اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [13] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [13] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
إن الله سبحانه مكن الجن من التشكل على صورة الإنس، والأدلة والأخبار على ذلك متوافرة متضافرة، وقد وقع من ذلك حوادث كثيرة شهيرة لعدد من الصحابة حيث كانت تتشكل لهم بعض الجن وتكلمهم بل وتسرق من أموالهم، هذا وإن الحرز منهم قراءة آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة، ولا يصيب العبد بعد ذلك منهم شيء.
الأدلة على تشكل الجني بصورة آدمي
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحابته الكرام، وعلى تابعيهم ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد:ما زلنا في الباب الرابع عشر من أبواب الطهارة، من جامع الإمام أبي عيسى الترمذي عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا، وعنوان هذا الباب كما تقدم معنا: باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به، فقد أورد الإمام الترمذي عليه رحمة الله في هذا الباب حديثاً من طريق شيخه هناد بن السري ، بسنده المتصل إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تستنجوا بالروث ولا بالعظم، فإنه زاد إخوانكم من الجن )، قال الإمام الترمذي عليه رحمة الله: وفي الباب عن أبي هريرة وجابر وسلمان وابن عمر رضي الله عنهم أجمعين.ولا زلنا في المبحث الرابع من مباحث هذا الحديث الشريف، ألا وهو فقه الحديث، وتقدم معنا أن هذا الحديث دل على أن الجن إخوان لنا، وأن طعامهم يختلف عن طعامنا، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من البحث فيما يتعلق بحال هذه الأمة التي تقابل الإنس ألا وهي عالم الجن، وقلت: إن البحث سيكون فيهم ضمن ثلاثة أمور:أولها: فيما يتعلق بخلقهم ووجودهم، والثاني: فيما يتعلق بتكليفهم وجزائهم، وقد مضى الكلام على هذين الأمرين موسعاً ومفصلاً بأدلته، وشرعنا في الأمر الثالث من فقه الحديث، وهي الأمور التي نشتبه فيها ونتساوى فيها معهم، والأمور التي نختلف فيها عنهم، وقلت إن هذا المبحث الثالث من فقه الحديث، سيتضمن ثلاثة أمور:أولها: في الأمور التي نستوي فيها معهم، وذكرت لذلك أربعة أمور: الأول: فيما يتعلق بالخلق، فهم مخلوقون ونحن كذلك، وكل مخلوق سيموت، وهذان مما يستوي فيه الإنس والجن.والثاني: في التكليف، فنحن مكلفون وهم كذلك.والثالث: في انقسام المكلفين إلى مؤمنٍ وكافر، ومطيعٍ وعاصي، وهذا موجود فيهم كما هو موجود فينا.ورابع الأمور: في جزائهم ودخولهم الجنة، ودخول عاصيهم النار.وهذا تقدم معنا، وقلت: إنه مما يستوي فيه الإنس والجن تماماً.الأمر الثاني: فيما يختلف فيه الإنس عن الجن، والجن عن الإنس، وقلت: إنهم يختلفون عنا في عدة أمور، وسأتكلم على أربعة منها: أولها: في عنصر خلقهم، يختلف عن عنصر خلقنا، فهم خلقوا من نار ونحن خلقنا من طين.والثاني: في كونهم يروننا ولا نراهم، والله على كل شيءٍ قدير، وقد مضى الكلام على هذين الأمرين.والثالث وهو الذي كنا نتكلم عنه: في قدرتهم على التشكل حسبما أقدرهم الله، وليس في وسعنا أن نغير أشكالنا التي خلقنا الله عليها.ورابع هذه الأمور: في طعامهم، والاختلاف بين طعامنا وطعامهم. هذه الأمور الأربعة مما يختلف فيها الإنس عن الجن، والجن عن الإنس.وسأختم البحث بالأمر الثالث الذي فيه أربعة أمور أخرى، فيما يتعلق بالصلة بيننا وبينهم.الأمر الأول: حكم الاستعانة بهم.والثاني: حكم المناكحة بينهم وبين الإنس، لا على الكلام في حصول المناكحة بينهم، فهذا أمرٌ ثابتٌ ومما يساووننا فيه، إنما هل يجوز أن تحصل المناكحة بين الإنس والجن؟والثالث: في تلبسهم بالإنس.ورابع الأمور: في كيفية التحصن منهم؟هذه أمور أربعة أختم الكلام بها على أمر الجن.وكنا في الأمر الثالث: وهو كيفية تشكل الجن، في المبحث الثاني منه: وهو ما يختلف فيه الإنس عن الجن، وتشكلهم يحصل بصورٍ مختلفة، وتواترت به الأحاديث، وعليه إجماع المسلمين، وقد يتشكلون أحياناً بصور الآدميين، وأحياناً بصور الحيوانات، وأحياناً بغيرها.قلت: وسأذكر لذلك مثالاً فيما يتشكلون فيه مما له صفة معينة يميز بها، وبدأ ذكر أمثلة مما له صفة مطلقة على أنهم من بني آدم.ففيما يتعلق بالأمر الأول: ذكرت تمثل الشيطان بصورة الشيخ النجدي، وقررت هذا وتكلمت بتوسع على حديث نجد قرن الشيطان، وبينت أن المراد بنجد نجد اليمامة، ونجد العراق، كما أن المراد بها في المشرق على وجه العموم، فجهة الشرق بالنسبة للمدينة المنورة مركز الشيطان، وفيها الإفساد والإغواء، وبينت معنى الحديث، ورددت على من وهم في معناه أو حرفه. ‏
