اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما يقول إذا خرج من الخلاء [6] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب ما يقول إذا خرج من الخلاء [6] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
إن ستر الوجه خلق المسلمات في كل العصور، لا سيما في أيام كثرت فيها الفتن كأيامنا، وقد أمر الله تعالى النساء بلزوم البيت وعدم التبرج، وهذا الأمر عام لأزواج رسول الله وغيرهن من نساء المؤمنين، والواجب على ولي الأمر الحفاظ على النساء المؤمنات من كل ما يلوث شرفهن وعرضهن، وقد ظهر في زماننا من يدعو إلى التبرج باسم حرية المرأة، وأول هذا الطريق الدعوة إلى كشف الوجه بحجة أنه ليس بعورة، وهي في الحقيقة دعوة إلى هدم الأسرة المسلمة وخراب المجتمعات.
نماذج من حياء وعفاف نساء المسلمين
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: لا زلنا نتدارس ترجمة أمنا المباركة سيدتنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها أم المؤمنين، وزوج نبينا الأمين على نبينا وآله صلوات الله وسلامه.والسبب الذي دعانا لترجمتها -كما تقدم معنا- هو أنها هي راوية الحديث الذي رواه الإمام الترمذي في الباب الخامس من أبواب الطهارة: ما يقول إذا خرج من الخلاء، فروت عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه (كان إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك). وحديثها كما قال عنه الإمام الترمذي : حديثٌ حسنٌ غريب، قال: ولا نعرف في الباب إلا حديث أمنا عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم.وتقدم معنا ترجمتها الطيبة المباركة وأنها ضمن ستة أمور، وأن الأمر الخامس منها فيما يتعلق بقيامها بأمر الدين على وجه التمام حسبما في وسع الإنسان، فكانت تقوم بتعظيم ذي الجلال والإكرام، وبينت شيئاً من عبادتها لربها جل وعلا، فيما يتعلق بصيامها وقيامها وقراءتها وخوفها من ربها جل وعلا، ثم بينت ما يتعلق أيضاً بإحسانها ومساعدتها لعباد الله وشفقتها عليهم أيضاً، وختمت الأمر الخامس بأمرٍ ينبغي أن يستفيده نساؤنا منها ألا وهو حياؤها العظيم، ومحافظتها على عرضها، وصونها لبدنها رضي الله عنها وأرضاها، فكانت تحجب بدنها من الأحياء المبصرين، ومن الأحياء العميان، ومن الميتين أيضاً، فلا يقع على بدنها نظر أحدٍ كما لا تنظر هي إلى أحد رضوان الله عليها وعلى سائر أمهات المؤمنين.هذا الخلق الكريم الذي كانت تتصف به أمنا الطيبة المباركة زوجة نبينا على نبينا وآله صلوات الله وسلامه، ينبغي أن نقف عنده وقفةً، وأن نأخذ منه درساً وعبرةً في إلزام نسائنا بالحياء، وفي التزام نسائنا بهذا الخلق الكريم الرفيع، وقد شاء الله جل وعلا أن يمتد الكلام في ذلك في جميع المحاضرة الماضية، وكان في نيتي أن ننتهي لكن قدر الله وما شاء فعل، ولا غرو في ذلك ولا عجب، فأمنا عائشة رضي الله عنها مباركةٌ، وما هذا الحديث بأول بركةٍ من بركات أمنا عائشة رضي الله عنها، فهي الطيبة المباركة حيةً وميتةً، وسيأتينا عند آية التيمم أن ما حصل لهذه الأمة بسببها ليس بأول بركتها ولا هو بأول بركة آل أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، وهذا أيضاً من بركتها لتوفيق الله لنا أن تدارسنا ما يتعلق بأمرها فيما يتعلق بحيائها وحجابها رضي الله عنها وأرضاها.تكلمت على ثلاثة أمورٍ حسان:أولها: أن الحجاب خلقٌ كامل، وأن ستر الوجه عنوان الحياء، وينبغي على النساء أن يحافظن على ذلك.والأمر الثاني: إذا خشيت فتنة من كشف الوجه يحرم على المرأة أن تكشف وجهها باتفاق أئمتنا كما تقدم معنا تقرير ذلك، وعليه قلت: كل من نقل عن الأئمة الكرام خلافاً في موضوع وجه المرأة وهل هو عورةً أو لا؟ ورتب على هذا الخلاف أنه إذا لم يكن عورة فلا مانع من كشفه، قلت: هذه سفاهةٌ وخيانةٌ لدين رب العالمين، وافتراءٌ على أئمة المسلمين، فالذين لم يقولوا: بأن الوجه عورة قالوا: لا يجوز أن يكشف الوجه إذا خشي فتنة من الكشف عليها أو على الناظر، ولا خلاف بين أئمتنا في ذلك كما تقدم معنا، وعليه لا صلة بين قول علمائنا: إنه ليس بعورة، وبين جواز كشفه، لا صلة على الإطلاق، فإن هذا موضوعٌ آخر، والستر لا بد منه، أما هل هو عورةٌ أو لا؟ فهذا يبحث بعد ذلك كما قلت في الأمر الثالث، ووفقت بين القولين، فقلت: من رخص في كشفه فهذا باعتبار بداية ما كان عليه الأمر، ثم استقر الأمر بعد ذلك على أن الوجه ينبغي أن يستر، ولا يجوز أن يكشف، وأنه عورة، وهذا هو القول الثاني كما تقدم معنا عن الإمام أحمد ، وجمع بين هذا القول والأقوال الأخرى أئمتنا بالصفة التي ذكرتها.وفي بداية هذه الموعظة سأذكر بثلاثة أمورٍ أيضاً، ثم ندخل إن شاء الله في مناقشة السفهاء الذين أثاروا سفهاً ولغطاً حول موضوع الحجاب والنقاب للمرأة.كما تقدم معنا: إن الأكمل للمرأة أن تستر وجهها، وأن ستر الوجه للمرأة عنوان حيائها، فالمرأة الحيية هي التي تستر وجهها، والتي انسلخت من الحياء كشفت عن وجهها، وأقول: إن كشف الوجه بدايةٌ لكشف ما بعده، فكل ما عدا الوجه لا يمكن أن يكشف إلا إذا كشف الوجه، ومن سهل عليها أن تكشف عن وجهها سيسهل عليها بعد ذلك أن تكشف عما عدا ذلك، ولذلك كان عنوان الحياء ودليل الطهر والصفاء والنقاء في المرأة أن تستر وجهها، وهذا هو مسلك نساء سلفنا الطيبات الطاهرات المباركات.
