اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما يقول إذا خرج من الخلاء [5] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب ما يقول إذا خرج من الخلاء [5] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
إن ستر المرأة نفسها، وتغطيتها وجهها عنوان فضلها وشرفها، وهو عمل خيرة نساء هذه الأمة، ومن سار على طريقهن، حتى وهن محرمات كن يحرصن ألا يرى الرجال وجوههن، وذلك بإسدال الحجاب لا التبرقع، وذلك في أطهر زمان ومكان، فكيف في زمن كثرت فيه الفتن، وماجت بالناس موجاً؟ فيزداد الأمر تأكيداً، ولا التفات لأقوال السفهاء الأراذل الذين يزينون للنساء السفور بل التبرج ويسهلون الفجور، فهم دعاة ضلالة وغواية يجب الضرب على أيديهم وردعهم عن دعوتهم، فهم فتنة لكل مفتون.
مكانة ستر الوجه في الإسلام
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وإمام المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: لا زلنا نتدارس الباب الخامس من أبواب الطهارة من جامع الإمام أبي عيسى الترمذي : باب ما يقول إذا خرج من الخلاء.وتقدم معنا أن الإمام الترمذي روى في هذا الباب حديثاً عن أمير المؤمنين أبي عبد الله البخاري، ثم ساق السند حتى أمنا عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك)، قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ غريب، ولا نعرف في هذا الباب إلا حديث أمنا عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم.وقد انتهينا من دراسة رجال الإسناد ووصلنا إلى ترجمة أمنا الصديقة بنت الصديق ، حبيبة حبيبنا على نبينا وآله وأزواجه وصحبه صلوات الله وسلامه.وقلت: سنتدارس ترجمة أمنا العطرة ضمن ستة أمور معتبرة:أولها: فيما يتعلق بفضلها وأفضليتها على غيرها.ثانيها: فيما يتعلق بحب نبينا صلى الله عليه وسلم لها حباً خاصاً زاد على غيرها.ثالثها: في أسباب حبها.رابعها: في زواج النبي صلى الله عليه وسلم من أمنا عائشة رضي الله عنها وأرضاها.خامسها: في قيام أمنا بأمور الدين حسبما يستطيع الإنسان من تعظيمٍ للرحمن، وشفقةٍ على بني الإنسان.وآخر الأمور وهو سادسها: حب الله لأمنا عائشة وغيرته عليها ودفاعه عنها.كنا نتدارس الأمر الخامس في قيام أمنا عائشة رضي الله عنها بأمور الدين على وجه التمام حسبما في وسع الإنسان من تعظيمٍ للرحمن، وشفقةٍ على بني الإنسان، فتقدم معنا شيءٌ من حالها مع ربها وعبادتها لله عز وجل، فكانت تصوم الدهر، وكانت تقوم الليل، وتكثر من قراءة القرآن، وهي شديدة الخوف والوجل من الله عز وجل كما تقدم معنا أخبارها في ذلك.ثم انتقلنا إلى مدارسة ما يتعلق بحالها مع عباد الله، من إحسانها إليهم، وشفقتها عليهم، وذكرت قصصاً كثيرةً ثابثةً عنها رضي الله عنها في مساعدتها للخلق، وإحسانها إليهم، ثم ختمت الأمر الخامس هذا بأمرٍ قلت: ينبغي أن نعيه تمام الوعي، ألا وهو: شدة حيائها، ومحافظتها على عفتها وعرضها رضي الله عنها وأرضاها، وأجمل ما يزين المرأة الحياء، وقلت: هذا الخلق ينبغي أن يستفيده نساؤنا من أمنا رضي الله عنها، فتقدم معنا أنها كانت تتحجب من الأموات والأحياء، من المبصرين والعميان على حدٍ سواء، وذكرت أخبارها في ذلك.بعد هذا كنا نتدارس تعليقاً يتعلق بحجاب المرأة، وما ينبغي أن تكون عليه المرأة المسلمة في حجابها وحيائها وعفافها، وبينت الحكم الشرعي، وأن الوجه ينبغي أن يستر، ثم تعرضت لأربعة سفهاء ذكرت كلام ثلاثة منهم، ثم قدر الله أن تنتهي الموعظة وقلت: أرجئ الكلام إلى هذا اليوم.وأحب أن أقدم بين يدي ردنا عليهم واستعراض كلامهم قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [التوبة:30] أحب أن أقدم مقدمةً ينبغي أن نعيها تمام الوعي في هذا الأمر، فانتبهوا لها:أولها: ستر وجه المرأة هو شيمة النساء الصالحات، وهو خلق العفيفات، وهذا هو لباس الفاضلات، وهو شأن الطاهرات الحييات في جميع الأوقات.عنوان حياء المرأة وعفتها وطهارتها وفضلها سترها لوجهها مع التزامها بالحجاب الشرعي في سائر جسدها، مع أن هذا الوجه هو أول ما ينبغي أن يستر من هذه المرأة الطاهرة الحيية العفيفة ولا يجوز أن يظهر، وقد تقدم معنا إخوتي الكرام أخبارٌ كثيرةٌ تقرر هذا، فكيف كانت أمنا عائشة مع أمهاتنا أزواج نبينا عليه الصلاة والسلام، مع الصحابيات الطاهرات، وهنّ في أعظم العبادات في الأشهر الحرم، في الأماكن المعظمة المباركة، في أداء نسك الحج إذا مر بهن الرجال الركبان سدلن على وجوههن، فإذا جاوزهن الرجال كشفن عن وجوههن رضوان الله عليهن أجمعين. وتقدم معنا هذا الفعل وحكايته عن أحوال النساء من حديث أمنا عائشة ، قلت: روي أيضاً عن أمنا أم سلمة ، وروي عن أسماء بنت أبي بكر ، وروي عن فاطمة بنت المنذر ، والأخبار في ذلك صحيحةٌ كما تقدم معنا تخريجها وبيانها.
