اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب الاستتار عند الحاجة، والاستنجاء باليمين، والاستنجاء بالحجارة [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب الاستتار عند الحاجة، والاستنجاء باليمين، والاستنجاء بالحجارة [1] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
من الآداب النبوية عند قضاء الحاجة أن يستر المسلم عورته ما استطاع عن الناس فلا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض، ولا يمس ذكره بيمينه عند الاستنجاء، ولا يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، ولا يستنجي برجيع أو عظم.
بيان طرق حديث: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد الحاجة...)
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد:فقد وصلنا إلى الباب العاشر من أبواب الطهارة من جامع الإمام أبي عيسى الترمذي رحمه الله، وسنتدارس في هذا المبحث ثلاثة أبواب بإذن الله، وهي الباب العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر.أما الباب العاشر: فهو باب ما جاء في الاستتار عند الحاجة. ويريد بالحاجة هنا قضاء حاجة البول أو الغائط، أي: إذا أراد الإنسان أن يقضي حاجته فينبغي أن يستر -ما استطاع- عورته، كما سيأتينا هذا في فقه الحديث إن شاء الله، وأنه يكشف من عورته ما يكشفه بمقدار الضرورة عند الكشف ووقت الكشف ولا يتوسع.قال أبو عيسى الترمذي عليه رحمة الله: حدثنا قتيبة بن سعيد ، قال: حدثنا عبد السلام بن حرب الملائي ، عن الأعمش ، عن أنس رضي الله عنه، قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض).قال أبو عيسى : وروي عن محمد بن ربيعة عن الأعمش ، عن أنس هذا الحديث.إذاً الراوي عن الأعمش عبد السلام بن حرب ، وهذا سيأتينا إن شاء الله ضمن تخريج الحديث؛ لأنه يقول: إن هناك طريقاً آخر رواه محمد بن ربيعة ، عن الأعمش ، يعني: كأنه يريد أن يقول: تابع محمد بن ربيعة، عبد السلام بن حرب في روايته عن الأعمش ، وروى وكيع ، وأبو يحيى الحماني عن الأعمش ، قال: قال ابن عمر رضي الله عنهما أجمعين: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض).إذاً: عندنا راويان عن الأعمش : عبد السلام بن حرب الملائي ، ومحمد بن ربيعة ، عن الأعمش ، عن أنس رضي الله عنه.وعندنا راويان عن الأعمش ، وهما وكيع ، وأبو يحيى الحماني ، عن الأعمش، عن ابن عمر ، فالحديث من مسند صحابيين، ورواه في كل طريق راويان عن الأعمش ، فمصدر الحديث الأعمش في روايته عن أنس ، وعن ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين.قال الترمذي : وكلا الحديثين مرسل، يعني: منقطع كما سيأتينا في شرح كلامه؛ لأنه لا ينطبق عليه شرح المرسل الاصطلاحي، وهو: ما رفعه التابعي إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا لا يوجد هنا؛ لأنه قد ذكر الصحابة في الإسناد، لكن الإرسال هنا يعني به الانقطاع؛ لأن الأعمش لم يسمع أحداً من الصحابة، فروايته عنهم منقطعة ولا سيما وهو مدلس.قال الترمذي : وكلا الحديثين مرسل، يعني: منقطع، ويقال: لم يسمع الأعمش من أنس ، ولا من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نظر -يعني: الأعمش - إلى أنس بن مالك قال: رأيته يصلي فذكر عنه حكايةً في الصلاة، ستأتينا إن شاء الله، وهذه الحكاية نقلها عنه عندما رآه يصلي في مكة المكرمة في مسجد الله الحرام.والأعمش اسمه: سليمان بن مهران أبو محمد الكاهلي ، وهو مولى لهم، قال الأعمش : كان أبي حميلاً فورثه مسروق ، وسيأتينا اختلاف أئمتنا في إرث الحميل إن شاء الله، والحميل: هو الذي يحمل مع أحد من أقاربه من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام، ثم يدعي الحامل ثبوت نسب بينه وبين من حمله، فأم الأعمش من بلاد الشرك وجاءت به إلى بلاد الإسلام، وقالت: هذا ولدي، فعندما ماتت ورثه مسروق ؛ لأنه يرى أن الحميل يرث ممن ادعى نسبه، وسيأتينا خلاف العلماء في ذلك، هل يثبت النسب لهذا الأمر أم لا؟ واتفقوا على أنه لو ادعى الأب النسب وصدقه الابن يثبت، وما عدا هذا فلا، وسيأتينا الكلام عليه إن شاء الله.سنذكر البابين الآخرين، ثم نتدارس مباحث الحديث على الترتيب إن شاء الله.
