اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول وباب الرخصة في ذلك [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول وباب الرخصة في ذلك [2] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
أكرم الله عز وجل الصحابي الجليل أبا أيوب الأنصاري بالشهادة في سبيله تحت أسوار القسطنطينية. وقد نقل العلم لهذه الأمة أئمة، منهم محمد بن إسحاق وعبد الله بن لهيعة واختلف فيهما توثيقاً وضعفاً، وعلمنا شرعنا الأدب والحياء، وترك ما يستهجن من الأقوال والأعمال كما في قضاء الحاجة، وذهب علماء إلى حرمة استقبال القبلة مطلقاً ولهم أدلتهم وردودهم على الآخرين.
ذكر موت أبي أيوب الأنصاري ومكان وفاته
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد:فكنا نتدارس الباب السادس والسابع من أبواب الطهارة في جامع الإمام أبي عيسى الترمذي ، وهذان البابان يتعلقان بأدب رفيع ينبغي أن يحافظ الإنسان عليه عند قضاء حاجته، والباب السادس عنوانه: بابٌ في النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول، والباب السابع باب ما جاء من الرخصة في ذلك، وقد أورد الإمام الترمذي في هذين البابين أربعة أحاديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام، أول هذه الأحاديث حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا، قال أبو أيوب : فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت مستقبل القبلة، فننحرف عنها ونستغفر الله )، قال أبو عيسى : حديث أبي أيوب أحسن شيء في هذا الباب وأصح، وأما الأحاديث الأخرى يأتي الكلام عليها إن شاء الله بعد حديث أبي أيوب .إن الجهة المكرمة ينبغي أن نكرمها عن كل ما يمتهن ويستقذر، وقد كان أئمتنا رضوان الله عليهم أجمعين يحافظون على هذا الخلق الكريم، فقد نقل الإمام أبو نعيم عن أشد هذه الأمة حياءً بعد نبينا عليه الصلاة والسلام ألا وهو عثمان بن عفان رضي الله عنه وعن الصحابة الكرام، ينقل عنه في ترجمته في الحلية أنه قال: ما مسست عضوي بيدي منذ أن بايعت النبي صلى الله عليه وسلم، أي: ما مس ذكره بيده بعد أن صافح النبي عليه الصلاة والسلام، وبايعه ودخل في الإسلام، يد تصافح يد النبي عليه الصلاة والسلام ينبغي أن تصان عن ذلك العضو الذي له حالة تستر ويستحيا من ذكرها، هذا هو الحياء، هذا هو الأدب الجم الذي كان عليه سلفنا الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.وعلى عادتنا سنتدارس مباحث الحديث ضمن مراحل، أولها: في ترجمة رجال الإسناد، وقد بدأنا في مدارسة رجال إسناد الحديث الأول، أعني حديث أبي أيوب رضي الله عنه وأرضاه، ووصلنا إلى ترجمته، بل قد انتهينا منها أيضاً ووصلنا إلى شيء نختم به ترجمته الطيبة العطرة، ألا وهي دفن هذا العبد الصالح، وأين دفن؟ تقدم معنا أنه أنصاري، وقد نزل عليه سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام عندما هاجر إلى المدينة المنورة، وتشرف أبو أيوب ، وتبرك بحلول نبينا عليه الصلاة والسلام مع أمنا سودة رضي الله عنها وأرضاها عليه حتى بنيت للنبي عليه الصلاة والسلام حجرة انتقل إليها.وتقدم معنا حال أبي أيوب في مجاورته لنبينا عليه الصلاة والسلام عندما كان ضيفاً عنده وحالاً عليه، وأن هذا الصحابي الجليل كان سلفنا يعرفون له هذه المنقبة، وتقدم معنا كيف أكرمه عبد الله بن عباس رضوان الله عليهم أجمعين، لأنه أكرم نبينا عليه الصلاة والسلام.يعد أبو أيوب من أهل المدينة المنورة، ولكنه دفن في بلاد تركيا، عند سور القسطنطينية، فقد ذهب إلى الغزو والفتوح في سبيل الله جل وعلا, وجاءته منيته في ذلك المكان. لما مرض أبو أيوب وهو في الغزو، وكان الأمير على تلك الغزوة يزيد بن معاوية جاءه يزيد يعوده فقال: ما حاجتك أبا أيوب ؟ أي: ماذا تريد؟ وبأي شيء توصينا إذا جاءتك المنية وحضر الأجل؟ قال: إذا أنا مت فاركب بي، أي: ضعني على دابة على خيل، ثم تبيض، أي: تمدد وتوسع، ثم تبيض في أرض العدو، أي: ادخل فيها ما استطعت بعيداً عنكم وليكتب لي أجر الغزو في تلك البقاع، ثم تبيض في أرض العدو ما وجدت مساراً، فإذا لم تجد مساراً فادفني ثم ارجع، فقد سمعت الله جل وعلا يقول: انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا [التوبة:41]، وأنا نفرت، ولا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً، فأنا بين حالتين، إما أنني أستطيع الجهاد والقتال بيسر وسهولة، وهذا هو خفافاً، أو ثقالاً: أي: بكلفة وشدة، والله ما عذر أحداً فقال: انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا [التوبة:41]، ولا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً، وعليه ينبغي إذاً: أن أنال هذا الأمر. وهذه الآية معناها أن الإنسان ينبغي أن يخرج إلى الغزو إذا تعين عليه، سواء كان خفيفاً أو ثقيلاً، وما قاله أئمتنا الكرام في تفسير هذه الآية هو يدخل تحت هذا الضابط الذي ذكرته، قال أئمتنا: (خفافاً وثقالاً) أي: شيوخاً وشباناً، فالشاب ينفر بخفة ويسر، والشيخ ثقيلاً، شباناً وشيوخاً، رجالاً وركباناً، الراكب ينفر خفيفاً، والذي يمشي على رجليه يمشي ثقيلاً بمشقة، أغنياء وفقراء، فالغني ينفر بيسر وسهولة؛ لأنه عنده ما يتزود به، والفقير بمشقة وكلفة، فنفره ثقيل، انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا [التوبة:41]، سواء كان عندكم كثرة عيال أو قلة عيال، فالذي عنده قلة عيال نفره أيضاً خفيف، وكثرة العيال يكون فيها مشقة عندما يخرج الإنسان، انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا [التوبة:41]، أصحاء أو مرضى، فكما قلت: (خفافاً وثقالاً) تدخل في الضابط الذي تقدم معنا، انفروا خفافاً وثقالاً، سواء كان عندكم أشغال تقومون بها أو فارغين، انفروا خفافاً وثقالاً، عزاباً ومتأهبين، وهذه كلها كما قلت: الخفاف بما فيه يسر، وثقالاً بما فيه شدة على هؤلاء. وقيل بتفسير آخر، وهو عكس ما تقدم، (انفروا خفافاً وثقالاً) أي: مثقلين بالسلاح أو خفيفين منه، وعليه ثقالاً إذا كان عندكم سلاح تحملونه، فهنا ثقالاً، أي: فيه يسير عليكم مع أنه يحمل السلاح، وهنا عكس المعاني المتقدمة، فالثقال فيه خفة، والخفاف فيه مشقة؛ لأن من يخرج إلى الغزو بغير سلاح يشق عليه، ومن يخرج إليه بسلاح مع أنه ثقيل، لكن يخف عليه، فهذا المعنى يختلف عن تلك المعاني المتقدمة، وكما قلت: هو يدخل ضمن الضابط الذي ذكرته بيسر وسهولة، أو مشقة أو شدة، انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا [التوبة:41].هذا آخر ما يتعلق بترجمة أبي أيوب وقد كانت وفاته سنة اثنتين وخمسين من هجرة نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، ودفن -كما قلت- عند سور القسطنطينية، وقد أكرمه الله جل وعلا، فكان الروم يحترمون قبره، ويعظمونه ولا يمتهنونه، ويقولون: هذا قبر العبد الصالح صاحب النبي عليه الصلاة والسلام، والمفروض أنه جاء يقاتلهم، ثم دفن في بلادهم، أنهم ينبشونه ويمثلون به.هذا ما يتعلق برجال إسناد الحديث الأول، وأما ما يتعلق بفقهه فيأتي الكلام عليه بعد الانتهاء من المبحث الأول من تراجم أسانيد الأحاديث الأربعة، وما ذكر من رجال ضمن الحديث الأول كـأبي الوليد المكي وقول الإمام الشافعي وإسحاق بن راهويه، فهذا ليس في رجال الإسناد، ويأتينا -أيضاً- ذكره بعد أن ننتقل من رجال الإسناد وفقه الحديث، عند القراءة الأخيرة على عادتنا، ونعلق على كل جملة منها حسب ما تقدم معنا، وأي شيء لم نذكره سوف نتدارسه إن شاء الله في حينه.