 بيان ابن القيم لمسألة تغطية وجه المرأة في الإحرام
وقد أشار الإمام ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد، في الجزء الثالث صفحة اثنتين وأربعين ومائة إلى هذه القضية، فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لها كشف الوجه في الإحرام ولا غيره؛ لكن الناس من حديث: (لا تنتقب المحرمة) فهموا خلاف ما يريده النبي عليه الصلاة والسلام، فانتبه للتعليل الشرعي: إنما جاء النص بالنهي عن النقاب خاصةً كما جاء بالنهي عن القفازين، وجاء بالنهي عن لبس القميص والسراويل، بمعنى أن الرجل نهي عن لبس السراويل التي تواري العورة فهل في الإحرام يكشف عورته؟ الجواب: أنه يسترها لكن بغير السراويل، كذلك المرأة لا تلبس البرقع، فليس المعنى أن تكشف الوجه، ومعلومٌ أن نهيه عن لبس هذه الأشياء لم يرد أن تكون الأعضاء مكشوفةً لا تستر البتة، بل قد أجمع الناس على أن المحرمة تستر بدنها بقميصها ودرعها، وأن الرجل يستر بدنه بالرداء وأسافله بالإزار، مع أن مخرج النهي عن النقاب والقفازين والقميص والسراويل واحد، وكيف يزاد على موجب النص، ويفهم منه أنه شرع لها كشف وجهها بين الملأ جهاراً، فأي مفهوم اقتضى هذا؟ أو أي عموم، أو قياسٍ، أو مصلحة؟ بل وجه المرأة المحرمة كبدن الرجل، يحرم ستره بالمفصل على قدره، وهو البرقع، كما يحرم عليك حال إحرامك أن تلبس قميصك، أما أن تلبس إزاراً ورداءً فلا حرج، كذلك المرأة يحرم أن تستر وجهها وهي محرمة بالنقاب والبرقع، ويدها بالقفاز وأما سترها بالكم، وستر الوجه بالملاءة والخمار والثوب فلم ينه عنه البتة، ومن قال: إن وجهها كرأس المحرم فليس معه بذلك نصٌ ولا عموم، ولا يصح قياسه على رأس المحرم، لما جعل الله بينهما من الفرق.وقول من قال من السلف: إحرام المرأة بوجهها إنما أراد به هذا المعنى، أي: لا يلزمها اجتناب اللباس كما يلزم الرجل، بل يلزمها اجتناب النقاب، فيكون وجهها كبدن الرجل، ولو قدر أنه أراد أنها تكشفه فقوله ليس بحجةٍ ما لم يسبق عن صاحب الشرع أنه قال ذلك، وأراد به وجوب كشف الوجه، ولا سبيل إلى واحدٍ من الأمرين.وقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (كنا إذا مر بنا الركبان سدلت إحدانا الجلباب على وجهها)، وأمهات المؤمنين ونساء الصحابة هن أعلم الناس بحكم ما يتعلق بهن، وبالحديث الذي وجه إليهن: (لا تنتقب المحرمة)، ولم تكن إحداهن تتخذ عوداً تجعله بين وجهها وبين الجلباب كما قاله بعض الفقهاء، ولا يعرف هذا عن امرأةٍ من نساء الصحابة، ولا أمهات المؤمنين البتة، لا عملاً ولا فتوى، ومستحيلٌ أن يكون هذا من شعار الإحرام، ولا يكون ظاهراً مشهوراً بينهن، يعرفه الخاص والعام، ومن آثر الإنصاف وسلك سبيل العلم والعدل تبين له راجح المذاهب من مرجوحها، وفاسدها من صحيحها، والله الموفق والهادي.هذا الأمر الذي قرره ابن القيم هو ما تتابع عليه أئمتنا، يقول الإمام الصنعاني في سبل السلام: يحرم عليها -يعني: على المحرمة- النقاب والبرقع، وهو المفصل على قدر ستر الوجه؛ لأنه ورد به النص، كما ورد بالنهي عن القميص للرجل، مع جواز ستر الرجل لبدنه بغيره بالاتفاق، يعني: بغير القميص، فكذلك المحرمة تستر وجهها بغير ما ذكر، كالخمار والثوب، ومن قال: وجهها كرأس الرجل المحرم فلا دليل معه.ثم تعرض الصنعاني أيضاً للوجه قبل ذلك في سبل السلام، عند أحكام العورة وما ينبغي أن تستره المرأة من بدنها في الصلاة، في الجزء الأول صفحة ستٍ وسبعين ومائة، فقال: يباح كشف وجهها، أي: عند صلاتها ومناجاتها لربها، حيث لم يأت دليلٌ بتغطيته -انتبه- والمراد كشفه عند صلاتها بحيث لا يراها أجنبي، فهذه عورتها في الصلاة، وأما عورتها بالنظر إلى نظر الأجنبي إليها فكلها عورة. والإمام ابن القيم في إعلام الموقعين، في الجزء الثاني صفحة إحدى وستين ذكر نحو هذا الكلام، وأن المرأة ينبغي أن تحجب وجهها، وأن تستره في إحرامٍ أو في غيره، لكنها في غير الإحرام تستره عن طريق السدل أو عن طريق البرقع وفوقه سدل، أو عن طريق اللثام وفوقه سدل، وإذا لبست الحجاب والاحتياط فلها ذلك، وإن أرادت أن تستره بسدلٍ فقط فلها ذلك، أما في الإحرام فلا يجوز لها تغطية الوجه إلا بسدلٍ، فلا تلبس البرقع، ولا تتلثم كما تقدم معنا في الروايات الدالة على ذلك.
