس على التقليد الأعمى بلا بصيرة وبلا بينة، فلو منع وجوده من أول الأمر لكان أولى وأحسن، هذا ختام الكلام في هذا الباب والعلم عند الله عز وجل.
قصة سليمان في سورة ص وما فيها من ذكر استعماله للجن
نعود إلى الآيات التي ذكرت استخدام نبي الله سليمان للجن ووصلنا إلى الموضع الرابع الذي ذكر الله فيه استخدام نبيه سليمان للجان وهو في سورة ص، يقول رب العباد: وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ [ص:30-31]، عرضت عليه الصافنات الجياد في العشي بعد الزوال، والصافنات: هي الخيول جمع صافن، وهي التي تقوم على ثلاث قوائم، وترفع الرابعة إما الرجل وإما اليد، وتضع طرف الحافر على الأرض، هذه يقال لها: خيل صافنة، وهذا من علامات الخيل الكريمة العظيمة.والجياد إما أن يكون من الجودة وهي الخيل الجياد المسرعة، وإما أن يكون من الجياد التي هي طويلة العنق، وهذا من الصفات المستحسنة أيضاً في الخيل، والأول أولى فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ [ص:32-33] .ومعنى الآية باختصار كما قرر أئمتنا الأبرار: عندما عرضت عليه هذه الخيل في العشي قيل: إنه عندما بدأ يتفقد هذه الخيل -وهي الآلة المفضلة في القديم للجهاد، ولذلك كره الإمام أبو حنيفة أكلها فهي آلة الجهاد ولا يصلح للكر والفر غيرها، وإذا أعمل الناس سكاكينهم فيها فنيت، فعلى أي شيء يقاتلون خاصة أن الخيل يقاتل مع صاحبه، فإذا وجهته للعدو ضرب بيديه في صدره فألقاه على الأرض قبل أن تضربه أنت بسيفك، واللحم كثير في غير الخيل من سائر الأنعام الأخرى- عرضت على هذا النبي الصالح على نبينا وعليه الصلاة والسلام حتى توارت بالحجاب، قيل: الضمير يعود إلى الشمس، ولم تذكر لأنه يوجد ما يدل عليها وهو العشي (وتوارت بالحجاب) أي: غربت الشمس وانقضى النهار، ولم يقم بورده الذي عليه من ذكر الله وأداء الصلاة نسياناً، شغل بتفقد أمر الخيل فنسي أمر الصلاة دون تعمد، وكل إنسان يذهل وينسى، ولا إثم عليه ولا حرج، و(إذا نام الإنسان عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فذلك وقتها لا وقت لها إلا ذلك). إذاً: حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [ص:32] ، أي: الشمس توارت وغابت.
 استعمال سليمان للشياطين في أعمال شتى
قال الله تعالى: وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ [ص:37-38] ، من خلال هاتين الآيتين نجد أن الشياطين على ثلاثة أحوال مع نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام: منهم من يسخره في العمل والبناء. ومنهم من يغوصون ويستخرجون له اللآلئ والجواهر الثمينة من قعر البحار. ومنهم عاص متمرد يصفده سليمان عليه الصلاة والسلام ويقيده بالأغلال في يديه وفي رقبته.قال الله: هذا عطاؤنا ومنتنا، والله يعطي من يشاء بغير حساب سبحانه وتعالى، (فامنن) أي تفضل يا سليمان على من شئت، (أو أمسك) أي: وامنع من شئت (بغير حساب)، فلك الخيار ومطلق التصرف فيما وهب لك، فأنت نبي كريم مسدد من قبل الله العظيم، فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ص:39] ، ولك في الآخرة منزلة أعظم من ذلك وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ [ص:40]. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، واشرح صدورنا، ونفس كروبنا، واختم بالباقيات الصالحات أعمالنا، اللهم اغفر لوالدينا ولمشايخنا ولمن علمنا، ولمن تعلم منا، اللهم إنا نسألك من كل خير أحاط به علمك، ونعوذ بك من كل شر أحاط به علمك، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [20] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net