 عفاف فاطمة بنت العطار
انتبه إلى ما يقوله أئمتنا في ترجمة امرأة من نساء القرن السادس للهجرة توفيت سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، وهي الصالحة القانعة القانتة الورعة الحيية العفيفة، فاطمة بنت نصر العطار ، يذكر الإمام ابن الجوزي في كتابه المنتظم في الجزء العاشر صفحة تسع وسبعين ومائتين، والقصة رواها الإمام ابن كثير في البداية والنهاية في الجزء الثاني عشر صفحة تسع وتسعين ومائتين، قال: كانت من العابدات المتورعات المخدرات، ويقول الإمام ابن الجوزي : شاع عنها الذكر الجليل، والزهد في الدنيا، وحدثني أخوها: أنها كانت تقوم الليل، وما خرجت من البيت إلا ثلاث مرات، ما خرجت في حياتها من بيتها إلا ثلاث مرات، حقيقةً: هذا هو شأن المرأة الطاهرة، تخرج من بيتها لزيارة بيت ربها لأداء نسك الحج والعمرة، وتخرج من بيتها لبيت زوجها، وبعد ذلك تخرج من بيتها إلى قبرها، ثلاث مرات تكفيها.فإن قيل: كيف ستعيش هكذا في البيت؟ نقول: إن بيوتنا مؤسسات علمية، ليست بيوتاً قائمة على التلفاز ولا على فيديو ولا على قلة حياء، فبيوتنا عندنا هي المؤسسات العلمية، يجلس صاحب البيت مع أسرته، يتذاكرون بعد العشاء وبعد الفجر وفي كل وقت، وبعد ذلك كل من تعب من أهل البيت نام، فليس عندنا مذياع يشتغل في البيت، ولا عندنا تلفاز ينظر إليه أحد، ولا عندنا قيل وقال، هذا كلام فارغ، لكن أنتم لما ابتليتم بهذه القاذورات تقولون: من أين تتعلم البنت؟ يعني هل يشترط لتعليمها أن تذهب لهذه المدارس العفنة؟ لا ثم لا، وقد كان نساء سلفنا يتعلمن وهن العالمات كما تقدم معنا في ترجمة حفصة بنت سيرين الثقة العالمة الورعة العابدة من رجال الكتب الستة، كان أخوها محمد بن سيرين إذا أشكل عليه شيء وسأله طلابه وهو شيخ الإسلام، يقول: اسألوا حفصة ، اذهبوا واستأذنوا عليها واسألوها، يعني أي مشكلة أشكلت عليكم تجيبكم عليها، أما أنا فلا أستطيع أن أجيبكم، وهو شيخ الإسلام، فليس معنى هذا أننا إذا قلنا: لا تخرج من البيت أنها ستعيش هي والبهيمة سواء، من قال هذا؟ ولذلك هو يربط بين الأمرين ليضل الأمة، يقول: إذا ما خرجت من البيت يعني تبقى جاهلة، ولم تمتهنون المرأة؟الجواب: أنه ما امتهن المرأة إلا أنتم عندما أخرجتموها من خدرها وحصنها ومملكتها وسيادتها، أي امتهان لها عندما تكون في البيت تعلم من قبل المسئول عن الأسرة؟ وإذا قدر أنه ليس كذلك فإنه تتصل بها النساء الصالحات أو تحضر وعظهن ودروسهن وعلمهن وانتهى الأمر، أما أن توضع مناهج فيها ما يدنس القلب ويلوث الذهن، يقال: للمرأة لازم أن تذهبي إلى هذا، من الذي ألزم ومن أين جاء اللزوم؟ فإذاً: لم تخرج إلا ثلاث مرات، وهذه يوردها أئمتنا مقبلين لذلك، مجلين له، مثنيين عليه، وما يوردون ذلك معترضين عليه متذللين كما يفعل السفهاء في هذا الحين، يقول: هذه من مناقبها لم تخرج من بيتها إلا ثلاث مرات، حقيقةً هذا هو شأن المرأة الحيية.
أمر الله للنساء بلزوم البيت وعدم التبرج الجاهلي
عندنا المرأة في الإسلام عرض يصان؛ لأنها أغلى شيء في هذه الحياة، قال عليه الصلاة والسلام: (الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة)، والمتاع كلما كان نفيساً كلما اشتدت المحافظة عليه، يعني: إذا كان عندك جوهرة قيمتها ملايين فأين تحفظها؟ هل ترميها في السيارة وتأتي إلى المسجد؟ لا أبداً؛ لأن هذه ملايين فلا بد لها من صناديق لها مفاتيح سرية، وهذه الصناديق ثقيلة لو جاء مائة رجل ما استطاعوا تحريكها ولا حملها، هذا عند أصحاب الأموال الكثيرة، فإذا كانت المرأة جوهرة نفيسة، بل هي أنفس جوهرة في الدنيا، فلا بد من صيانتها وحفظها، وما طاب نساء الجنة إلا حين كن مقصورات في الخيام، وقاصرات الطرف، لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن:56]، كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات:49]، أما المرأة الخراجة الولاجة البذيئة السفيهة، ثم بعد ذلك يقال عنها: هي المرأة المتقدمة الواعية! فنعوذ بالله من هذه الجاهلية ومن هذه السفاهة. ثلاث مرات لا غير خرجت فاطمة بنت نصر من بيتها، هذا ما يقرره أئمتنا في ترجمتها، هذا الخلق صار غريباً بيننا.إن لزوم البيوت بالنسبة للنساء واجبٌ، ولا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها إلا لضرورة شرعية، وقد قرر الله هذا في كتابه فقال: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:33]، اقررن وامكثن واثبتن.ولا يقولن سفيه: هذه الآية في أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، والحجاب خاص بنساء النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يقول: الحجاب غل وقيود، وجاء للمسلمين من قبل الأعاجم وغيرهم.نقول: إذا كان الحجاب قيوداً وأغلالاً فلماذا لم يقيد الله بها إلا زوجات خير خلق الله على نبينا وأزواجه وآله صلوات الله وسلامه، ومن عداهن جاء إليهن الحجاب من عادة أعجمية؟ وهنا إياك أن يخطر ببالك أن الحجاب خاص بنساء النبي عليه الصلاة والسلام، بل هو عام لكل النساء واستمع لما يقوله القرطبي في تفسير هذه الآية، يقول: معنى هذه الآية الأمر بلزوم البيت، والخطاب وإن كان لنساء النبي صلى الله عليه وسلم فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء، كيف ونصوص الشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن، والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة على ما تقدم في غير موضع.أمر الله جل وعلا نساء النبي عليه الصلاة والسلام بملازمة بيوتهن وخاطبهن بذلك تشريفاً لهن، ونهاهن عن التبرج، وأعلم جل وعلا أنه من فعل الجاهلية الأولى فقال: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33]، وحقيقة التبرج إظهار ما ستره أحسن، وهو مأخوذ من السعة، يقال: في أسنانه برج إذا كانت متفرقةً.واختلف الناس في الجاهلية الأولى، فقيل: هو الزمن الذي ولد فيه إبراهيم على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال، وقال الحكم بن عيينة : ما بين آدم ونوح على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه وهي ثمانمائة سنة، وحكيت لهم سير ذميمة، أي: في هذه الفترة.وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هي ما بين نوح وإدريس على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه، وقيل: ما بين نوح وإبراهيم على نبينا وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، قيل: إن المرأة كانت تلبس الدرع من اللؤلؤ غير مخيط الجانبين، سبحان الله! كأن ما يفعل في هذه الأيام هو الذي كان يفعل في قديم الزمان، غير مخيط الجانبين، والآن لو أن المخيط حتى من الجوانب الأربعة، فهو من الأمام مفتوح ومن الخلف ومن الجانبين، تلبس الثوب لكن غير مخيط الجانبين، بل من خلال حركاتها تظهر جوانبها ومقدمتها وأمامها، كل هذه هي الجاهلية التي كانت تفعل، وتلبس الثياب الرقاق التي لا تواري بدنها. حكى مرةً بعض الشيوخ -وما رأيت مثل هذا في حياتي وأسأل الله أن يسترنا- أنه رأى امرأةً في سوق كبيرة في القاهرة تلبس قميصاً أبيض شفافاً، وفوقه قميص آخر شفاف، وليس على سوأتها خرقة، فتبدو سوأتها من الأمام ومن الخلف من وراء الثياب، هذا وهي في سوق كبير، والناس ينظرون بإعجاب وإكبار، أنه عندهم تطور وتقدم أن تخرج بهذه الحالة، تخرج وعليها قميص أبيض شفاف فوقه قميص أحمر شفاف، وليس على بدنها شيء وتتعمد لبس هذه الأشكال من أجل أن يعطي البشرة والجلد والأعضاء زينةً أكبر، والجسم في الأصل يميل في طبيعته إلى الحمرة أيضاً، فانظر أثر هذه الألوان في وسط الشارع العام، وهي تمشي بهذه الحالة، نسأل الله العافية.وقد وقع نظرنا على عورات مغلظة من أفخاذ وغيرها مكشوفة، ولكن ليس إلى هذا الحد، فنسأل الله الستر.وقالت فرقة: هي ما بين موسى وعيسى.وقال السعدي : يعني تبرج الجاهلية الأولى ما بين عيسى ومحمد.وقال أبو العالية : في زمن داود وسليمان كان فيه للمرأة قميص من الدر غير مخيط الجانبين.وقال أبو العباس المبرد : الجاهلية الأولى كما تقول الجاهلية الجهلاء، وكان النساء في الجاهلية الجهلاء يظهرن ما يقبح إظهاره، حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخِلِّها، وهذا موجود أيضاً الآن في زماننا، فينفرد خليلها بما فوق الإزار إلى الأعلى، وينفرد زوجها بما دون الإزار إلى الأسفل، المرأة معها اثنان: خليل وحلِيل، الخليل له من السرة إلى الرأس، والحليل من أسفل السرة يفعل ما شاء، قال المبرد : وربما سأل أحدهما صاحبه البدل، ما أكثر هذا الآن في الحفلات العامة التي تفعل في بلاد المسلمين! وأما بلاد الكافرين فكلهم على هذا، حفلات عامة، هذا يراقص زوجة صاحبه، وصاحبه يراقص زوجته، يفعل بها ما شاء على مرأى الناس، كما قال: حتى ربما سأل أحدهما صاحبه البدل، يعني: خذ نصيبي وأعطني نصيبك، هذا يكون الجانب الأعلى له، والجانب الأسفل للآخر فترة، وفترة يتناوبان.وقال مجاهد : كان النساء يتمشين بين الرجال فذلك التبرج، يعني: خروج المرأة من غير مصلحة شرعية يعتبر تبرجاً.قال ابن عطية : والذي يظهر عندي أنه أشار بالجاهلية إلى التي لحقنها، فأمرهن بالنقلة عن سيرتهن فيها، وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفرة؛ لأنهم كانوا لا غيرة عندهم، وكان النساء دون حجاب، وجعلها أولى بالنسبة إلى ما كانوا عليه، وليس المعنى أن ثمة جاهلية أخرى، وقد أوقع اسم الجاهلية على تلك المدة التي قبل الإسلام فقالوا: جاهلية الشعراء، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في البخاري : سمعت أبي في الجاهلية يقول: إلى غير هذا، قلت: وهذا قول حسن لكن يعترض عليه؛ لأن العرب كانوا أهل قسوة وضيق في الغالب، والتنعم وإظهار الزينة إنما جرى في الأزمان السابقة وهي المراد بالجاهلية الأولى، والمقصود من الآية مخالفة من قبلهن من النسوة على توريد وتكثير وإظهار المحاسن للرجال إلى غير ذلك مما لا يجوز شرعاً، وذلك يشمل الأقوال كلها ويعمها فيلزمن البيوت، فإن مست الحاجة إلى الخروج فليكن على احتشام وتستر تام.
 عفاف فاطمة بنت العطار
انتبه إلى ما يقوله أئمتنا في ترجمة امرأة من نساء القرن السادس للهجرة توفيت سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، وهي الصالحة القانعة القانتة الورعة الحيية العفيفة، فاطمة بنت نصر العطار ، يذكر الإمام ابن الجوزي في كتابه المنتظم في الجزء العاشر صفحة تسع وسبعين ومائتين، والقصة رواها الإمام ابن كثير في البداية والنهاية في الجزء الثاني عشر صفحة تسع وتسعين ومائتين، قال: كانت من العابدات المتورعات المخدرات، ويقول الإمام ابن الجوزي : شاع عنها الذكر الجليل، والزهد في الدنيا، وحدثني أخوها: أنها كانت تقوم الليل، وما خرجت من البيت إلا ثلاث مرات، ما خرجت في حياتها من بيتها إلا ثلاث مرات، حقيقةً: هذا هو شأن المرأة الطاهرة، تخرج من بيتها لزيارة بيت ربها لأداء نسك الحج والعمرة، وتخرج من بيتها لبيت زوجها، وبعد ذلك تخرج من بيتها إلى قبرها، ثلاث مرات تكفيها.فإن قيل: كيف ستعيش هكذا في البيت؟ نقول: إن بيوتنا مؤسسات علمية، ليست بيوتاً قائمة على التلفاز ولا على فيديو ولا على قلة حياء، فبيوتنا عندنا هي المؤسسات العلمية، يجلس صاحب البيت مع أسرته، يتذاكرون بعد العشاء وبعد الفجر وفي كل وقت، وبعد ذلك كل من تعب من أهل البيت نام، فليس عندنا مذياع يشتغل في البيت، ولا عندنا تلفاز ينظر إليه أحد، ولا عندنا قيل وقال، هذا كلام فارغ، لكن أنتم لما ابتليتم بهذه القاذورات تقولون: من أين تتعلم البنت؟ يعني هل يشترط لتعليمها أن تذهب لهذه المدارس العفنة؟ لا ثم لا، وقد كان نساء سلفنا يتعلمن وهن العالمات كما تقدم معنا في ترجمة حفصة بنت سيرين الثقة العالمة الورعة العابدة من رجال الكتب الستة، كان أخوها محمد بن سيرين إذا أشكل عليه شيء وسأله طلابه وهو شيخ الإسلام، يقول: اسألوا حفصة ، اذهبوا واستأذنوا عليها واسألوها، يعني أي مشكلة أشكلت عليكم تجيبكم عليها، أما أنا فلا أستطيع أن أجيبكم، وهو شيخ الإسلام، فليس معنى هذا أننا إذا قلنا: لا تخرج من البيت أنها ستعيش هي والبهيمة سواء، من قال هذا؟ ولذلك هو يربط بين الأمرين ليضل الأمة، يقول: إذا ما خرجت من البيت يعني تبقى جاهلة، ولم تمتهنون المرأة؟الجواب: أنه ما امتهن المرأة إلا أنتم عندما أخرجتموها من خدرها وحصنها ومملكتها وسيادتها، أي امتهان لها عندما تكون في البيت تعلم من قبل المسئول عن الأسرة؟ وإذا قدر أنه ليس كذلك فإنه تتصل بها النساء الصالحات أو تحضر وعظهن ودروسهن وعلمهن وانتهى الأمر، أما أن توضع مناهج فيها ما يدنس القلب ويلوث الذهن، يقال: للمرأة لازم أن تذهبي إلى هذا، من الذي ألزم ومن أين جاء اللزوم؟ فإذاً: لم تخرج إلا ثلاث مرات، وهذه يوردها أئمتنا مقبلين لذلك، مجلين له، مثنيين عليه، وما يوردون ذلك معترضين عليه متذللين كما يفعل السفهاء في هذا الحين، يقول: هذه من مناقبها لم تخرج من بيتها إلا ثلاث مرات، حقيقةً هذا هو شأن المرأة الحيية.