كلام مصطفى صبري حول الحجاب
وهذا الخلق -كما قلت- هو خلقٌ فضيل، وهو خلق النساء الفاضلات، والأمر كما قرر الشيخ مصطفى صبري عليه رحمة الله، وهو آخر شيوخ الإسلام لهذه الأمة الإسلامية المرحومة، في الخلافة الإسلامية المباركة، الخلافة العثمانية التي قضي عليها من قبل الكفرة الملحدين سنة ثلاثٍ وأربعين وثلاثمائةٍ وألفٍ للهجرة، ولم يجتمع المسلمون من ذاك الوقت للآن على إمامٍ ولا على خليفة، وأمرهم فوضى، ونسأل الله أن يحسن ختامنا بفضله ورحمته، وهذه أعظم مصيبةٍ نزلت على الأمة الإسلامية بعد موت خير البرية عليه الصلاة والسلام، تفرقهم في هذا الحين إلى ما يزيد على سبعين دولة، ما بين مملكة وسلطنة ومشيخة وإمارة ودولة وحدث ولا حرج، وبعد ذلك بأسهم بينهم شديد، نسأل الله أن يؤلف بين قلوب المؤمنين، وأن يوحد كلمتهم، وان يهيئ لنا من أمرنا رشداً، إنه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين.يقول هذا الشيخ المبارك في هذا الكتاب الذي ينبغي أن يسطر هذا الكلام في القلوب، ومن الحيف أن يكتب في ورق، وكلامه في السفور والاحتجاب كله سبعون صفحة، ويقرر عليه رحمة الله مقالتين يرد بهما على السفهاء، وقد توفي سنة ثلاثٍ وسبعين وثلاثمائة وألفٍ للهجرة، يعني صار له منذ موته قرابة أربعين سنة، يرد في المقالة الأولى على السفهاء الذين ينكرون حكم تعدد الزوجات، ويرد في المقالة الثانية على دعاة السفور، الذين يريدون كشف وجه المرأة الذي هو مطية لكشف العورة المغلظة، وإذا هان على المرأة أن تكشف وجهها فسيهون عليها أن تكشف ما هو أعظم من ذلك بعد ذلك.يقول في صفحة خمسٍ وعشرين مبيناً أن الحجاب هو دليل الرقي والكمال والفضيلة، وأن السفور -يعني: كشف الوجوه- دليل الرذيلة، وهو دليل الانحطاط والتأخر، هذا بخلاف ما ينبز به السفهاء المتحجبات فيقولون: رجعية متحجبة، بل هذه هي الفاضلة، وإنما الرجعية من تعود إلى الجاهلية والهمجية وتكشف عن وجهها وتخرج كالبقرة، هذه هي الرجعية، أما التي تستر وجهها فإنها حيية.يقول مصطفى صبري : لا خلاف في أن الشرق مهد العلوم والمدنية، وسبب ذلك يرجع إلى كونه موطن الأنبياء ومهبط الوحي الإلهي، فالشرق فيه هذا النور الذي باركنا حوله، ثم قال الله: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:1]، فالشرق فيه هذه البركات، بركات الدين والدنيا، فبركات الدين: إرسال الرسل، وإنزال الكتب في الشرق، يقول: حتى أن مدنية اليونان التي هي أقدم مدنيةٍ في أوروبا، والتي استنار منها الغرب قبل أن يستنير من علوم الإسلام ومدنيته منصبة إلى أسبانيا بأيدي العرب الفاتحين، مقتبسةٌ من اتصال اليونانيين بسكان سواحل آسيا المحاذية لسواحل اليونان بمناسبة التجارة وغيرها، فضلاً عن كون أصل اليونانيين من المهاجرين الشرقيين، فأصلهم إذاً أيضاً من أحفاد وسلالة الأنبياء الذين اهتدوا برسالاتهم.