 

ما جاء عند الترمذي في النهي عن مس الذكر باليمين في الاستنجاء
الباب الحادي عشر: باب ما جاء في كراهة الاستنجاء باليمين. قال الترمذي عليه رحمة رب العالمين: حدثنا محمد بن أبي عمر المكي ، قال: حدثنا سفيان بن عيينة ، عن معمر ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه يعني: أبا قتادة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه).وفي هذا الباب عن عائشة ، وسلمان ، وأبي هريرة ، وسهل بن حنيف ، قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح، وأبو قتادة الأنصاري اسمه الحارث بن ربعي ، والعمل على هذا عند عامة أهل العلم؛ كرهوا الاستنجاء باليمين.
 

ما جاء عند الترمذي في الاستنجاء بالحجارة
الباب الثاني عشر: باب الاستنجاء بالحجارة.قال أبو عيسى الترمذي رحمة الله عليه: حدثنا هناد ، قال: حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، قال: (قيل لـسلمان -يعني: سلمان الفارسي رضي الله عنه كما سيأتينا- قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة؟ -يعني حتى أحكام قضاء الحاجة والذهاب إلى الغائط- فقال سلمان : أجل، نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، وأن نستنجي باليمين، أو أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو عظم)، والرجيع هو: الروث، وسيأتينا شرح هذا في فقه الحديث، والحكمة من النهي عن الاستنجاء وهو الاستجمار هنا بالرجيع الذي هو الروث ويقال له: رجيع؛ لأنه رجع عن حالته التي كان عليها وتغير من طهارة إلى نجاسة، (برجيع أو عظم)، والعظم معروف.قال أبو عيسى : وفي الباب عن عائشة ، وخزيمة بن ثابت ، وجابر ، وخلاد بن السائب ، عن أبيه وهو: السائب بن يزيد رضي الله عنهم أجمعين. قال أبو عيسى: وحديث سلمان في هذا الباب حديث حسن صحيح، وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم: رأوا أن الاستنجاء بالحجارة يجزئ ويريد بالاستنجاء هنا الاستجمار، ولا خلاف بين أئمتنا في إجزاء هذا كما سيأتينا، لكن استعمال الماء أفضل، فهو مروءة آدمية ووظيفة شرعية، والحجارة تزيل العين ولا تذهب الأثر، وأما الماء يزيل العين ويذهب الأثر، ولذلك يصبح الإنسان طيباً مطيباً، إنما لو قدر أنه لا يوجد ماء أو شق عليه استعماله، أو أراد أن يترخص أحياناً وأن يستنجي بالحجارة، أو بالورق، أو بغير ذلك فالأمر فيه سعة.إذاً: أكثر أهل العلم على أن الاستنجاء بالحجارة يجزئ وإن لم يستنج بالماء إذا أنقى أثر الغائط والبول، وبه يقول الثوري ، وابن المبارك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق.
 

تراجم رجال باب ما جاء في الاستتار عند الحاجة
نتدارس الآن في المبحث الأول: رجال الأسانيد لهذه الأحاديث، ثم بعد ذلك ندخل في فقه الحديث وفي بيان درجة الأحاديث ومن خرجها، وتخريج الروايات التي أشير إليها في نهاية كل باب.الراوي الأول: قتيبة بن سعيد وهو شيخ الترمذي تقدم معنا مراراً وورد معنا ذكره في أول حديث ذكره الترمذي من جامعه.