أقوال العلماء في واجب ولي الأمر تجاه النساء المؤمنات
ذكرنا هو خلق النساء المسلمات في العصر الأول، وأمر الله لكل المسلمات في كل عصر أن يَقرن في بيوتهن، وإذا خرجت إحداهن فلتستر بدنها، وستر الوجه هو عنوان حيائها.وقد قرر أئمتنا وبينوا في السياسة الشرعية أن ولي الأمر مطالب بمطاردة النساء في الشوارع، فمن تكثر الخروج يمنعها من ذلك ويعزرها ويؤدبها، ومن تخرج بغير صفة شرعية واجب عليه أن يردعها وأن يزعها عن ذلك، وإلا لا تبرأ ذمته أمام الله جل وعلا في حق هذين الصنفين: التي تكثر الخروج من غير حاجة، والتي تخرج بغير صفة شرعية، فزجرهن واجب على ولي الأمر؛ لئلا ينتشر الفساد بين العباد، و(أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)، وستهلك هذه الأمة عن طريق النساء.
 كلام أبي بكر بن العربي فيما يجب على ولي الأمر تجاه النساء
يقول ابن العربي : ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة، ولما اختلط البغايا بعسكر موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، وفشت فيهم الفاحشة أرسل الله عليهم الطاعون، فمات في يوم واحد سبعون ألفاً، والقصة مشهورة في كتب التفاسير، فمن أعظم أسباب الموت العام كثرة الزنا، بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، والمشي بينهم متبرجات متجملات، ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية قبل فساد الدين لكانوا أشد شيء منعاً لذلك.قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إذا ظهر الزنا في قرية أذن الله بهلاكها، والأثر مروي بسند صحيح كالشمس عن نبينا عليه الصلاة والسلام، رواه أحمد في المسند، وأبو يعلى في مسنده بسند جيد كما قال الهيثمي في المجمع، والمنذري في الترغيب والترهيب من رواية عبد الله بن مسعود عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إذا ظهر الربا والزنا في قوم فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله لهم)، والحديث رواه الحاكم في مستدركه في الجزء الثاني صفحة سبع وثلاثين بسند صحيح أقره عليه الذهبي ، ورواه الطبراني في معجمه الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ظهر الربا والزنا في قوم فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله).إذاً: كثرة الخروج تمنع منه المرأة، وإذا خرجت لضرورة وجب أن يكون خروجها بصفة وهيئة شرعية، ليس بعد هذا متنزهات وحدائق عامة ونساء يذهبن إليها صباح مساء، ويحصل فيها ما يحصل من البلاء، هذا كله ليس من شريعتنا الغراء، إنما هو عمل السفيهات والسفهاء.
الغيرة الإنسانية دليل على كمال عفة الرجل وطهره
الأمر الثاني: قد تقدم معنا الإشارة إلى أن ستر الوجه عنوان الحياء، ويستمد الإنسان هذا الخلق من قوة الروح عنده، ومن تمام الإنسانية فيه، فكلما كمل الإنسان عفة وطهراً وحياءً كلما غار على عرضه ومحارمه وعلى أعراض الناس أجمعين، وأراد لهن الستر والسلامة، وكلما صار شهوانياً منحطاً حيوانياً هابطاً كلما رخص للناس في كشف الوجه وأراد أن يكشف الوجه، فهذه علامة الحيواني الشهواني، والأولى علامة الإنسان صاحب المروءة والعفة والروح القوية.والغيرة: هي أعظم ما يملكه الإنسان ليحافظ على دينه وعرضه ومروءته وكرامته، وقد كانت تشن حروب من أجل وجه امرأة، وأول من شن حرباً من أجل وجه امرأة انتهكت حرمتها سيدنا محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأراد أن يقتل قبيلةً بكاملها من أجل وجه امرأة، تَدَخَّل بعد ذلك المنافقون، والله غالب على أمره، فعفا رسول الله عن القتل ولكن بشرط ألا يجاوروا المسلمين بعد ذلك ولا لحظةً واحدة، فطردهم من المدينة المنورة في قصة يهود بني قينقاع، والقصة شهيرةٌ في كتب السيرة، ذكرها ابن هشام في كتاب السيرة النبوية في الجزء الثالث صفحة خمسين، وذكرها ابن كثير في البداية والنهاية في الجزء الرابع صفحة أربعة، وإجلاء يهود بني قينقاع متواتر، كما في تاريخ الطبري في الجزء الثاني صفحة ثمانين وأربعمائة، وفي طبقات ابن سعد في الجزء الثاني صفحة ثمان وعشرين.وخلاصة القصة: أنه بعد موقعة بدر، ونصر الله فيها للنبي عليه الصلاة والسلام والصحابة الكرام، قال النبي والصحابة ليهود بني قينقاع: أما آن لكم أن تسلموا، فقد ظهر لكم أنني رسول الله، وظهرت لكم معجزات متوالية، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وللصحابة: لا يغرنكم أنكم قاتلتم أناساً لا علم لهم بالقتال، فلو قاتلتمونا لعرفتم أننا نحن الرجال، والواقع أنهم الأنذال، فالنبي عليه الصلاة والسلام غاظه ذلك، لكن لا يستطيع أن يعاقبهم إلا إذا حصل نقض عهد منهم، وبينما امرأة من المسلمين جاءت تبيع شيئاً في سوق المدينة، وهي متخمرة ساترة لوجهها، ثم ذهبت إلى يهودي يبيع الحلي لأجل أن تشتري شيئاً منه، فأراد منها أن تكشف عن وجهها فامتنعت، فألح فامتنعت، فاحتال عليها وجاء من ورائها وربط ذيل ثوبها بشوكة عند ظهرها وهي جالسة، فلما قامت بدا منها ما تكره، فصاحت واستغاثت بالمسلمين، فجاء مسلمٌ فضرب اليهودي بالسيف فقتله، من أجل وجه امرأة، فاجتمع اليهود وقتلوا هذا المسلم.فنقض اليهود العهد باعتدائهم على كرامة المرأة، ثم اشتراكهم في قتل هذا المؤمن، فحاصرهم النبي عليه الصلاة والسلام عشرة أيام حتى تدخل رئيس المنافقين عبد الله بن أبي وقال: بيني وبينهم موالاة، وكذلك كان عبادة بن الصامت وبنو قينقاع حلفاء قبل الإسلام لكنه تبرأ منهم، ونزلت الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [المائدة:51-52] أي: رئيس المنافقين عبد الله بن أبي ومن معه، يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ [المائدة:52]، فتم الاتفاق بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين هذا الذي يظهر الإيمان ويبطن الكفر أعني: رئيس المنافقين قال: (هم لك على أن يخرجوا)، يعني: أنا وهبتهم لك فلم أقتلهم، بشرط ألا يبقى أحدٌ منهم في المدينة المنورة، ونفوا إلى أذرعات وإلى بلاد حوران من أرض الشام، وخرجوا من المدينة المنورة بسبب وجه امرأة مسلمة، هذه القصة في السيرة صفحة مائتين وتسع وخمسين، يقول: وأول من كشف عن دينه وهزأ بالإسلام وأهله يهود بني قينقاع المقيمين داخل المدينة، وكظم المسلمون غيظهم، وانتظروا ما تتمخض عنه الليالي من مكر اليهود، وسعى هؤلاء إلى حتفهم بظلفهم، فقد حدث أن امرأةً عربيةً قدمت بحليها في سوق بني قينقاع، فجلست إلى صائغ هناك، فاجتمع حولها نفر من اليهود يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها وهي غافلة فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها وضحك اليهود منها، وصاحت المرأة، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، وهكذا طارت الشرارة ووقعت الحرب بين المسلمين وبين بني قينقاع إلى آخر الكلام.