اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب الاستنجاء بالحجرين [7] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب الاستنجاء بالحجرين [7] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
كان عبد الله بن مسعود من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومن أشد الناس خوفاً وخشية من الله سبحانه وتعالى, فهو العالم الرباني, والمجاهد في سبيل الله, والورع عن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقد كان ناصحاً أميناً مخلصاً عاملاً بعلمه كثير الدمعة، دائم الخشية يتمنى الموت والمرض والفقر شوقاً وتواضعاً لله سبحانه وتعالى، فرضي الله عنه وأرضاه.
رأي عبد الله بن مسعود فيمن مات عن امرأة ولم يدخل بها ولم يسمّ لها مهراً
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهّل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين.اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك.اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس ترجمة الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، وقلت: سنتدارس ترجمته الطيبة المباركة ضمن ثلاثة أمور: أولها: فيما يتعلق بنسبه ونشأته وصلته بالنبي عليه الصلاة والسلام، وقد مر الكلام على الأمر الأول فيما مضى.والأمر الثاني: في منزلته العلمية في الشريعة الإسلامية، وكنا نتدارس هذا الأمر في اللقاء الماضي، وسنكمله في هذا اللقاء وما بعده بعون الله وتوفيقه.والأمر الثالث: في نبذة من أقواله الحكيمة المحكمة، وإرشاداته القويمة القيّمة، نختم ترجمته بهذا الأمر الثالث إن شاء الله.كنا نتدارس الجانب الثاني من ترجمته الطيبة المباركة فيما يتعلق بمنزلته العلمية، وآخر شيء ذكرته فيما مضى شدة احتياطه في روايته عن نبينا عليه الصلاة والسلام، وكان يمر عليه أحياناً العام بأكمله ولا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.وتقدم معنا من هو عبد الله بن مسعود ، فهو الذي كان يصاحبه في سره وعلنه، وسفره وحضره، وداخل بيته وخارجه، ومع ذلك كان يحتاط غاية الاحتياط، فتمر عليه السنة ولا يقول: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام, وأحياناً السنة والنصف، وإذا تحرك لسانه أحياناً بالحديث يعتريه الوجل والخشية والخوف، فيضطرب جسمه وتتحرك عصاه؛ من شدة خوفه عندما يريد أن يحدث عن النبي عليه الصلاة والسلام.والسبب في ذلك أن الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام شديد، وأن الإنسان إذا لم يتيقن من الرواية فلا يجوز أن يضيفها إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فمن حدث عن نبينا عليه الصلاة والسلام بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين كما تقدم معنا تقرير هذا.ووصلنا إخوتي الكرام إلى احتياطٍ آخر من احتياطات عبد الله بن مسعود ، كما كان يحتاط في الرواية عن نبينا عليه صلوات الله وسلامه، كان يحتاط في الفتيا، وكان يقف أحياناً في المسألة شهراً لا يجيب فيها إلا بعد منحة، فاستمع لهذه القصة التي ينبغي أن نعتبر بها، وأن تكون نصب أعيننا فيما نجيب به عن أمر ديننا.