 

تراجم رجال حديث جابر: (نهى النبي أن نستقبل القبلة ببول ...)
أما الحديث الثاني: حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى ، تقدم معنا ترجمة محمد بن بشار ومحمد بن المثنى قبل تراجم رجال الإسناد المتقدم فيما مضى، وقلت: كلاً من هذين العبدين الصالحين حديثه مخرج في الكتب الستة، وولدا وماتا في سنة واحدة رحمة الله ورضوانه عليهما توفيا سنة اثنتين وخمسين ومائتين للهجرة.
 ترجمة أبان بن صالح
عن أبان بن صالح بن عمير القرشي مولاهم، قال الحافظ ابن حجر: وثقه الأئمة، ويقصد بالأئمة جميع أئمة الحديث، ولم ينقل عن أحد منهم تضعيف له، منهم ابن معين ، والإمام أحمد ويعقوب بن شيبة ، وأبو زرعة وأبو حاتم ، وقال الحافظ في التلخيص الحبير: ثقة بالاتفاق، يعني: ما جرى حوله كلام من إمام، وما أحد تكلم فيه، وإنما قال الإمام هذا ابن حجر ليدفع وهم ابن حزم وجهله به، حيث حكم على حديثه بأنه مردود، وقال: لأن أبان بن صالح مجهول، وقد سبق أن ابن حزم لم يعرف الترمذي وهو أعلى منه، وكذلك ابن عبد البر ضعف أبان بن صالح ، وهذا مردود عليهما.إذاً: أبان بن صالح وثقه الأئمة كما قال في التلخيص: ثقة بالاتفاق. عن مجاهد ، وقد تقدمت معنا ترجمته عند الحديث الرابع، فلا داعي للإعادة. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وقد تقدمت ترجمته أيضاً بعد ترجمة مجاهد عند الحديث الرابع فيما مضى. قال أبو عيسى : حديث جابر في هذا الباب حديث حسن غريب.