أقول لمن أثار قضية كشف الوجه وهو لا يدري محتواها؛ بل شغله مهاجمة الذين يدعون إلى حجاب الوجه وستره، واتهامهم مرةً بالشذوذ الجنسي، ومرة بالشبق الجنسي، ومرةً أنهم أولاد الأفاعي، ومرةً أنه لا دليل على غطاء الوجه، ومرةً أن هذا تنطع وجاء من الأعاجم، ويقول كل ما عنده من عبارات السخرية والاستهزاء بالمتحجبات ومن لزوم الحجاب، أنا أقول له: عندما قررت هذه القصة هل وعيتها أو فقدت وعيك؟لقد فقدت وعيك عندما ذكرتها، أو عندما شتمت من يدعو إلى الفضيلة، فقدت الوعي في أحد الأمرين قطعاً، ولعلك فقدت الوعي في الأمرين معاً، ففي موضع تنكر وتقول: من أجل كشف الوجه شنت المعركة على اليهود وأجلوا من المدينة المنورة، إذاً كان الوجه يستر، فكيف تدعي بعد ذلك أن ستر الوجه ليس من الإسلام، وتجعل بعد ذلك مواعظ في التندر بالمتحجبات، وبمن يدعون إلى الحجاب في هذه الأوقات، وما كتبته بأنه لا يوجد قول في الإسلام بتغطية الوجه أبداً، فهل عندك وعي عندما كتبت هذا؟ أو فقدت وعيك عندما قمت تشتم الذين يدعون إلى الفضيلة؟إما أنك جمعت بين فقد الوعيين، أو في أحد الأمرين فقدت الوعي، فاختر نصيباً.أريد أن أقول: إن ستر الوجه خلق المسلمات في كل وقت، وهذا ثبوته بالتواتر، والنصوص في ذلك قطعية متواترة، وهذه القصة من أجل وجه امرأة يشن نبينا رسول الله عليه الصلاة والسلام معركةً ويجلي اليهود من المدينة المنورة، حقيقة: إن هذا هو خلق المسلمين، وهذه هي الغيرة عند الموحدين.
 كلام أبي بكر بن العربي فيما يجب على ولي الأمر تجاه النساء
يقول ابن العربي : ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة، ولما اختلط البغايا بعسكر موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، وفشت فيهم الفاحشة أرسل الله عليهم الطاعون، فمات في يوم واحد سبعون ألفاً، والقصة مشهورة في كتب التفاسير، فمن أعظم أسباب الموت العام كثرة الزنا، بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، والمشي بينهم متبرجات متجملات، ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية قبل فساد الدين لكانوا أشد شيء منعاً لذلك.قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إذا ظهر الزنا في قرية أذن الله بهلاكها، والأثر مروي بسند صحيح كالشمس عن نبينا عليه الصلاة والسلام، رواه أحمد في المسند، وأبو يعلى في مسنده بسند جيد كما قال الهيثمي في المجمع، والمنذري في الترغيب والترهيب من رواية عبد الله بن مسعود عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إذا ظهر الربا والزنا في قوم فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله لهم)، والحديث رواه الحاكم في مستدركه في الجزء الثاني صفحة سبع وثلاثين بسند صحيح أقره عليه الذهبي ، ورواه الطبراني في معجمه الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ظهر الربا والزنا في قوم فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله).إذاً: كثرة الخروج تمنع منه المرأة، وإذا خرجت لضرورة وجب أن يكون خروجها بصفة وهيئة شرعية، ليس بعد هذا متنزهات وحدائق عامة ونساء يذهبن إليها صباح مساء، ويحصل فيها ما يحصل من البلاء، هذا كله ليس من شريعتنا الغراء، إنما هو عمل السفيهات والسفهاء.
موقف نساء الصحابة عند نزول آية الحجاب
إن ستر الوجه لا بد منه للنساء العفيفات، والحكم في ذلك من السلف الذين نزل عليهم القرآن، انظر لنزول آية الحجاب، وما بدر من نساء الصحابة مهاجرات وأنصاريات نحو هذه الآيات، وانظر إلى مَن فَقِه الإسلام تمام الفقه إنهم من نزل عليهم الإسلام في أول الأمر وهم الصحابة الكرام، ولذلك قلت مراراً ولا أزال: لا خير في إيمان بالقرآن من غير سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا خير في إيمان بالقرآن والسنة من غير فهم السلف الكرام، فاستمع لما حصل من السلف.إن المهاجرات الأول، يعني: المتقدمات اللاتي لهن فضل السبق في الهجرة، لما نزلت آية الحجاب: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور:31]، شققن مروطهن جمع مرط -كما سيأتي- وهو الإزار والثوب الغليظ السميك، فاختمرن بها، وفي رواية: لما نزلت هذه الآية أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها، هذا فعل من؟ إنهن المهاجرات.وثبت مثل هذا عن الأنصاريات في سنن أبي داود بسند حسن من رواية أمنا أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما نزل قول الله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:59]، عمد نساء الأنصار إلى أكنف مروطهن فاختمرن بها، فخرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان -جمع غراب- من الأكسية التي على رءوسهن، وما معنى (فاختمرن بها)؟قال ابن حجر في الفتح والعيني في عمدة القاري في شرح صحيح البخاري بلفظٍ واحد، قولها: فاختمرن بها، أي: غطين وجوههن، ثم بعد ذلك يسترسل العيني في الكلام فيقول: والأثر أخرجه النسائي من رواية ابن المبارك عن إبراهيم بن نافع بلفظ: أخذ النساء، وأخرجه الحاكم بلفظ: أخذ نساء الأنصار، وعند ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم عن صفية ما يوضح ذلك، ولفظه: ذكرنا عند عائشة نساء قريش وفضلهن، فقالت: إن لنساء قريش لفضلاً، ولكني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقاً لكتاب الله وإيماناً بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور:31]، فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل فيها، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها فأصبحن يصلين الصبح معتجرات، كأن على رءوسهن الغربان، قال ابن حجر : ويمكن الجمع بين الروايتين بأن نساء الأنصار؛ بادرن إلى ذلك كما بادر نساء المهاجرين، وعليه جميع النساء في العصر الأول خرجن بهذه الصفة، وكذا قال العيني في عمدة القاري في الجزء التاسع عشر صفحة اثنتين وتسعين.