ثبت في مسند الإمام أحمد والسنن الأربع، والحديث رواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في السنن الكبرى، وقد صححه الحاكم وأقره عليه الذهبي ، وقال الإمام ابن حزم رحمة الله ورضوانه عليه وعلى أئمتنا أجمعين: لا مغمز فيه لصحة إسناده. نعم حول هذا الحديث كلام، لكن جميع رجال الإسناد ثقات أثبات، أئمة هداة, لا مغمز فيه لصحة إسناده.ولفظ الحديث: عن مسروق رضي الله عنه وأرضاه قال: أُتي عبد الله بن مسعود بمسألة في بلاد الكوفة جاءه أناس وسألوه، وخلاصة مسألتهم: أن رجلاً توفي بعد أن عقد على امرأة ولم يدخل بها، ولم يسمِّ لها مهراً. فلو كان دخل بها ولم يسمّ فالمسألة لا إشكال فيها, بالإجماع لها مهر المثل، ولو سُمّي المهر وتوفي فلا خلاف بالإجماع يجب دفع ما سُمّي, وإن كان لم يدخل بها.لكن في هذه المسألة لا يوجد تسمية للمهر ومات قبل الدخول، فما الحكم؟فقال: ما عرضت عليّ مسألة أشد من هذه المسألة، بعد أن شاركت رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا أملك نصاً فيها، فكيف أتكلم فيها؟ أخّروا سؤالكم حتى أستشير الناس وأسأل هل أحد يعلم سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك؟فعاودوه المرة بعد المرة حتى مضى شهر كامل، ثم قالوا له: أنت صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنت معلمنا في الكوفة، فمن نسأل إذا لم تجبنا أنت؟ فلا بد أن تجيب. فقال رضي الله عنه وأرضاه: فالآن أقول فيها برأيي وأجتهد؛ أي: بما أنه لا يوجد نص من كتاب الله ولا في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام سأجتهد، واجتهاده سيوافق قضاء النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن السنة تسري في كل ذرة من ذراته، فهو وإن لم يقف على كلام النبي عليه الصلاة والسلام لكن الهدي العام عنده سيقيس النظير بالنظير، والمثيل بالمثيل, وسيصل إلى الحكم الذي هو مقرر في شرع الله الجليل.فقال: أقول فيها برأيي، فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله من ذلك بريئان، ولا يضاف الحكم إلى الشريعة المطهرة، إنما أنا أخطأت, والشيطان هو الذي وسوس لي بهذا الحكم, فإن أصبت ففضل من الله، وإن أخطأت فالإنسان محل للخطأ والتقصير والنسيان، وهذا حاله.ثم قال: لها مهر مثلها، ولها الميراث وعليها العدة. العدة لها مهر مثلها لا وكس ولا شطط. لا وكس أي: لا نقص، ولا شطط: ولا زيادة. هذا قضائي في هذه المرأة.فقام ناس من أشجع، وفي بعض الروايات: منهم معقل بن سنان, فقال: ( أبا عبد الرحمن! حضرت النبي صلى الله عليه وسلم فقضى فيها بمثل قضائك في بروع بنت واشق ). فـبروع امرأة عندما توفي زوجها هلال بن مرة الأشجعي ولم يفرض لها، ولم يدخل بها، قضى النبي صلى الله عليه وسلم بأن لها مهر مثلها، وعليها العدة، ولها الميراث. فكبّر عبد الله بن مسعود وما فرح بشيء بعد الإسلام كفرحه بأن وافق قضاؤه في هذه المسألة قضاء النبي عليه الصلاة والسلام.فانظر إلى هذا الاحتياط, شهر كامل يؤخر القضاء في هذه المسألة، وهذا القضاء الذي قضى به عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، نقله ناس من أشجع عن نبينا عليه الصلاة والسلام.