 علاقة حجاب المرأة بالغيرة الإنسانية
ثم يقول مصطفى صبري بعد ذلك كلاماً حقيقةً في منتهى الجودة، يقول: ثم إن الاحتجاب كما يكون تقييداً للفوضى في المناسبات الجنسية الطبيعية، ويضاد بالطبيعة من هذه الحيثية، فهل هو يتناسب مع الغيرة التي جبل عليها الإنسان.يعني: الحجاب هو ضد غريزة الشهوة، وهو يتلاءم مع غريزة الغيرة، فأنت بين أمرين: غريزة حيوانية أن المرأة تسفر ولا تتحجب، وعفة ومروءة وشهامة وحياء بأن تتحجب، يقول: إذاً نوافق الطبيعة من ناحيةٍ أخرى، إلا أن الغيرة غريزة تستمد قوتها من الروح، والتحرر عن القيود في المناسبة الجنسية غريزة تستمد قوتها من الشهوات الجسمانية، فهي تغري بالسفور، والغيرة تبعث على الاحتجاب، وبين هاتين الغريزتين تجاف وتحارب يجري ذلك في داخل الإنسان، شهوة هابطة وعفة فاضلة، فالمدنية الغربية انحازت إلى الطبيعة الأولى وهي: طبيعة الشهوة، وقررت ألا تحرم المنتسبين إليها من تمتع بالجانب الحلو في سفور النساء، واختلاط الجنسين في الأندية ومجالس الأنس والسهر، وضحت بالطبيعة الثانية وهي: العفة والغيرة والغريزة التي تستمد قوتها من الروح في سبيل ذلك التمتع.انتبه لهذا التعليل الذي يقوله هذا الإمام المبارك: فالرجل الغربي يخالط نساء الناس، ويقبل أيديهن، ويجالسهن سافرات ونصف عاريات، ويخاطرهن، كل هذا مقابل التنازل عن غيرته على زوجته وأخته وابنته، فيخالطهن غيره، ويجالسهن ويخاطرهن، ويرى أن عدد ضحاياه قريب بالنسبة إلى ما يربح، يعني: خسر زوجته وخمس بنات عنده، لكن اصطاد مائة امرأة أو ألف امرأة لاعبهن، فهو يقول: أنا خسرت، لكن الربح أكثر، وربما لا يوجد من يضحي به، أي: ليس عنده زوجة ولا بنات، فيخلص له الربح، والحفلات الراقصة التي هي من لوازم المدنية الاجتماعية في الغرب ليست إلا تأييداً علنياً للمعاشرة المختلطة، وتقريباً لأحد الجنسين من الآخر في الاقتران والاتفاق، وقضاءً على الغيرة بين ظهراني من يتوقع منهم التحمس بها، فكأن تلك الحفلات أفراح قران عامة، وبالفعل قضي على الغيرة، وعلى المروءة وعلى الشهامة فيها، فأصبح الغرب أخبث من الخنازير، ولا غيرة ولا حمية، لا على عرض، ولا على بنت، ولا على أخت، ولا على عار، ثم إن هذا الخلق بدأ يسري في العرب كالجرب، عندما أرادوا تقليد المدنية الغربية، وأقول بصراحة: إذا كشف الوجه، ورضيت لابنتك أن تكشف وجهها، فإذاً كشف فرجها عما قريب -لا ينبغي أن يتمعر وجهك أبداً- هذا طريق إلى ذلك، والغربي لما كشف الوجه رضي بكشف الفرج، وهذه هي الطبيعة، وهذا هو التساوي والمنطق، أما أن تقول للبنت: اكشفي الوجه وإياك أن تزني! فهذا في الحقيقة ظلم لها ولمن يخالطها، فكشفها وجهها سيؤدي إلى بلاء وعناء، وبعد ذلك تقول: لا تفعلي ولا تفعلوا، أنى يستجاب لك؟إخوتي الكرام! هذه الغيرة التي تدعو إلى تغطية الوجه هي التي كان يلتزم بها المسلمون في العصر الأول، وقد كان أئمتنا إذا شعروا أنه يوجد شيء من الاطلاع على وجوه محارمهم وأعراضهم تثور ثائرتهم، استمع لهذه القصة واستفد منها هذا المغزى الجليل الجميل:محمد بن إسحاق حديثه مخرج في صحيح البخاري تعليقاً وفي صحيح مسلم مقروناً على المعتمد، وفي السنن الأربعة، وهو صدوق حديثه لا ينزل عن درجة الحسن، صاحب المغازي، طعن فيه هشام بن عروة زوج فاطمة بنت المنذر ، وسبب قدحه فيه هو: أن محمد بن إسحاق روى حديثاً عن فاطمة بنت المنذر ، وفاطمة بنت المنذر فقيهة عابدة ثقة حديثها مخرج في الكتب الستة، من التابعيات جدتها أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، وفاطمة هي: بنت المنذر بن الزبير بن العوام ، فـهشام بن عروة أخذته الغيرة والحمية، يقول: يتحدث محمد بن إسحاق أنه روى عن زوجتي فاطمة ، والله إن رآها قط -إن هنا بمعنى: ما النافية، يعني: والله ما رآها قط، ولا اجتمع بها- كيف يروي عنها؟ فاتهمه بالكذب، ورد روايته من أجل روايته عن زوجته فاطمة ، لكن الإمام الذهبي في السير قال: على رسلك، محمد بن إسحاق ما قال: إنه رآها، ولا زعم أنه رآها، ولا يلزم بروايته عنها أنه رآها، وقد سمعت من عدة نسوة وما رأيتهن قط، فإذا حدثت المرأة من وراء حجاب، كيف لي أن أرى وجهها؟ ثم قال: وقد روى عدة من التابعين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وما رأوا لها صورةً قط، فهذه غيرة زائدة في الحقيقة زادت عن الحد الشرعي، ثم قال الإمام الذهبي : ولعله أيضاً أن تكون فاطمة بنت المنذر عمةً أو خالةً لـمحمد بن إسحاق من الرضاعة، وهشام بن عروة لعله لا يدري أيضاً.انتبه لهذه الأريحية، يقول محمد بن إسحاق : حدثتني فاطمة بنت المنذر ، فيقول هشام بن عروة زوجها: من أين رأيت وجه زوجتي؟ إذاً أنت كذاب، ورأى أن هذه أكبر منقصة فيه، ولو بلعته الأرض لكان أيسر عليه، فقيل له: خفف على نفسك، ما رؤي وجه هذه الحصان العفيفة الطاهرة، إنما حدث عنها دون رؤية، ولا يلزم من التحديث الرؤية، فانظر ما تدل عليه هذه القصة من معاني، وأنه لو كان وجه فاطمة بنت المنذر وغيرها مكشوفاً كوجوه البقر، فهل هناك داع أن يقول هشام بن عروة : من أين رأيتها؟ لأنه لو كان كذلك لكان الجواب: يا عبد الله! رأيتها أنا وأهل البلدة من أولهم إلى آخرهم، وهي ذاهبة آيبة، وجهها كذا وكذا، وأنت تتهمنا.على كل حال لا أريد أن أبحث في هذه القضية في أن الوجه عورة أو لا، هذا سيأتينا ضمن مراحل البحث.إنما القضية الأولى: ستر الوجه فضيلة، وعلامة الطهر والعفة والحياء والكمال، هذا محل إجماع، والمخالف في ذلك شيطان مريد.
