اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء [6] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء [6] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
بدعة القول بالقدر تنقسم إلى قسمين: القدرية الغلاة الذين يزعمون أن الله لم يقدر شيئاً، والقدرية المعتزلة الذين يزعمون أن الله لم يقدر الشر ولا أراده، وقد أبطل علماء السلف هذه الضلالة، ومما أوقع المعتزلة في هذه الضلالة: عدم تفريقهم بين الإرادة الكونية والشرعية، وقد قابل المعتزلة الجبرية فألغوا الإرادة الشرعية وقالوا: كل ما يفعله العبد فهو طاعة! لأنه تنفيذ لإرادة الله!ومن أعظم أسباب انتشار بدعة المعتزلة ثلاثة أمور: اتصال قادتها برجال الحكم، وفصاحة أئمتهم، وتعاون المعتزلة فيما بينهم.
أقسام القدرية
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد: لا زلنا في مدارسة الباب الرابع من أبواب الطهارة من جامع الإمام أبي عيسى الترمذي -رحمة لله-، وكنا نتدارس الرجال الذين ذكرهم في أسانيد حديثه في هذا الباب، وكنا نتدارس ترجمة هشام الدستوائي ، وتقدم معنا أنه ثقةٌ ثبت لكنه رمي بالقدر، وقد خرج حديثه أهل الكتب الستة، وهذه البدعة أعني: بدعة القول بالقدر قلت: لا بد من أن نتكلم على أقسامها، وأن نبين حكم كل بدعةٍ وحكم من يقول بكل نوعٍ منها، فإذا انتهينا منها ننتقل بعد ذلك إن شاء الله إلى حكم رواية المبتدع، ومتى تقبل ومتى ترد بعون الله جل وعلا.وقد تقدم معنا أن بدعة القول بالقدر تنقسم إلى قسمين: القسم الأول قلنا: بدعة القدرية الغلاة، وهم الذين قالوا: إن الله لم يقدر شيئاً، ولا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها، وقلت: إن هذه البدعة جاءت عن طريق النصارى، فأول من دعا إليها في الإسلام نصراني أظهر الإسلام يدعى: سوسن ، ثم انتقلت إلى معبد الجهني ، ثم إلى غيلان الدمشقي ، وبينت أن كل واحدٍ من معبد وغيلان قتل، وبعد مقتل غيلان زالت هذه البدعة من بلاد الإسلام، ولم يبق قائلٌ بهذه المقالة الضالة والحمد لله.القسم الثاني: القدرية المعتزلة، وأصلها أن بدعة الغلو في القدر تحولت وتغيرت عن شكلها القديم، فتبنتها المعتزلة، وخلاصة قولهم: أن العباد مستقلون بأفعالهم، وأن الله قدر الخير وأراده، لكنه لم يقدر الشر ولم يرده، فيقع الشر من العباد من غير تقدير من الله! هذا خلاصة قول المعتزلة في القدر، ولذلك قال شيخ الإسلام الإمام ابن حجر في هدي الساري في مقدمة شرحه لصحيح البخاري في صفحة تسعة وخمسين وأربعمائة في بيان بدعة القدرية، قال: هذه الفرقة تزعم أن الشر فعل العبد وحده، أي: بدون تقدير الله جل وعلا، ثم ذكر من رموا بالقدر من رواة الحديث فذكر منهم هشاماً الدستوائي ، الذي وافق المعتزلة في هذه البدعة ولم يكن معتزلياً.وتقدم معنا أنه لا يقع شيءٌ إلا بعد مشيئة الله وإرادته وتقديره، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، من خيرٍ أو من شر.
 

بطلان مذهب المعتزلة القدرية
كلام المعتزلة لا شك في بطلانه، والفرق بينهم وبين الغلاة أن غلاة القدرية نفوا علم الله بالأشياء، أما هؤلاء فقالوا: الله يعلم كل شيء قبل وقوعه من خيرٍ أو شر، لكنه قدر الخير وأراده وأمر به، ولم يقدر الشر ولم يرده ولم يأمر به، ولو أنكروا علم الله بالأشياء قبل حدوثها لالتحقوا بالفرقة الأولى وكفروا؛ لأن في ذلك إنكاراً لعلم الله جل وعلا! والله بكل شيءٍ عليم.