 مصارعة عمر بن الخطاب لجني
وقد روي أيضاً في الآثار الثابتة الصحيحة أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، صارع جنياً عندما تصور بصورة إنسي فصرعه وغلبه، وكان المصارع هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، ثبت الحديث بذلك في سنن الدارمي ، ومعجم الطبراني الكبير، والأثر رواه الإمام أبو نعيم في دلائل النبوة، والبيهقي وفي دلائل النبوة في الجزء (7/123) وهو في مجمع الزوائد في الجزء (9/71).قال الإمام الهيثمي : رواه الطبراني بإسنادين، ثم قال: إسناد الرواية الثانية رجاله رجال الصحيح، إلا أن الشعبي لم يسمع من عبد الله بن مسعود ولكنه أدركه، وقال: وإسناد الرواية الأولى فيها المسعودي وهو ثقة لكنه اختلط، انتبه لكلام الهيثمي ، قال: فبان لنا صحة رواية المسعودي برواية الشعبي وبهذا نعلم ما الذي نستفيده من تعدد الروايات، والشعبي إمام ثقة حافظ ضابط، وتقدم معنا قوله: ما كتبت سوداء في بيضاء، وهو سيد المسلمين في زمانه، لكن الإسناد بينه وبين عبد الله بن مسعود منقطع، وجاء من طريق آخر متصل، لكن فيه من اختلط، لكن يتبين صحة إسناد الشعبي وعدم وهم المسعودي بأنه له روايتان كل منهما تشهد للأخرى، فالحديث إذاً صحيح.والمسعودي هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود ، قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق اختلط قبل موته.وضابط الرواية عنه: أن من روى عنه في بغداد فالرواية عنه بعد الاختلاط، ومن روى عنه في غير ذلك المكان، فالرواية عنه قبل الاختلاط، وتوفي سنة ستين، وقيل: خمس وستين بعد المائة، وحديثه في صحيح البخاري معلقاً، وأخرجه أهل السنن الأربعة، فـالمسعودي يقال دائماً بهذه النسبة، وهو كما قلت: عبد الرحمن بن عبد الله جده عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين.ولفظ الرواية: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خرج رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فلقيه رجل من الجن: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ [الجن:6]، ولفظ الرجل يطلق على الذكر من الإنس والجن.ولفظ الناس -كما تقدم معنا- يطلق أيضاً على الجني، كما يطلق على الإنسي بناءً على مراعاة المعنى اللغوي من ناس ينوس إذا تحرك، ولذلك ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: كان ناس من الإنس يعوذون بناس من الجن، فأسلم الجن وبقي الإنس على عبادتهم، فأنزل الله هذه الآية يعيرهم: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً [الإسراء:57].قال الحافظ ابن حجر في الفتح: قال ابن التين : هذا خطأ من عبد الله بن مسعود كيف أطلق لفظ الناس على الجن وهذا خاص بالإنس؟! فقال الحافظ ابن حجر : قال هذا هنا بناءً على مراعاة المعنى اللغوي من ناس ينوس إذا تحرك، والإنسان سمي إنساناً لوجود الحركة والاضطراب فيه، كما سمي إنساناً لوجود الأنس فيه، يأنس بعضهم ببعض كما يأنسون بخالقهم، وسمي إنساناً لأنه مجبول على النسيان، فالأمور الثلاثة فيه.ثم قال الحافظ ابن حجر : على من يعترض -يعني: ابن التين - أيعترض على صحابي عربي هو أعلم باللغة من ابن التين وممن بعده!خرج رجلٌ من الإنس فلقيه رجلٌ من الجن، قال: هل لك أن تصارعني؟ فقيل له: ويحك! أنت تقدر على مصارعة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه؟! قال: فإن صرعتني علمتك آية، وبهذا تبين أنه من الجن، فهو في الأصل رجل في صورة إنسي يقول لـعمر : هل لك أن تصارع، إن صرعتني أعلمك آية، فصارعه عمر فصرعه، ثم الثانية فصرعه، ثم الثالثة فصرعه.وورد في الرواية أنه لما قبض على يديه وجد يديه كيدي الكلب، فيها شعر فكشفه، قال: أنتم معشر الجن كذلك، قال: لقد علمت الجن أنه ما فيهم أقوى مني، والمعنى: لا تظن أنه لأن اليد ضعيفة وكيد الكلب أننا معشر الجن ضعاف، لا، فأنا أقوى واحد فيهم، ومع هذا صرعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه.فبعد أن صرعه لا بد الآن أن يفي بالشرط وإلا لن يتركه عمر رضي الله عنه، فقال له: تقرأ آية الكرسي إذا أمسيت وإذا دخلت بيتك، فإنه لا يقرؤها أحد إذا دخل بيته إلا خرج الشيطان وله خبج كخبج الحمار، والخبج: هو الضراط، فقيل لـعبد الله بن مسعود : من هذا الرجل المصارع أهو عمر ؟ فأنت لم تسمه، تقول: رجل من الإنس صارع رجلاً من الجن، قال: من عسى أن يكون إلا عمر ، يعني: من الذي يقدر على مصارعة الجني إلا عمر رضي الله عنه وأرضاه.نكتفي بهذا، ونصلي ونسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به [13] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net