 المقصود بالمثل في قول الفقهاء: لها مهر المثل
إذا وجب مهر المثل فالجمهور يقولون: المراد بالمثل خصوص الأقارب من جهة الأب، يعني: من جهة أبو هذه المرأة. كالأخت الشقيقة والأخت لأب، فلا تدخل أخت لأم، وتدخل بنات الأخ، وهكذا العمات. والأقارب من جهة الأب فلها مهر المثل. وقال الشافعية: لها مهر المثل فيما يساويها ويماثلها في عقلها، ويسارها، وبكارتها، وثيوبتها, وما اختلف به غرض النكاح ككونها كبيرة، أو صغيرة، نقدرها بمثيلاتها في البلدة.وإلى نحو هذا ذهب الإمام مالك عليهم جميعاً رحمة الله فقال: كحالها، ومالها، وشرفها، ولا يختص ذلك بأقاربها. فالحديث -كما قلت- واحد، واختلف أئمتنا, والشافعي من ورعه وديانته علّق القول به على صحة الحديث، قال شيخ الإمام الحاكم وهو أبو عبد الله الأخرم محمد بن يعقوب الذي توفي سنة 344هـ، وهو الذي اختصر صحيح مسلم وندم على اختصاره وقال: من حقنا أن نجتهد في تكثير الصحيح لا باختصار الصحيح وتقليله.فـابن الأخرم عليه رحمة الله يقول: لو أدركت الشافعي عليهم جميعاً رحمة الله لقمت على رأسه على رءوس الأشهاد وقلت: يا إمام قد صح حديث بروع بنت واشق فقل به، وأنت تقول: لو صح حديث بروع لقلت به.وقد قال الشافعي : أن حديث رسول الله هو أول الأمور، ولا حجة في قول أحد دون قول الرسول عليه الصلاة والسلام، وإن كبر.إذاً يقول الإمام ابن الأخرم -شيخ الإمام الحاكم , وينقل عنه هذا الإمام الحاكم في المستدرك في الجزء الثاني صفحة 180- يقول: لو أدركت الشافعي لقمت على رأسه على رؤوس الأشهاد وقلت: يا إمام! قد صح حديث بروع فقل به، فقل: يجب للتي لم يسمَّ لها مهر إذا مات عنها زوجها، مهر المثل، وعليها العدة، ولها الميراث، وإن ماتت قبل زوجها. فزوجها يرث بعد ذلك منها على أنه زوج، وهنا لا يوجد فرع وارث إذا لم يكن لها أولاد من غيره وهو أول من تزوجها، فله نصف مالها، فيعطيها مهر المثل ثم يأخذ نصفه، ثم يأخذ نصف مالها الآخر. هذا إذا ماتت قبله لها مهر المثل، ثم هو وارث من الورّاث يوزع المال حسب ما بيّن ذو العزة والجلال.إخوتي الكرام! كما قلت: حديث واحد، ومع ذلك اختلفت أنظار الأئمة نحوه.أريد أن تكلم باختصار حول هذه القضية كلاماً ينفعنا لنكون على بيّنة من أمرنا.
أسباب اختلاف الأئمة في المسائل الفقهية
إخوتي الكرام! عبد الله بن مسعود ديانته وورعه واحتياطه وخشيته أوجب عليه أن يتوقف في هذه المسألة شهراً كاملاً، ولما لم يجد مناطاً ومخرجاً من بيان الحكم الشرعي في هذه القضية، بذل ما في وسعه حسب أصول الشرع، وقد وافق قضاؤه قضاء النبي عليه الصلاة والسلام، فهنيئاً له، ولذلك فرح فرحاً ما فرح بعد الإسلام بمثله.الأئمة الآخرون الذين وقفوا نحو هذا الحديث ما وقفوا لهم أعذار، ولا يجوز بحال أن نتسفه على إمام من الأئمة، فلما يأتي المالكي يقول: هذا الحديث حوله نظر، فنحن لا نسلّم بثبوته فهو كوفي لا أصل له في شيء، فعليه ننازع بعد ذلك, أنتم قلتم-الحنفية- بالنسبة للموت يجب المهر إذا سُمّي نحن معكم كالوطء، لكن إذا لم يسمَّ لا نوافقكم على قياسكم بأنه يجب مهر المثل، نقول: هذه فرقة على تفويض صحيح قبل فرض ومسيس فلا يجب شيء فيها كفرقة الطلاق، فليس لهذه المرأة شيء.