 كلام أبي بكر بن العربي فيما يجب على ولي الأمر تجاه النساء
يقول ابن العربي : ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة، ولما اختلط البغايا بعسكر موسى على نبينا وعليه صلوات الله وسلامه، وفشت فيهم الفاحشة أرسل الله عليهم الطاعون، فمات في يوم واحد سبعون ألفاً، والقصة مشهورة في كتب التفاسير، فمن أعظم أسباب الموت العام كثرة الزنا، بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، والمشي بينهم متبرجات متجملات، ولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية قبل فساد الدين لكانوا أشد شيء منعاً لذلك.قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إذا ظهر الزنا في قرية أذن الله بهلاكها، والأثر مروي بسند صحيح كالشمس عن نبينا عليه الصلاة والسلام، رواه أحمد في المسند، وأبو يعلى في مسنده بسند جيد كما قال الهيثمي في المجمع، والمنذري في الترغيب والترهيب من رواية عبد الله بن مسعود عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إذا ظهر الربا والزنا في قوم فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله لهم)، والحديث رواه الحاكم في مستدركه في الجزء الثاني صفحة سبع وثلاثين بسند صحيح أقره عليه الذهبي ، ورواه الطبراني في معجمه الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان من رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ظهر الربا والزنا في قوم فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله).إذاً: كثرة الخروج تمنع منه المرأة، وإذا خرجت لضرورة وجب أن يكون خروجها بصفة وهيئة شرعية، ليس بعد هذا متنزهات وحدائق عامة ونساء يذهبن إليها صباح مساء، ويحصل فيها ما يحصل من البلاء، هذا كله ليس من شريعتنا الغراء، إنما هو عمل السفيهات والسفهاء.
الرد على شبهات دعاة السفور
بعد هذه الأمور الثلاثة نأتي إلى رد شبهات هؤلاء الذين أثاروا اللغط حول هذه القضية، وقد ذكرنا كلام سفيه من السفهاء في هذه الأيام: يثبت أن النقاب حرام، وأنه لا يجوز للمرأة أن تستر وجهها، وإذا سترت وجهها فإثمها عند الله أعظم وأشنع مما لو كشفت عن فخذيها، وألف كتاباً سماه تذكير الأصحاب بتحريم النقاب، وذكرت تأويله وتلعبه وافتراءه فيما يتعلق بأثر أسماء رضي الله عنها وأرضاها، وأريد أن أختم الكلام بما ذكره حول أثر حفصة بنت سيرين وهذا آخر شيء لننتقل بعد ذلك إلى غيره إن شاء الله.
 الرد على محمد شحرور في تفسيره آية: (ولا يبدين زينتهن ...)
السفيه الثالث: يدعو أيضاً إلى كشف الوجه؛ بل إلى ما هو أكثر إنه الدكتور المهندس: محمد شحرور ، الذي ألف مؤلفاً أسماه: الكتاب والقرآن قراءة معاصرة، بحدود تسعمائة صفحة، وما رأيت أخبث ولا أفسد ولا أكفر ولا أشنع ولا ألعن من هذا الكتاب، ما قرأت في حياتي ألعن منه، فقد ذكر ضلالات وكفريات كثيرة، وعلى طريقته هو يقول: قرآن نفهمه على حسب الأذهان، والسنة نأخذ منها ما يتفق مع القرآن، أما الصحابة رضي الله عنهم من أبي بكر إلى علمائنا في هذا الزمان كلهم ليس لنا علاقة بهم، انتهى.هذا السفيه ذكر لآية الحجاب تفسيراً -والله الذي لا إله إلا هو لو أن الشيطان عرض عليه لما قبله- في صفحة ستمائة وسبعة فانظر ماذا يقول:يقول في قول الله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا [النور:31]، الزينة الظاهرة هي ما ظهر من جسد المرأة بالخلق، أي: ما أظهره الله في خلقها كالرأس والبطن والظهر والرجلين واليدين، ونحن نعلم أنه سبحانه خلق الرجل والمرأة عراة دون ملابس، ثم يقول: إن المرأة لها حالتان: حالة أمرت ألا تكشفها، وألا يطلع عليها إلا المحارم، الزوج فمن دونه، وهم الذين يطلعون على البيوت، ومن عداهم يطلعون بعد ذلك على الأشياء الظاهرة، وهي الحالة الثانية المسموح بكشفها، فيقول هنا: قسم غير ظاهر بالخلق، أي: أخفاه الله في بنية المرأة، وهذا القسم المخفي هو الجيوب الذي قال الله فيها: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ [النور:31]، فهذه الجيوب لا تبديها النساء إلا لبعولتهن أو آبائهن إلى آخر من ذكرة، أما الزينة المذكورة في صدر الآية: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا [النور:31]، فالمقصود بها غير الجيوب، والجيوب هي المخفية، ثم يعرف الجيوب فيقول: طبقتان بينهما خرق، وعليه فالسوءتان، وتحت الإبطين، وما بين الثديين، هي الجيوب التي لا يجوز أن يراها إلا الزوج والمحارم كلهم بالتساوي، فالابن يجوز أن يرى سوءة أمه من أمام ومن وراء لا حرج، يقول شحرور: لا يجوز أن تقول: إن ذلك حرام، وإذا قلت: حرام فإنك ستدخل النار، وقد تقول: هو عيب فلا مانع من ذلك على حسب العرف، ولكن ليس بحرام، وغير الزوج والمحارم يطلعون على جميع بدن المرأة بشرط ألا يروا الجيوب.ثم قال: فإن قيل: الفم خرق بين طبقتين، وكذلك الأنف والأذنان قلنا: هذه جيوب ظاهره، أما الجيوب المخفية التي تخفى تحت الإبط، وما بين الثديين، وفتحة الفرج وفتحة الدبر، فهذه لا يراها إلا الزوج والمحارم، وما عدا هذا يجوز أن يراه الناس قاطبةً، فتكشف المرأة عن الفخذين، وعن البطن، وعن الصدر، وعن الظهر، كل هذا لا حرج فيه. ذكر هذا في كتابه تفسير القرآن قراءة معاصرة.ثم يقول بعد ذلك: فالجيوب في المرأة لها طبقتان، أو طبقتان مع خرق وهي: ما بين الثديين وتحت الثديين، وتحت الإبطين، والفرج والإليتين، فهذه كلها جيوب، يجب على المرأة المؤمنة أن تغطيها، لذلك قال: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النور:31].ثم يقول: قد يقول البعض: إن هذا يعني أن المرأة المؤمنة يحق لها أن تظهر عارية تماماً أمام هؤلاء الزوج والأب والابن وابن الزوج والأخ وابن الأخ وابن الأخت، فأقول: نعم، يجوز ذلك إن حصل عرضاً، وإن أرادوا أن يمنعوها فالمنع من باب العيب والحياء والعرف، وليس من باب الحرام والحلال؛ لأنه شملهم مع الزوج، أي: إذا شاهد والد ابنته وهي عارية فلا يقول لها: هذا حرام؛ لأنه يكون قد افترى على الشرع فيرتكب إثماً، ولكن يقول لها: إن هذا عيب.هذا الكلام في كتاب منسوب إلى تفسير القرآن وما أكثر هذا التحريف في هذه الأيام!هذا كله سببه -كما قلت لكم- عدم التزامنا بمذاهب أئمتنا، وأنا لا أزال أردد -والذي لا يعجبه هذا القول فليضرب رأسه بجدار الأرض- إن الخروج عن المذاهب الأربعة مضيعة؛ فالمذاهب الأربعة تبلور فيها الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة، ونقحت وهذبت أكثر من عشرة قرون مرت الأمة الإسلامية عليها، وإذا تركنا الأمر لاجتهادات معاصرة في هذه الأيام فكل واحد سيقول ما شاء.