تراجم رجال حديث أبي قتادة أنه: (رأى النبي عليه السلام يبول مستقبل القبلة)

 ترجمة أبي قتادة الصحابي الجليل
وقد روى هذا الحديث ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر عن أبي قتادة ، وهو صحابي لم يرد معنا ترجمته، سأذكر ما يتعلق بترجمته على وجه الاختصار على حسب ما قاله الحافظ ابن حجر في التقريب، وأضيف عليه شيئاً يسيراً لننتقل إلى مدارسة بقية رجال أسانيد هذه الأحاديث إن شاء الله.أبو قتادة الأنصاري الخزرجي ، ينظر في الكنى، اسمه: الحارث ، ويقال: عمر ، ويقال: النعمان أبوه ربعي بن بلدمة بضم الباء الموحدة وإسكان اللام، إذاً اسمه الحارث بن ربعي بن بلدمة السلمي بفتح السين، المدني، شهد أحداً وما بعدها، ولم يصح شهوده بدراً، توفي سنة أربع وخمسين على المشهور، وهذا أصح ما قيل، وقيل: سنة ثمان وثلاثين، حديثه مخرج في الكتب الستة، أخرج حديثه الجماعة، وإنما قيل: سنة ثمان وثلاثين؛ لأنه ورد في بعض الروايات، وهذه وهم قطعاً: أن علياً رضي الله عنه صلى عليه صلاة الجنازة، وعلي رضي الله عنه توفي سنة أربعين للهجرة، ولذلك قيل: سنة ثمان وثلاثين، لكن هذا وهم، والصحيح أنه توفي سنة أربع وخمسين في المدينة المنورة، ودفن في البقيع.يعد أبو قتادة من فرسان الصحابة، ومن شجعانهم، وقد ثبت في المسند وصحيح مسلم ومعجم الطبراني الكبير، والحديث في أصح درجات الحديث، ولفظه في صحيح مسلم طويل، ومحل الشاهد فيه قول نبينا عليه الصلاة والسلام: ( خير فرساننا أبو قتادة ، وخير رجالتنا سلمة بن الأكوع )، يعني: خير من يعدو على رجليه، وكان سلمة بن الأكوع يسبق الفرس، فلو سابقته الخيل المسرعة لسبقها.وقد دعا له النبي عليه الصلاة والسلام بأن يبارك الله له في شعره وبشره، روى ذلك الإمام الحاكم في المستدرك بسند صحيح في الجزء الثالث صفحة ثمانين وأربعمائة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( اللهم بارك في شعره وبشره، ثم قال له: أفلح وجهك )، وسبب دعاء النبي عليه الصلاة والسلام له أنه قتل مسعدة الفزاري ، وهو من المشركين العتاة، ( فقال أبو قتادة رضي الله عنه وأرضاه: ووجهك يا رسول الله! ثم قال له النبي عليه الصلاة والسلام: قتلت مسعدة؟ قال: قلت: نعم يا رسول الله! قال: فما هذا الذي أرى في وجهك؟ قال: قلت: يا رسول الله! جاءني سهم )، أي: هذا الشق والضرب من أثر السهم الذي وقع في وجهي، قال: ( ادنوا مني، فدنوت منه، فبصق النبي صلى الله عليه وسلم على محل ضربة السهم، فما ضرب عليّ قط ولا قاح ). قوله: (فما ضرب) يعني: ما آلمني، وكان الجرح كما يقال حاراً وبارزاً وظاهراً، فبصق النبي عليه الصلاة والسلام عليه، فما ضرب عليه ولا آذاه، ولا شعر به بعد ذهاب حرارة الجرح. قوله: (ولا قاح)، أي: ما صار له بعد ذلك قيح وصديد كحال الجروح الأخرى، وهذا ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم.
تراجم رجال حديث: (رقيت يوماً على بيت حفصة ...)

 ترجمة عبدة بن سليمان
عبدة بن سليمان الكلابي ، أبو محمد الكوفي ، يقال: اسمه عبد الرحمن ، ثقة ثبت من صغار الثامنة، توفي سنة سبع وثمانين، يعني بعد المائة، حديثه مخرج في الكتب الستة.
فقه حديث: (إذا أتيتم الغائط...)
بعد أن انتهينا من المبحث الأول في تراجم رجال الإسناد ننتقل إلى المبحث الثاني وهو فقه الحديث، وبعد ذلك تخريج الأحاديث، وبيان الروايات التي أشار إليها الإمام الترمذي بقوله: وفي الباب ويأتينا الكلام على ذلك في حينه إن شاء الله.فقه الحديث وما يدل عليه من معان: أولاً: فيما يتعلق بلفظ الغائط. ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول )، تقدم معنا معنى الغائط عند آداب دخول الخلاء، ( قدمنا الشام فوجدنا مراحيض )، وتقدم معنا أيضاً المراحيض ومعناها، وقلت: مأخوذة من الرحض وهو الغسل؛ لأنه يصب فيها الماء ويغسل، وتقدم معنا هذا، معنى الكنف التي وردت أيضاً في هذه الأحاديث.