هذا القول الذي قاله المالكية وهم عليه قولٌ معتبر، وإن كان فيما يظهر لنا -والعلم عند الله- أن قول أبي حنيفة -كما قلت- هو أشد الأقوال وأوثقها.فمن العجب أنه عندما يختلف الأئمة ترى قول أبي حنيفة رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين هو أقرب الأقوال وأوثقها للآثار الثابتة، وإن كان هذا الثبوت كلام، لكن هو يقول بهذا.والإمام الشافعي يُعتبر قوله الآن موافقاً لقول أبي حنيفة فله قولان، ورجح الإمام النووي القول الذي يوافق قول أبي حنيفة ، فبقي للحنابلة قولان -كما قلت- وللمالكية قول واحد. فما السبب في هذا الاختلاف؟نقول: هذا يقرر لنا ما قرره أئمتنا، من أن علماء الإسلام لا يأخذون حكماً إلا من نصوص الشرع ولا بد، ولا يوجد إمام من الأئمة إلا ويرى أن طاعة النبي عليه الصلاة والسلام واجبة ظاهراً وباطناً سراً وعلناً، ويجب تقديم قوله على قول كل أحد بعده، ولا خلاف فيه, ولذلك حصل الاختلاف حول هذا الحديث وغيره لثلاثة أسباب ذكرها الإمام ابن تيمية في رفع الملام عن الأئمة الأعلام، ثم فرّع هذه الأسباب الثلاثة إلى عشرة أسباب تفصيلية:
 ذكر بقية الأسباب في اختلاف الأئمة والفقهاء
السبب الرابع: قد يختلق شروطاً في الأحاديث، لا سيما في حديث الآحاد التي لا توجد عند غيره، فيقول: حديث الآحاد إذا لم يجر به العمل فأنا لا أقول به, فهذا مما يدل على أن هذا الحديث منسوخ، فإذا كانت السنة الثابتة لا يعمل بها المسلمون في الصدر الأول فهذا سبب يفيد رد الحديث، وأن هذا حوله شيء يشترط شروطه.فيأتينا مثلاً عمل أهل المدينة الذي كان يعوّل عليهم الإمام مالك ، كان يقدمه على خبر الآحاد، ويقول: هذا عمل تلقاه التابعون عن الصحابة والنبي عليه الصلاة والسلام بينهم, فإذا وجدت سنة فردية تخالف ما عليه عمل أهل المدينة في القرن الثاني, فيدل على أن هذا الحديث منسوخ ومتروك، وإن كان ثابتاً عن النبي عليه الصلاة والسلام، فصار حكمه كحكم القراءة الشاذة التي تروى من طريق آحادي، يعني: لا يقرأ بها وإلا لو كانت ثابتة لقرئ بها في المصحف وتلقاها القراء.وإن كان غير المالكية لا يعتبرون هذا، فلا يجوز أن تلزمه بشروطك، ولا باجتهادك، ولا برأيك, ومن الذي جعل قولك ديناً ثابتاً وقولاً معصوماً لتحكم به على غيرك؟! الحديث الثابت في صحيح البخاري: ( ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجلٌ أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره ).فهذا الحديث إذا ضعفه من جاء في هذا العصر -فأنت إذا فتحت هذا المجال ولم تقف عند ما قرره أئمتنا الأبرار- وهذا ليس من جملة الأحاديث التي انتقدها الدارقطني فما الفارق بينك وبين الغزالي؟ عندما يأتي ويقول: كل حديث يُعرض على عقلنا فحسبما نفهم من ديننا، فإذا لم يوافق نرده أبداً، وليس من أركان الإيمان أن نؤمن أن في أحد جناحي الذباب داء وفي الآخر شفاءً.فيقول: أرد حديث الذباب بلا غضاضة، ولا يقدح ذلك في ديني ولا في يقيني ولا في إيماني!