مناقشة رأي الألباني حول الحجاب
نعود الآن إلى الشيخ الألباني ، ووالله يعز علينا غاية المعزة ويكبر علينا أن يقرن اسم هذا الشيخ الكريم مع هؤلاء السفهاء كقاسم أمين وغيره، وكذلك الشيخ القرضاوي يعز علينا أن يقرن مع قاسم أمين ونحوه.أقول للشيخ الألباني نسأل الله أن يغفر لنا وله وللمسلمين أجمعين.
 استدلال الألباني من القرآن الكريم
وأما الدليل الثالث الذي استدل به الألباني عندما أقرأه أظل متعجباً، ثم أقول: اللهم اغفر له زلـله، هل مثل هذا يقال بأنه دليل؟ واعجباه!ثم يقول الشيخ الألباني : وقد يشير إلى ذلك قوله تعالى في صدر الآية: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30] فإنها تشعر بأن في المرأة شيئاً مكشوفاً يمكن النظر إليه، فلذلك أمر تعالى بغض النظر عنهن، وهذا الشيء المكشوف هو الوجه والكفان، إذاً يجب أن تُغَض الطرف عنه.أقول: من أين لك هذا؟ ومن أين أتيت به؟وبعد: فهذا كلام الشيخ الألباني في كتابه، وكما قلت: قرر الشيخ شيئاً، وهو عمل نساء السلف على تغطية الوجه، وجاء الشيخ بعد ذلك لينقضه بجزئيات قابلة للاحتمال، ولو سلمنا جدلاً وقلنا: ما تقوله يمكن أن يكون معتبراً، وما نقوله -أيضاً- يمكن أن يكون معتبراً، فقولنا ينقض قولك، وقولك ينقض قولنا فتتساقط الأقوال، فلنرجع إلى ما تقدم.وعليه فإن ما قاله الألباني من أن العمل جرى على كشف الوجه، كيف سنجمع بينه وبين ما قرره من أن العمل جرى على ستر الوجه؟ فقد قال: إن عادة النساء الفضليات والسلف أن يسترن وجوههن -انتبه- ثم يقول في صفحة أربع وعشرين: وقد جرى العمل على الكشف من النساء في عهد النبي عليه الصلاة والسلام حيث كن يكشفن عن وجوههن وأيديهن بحضرته وهو لا ينكر ذلك عليهن، ثم ساق أحاديث.إن الناظر في هذا يتحير من هذا التناقض البين، فبأي العملين سنأخذ؟وها هو يقول في صفحة ثمانية: إيجاب غطاء الوجه تشدد في الدين وتنطع، ثم يقول في صفحة ثلاث وخمسين التي ختم بها كلامه على مشروعية ستر الوجه: يستفاد مما ذكرنا أن ستر المرأة لوجهها ببرقع أو نحوه مما هو معروف اليوم عند النساء المحصنات أمر مشروع محمود، ثم نقض هذا فقال: وإن كان لا يجب ذلك عليها، بل من فعله فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، وهذا كلام كله باطل، التعليق زائد عليه.
رد الشيخ محمود التويجري على الألباني
وقد رد على الألباني في هذه المسألة بعض المشايخ رداً فيه قسوة، وهي في محلها ليترك الناس هذا القول الباطل الشاذ، لا قسوةً على الألباني ، إنما القول الشاذ لا بد من القسوة عليه لأجل أن يحذره الناس.رد عليه الشيخ محمود بن عبد الله التويجري في كتابه الصارم المشهور على أهل التبرج والسفور، وقد توفي -غالب ظني- عليه رحمة الله، ونسأل الله أن يغفر لنا وله وللشيخ الألباني حياً وميتاً؛ لئلا يقول السفهاء: أنتم تطعنون فيه، وقد قالها بعضهم، وقال بعضهم: أنتم لا تطعنون فيه وإنما تريدون الطعن في النصوص.أقول والله المستعان: أما فيه فنشهد الله أننا لا نطعن فيه -إن شاء الله- ولا بغيره من علماء الأمة، وأما في أقواله فنعم؛ فليس الطعن في الأقوال منقصة، وإذا قال قولاً خالف به أئمتنا نرد عليه وعلى غيره، كما رددنا عليه عندما عقب على كلام الإمام أحمد بأن وضع اليدين بعد الرفع من الركوع بدعة، فقال الألباني : ضلالة لا يشك فيها، وإن قال بها الإمام أحمد، فرددت عليه وقلت: ولا يشك أن هذا الكلام بدعة وضلالة، فتأثر بعض الناس وقال: كيف ترمي الشيخ الألباني بالبدعة والضلالة؟ قلت: يا عبد الله! هو رمى الإمام أحمد بالبدعة وأنا ما رميته، إنما قلت: لا شك بأن هذا القول بدعة وضلالة، فلم أنت تتأثر إذا رمي قول الألباني بأنه بدعة وضلالة، ولا تتأثر من رمي قول الإمام أحمد بأنه بدعة وضلالة؟ لم يا أخي الكريم! تدّعوا لأنفسكم حالات العصمة والحواجز والسدود، وأئمتنا صاروا كلأً ومباحاً لكل أحد يطعن فيهم؟ لا والله، فكل من يطعن في كلام أئمتنا لا أشك في أن كلامه ضلال، وقد يكون له عذر أو لا، هذا موضوع آخر.فالشيخ محمود التويجري عليه رحمة الله رد عليه رداً أختم به هذا الكلام لئلا نعود إلى هذا المقال:بعد أن نقل كلام الشيخ الألباني عن أمنا عائشة وغيرها بأن غطاء الوجه كان معروفاً ومعمولاً به، قال باختصار: وعائشة ونساء الصحابة رضي الله عنهن أعلم بتفسير الآية من ابن حزم ، وممن قلده ووافق على مذهبه الباطل ... إلخ، ولا شك في صحة العبارة، فابن حزم هو من تبنى هذا الشذوذ، وما رأى الشيخ الألباني من يعول عليه في هذه المسألة من العلماء إلا ابن حزم ، فـالتويجري يقول: أمنا عائشة ونساء الصحابة -اللاتي فهمن ما ينبغي أن يعملنه بعد نزول آية الحجاب- أعلم من ابن حزم ، وقوله: ومن قلده، هذه عبارة جميلة ما أروعها؛ لأنه تقليد باسم الاتباع، وهو باطل.