 قاعدة المحدث الشكلي في إبطال مذهب المعتزلة
وهذا قول المعتزلة قطعاً باطل، وأنا أعجب لعقول المعتزلة، ولعقول من ضل في هذه المسألة أيضاً من الأئمة ومن رواة الحديث، ولذلك كان بعض أئمتنا وهو أبو الفضل العباس بن يوسف الشِكلي بكسر الشين، وهو من العلماء الربانيين، توفي سنة أربع عشرة وثلاثمائةٍ للهجرة، وهو من شيوخ الإمام الرامهرمزي، ذكره في كتاب المحدث الفاصل، وانظروا ترجمته في تاريخ بغداد في الجزء الثاني عشر صفحة أربعٍ وخمسين ومائة، وكان يقول هذا العبد الصالح: إذا رأيت الرجل مشتغلاً بالله فلا تسأل عن إيمانه، وإذا رأيت الرجل منشغلاً عن الله فلا تسأل عن نفاقه، والأمر كذلك، فالرجل المشتغل بالله في صلاةٍ وصيامٍ وذكرٍ وعبادة، لا داعي أن تسأل عن إيمانه هل هو مؤمن أو لا؟جاء مرةً بعض الضالين الزائرين إلى مسجدٍ كنت فيه ولم يصلوا معي، فلما انتهيت قلت: لم لا تصلوا؟ قالوا: لا نعلم أمؤمن أنت أو كافر، قلت: ترون أنني بكنيسة أو في مسجد في بيتٍ من بيوت الله؟ قال عثمان: من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته، وإذا رأيت الرجل مشتغلاً عن الله ومنشغلاً عنه فلا تسل عن نفاقه، فإنه واضح أمره؛ لأنه منهمك في المعاصي والشهوات والضلالات والمنكرات، فماذا تريد بعد هذه البينة من بينة؟ فالشاهد منه وفيه كما يقولون، وهنا شاهده منه وفيه على أنه منافق، والأول شاهده منه وفيه على أنه مؤمن، لأنه مشتغل بالله، وهذا مشتغل عن الله، هذا من كلام أبي الفضل العباس بن يوسف الشكلي .يقول هذا الإمام الصالح كما نقل عنه ذلك الإمام الآجري في الشريعة، في صفحة أربعٍ وأربعين ومائتين: أمران يقطع بهما المعتزلي، لا تزد في الكلام معه، قل له: هل قدر الله على هداية الكافر والعاصي فلم يرد، أو أراد فلم يقدر؟ هذا كما قال الشافعي: ناظروا القدرية بالعلم، إن أقروا به خصموا، وإن أنكروه كفروا، ويقول الإمام الشكلي: قل للمعتزلي: هل قدر الله على هداية فرعون فلم يرد هدايته؟ أو أراد هدايته فلم يقدر؟ أمران لا ثالث لهما، فإن قال: قدر الله على هدايته لكن ما أراد، قل: فمن يهديه من بعد الله، وإن قال: أراد الله هدايته وعجز لم يقدر على هدايته! فقل: لا يشك أحداً أنك كفرت بالله العظيم، وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا [يونس:99]، قدر فلم يرد أو أراد فلم يقدر حدد الجواب، إن قال: قدر على هداية الكفار، لكن لم يرد هدايتهم كل ذلك لحكمةٍ يعلمها ولا نعلمها سبحانه وتعالى، فقل: فمن يستطيع أن يهدي من لم يرد الله هدايته؟ وإذا قال: أراد فلم يقدر! أعوذ بالله من هذا، فهذا هو الكفر البواح، أراد الله هداية الكفار لكن عجز وهم غلبوه وكفروا، فلا يشك أحدٌ أن قائل هذا كفر بالله العظيم.هذا هو قول المعتزلة، وهذا باختصار الرد عليهم وإبطال كلامهم، وإذا أردتم أن تنظروا المناظرة التي جرت بين أبي إسحاق الإسفراييني وبين القاضي عبد الجبار فانظروها في طبقات الشافعية الكبرى، في الجزء الرابع صفحة واحدة وستين ومائتين، وانظروها في مجموع الفتاوى للإمام ابن تيمية في الجزء الثامن عشر صفحة أربعين ومائة، وانظروها في فتح الباري في الجزء الثالث عشر صفحة واحد وخمسين وأربعمائة، وذكرها شيخنا محمد الأمين الشنقيطي عليه رحمة الله في دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب.
موقف المعتزلة من الإرادة
إن القدرية المعتزلة ضلوا بسبب أمرٍ اشتبه عليهم ألا وهو إرادة الله، وإرادة الله تنقسم إلى قسمين: إرادة دينية شرعية، وإرادة كونية قدرية، فالمعتزلة سووا بينهما، وألغوا الإرادة الكونية القدرية، وجعلوا الإرادتين نوعاً واحداً وهي إرادة شرعية دينية، فقالوا: لا يريد الله إلا ما يحبه ويرضى عن فاعله، وعليه فالمعاصي ما أرادها الله، وإذا لم يردها فهي تقع في استقلال من العباد دون تقديرٍ من الله عليهم، وهذا ضلال؛ لأن الله جل وعلا قد أشار إلى الإرادتين في كتابه، وهكذا الأحاديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام تواترت بالأمرين، ولا يلزم من إرادة الله المعاصي أنه يحبها، وأنه أمر بها، كما أنه لا يلزم من إرادة الله الطاعات أن توجد، فقد توجد وقد لا توجد كما سيأتينا، والإرادة الكونية القدرية لا بد من وجودها، لكن لا يلزم منها محبة الله، والإرادة الشرعية الدينية تساوي الأمر والنهي تماماً، لكن لا يلزم كما قلنا وجودها، فقد توجد وقد تتخلف، نعم إذا وجدت أحب الله فاعلها، فالقدرية سووا بين الأمرين: ألغوا الإرادة الكونية القدرية، وجعلوا الإرادتين إرادة واحدة، وهذا باطل، والآن نذكر الإرادتين وتعريفهما، ودليلاً شرعياً على كلٍ منهما باختصار.