ولذلك إخوتي الكرام! حقيقة عندما وجد في هذه الأمة من قال: باب الاجتهاد يغلق، والله ما أرادوا بإغلاقه إلا محافظة على دين الأمة، وعندما قالوا: التصحيح والتضعيف يترخص, ما أرادوا بهذا الكلام إلا محافظة على دين الأمة، ولا تظن أن الأمر معناه إلزام الناس بالتقليد: لا لكن لو تركت الأمور على الأهواء فلن تنضبط في العصور المتأخرة، مع علم قاصر وعدم ديانة، وكل واحد يقول: إن أصبت فلي أجران، وإن أخطأت فلي أجر. وأنا أقول: إن أخطأ فعليه وزران، وإن أصاب فعليه وزر، وإن أخطأ فعليه إثم الضال والمضل؛ لأنه لا يملك العدة التي تأهله لأن يزج بنفسه في هذه المجالات، فقف عند حدك. ولذلك إخوتي الكرام! لا بد من وعي هذا.السبب الخامس: من حدث ثم نسي فكان يروي الحديث عمن رواه عنه يقول: حدثني فلان، فهنا حفظه وثبت عنده لكن نسيه، فخالفه بعد ذلك، فله عذر في المخالفة، فالله لا يكلف نفسها إلا وسعها.فإذا ثبت عندنا هذا الحديث، وأن هذا الإمام نسيه حتماً يكون هذا تصحيحاً لقوله، وهذا الذي حصل من أتباع الأئمة، كما تقدم معنا كلام الإمام النووي في هذه المسألة التي نحن فيها قال والأظهر: وجوب مهر المثل. فنأتي بعد ذلك لعلماء هذا المذهب كيف حققوه وهذبوه؟ فإذا وجدوا أقوالاً فيها حديث بلغه ثم نسيه، أو حديث ما ثبت عنده لكن هو ثابت من طريق آخر عند غيره فقالوا: يُعمل به ويقدم, هذا كله جاء به بعد ذلك أتباع المذاهب. لذلك إذا خرج قولٌ عن المذاهب الأربعة ينبغي أن يتوقف الإنسان فيه حتى يموت، ولو قرر بأدلة ثابتة ثبوت الشمس في رابعة النهار فيحتاج الأمر إلى احتياط، فلا يكون هناك شيء خفي ما بلغنا, وقد يقول هذا الجاهل بشيء ثم يتراجع عنه لعدم تثبته في ذلك فيقول بعد ذلك: إن ما صححناه كان خطأ, والسبب في التصحيح أن أعيننا سبقت بالنظر إلى السطر الذي قبله، فقلنا: الحديث صحيح وهو ضعيف، كما يقول الآن المحدثون في هذا العصر, يصحح الحديث ثم بعد فترة يأتيك ويقول: سبق نظري إلى الكلام الذي قبله، أو ظننته فلاناً أو ما شاكل هذا، فقف عند حدك.إخوتي الكرام! الإمام ابن تيمية في صفحة 24 في رفع الملام يقول كلاماً والله لو كتبه طالب العلم على جبينه مع كتابته على قلبه لكان قليلاً لنعرف وضعنا. يقول: بل الذين كانوا قبل جمع هذه الدواوين -يعني: كتب السنة- كانوا أعلم بالسنة من المتأخرين بكثير؛ لأن كثيراً مما بلغهم وصح عندهم قد لا يبلغنا إلا عن مجهول، أو بإسناد منقطع، أو لا يبلغنا بالكلية.فعندما يأتي لهذا ويقول: هذا حديث حسن، فحتماً قد يكون أحياناً في الإسناد آفة, فعلى الظاهر أن الحديث ضعيف وغريب، لكن قد يكون له من المتابعات والشواهد بعدد حروف هذا الحديث، وما بلغه شيء من ذلك -هذا كلام الإمام ابن تيمية - فلنعرف قدر أئمتنا.السبب السادس: عدم معرفة دلالته.السبب السابع: أن يرى أن الحديث لا دلالة فيه؛ لأنه إذا كان عاماً وقد خص، فيقول: لا يستدل بعد ذلك به بعد طروء التخصيص عليه, فلا دلالة في الحديث.السبب الثامن: أن يعارضه ما يدل على أن دلالة الحديث الظاهرة ليست مرادة، فعارضه أدلة أخرى.التاسع: أن يعارضه نصوص تدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله.عاشر هذه الأسباب: أن تعارضه أمورٌ ثابتة عند المجتهد ويراها معارضة للحديث، ولا يرى غيره هذه الأمور معارضة.