ثم قال التويجري في صفحة ستين ومائة عبارة قوية: وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية : من فسر القرآن والحديث وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله، وملحد في آيات الله محرف للكلم عن مواضعه، وكلام الألباني في تفسير الآية من سورة الأحزاب، وما أبداه من احتمال فيها، لم يسبقه إليه أحد من الصحابة والتابعين، وقد خالف ما جاء عن حبر الأمة وغيره من أكابر التابعين في تفسير الآية الكريمة، فهو إذاً: من الإلحاد في آيات الله، وتحريف الكلم عن مواضعه، وعلى هذا فيلزم افتراءه ورده على قائله.ثم استطرد كلاماً كثيراً في هذا، ثم في صفحة أربع وسبعين ومائة يقول: لا يخفى على من له أدنى علم وفهم أن بحث الألباني مبني على المغالطة وتأويل الأدلة على غير تأويلها المعروف عن الصحابة والتابعين، والتصديق على غير المراد منها، وليس في بحثه حجة على ما ذهب إليه من جواز السفور، ولكن الكتاب في الرد على المشايخ الذين يذهبون إلى تحريم السفور كما قد توهم ذلك.ثم بعد ذلك قال: وعلى هذا فلا يقول: إن ستر الوجه بدعة وتنطع إلا من هو من أجهل الناس وأقلهم بصيرةً في الدين، وبالجملة فهذا قول سوء لا يصدر من أحد يتمسك بما ثبت من آثار في السنة النبوية، وإنما يصدر ذلك ممن يتمسك بالتقاليد والسنن الإفرنجية من أن التبرج والسفور من سنن الإفرنج لا من سنة المسلمين.ثم ختم كلامه بقوله: إن كلام الألباني قد نقض آخره أوله؛ لأنه قد قرر في أوله أن العمل من النساء في عهد النبي عليه الصلاة والسلام قد جرى على إظهار الوجه والكفين، وأن وجه المرأة ليس بعورة، ولا يجب ستره، وتعسف في تصديق الأدلة على ذلك، ثم قرر آخراً أن ستر الوجه والكفين له أصل في السنة، وأنه كان معهوداً في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وساق الأدلة على ذلك، ثم قال: ففي هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على أن حجاب الوجه قد كان معروفاً في عهده عليه الصلاة والسلام، وأن نساءه كن يفعلن ذلك، قلت: وكذلك غير أزواجه كما تقدم عن أسماء بنت أبي بكر وفاطمة بنت المنذر ، وحفصة بنت سيرين ، وفي حديث أسماء ما يدل على أن نساء الصحابة رضي الله عنهن كن يفعلن ذلك كما تقدم تقريره، واسترسل في البحث إلى آخر كتابه.إن هذه القضية ينبغي أن يقف الناس فيها عند هذا الحد، وقد بلغني أن كثيراً من النساء في هذه البلدة المباركة وفي غيرها بدأن يترخصن بحجة أن الوجه ليس بعورة، ولا حرج في كشفه، وقد فقد كثير من النساء حياءها وعفتها عندما كشفت عن وجهها، وهذا ينذر بكل سوء وخطر، لما يترتب على كشف الوجه، فإذا كان الغناء رقية الزنا، فإن كشف الوجه هو الطريق الحتمي إليه، وعنوان عفة المرأة وعنوان حيائها ستر وجهها.أسأل الله أن يرزق نساء المسلمين العفة والحياء، وأن يجملهن بالدين والخلق، وأن يصرف عنهن كيد الكائدين، وتربص المعتدين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
 استدلال الألباني من القرآن الكريم
وأما الدليل الثالث الذي استدل به الألباني عندما أقرأه أظل متعجباً، ثم أقول: اللهم اغفر له زلـله، هل مثل هذا يقال بأنه دليل؟ واعجباه!ثم يقول الشيخ الألباني : وقد يشير إلى ذلك قوله تعالى في صدر الآية: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30] فإنها تشعر بأن في المرأة شيئاً مكشوفاً يمكن النظر إليه، فلذلك أمر تعالى بغض النظر عنهن، وهذا الشيء المكشوف هو الوجه والكفان، إذاً يجب أن تُغَض الطرف عنه.أقول: من أين لك هذا؟ ومن أين أتيت به؟وبعد: فهذا كلام الشيخ الألباني في كتابه، وكما قلت: قرر الشيخ شيئاً، وهو عمل نساء السلف على تغطية الوجه، وجاء الشيخ بعد ذلك لينقضه بجزئيات قابلة للاحتمال، ولو سلمنا جدلاً وقلنا: ما تقوله يمكن أن يكون معتبراً، وما نقوله -أيضاً- يمكن أن يكون معتبراً، فقولنا ينقض قولك، وقولك ينقض قولنا فتتساقط الأقوال، فلنرجع إلى ما تقدم.وعليه فإن ما قاله الألباني من أن العمل جرى على كشف الوجه، كيف سنجمع بينه وبين ما قرره من أن العمل جرى على ستر الوجه؟ فقد قال: إن عادة النساء الفضليات والسلف أن يسترن وجوههن -انتبه- ثم يقول في صفحة أربع وعشرين: وقد جرى العمل على الكشف من النساء في عهد النبي عليه الصلاة والسلام حيث كن يكشفن عن وجوههن وأيديهن بحضرته وهو لا ينكر ذلك عليهن، ثم ساق أحاديث.إن الناظر في هذا يتحير من هذا التناقض البين، فبأي العملين سنأخذ؟وها هو يقول في صفحة ثمانية: إيجاب غطاء الوجه تشدد في الدين وتنطع، ثم يقول في صفحة ثلاث وخمسين التي ختم بها كلامه على مشروعية ستر الوجه: يستفاد مما ذكرنا أن ستر المرأة لوجهها ببرقع أو نحوه مما هو معروف اليوم عند النساء المحصنات أمر مشروع محمود، ثم نقض هذا فقال: وإن كان لا يجب ذلك عليها، بل من فعله فقد أحسن، ومن لا فلا حرج، وهذا كلام كله باطل، التعليق زائد عليه.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما يقول إذا خرج من الخلاء [6] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net