 أجوبة القائلين بحرمة استقبال القبلة عند قضاء الحاجة مطلقاً على أحاديث الرخصة
فإن قيل لهؤلاء -وهم أئمة كرام أتقياء-: ماذا تفعلون بالأحاديث التي نقلت عن خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام، وفيها الترخيص باستقبال القبلة للأمرين: لحاجة البول والغائط؟ قالوا: هذه الأحاديث التي وردت في ذلك، لنا نحوها موقفان يتفرعان إلى ثلاثة مواقف تفصيلية:الأول: منها ما هو ضعيف كحديث أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وسيأتينا إن شاء الله في الباب عن أبي قتادة وعائشة وعمار بن ياسر رضي الله عنهم أجمعين.وحديثها رواه الإمام ابن ماجه في السنن، والإمام أحمد في المسند، ولم يروه أبو داود ، وسيأتينا ذكره وبيان حاله إن شاء الله.قالوا: كل الأحاديث التي فيها الترخيص فهي قبل النهي، وعليه هي باعتبارنا منسوخة، لكن في الحقيقة يرد علينا: أنه ورد نهي ثم يقول: ( رأيته بعد ذلك مستدبر الكعبة ) كما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه، وفي حديث جابر : ( نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن نستقبل القبلة ببول، فرأيت قبل أن يقبض بعام يستقبلها ). قال هؤلاء: إن هذه الأحاديث ليست كلها قبل النهي، بل منها ما هو بعد النهي، وهو صحيح فماذا تفعلون؟قالوا: هي حكاية حال كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم، وأحاديث النهي قول منه، والقول شرع وجه إلى الأمة لتعمل به. قال أئمتنا: وبالاتفاق القول يقدم على الفعل، وحكاية الأحوال معرضة للأعذار والأسباب والأقوال، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، والروايات التي هي صحيحة، وثبت أنها بعد النهي، فتحمل على عذر كان عند النبي عليه الصلاة والسلام، فالنهي العام شرع مبتدأ، والأمة ملزمة به، وحكاية الفعل حال للنبي عليه الصلاة والسلام، وهي تحتمل كما قلنا أعذاراً يتطرق إليها الاحتمال والمقال، فهي إذاً تعارض عموم النهي عن استقبال القبلة واستدبارها بغائط أو بول فلا يلتفت إليها. فإن قيل: ما هو العذر الذي من أجله فعله النبي عليه الصلاة والسلام؟ الجواب: نحن ما وقفنا على ذلك العذر، وهذا الفعل يحتمل النسخ، ويحتمل أن هذه الحالة خاصة لعذر عند النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا احتمل الأمرين فلا يوجد عندنا دليل يعين أن هذا ينسخ النهي المتقدم الذي هو عام مطلق في البنيان وفي الصحراء، ولا يجوز أن نخصص إطلاق النهي بهذه الأحاديث، فنقول: هذه في البنيان فقط فنقتصر على الصحراء في النهي، ونخرج العمران من النهي لفعل هذا من قبل النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذه كما قلنا حكاية حال تحتمل المقال، تحمل الخصوصية لعذر من الأعذار، فلا يجوز أن تستدل بها، وأن تبطل دليل القول الذي هو حكم عام، وشرع مبتدأ وجه إلى الأمة لتلتزم به.هذه أدلة القول الأول مع أجوبتهم عن الأحاديث التي تحتمل خلاف قولهم، وأما بقية الأقوال مع أدلتها فسنتدارسها فيما يأتي إن أحيانا الله. اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، اللهم إنا نسألك من كل خير أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، ونعوذ بك من كل شر أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن عملنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول وباب الرخصة في ذلك [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net