أقوال الأئمة في تغطية الوجه عند خوف الفتنة
الأمر الثاني: الوجه إذا كان يخشى من كشفه فتنة، وسيترتب بلايا ورزايا فإنه يجب ستر الوجه أيضاً بلا خلاف، سواء كان عورة أو لا، على الخلاف المعروف، واستمع للسادة الحنفية والمالكية وغيرهم ممن يرون أن الوجه ليس بعورة.يقول الأحناف كما في رد المحتار على الدر المختار في الجزء الأول صفحة سبع وأربعمائة، ومثل هذا في حاشية الطحاوي في الجزء الأول صفحة إحدى وتسعين ومائة، يقولون: تمنع الشابة من كشف الوجه لخوف الفتنة من الفجور بها والشهوة إليها، وأما كونهم لا يرون الوجه عورة فهذا موضوع آخر، إذا كان كشف الوجه سيؤدي إلى فتنة وجب ستره ولا يباح لها كشفه.وهكذا يقول المالكية كما في حاشية الدسوقي في الجزء الأول صفحة سبع وتسعين ومائة، يقولون: إن خشي بالنظر إليها فتنة، وجب عليها ستر وجهها على مشهور المذهب، ولذلك من ينقل بعض أقوال المذاهب ويقول: إنهم لا يقولون: بأن الوجه عورة ولا يتبعون نقلهم بهذا الحكم فهم لصوص خونة؛ لأنه إذا نقل قول الحنفية مثلاً بأن الوجه ليس بعورة، فينبغي أن ينقل حكم كشفه عندهم إذا كان يخشى فتنة بأنه يجب عليها أن تستره، وهكذا المالكية، بل قرر أئمتنا وجوب ستر المرأة لوجهها من المرأة أو من محارمها إذا خشيت فتنةً لها أو لغيرها، سبحان الله! أمن امرأة تتحجب؟ نعم، إذا كانت امرأة مساحقة خبيثة، كلما تنظر إلى المرأة تنظر إلى شعرها وعينيها وخدودها، وتجلس وتتحرك وهي تشتهيها، فنقول: إذا علمت بخبث هذه المرأة لا يجوز أن تكشفي جسمك أمامها، ولا وجهك أبداً، هذه اعتبريها كالرجل الكافر في النظر، مع أنها امرأة مسلمة، وكذلك إن كان عندها أخ أو ابن زوج أو ابن أخت لكنه شرير، نعوذ بالله منه، تراه يتجسس ويتلصص هنا وهناك، إذا علمت منه الخيانة تتحجب منه، مع أنها خالته أو عمته أو زوجة أبيه، وهذا مقرر عند أئمتنا، ولا أعلم في ذلك خلافاً.يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله في الجزء الخامس عشر صفحة سبع وسبعين وثلاثمائة من مجموع الفتاوى في تفسير سورة النور، يقول: المرأة مع المرأة، والمرأة مع محارمها كابن زوجها، وابن أخيها، وابن أختها، متى خافت عليه أو عليها الفتنة توجه الاحتجاب عليها بل وجب.كما قلت: لا أعلم في وجوب ستر الوجه إذا خشي منه فتنة خلاف، وكشف الوجه في هذه الأيام يجعل الناس ينظرون قلة وكثرة فصارت فتنة لها ولزوجها، أوليس كذلك؟ينقل الإمام الشوكاني في نيل الأوطار، وهذا ينبغي أن يكتب ويعلق على جبين من لا يدرون هذه القضية وهذا الحكم، لا في جدرانهم، ينقل في الجزء السابع صفحة مائة وأربع عشرة عن شيخ الإسلام ابن رسلان ، وهو أحمد بن الحسن بن الحسين ، توفي سنة أربعٍ وأربعين وثمانمائة للهجرة، من العلماء الربانيين الصالحين، شرح صحيح البخاري وسنن أبي داود ، وهكذا الشفاء للقاضي عياض ، وله كتب كثيرة، انظروا في كتاب الضوء اللامع في محاسن أهل القرن التاسع، للإمام السخاوي ، في الجزء الأول صفحة اثنتين وثمانين ومائتين، وانظروا ترجمته في شذرات الذهب في الجزء السابع صفحة ثمان وأربعين ومائتين في حوادث سنة أربع وأربعين وثمانمائة، وله نظم -لو حفظه الأولاد والنشء- الزبد في الفقه الشافعي، وختمه بأبيات لطيفة في التصوف، وأئمتنا يقصدون بالتصوف الزهد، ومجاهدة النفس لا يقصدون به رسوماً فلسفية فارغة، ويقول فيها ضمن أبيات قالها مما ينبغي أن يحفظه كل إنسان:وزن بحكم الشرع كل خاطرِفإن يكن مأموره فبادرِوإن يكن مما نهيت عنهُفهو من الشيطان فاحذرنهُأرجوزة ما ألطفها في الفقه! وختمت بعد ذلك في المواعظ والرقائق، يقول هذا الإمام المبارك فيما ينقله عنه الشوكاني في الجزء السادس صفحة مائة وأربع عشرة، يقول: اتفق المسلمون على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه، لا سيما عند كثرة الفساق، هذا كلام أئمتنا، وهذا في نيل الأوطار.