 ترجمة مسروق بن الأجدع
ثم ذكر مسروقاً وهو من رجال الترمذي وسنذكر ترجمته. مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي أبو عائشة الكوفي ، ثقة فقيه عابد، شيخ أهل اليمن، مخضرم يعني أدرك الجاهلية والإسلام، ولم تثبت رؤيته للنبي عليه الصلاة والسلام، من الطبقة الثانية، توفي سنة اثنتين أو ثلاث وستين للهجرة، حديثه مخرج في الكتب الستة، أخرج حديثه الجماعة.قال الذهبي في ترجمته في السير في الجزء الرابع صفحة ثلاث وستين: عداده في كبار التابعين المخضرمين، سمي مسروقاً لأنه سُرِقَ وهو صغير، كما قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، ثم وجد فقيل له: مسروق ، سرق ووجد، فسمي بهذا الاسم، فصار اسماً له يعرف به، قال أنس بن سيرين فيما يرويه عن امرأة مسروق تقول: كان مسروق يصلي في الليل حتى تتورم قدماه، من العباد الخاشعين المخبتين، تقول امرأته: فربما جلست أبكي مما أراه يصنع بنفسه، ولما حج لم ينم إلا ساجداً على وجهه حتى رجع، فمن اليمن إلى مكة لم يضع جنبه على أرض، فإذا جاءه النوم ينام وهو ساجد، حتى عندما كان يركب على الناقة في رحلته لا ينام إلا وهو ساجد، وكان يقول: لأن أفتي يوماً بعدل وحق أحب إلي من أن أغزو سنة، وهذه هي منزلة العلماء لذا أخلفهم جل وعلا. وأما اسم أبيه الأجدع فقد غير عمر بن الخطاب اسم والد مسروق إلى عبد الرحمن، وكان لا يعرف مسروق إلا أنه ابن عبد الرحمن ، مسروق بن عبد الرحمن ، وكان اسمه في الديوان كذلك، وإذا خرج عطاؤه قيل: هذا عطاء مسروق بن عبد الرحمن الوادعي الهمداني ، أما الأجدع هذا فحذف، وليت الحافظ ابن حجر حذفه من التقريب، وقال: مسروق بن عبد الرحمن .جاء في المسند، وسنن أبي داود ، وابن ماجه ، ورواه الحاكم في المستدرك: ( أن عمر لقي مسروقاً وأعجب به، ورآه يقيم الصلاة والعبادة، فقال له: ما اسمك؟ قال: مسروق بن الأجدع ، فقال له عمر رضي الله عنه: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الأجدع شيطان )، هذا من أسماء الشيطان، فأنت كأنما سميت نفسك شيطاناً أو إبليساً ويقال: إنه اسم للشيطان وأن أبو مرة كنية له، قال: (الأجدع شيطان)، أنت مسروق بن عبد الرحمن ، وكان اسمه في الديوان كذلك، وهذا الحديث في إسناده مجالد بن سعيد الهمداني أبو عمرو الكوفي ، وليس بالقوي؛ لأنه تغير في آخر عمره، وقد توفي سنة أربع وأربعين ومائة للهجرة، وهو من رجال مسلم ، والسنن الأربعة رحمة الله عليهم جميعاً، والإمام مسلم إنما أخرج له مقروناً بغيره ولم يخرج لـمجالد بن سعيد في الأصول، والحديث لو سلم من مجالد لكان له من القوة ما يفوق درجة الصحة.
تراجم رجال باب ما جاء في كراهة الاستنجاء باليمين
أما ما يتعلق بترجمة رجال الحديث الأول في الباب الثاني باب ما جاء في كراهة الاستنجاء باليمين.