فنقلة الحنفية يقولون: خبر الآحاد إذا خالف ظاهر القرآن لا يُعمل به. ففي حديث الشاهد واليمين نتوقف؛ لأن الله يقول: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ [البقرة:282] فشاهد ويمين ثبتت في الحديث، لكن خالف ظاهر القرآن فلا يُعمل به.هذه الأمور التي قررها الحنفية كنظير ما قرره المالكية في عمل أهل المدينة وعند الشافعية والحنابلة لا يوجد هذا فهؤلاء رأوا أن هذه علة تعارض الحديث، وفي وقوفهم عن العمل به، وأولئك لم يروا هذا.ولا يقال: رد الحديث، والله لا يرد الحديث إلا من لعنه الله العزيز، لكن يقال: من عنده علة أوجبته عن العمل بظاهر الحديث، فمن الأئمة من سلّم ومنهم من لم يسلم. فمن جاء وتبع أبا حنيفة في هذه المسألة وقال: القضاء بشاهد ويمين أنا لا أراه، لا تقل: خالفت حديث النبي عليه الصلاة والسلام، نقول: إن عنده ظاهر القرآن, ولهذا الآن لا أتركه إلا ببينة تشبه القرآن في الثبوت، وهذا القول لا يعتبره الشافعية، ولا يعتبره الحنابلة، ولا يعتبره المالكية, فهم ما رأوه، لكن لا يجوز أن تقول عن الحنفية أنهم ردوا الحديث، أو خالفوا الحديث. وهكذا لما تأتي للمالكية ويقول: عمل أهل المدينة، أنه إذا حصل الإيجاب والقبول فلا خيار للمتبايعين، سواء حصل التفرق بالأبدان أو لم يحصل, فهذا قول الإمام مالك ، فلا يجوز أن يقال عن مالك ما قاله ابن أبي ذئب رحمة الله ورضوانه عليهم قال: مالك رد الحديث ينبغي أن يستتاب, فإن تاب وإلا ضربت رقبته.لا والله ما رد الحديث، وهو ما آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام إلا لأنه رسول الله، يعلم أن كلامه ينبغي الاحتكام إليه, لكن مالكاً كان يقول: إذا تعارضا قوي وأقوى يقدّم الأقوى، والحديث قوي -فما قال: الحديث باطل- لكن عندنا ما هو أقوى، فقدّم الأقوى وهو عمل أهل المدينة عن الصحابة وبينهم النبي عليه الصلاة والسلام، فهل ذكر في هذا حديث بعد ذلك ( البيعان بالخيار ما لم يفترقا ) أو قال: ( حتى يفترقا؛ فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما ).فالآن عمل أهل المدينة يقرر أن المراد من التفرق التفرق -بالأقوال الإيجاب والقبول- بعت واشتريت سواء تفرق بعد ذلك بالأبدان أو لم يتفرق؟ فهذا موضوع آخر اعتبره الشافعية، أو الحنابلة أولا. وينظم إلى تلك الأسباب -كما قلت- احتياط عبد الله بن مسعود في الفتيا كيف توقف شهراً, ثم قضى بأن المفوضة التي لم يفرض لها مهر إذا مات زوجها قبل أن يدخل بها فلها مهر مثلها، وعليها العدة، ولها الميراث. وتقدم معنا أن قضاء نبينا عليه الصلاة والسلام مثل هذا وقلت: إن الحديث صحيح في المسند والسنن الأربع وصحيح ابن حبان والمستدرك وغير ذلك.
ثمرة العلم عند عبد الله بن مسعود
إخوتي الكرام! قبل أن ننتقل إلى الجانب الثالث من جوانب ترجمة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فيما يتعلق بنبذة من أقواله، فهذا العلم الذي كان في هذا الغليّم المعلَّم رضي الله عنه وأرضاه كان له ثمرة في نفسه، وثمرة العلم العمل والخشية من الله عز وجل، فلنتحدث على ثمرة العلم في نفس هذا العبد الصالح عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه.