 الاستدلال بوجوب تغطية القدمين على تغطية الوجه
وأختم هذه الأمور الثلاثة بإشارة أقول لمن يطنطنون حول كشف الوجه، وأنه يباح كشفه: هل يجوز كشف الرجلين؟ هذا بالإجماع لا، إلا عند هؤلاء السفهاء، فإنه يجوز بل وتكشف الفخذين كما سيأتينا، والذين لا زال عندهم التزام، يقولون: نحن إنما نبحث المسألة بحثاً علمياً فقط، فيقال لهم: هل يجوز أن تكشف المرأة الرجلين؟ فإن قالوا: نعم، قولوا لهم: تخالفون النبي عليه الصلاة والسلام، وإن قالوا: لا، قولوا: هل الفتنة بالرجلين أكثر أو بالوجه؟ هل يجوز في حكمة الحكيم الخبير أن يحرم كشف القدمين ويبيح كشف الوجه؟! الرجلان يجب سترهما، والوجه يجب كشفه، استمع للحديث ولغيرة النساء ومحافظتهن على أعراضهن، ثبت في السنن الأربعة من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)، فإذا جررت ثوبك ونزل عن الكعبين لم ينظر الله إليك، فما الشأن في النساء، (فقالت أم سلمة -هذه من بيت النبوة، ونور النبوة دائماً سيثور- فكيف يصنع النساء بذيولهن؟) تعني: إذا لم نرخ الذيول، كيف سنفعل؟ أي: نقصر الملابس مثل الرجال؟ (قال: ترخينه شبراً، قالت: إذاً تنكشف أقدامهن)، القدم لا يجوز أن يظهر، ولو جعلنا القدم يمشي على الأرض، والنساء لم تكن تلبس الجوارب، فعندما تمد رجلها وتمشي يبدو القدم، (قال: يرخينه ذراعاً ولا يزدن)، والحديث روي أيضاً من رواية أمنا أم سلمة مباشرةً ليس من رواية ابن عمر في الموطأ وأبي داود والنسائي وابن ماجه .إذاً: ستر القدمين واجب بالاتفاق، ولو احتكمنا إلى من عنده عقل صريح وفهم صحيح وقلنا له: هل هناك شريعة حرمت كشف القدمين وأباحت كشف الوجه؟ سيقول: يا عباد الله! أما عندكم عقول؟ الفتنة لا تحصل إلا بالوجه، ولو قلنا للخاطب: هذه مخطوبتك فانظر إليها لرجلها ولظهرها، ولكن الوجه لن تراه، أقول: ما بقي عندنا عقول تردعنا عن غينا.
الرد على بعض السفهاء الذين يحرمون النقاب
بعد هذا التحقيق اسمعوا لسفاهة هؤلاء السفهاء، فهذا البيطري ألف كتاباً سماه: تذكير الأصحاب بتحريم النقاب، وفق القواعد المستمدة من علمي الأصول والحديث، أقول: في أي وقت برز أهل الطب البيطري في علمي الحديث والأصول يحققون الشريعة، ويستدركون على أئمة الإسلام.انظر ماذا يقول هذا السفيه الضال حول حديث أسماء الذي أسلفناه؟ يقول في صفحة سبع وتسعين ومائة، وهذا عن أسماء بنت أبي بكر : (كنا نغطي وجوهنا بين الرجال، وكنا ننكشف قبل ذلك في الإحرام)، تقدم معنا الأثر وقلنا: صحيح رواه الحاكم في المستدرك، وزيدوا عليه: رواه ابن خزيمة في صحيحه في الجزء الرابع صفحة ثلاث ومائتين. هذا من باب الأمانة العلمية.وعندما قرأت كلامه تعجبت ثم رجعت ولم يكن عندي علم، من أين سرق هذا الكلام؟ فقلت: هذا عنده تحقيق برجال الحديث، ومن أجل الأمانة العلمية يقول: إنه على شرط مسلم وحده، أوليس كذلك؟ وقلنا: إن كلامه باطل؛ لأن زكريا بن عدي روى له البخاري ومسلم وأهل السنن الأربعة إلا أبا داود فلم يرو له في السنن إنما روى له في المراسيل، يقول: زكريا بن عدي : لم يرو له البخاري شيئاً في جامعه الصحيح ولا في غيره، وبذلك لم يتحقق فيه إلا شرط مسلم وحده، يقول: وقد ذكرنا هذا من باب حصول الفائدة لا أكثر، وقلت لكم: حدث البخاري عن زكريا بن عدي في صحيحه لكن بواسطة فهو من رجاله، كما نقلت ذلك عن الذهبي من مصدرين في السير وفي الكاشف.هذا الكلام خلال بحثي في هذا اليوم وإن تبين لي بأن الشيخ الألباني قاله، وهذا سرق كلامه منه، والألباني بعد ذلك ذكر ما يعارضه، ولا أعلم على أي شيء استقر الشيخ الألباني ، ولكن أورد هذا في كتاب الحجاب صفحة خمسين، يقول: أخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي ، ويقول: وإنما هو على شرط مسلم وحده، إذاً: هذا سارق من كلام الألباني ، ووالله إنه أقل من أن يعرف شرط الشيخين أو شرط غيرهما؛ لأن زكريا بن عدي في إسناده إنما روى له البخاري في غير الجامع الصحيح، وانظر في إرواء الغليل في الجزء الرابع صفحة مائتين واثنتي عشرة يقول: أخرجه الحاكم وهو صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي ، وهو كما قالا.