 ترجمة أبي معاوية الضرير
الباب الثالث وهو الثاني عشر الاستنجاء بالحجارة، حدثنا هناد تقدم معنا عند الحديث الأول، وهذا من الشيوخ الذين أكثر عنهم الإمام الترمذي في جامعه. قال: حدثنا أبو معاوية ، هذا أول مكان يرد فيه ذكر أبي معاوية ، ولم يذكر اسمه وهذه كنيته، وترجمته في الكنى أبو معاوية ، ويحيلك بعد ذلك عليه، وهو أبو معاوية محمد بن خازم ، بالخاء المعجمة ليس حازم بالمهملة، أبو معاوية الضرير الكوفي ، عمي وهو صغير، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش ، وقد يهم في غيره، أي: إذا روى عن غير الأعمش قد يهم ويخطئ، وأما روايته عن الأعمش فتقدم على من عداه، من كبار التاسعة توفي سنة خمس وتسعين، بعد المائة، رمي بالإرجاء، وقلت لكم: سيأتينا الرمي بهذا اللقب لكثير من الرواة فانتبهوا الآن، غاية ما نقول في الإرجاء الذي رمي به من رمي أنه إرجاء الخطأ، أخطأوا في اللفظ عندما عرفوا الإيمان، لكن هذا لا ينقص من درجتهم، ومع ذلك لا نتبعهم على ما خالفوا فيه، وخلافهم مع جمهور أهل السنة خلاف لفظي، ورميهم بهذا اللقب لا ينزل من درجتهم، ولا يوصفهم بالإجحاف، حديثه في الكتب الستة، أخرج حديثه الجماعة.قال الذهبي في السير: عمي وهو ابن أربع سنين، وقال أبو داود : يقال: عمي وهو ابن ثمان سنين، ولما مات لم يحضر وكيع جنازته كما تقدم معنا أيضاً أن سفيان الثوري لم يحضر جنازة شريك ووكيع أيضاً أو سفيان لم يحضر جنازة ابن أبي رواد عبد المجيد ، ووكيع لم يحضر جنازته لأنه مرجئ، وكما قلت لكم: يعني لا يجوز أن تقابل الشدة بالشدة، والخطأ بالخطأ، فما جرى من أبي معاوية خطأ في اللفظ لكن لا يستحق أن لا يصلى عليه، ومن لم يصل عليه هو يعلم أنه يستحق أن يصلي عليه لكن أراد أن ينفر الناس عنه بهذا، وليته أخبرهم بغير هذا المسلك الشديد.كان يقال له: رئيس المرجئة بالكوفة، لأنه بعد أبي حنيفة ، وأبو حنيفة كان يقال له أيضاً: رئيس المرجئة في زمانه، وهذا بعده كما قلنا؛ لأنه توفي في سنة خمس وتسعين ومائة، وأبو حنيفة سنة خمسين ومائة، فهذا في زمانه كان شيخاً للمرجئة يقول: بأن الإيمان اعتقاد وإقرار والعمل ليس من مسماه، لكن إن فعلته صرت صالحاً، وإلا فأنت فاسق شقي.قال ابن حبان : كان حافظاً متقناً، لكنه كان مرجئاً خبيثاً، لا يا عبد الله! والله إنه مبارك طاهر علم إمام، وليس كما قلت، وإرجاؤه لا ينقص قدره لا في الدنيا ولا في الآخرة إن شاء الله، مثل هذه الألفاظ التي وقعت من بعض العلماء المتقدمين، أو من بعض اللاحقين في هذا الحين، هذا مما ينبغي أن تصان عنه الألسن، ولذلك من كان يضبط نفسه عن مثل هذه الألفاظ فله منزلة عالية في الدنيا إن شاء الله وفي الآخرة، وكان أكثر من يتحرى في ضبط لسانه الإمام البخاري ، فكان أعف خلق الله لساناً، ما أطلق لفظةً جارحةً على إنسان، وكان عندما يريد أن يطعن فيه ويشنع في جرحه يقول عنه: منكر الحديث، فلا تراه يستعمل تلك العبارات التي منها: دجال، وخبيث، ووضاع، وكذاب، كل هذا كان ينزه لسانه عنه، وينبغي أن نتصف بهذا الخلق الجميل الجليل، وابن حبان يقول: ولكنه كان مرجئاً خبيثاً، أما إنه خبيث والله ليس بخبيث، وحديثه في الكتب الستة، وإذا كان خبيثاً هل تأتي روايته في الصحيحين؟!