 نظرة عبد الله بن مسعود إلى الدنيا والآخرة
ومع ذلك رضي الله عنه وأرضاه كان يعطي الدنيا ما تستحق، ويعطي الآخرة ما تستحق. وبما أن الدنيا لا تسوى عند الله جناح بعوضة، فالنكبات والمصائب فيها والمرارات هذه حسنة، ومرة الدنيا حلوة الآخرة.ولذلك كان رضي الله عنه يود ويتمنى ويريد المرارات في هذه الحياة؛ لتحلو له الحياة في الآخرة في نعيم الجنة.فاستمع لكلامه في ذلك رضي الله عنه وأرضاه يقول كما في كتاب الزهد للإمام أحمد ، والرقائق للإمام عبد الله بن المبارك ، والأثر رواه البيهقي في شعب الإيمان وابن أبي الدنيا وأبو نعيم في حلية الأولياء، أنه كان يقول: حبذا المكروهان: الموت، والفقر. وفي بعض الروايات: ألا حبذا المكروهات: الموت، والفقر، والمرض.وفي بعض الروايات كان يقول: ذهب صفو الدنيا وبقي كدرها، فالموت اليوم تحفة لكل مسلم. ولهذا كان سلفنا يحرصون عليه, وهو عندنا الآن من أشنع ما يصاب به الإنسان. سيأتينا إن شاء الله ضمن تراجم الصحابة في ترجمة خالد -في موعظة مختصرة- أنه طلق زوجة من زوجاته؛ لأنها بقيت عنده فترة ولم تمرض، قال: مالها لا تمرض؟ فلم لا تمرض كما يمرض المسلمون؟ فهذه كالعلامة أن الله يوسع لها في هذه الحياة، فاستمع لمثل هذا الكلام الذي نقل عن عبد الله بن مسعود ، ونقل عن أبي الدرداء أيضاً وهم إخوة بعضهم من بعض.يقول كما في طبقات ابن سعد وشعب الإيمان للإمام البيهقي : عن أبي الدرداء رضي الله عنه وأرضاه قال: أحب الفقر تواضعاً لربي، وأحب المرض تكفيراً لخطيئتي، وأحب الموت اشتياقاً لربي, فهذه مكروهات لكنها محبوبة؛ لما يترتب عليها من الخيرات في العاجل والآجل.فأما الفقر فتواضع لله, الله هو الغني, والمرض يكفر الخطايا، فإذا أصبت بمرض نقلت من ذنوبك وتحاتت عنك خطاياك كما يسقط الورق عن الشجرة اليابسة, ويحب الموت اشتياقاً للقاء الله. لأنه أعد العدة لهذا اليوم فهذا اليوم الذي كنت أتمناه، حبيب جاء على فاقه، لا أفلح من ندم، غداً نلقى الأحبةمحمداً وصحبه, على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه.إخوتي الكرام! وإذا كان عبد الله بن مسعود يطوف في زمن الخليفة الراشد الثالث، يقول: ذهب صفو الدنيا وبقي كدرها، فما أدرك فتنة من الفتن، فماذا يقول لو أدرك زماننا؟وقد جاء مرة بعض الناس إلى بعض الشيوخ، وقال له: رأيت رؤية لكن مفجعة. فقال: ما هي؟ قال: مفجعة. قال: ما هي؟ قال: مفجعة. قال: ما هي؟ ثم قال له: رأيت أنك ميت. قال: أخلص من رؤيتك ورؤية أمثالك. قد قلت إذ مدحوا الحياة وأسرفوافي الموت ألف فضيلة لا تعرفمنها أمان عذابه بلقائهوفراق كل معاشر لا ينصفنحن عادة ماذا نتوقع ونرتجي من هذه الحياة التي فيها ما فيها من الكربات والغصص؟ انظر لتعلق همتهم إلى ما عند ربهم, يحب الفقر، ويحب المرض، ويحب الموت ويتمناه. فالموت تحفة كل مؤمن.تقدم معنا في دروس متعددة، وقلت: إنه حديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام, رواه الحاكم في المستدرك، وأبو نعيم في الحلية، والطبراني في معجمه الكبير، وإسناد الأثر ثقات أثبات. وقال عنه الإمام المنذري في الترغيب والترهيب: إسناده جيد, في الجزء الرابع صفحة 335. وانظروا كلام الهيثمي عليه في المجمع في الجزء الثاني صفحة 320 وقال: رجاله ثقات. والحديث رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان، وشيخ الإسلام الإمام عبد الله بن المبارك وعبد بن حميد وغيرهم, عليهم جميعاً رحمة الله ورضوانه.فهذا ما يقوله هذا العبد الصالح، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب الاستنجاء بالحجرين [7] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net