إذاً هنا يقول: على شرط الشيخين، وفي الحجاب على شرط مسلم ، فعلى أي شيء استقر الشيخ الألباني ؟ لا أعلم، فالأمر يحتاج إلى اتصال به، وإسماعيل منصور هذا الكلام ليس من ذهنه ولا من بحثه، وهو لا يعرف لا تقريب التهذيب ولا تهذيب التهذيب، هذه القضية الأولى.القضية الثانية: يقول: قد رأى البعض أن في الحديث دليلاً على غطاء الوجه وقايةً من نظر الرجال لعموم النساء في الإحرام لإخبار أسماء بنت أبي بكر عن نفسها؛ لعموم النساء اللائي كن معها في ذلك، وهذا أمر لا يستقيم إطلاقاً من الناحية الشرعية، وذلك للأسباب العلمية التالية.انتبه كيف يترك محل البحث، قال: إنهم استدلوا على ما ذهبوا إليه بحديث آخر أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي إلى آخره: (كان الركبان يمرون بنا)، الحديث.ثم يقول: واتخذوا من هذا الحديث سبيلاً لتقوية استدلالهم على ما ذهبوا إليه لفهم هذا الحديث الذي نحن بصدده، ذاكرين أن حديث عائشة رضي الله عنها يأخذ درجة الحسن بالشواهد، يقول: ومثله لا يقوى باعترافهم أنفسهم بقولهم: إنه حسن للشواهد وليس حسناً لذاته ولا صحيحاً، لا يقوى على إقامة حكم شرعي بحال من الأحوال، ثم إننا بعد التحقيق تبينا أن الحديث إنما هو ضعيف، ومثله يستحيل أن يقوم به حكم تكليفي بحال الحكم بقبوله.. إلى آخر هذيانه، ماذا تريد الآن من حديث أمنا عائشة؟ نحن الآن في حديث أسماء تقدم معنا أنه على شرط الشيخين في المستدرك وفي صحيح ابن خزيمة .يقول أيضاً في هذا الشأن سفيه ثالث: يبدو أن هذا التعارض الواضح قد ألجأ البعض إلى محاولة لحل المشكلة، فزعم أن المفهوم من النص هو مجرد التغطية الخبيثة وليس الانتقاب الثابت على الوجه، ولا ندري من أين أتوا بهذا القول؟ ولعلهم أتوا به من رواية أخرى عن فاطمة بنت المنذر : (كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر )، ونحن نقول تعقيباً عليها: إن قول فاطمة بنت المنذر عن جدتها أسماء لم يثبت، ولا نعرف له سنداً، هذا الأثر رواه مالك بإسناد صحيح كالشمس، ولكن هذا السفيه النكرة الذي يعيش مع الجهلة، ما الذي أجاز له الكلام في كتب السنة؟ لقد بوب عليه الإمام مالك، باب تخمير المحرم وجهه، يقول هذا السفيه: لم يثبت، ولا نعرف له سنداً، اللهم إلا أنه ورد بصيغة التمريض التي لا يعتد بها في الإثبات، فضلاً عن معارضة معناها لعموم النهي النبوي الشريف عن تغطية وجوه النساء في الإحرام بالنقاب.ثم انتبه لسفاهته بعد ذلك وهي التي ختم بها الكلام، يقول: إن السبب الحقيقي وراء هذه التخبطات والأقوال الشاذة والآراء الفاسدة، هو أنكم تؤسسون أحكاماً شرعيةً على مجرد تفسيرات وتأويلات من تحبونهم من المشتغلين بعلوم الدين.أقول: وأي منقصة إذا أسسنا ديننا على ما قرره أئمتنا كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والإمام النووي وابن القيم وابن تيمية؟ وهل تريد منا أن نعزل النصوص عن فهم هؤلاء ونتسور عليها مثلك أيها الدابة؟ يقول: أنتم تفهمون الدين على حسب ما فهمه أئمتكم، وهذا مخالف تماماً لمنهاج الكتاب والسنة الذي يسير مع الدليل العلمي الموضوعي وليس الشخصي حيثما سار، فانظروا في أمركم، وأعلو منزلة دينكم عن الآراء والأقوال، فإن الوحي لا يستوي معه كلام سائر البشر مهما كان، ومن أي شخصٍ كان.يبقى بعد ذلك كله أن نقول: فما معنى هذا الحديث الذي نحن بصدده؟ لقد ذكر تأويلاً لحديث أسماء لو عرضناه على الحيوانات التي يعالجها لرفضت ورفعت رأسها وقالت: هذا ما نقبله، ولا يمكن أن يقول به مخلوق، انتبه لتأويل أثر أسماء ، يقول: إن هذا الحديث الذي تقول فيه أسماء بنت أبي بكر : (كنا نغطي)، يفيد شيئاً آخر هو: أنها رضي الله عنها تحكي بصدق -ولا شك- عن أمرين كان كل النساء يفعلنهما قبل ذلك في الإحرام، ثم جاء الشرع بعد ذلك بالنهي عنهما، فامتنع الرجوع إليهما بعد تمام الدين، وهذا هو ما يجمع بين النصوص بلا تعب.قل: كنا نخمر وجوهنا ونكشف قبل الإحرام، يعني كنا في أول الأمر.فالسؤال: كم حج النبي عليه الصلاة والسلام؟ هل حج أربعين حجة وكانت معه أسماء تسعاً وثلاثين، ونهاها بعد ذلك في الأربعين؟ لا إله إلا الله! لا أدري ماذا نقول لهذا الدابة، الذي يمشي على رجليه؟ وهذا الكلام تحت عنوان عريض: تذكير الأصحاب بتحريم النقاب، ويقول: ستر الوجه في الزنا أخف وزراً من التي تغطي وجهها، لم يقل التي تسفر عن وجهها، أو التي تسفر عن فخذيها، بل قال: ولو كشفت عن فخذيها فهي عاصية من وجه واحد، أما هذه فعاصية من وجهين، يقول: بالحجاب صارت متكبرة علينا، وعصت الله، فهذه معصية، فكل واحدة خالفت الأمر، تلك كشفت عن الفخذين وهذه غطت الوجه، كل منهما معصية، لكن غطاء الوجه أشد من معصية كشف الفخذين ...ثم انتبه بعد ذلك لضلاله عندما أتى قصة العابدة القانتة الفقيهة حفصة بنت سيرين وعلق عليها بكلام، إذا قرأه إنسان يبكي ويضحك في آن واحد، أنا أعجب كيف ابتليت هذه الأمة الإسلامية بهؤلاء السفهاء! يأتي بكلام حفصة بنت سيرين الذي ذكرته، وأنها كيف كانت تتحجب وهي قاعد، يقول: هي على خطئها وضلالها وبطلانها قول عاصم لها: يرحمك الله، دليل على أنها عاصية، فهي عابدة وليست عالمة، لا تعلم شيئاً في الفروع فضلاً عن الأصول، أقول: هذه هي نتيجة الجهل فمن الذي يعرف الأصول صاحب الطب البيطري، فكلامه في هذه القضية يعجب الإنسان منه غاية العجب، ولعلني أتكلم على هذا إخوتي الكرام فيما يأتي، وعلى بقية هذه السفاهات التي ذكرت في هذه الكتب وهي نماذج لما يذكر في هذا الحين، ويراد منه تقويض الحياة عند المسلمات في هذا الزمن الذي نعيش فيه.إخوتي الكرام! ختام الكلام ستر الوجه هو علامة حياء المرأة في كل وقت، وإذا كشفت المرأة عن وجهها فقد نزعت حياءها، وخرجت عن النساء الكاملات الفضليات، أما بعد ذلك ما حكم ذلك الكشف؟ أيضاً يأتينا الكلام فيه ويأتينا الرد على المخالفين الذين ضلوا وأضلوا من حيث يدرون أو لا يدرون، وعلى هؤلاء السفهاء الذين هم لا في العير ولا في النفير بل تهجموا على شريعة الله المطهرة، وظلوا يفترون عليها ويضللون عباد الله، نسأل الله أن يكفينا شر كل ذي شر إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين آمين.اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر لمن وقف هذا المكان المبارك، اللهم اغفر لمن عبد الله فيه، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.
 الاستدلال بوجوب تغطية القدمين على تغطية الوجه
وأختم هذه الأمور الثلاثة بإشارة أقول لمن يطنطنون حول كشف الوجه، وأنه يباح كشفه: هل يجوز كشف الرجلين؟ هذا بالإجماع لا، إلا عند هؤلاء السفهاء، فإنه يجوز بل وتكشف الفخذين كما سيأتينا، والذين لا زال عندهم التزام، يقولون: نحن إنما نبحث المسألة بحثاً علمياً فقط، فيقال لهم: هل يجوز أن تكشف المرأة الرجلين؟ فإن قالوا: نعم، قولوا لهم: تخالفون النبي عليه الصلاة والسلام، وإن قالوا: لا، قولوا: هل الفتنة بالرجلين أكثر أو بالوجه؟ هل يجوز في حكمة الحكيم الخبير أن يحرم كشف القدمين ويبيح كشف الوجه؟! الرجلان يجب سترهما، والوجه يجب كشفه، استمع للحديث ولغيرة النساء ومحافظتهن على أعراضهن، ثبت في السنن الأربعة من رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)، فإذا جررت ثوبك ونزل عن الكعبين لم ينظر الله إليك، فما الشأن في النساء، (فقالت أم سلمة -هذه من بيت النبوة، ونور النبوة دائماً سيثور- فكيف يصنع النساء بذيولهن؟) تعني: إذا لم نرخ الذيول، كيف سنفعل؟ أي: نقصر الملابس مثل الرجال؟ (قال: ترخينه شبراً، قالت: إذاً تنكشف أقدامهن)، القدم لا يجوز أن يظهر، ولو جعلنا القدم يمشي على الأرض، والنساء لم تكن تلبس الجوارب، فعندما تمد رجلها وتمشي يبدو القدم، (قال: يرخينه ذراعاً ولا يزدن)، والحديث روي أيضاً من رواية أمنا أم سلمة مباشرةً ليس من رواية ابن عمر في الموطأ وأبي داود والنسائي وابن ماجه .إذاً: ستر القدمين واجب بالاتفاق، ولو احتكمنا إلى من عنده عقل صريح وفهم صحيح وقلنا له: هل هناك شريعة حرمت كشف القدمين وأباحت كشف الوجه؟ سيقول: يا عباد الله! أما عندكم عقول؟ الفتنة لا تحصل إلا بالوجه، ولو قلنا للخاطب: هذه مخطوبتك فانظر إليها لرجلها ولظهرها، ولكن الوجه لن تراه، أقول: ما بقي عندنا عقول تردعنا عن غينا.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما يقول إذا خرج من الخلاء [5] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net