كان أبو معاوية إذا دُعي إلى طعام يسب هارون الرشيد على ندم، ومرة أراد أن يغسل يديه بعد الطعام، فقام هارون وصب على يديه الماء وقال له: يا أبا معاوية ! أتدري من يصب على يديك الماء؟ فقال: لا، قال: هارون ، فقلت: أجلك الله كما أجللت العلم وأهله، هارون الرشيد يصب على يدي أبي معاوية الضرير الماء بعد أن يأكل عنده. وكان يقول أبو معاوية كما في سير أعلام النبلاء في الجزء السادس صفحة أربعمائة وواحدة: حب أبي حنيفة من السنة، وأنا كنت ذكرت سابقاً في بعض المباحث: أن حب الإمام أحمد عليه رحمة الله من الدين، وأن ذكره من مجالس الذكر، وقلت: إن المراد من ذكره أن نذكر فضائله وجده واجتهاده والتزامه وصبره ونشره لدين الله رحمه الله، وإذا فعلنا هذا فالله يرضى عنا وينزل علينا الرحمات، فقام بعض السفهاء الذين سمعوا هذا الكلام فتركوا ما بعده وما قبله وصار حاله كحال من قال: إن الله نهانا عن قربان الصلاة؛ لأنه قال: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ [النساء:43]. وحال من قال: إن الله تهدد المصلين بالعذاب الأليم فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ [الماعون:4]، حسناً يا عبد الله أكمل ما بعدها! وقولي: ذكر أحمد من مجالس الذكر هذا القول قيل عن أئمتنا كيف سنؤوله، وما المراد منه؟ ثم ليته إذا حذف هذا الكلام ونسبه إلى من قاله من أئمتنا الأعلام، قال: أنا أقول: هذا الكلام غير صحيح، وفلان مخطئ، أيضاً ما نسبه إلى ذلك الإمام الذي نسبته إليه، فجاء نسبه إليه، ليته عندما نسبه إليه ما فسره بحيث يتلاعب فيه، ماذا قال: قال: أنا أقول: ذكر أحمد من مجالس الذكر يعني نجلس ونقول: أحمد أحمد أحمد أحمد أحمد كما نقول: بدوي بدوي بدوي بدوي! والله الذي لا إله إلا هو لو أن الشيطان قيل له: ماذا تقول في هذا الكلام؟ لقال: استحوا عباد الله من الافتراء والكذب! يعني ذكر أحمد من مجالس الذكر يعني ذكر أحمد مثل لا إله إلا الله، كما نقول: لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، نقول: أحمد أحمد أحمد أحمد أحمد! هذا لا يقوله إلا من طمس الله على بصيرته. يا عبد الله! ينبغي أن تنصف حتى مع الكفار، وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا [المائدة:2]، الذين هم كفار وصدوك لا يجوز أن تعتدي، فكيف مع المؤمنين الذين ينقلون الكلام عن أئمة الهدى فتأتي تحذف من نسب إليه الكلام، وتحذف تأويلي للكلام، وتنسب الكلام إلي، وتؤوله لما تريد أنت، هذه ليست ديانة بل هي خيانة، يا عبد الله! انقل ما قيل، ثم إذا عندك اعتراض اذكره ليظهر للناس من المفتري، أما لما تذكر الكلام تقول: عبد الرحيم يقول للناس: ذكر أحمد من مجالس الذكر يعني أحمد أحمد أحمد! لو حتى يقول كل من يسمع هذا: أعوذ بالله من يقول هذا! وهنا حب أبي حنيفة من السنة ومن الدين، وهذا حب العلماء أجمعين وحب المسلمين كذلك.هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب الاستتار عند الحاجة، والاستنجاء باليمين، والاستنجاء بالحجارة [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net