 الإرادة الكونية القدرية
الإرادة الثانية: إرادةٌ كونيةٌ قدريةٌ وهي مشيئة الله العامة، وإرادته النافذة، التي لا يتخلف مقتضاها، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، تكون فيما يحبه الله ويرضى، وفيما يسخطه ويبغضه على حدٍ سواء، لا يوجد شيء في الكون إلا بإرادة الله ومشيئته، وقد يكون محبوباً، وقد يكون مكروهاً، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام:149]، وسيأتينا بعد نهاية هذا النوع من الإرادة أنه لا قصر في ذلك على الإطلاق، بل تكون فيما هو محبوب، وفيما هو مكروه، في الخير وفي الشر، هذه الإرادة الثانية أشار الله إليها في كثيرٍ من الآيات، فلا يصح إلغاؤها، يقول الله جل وعلا في سورة البقرة: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:253]، (لو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم)، (لو شاء الله ما اقتتلوا)، إذاً شاء الله لهم أن يقتتلوا، وهذا الاقتتال مكروه، لكن شاءه الله وقدره وأراده: لا يلزم من وقوعه أنه رضيه وأحبه إنما قدره وقضاه وأراده، فلا يقع شيءٌ في ملك الله إلا بمشيئته وتقديره وتدبيره سبحانه وتعالى، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:253].إذاً: قدر الله هذا وشاءه، ولكنه يبغضه ويكرهه ويعاقب فاعله، وقد حذره منه ونهاه عنه، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأعطاه عقلاً، لكنه لا يقع شيءٌ في ملك الله إلا بتقدير الله ومشيئته وإرادته سبحانه وتعالى، وهكذا قول الله جل وعلا: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125]، (فمن يرد الله أن يهديه)، الإرادة هنا كونية قدرية، فإذا قدر الله لك الهداية هيأ لك أسباباً وشرح صدرك، (يشرح صدره للإسلام)، يعرض عليك الإسلام فتراه أحب إليك من الماء البارد في اليوم القائظ، اللهم اشرح صدورنا للإسلام، ولاتباع نبيك عليه الصلاة والسلام بفضلك ورحمتك يا ذا الجلال والإكرام.(ومن يرد أن يضله)، إرادةً كونيةً قدرية، (يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء)، هذه إرادة لا يجوز إلغاؤها، فجاء المعتزلة وألغوها ولم يعتبروا إلا الإرادة الدينية الشرعية فقط، وقالوا: لا يقع في ملك الله ما لا يحبه الله ولا يرضاه، والآية تدل على بطلان هذا، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125]، فليست هذه إرادة دينية، بل هي إرادة كونية قدرية فكيف تلغى، وقد دل القرآن وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام على تنوع إرادة الرب، منها كونية قدرية، ومنها دينية شرعية، فلا يجوز أن نلغي الكونية القدرية، كما لا يجوز أن نلغي الدينية الشرعية.
مقابلة الجبرية للقدرية والرد عليهم
وقد قابل المعتزلة فرقة الجبرية فألغوا الإرادة الدينية الشرعية، وقالوا: كل ما يفعله العبد يعتبر طاعةً للرب؛ لأنه ينفذ إرادة الله، وإذا نفذ إرادة الله فهو مطيعٌ له، وعليه فالزاني كالمصلي؛ لأن هذا حقق إرادة الله، وهذا حقق إرادة الله، نعوذ بالله من هذا الضلال! نعم كل منهما بتقدير الله، لكن الله يحب الصلاة وأمر بها، ويكره الزنا ونهى عنه، وإن فعلت هذا وهذا فكل ذلك بقدر الله وتقديره، وعلمه ومشيئته وإرادته سبحانه وتعالى، ولا يقع شيءٌ في ملكه بغير إرادته، ولا يلزم من هذا إجبارٌ ولا إكراه، لا على طاعةٍ ولا على معصية.
 اختيار العبد لا يخرج عن تقدير الله
فلنا اختيارٌ ولا شك، لكن اختيارنا لا يخرج عن تقدير ربنا جل وعلا، بل ينتهي سعي العالم من أولهم إلى آخرهم في آيتين من كتاب الله، الآية الأولى في سورة الإنسان الدهر: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان:30]، وفي سورة التكوير في آخرها: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:28-29]، إذاً: هاتان الآيتان سعي العباد عندهما مرتبط بتقدير ومشيئة وإرادة العزيز القهار سبحانه وتعالى، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.ولذلك قال شيخ الإسلام الإمام الشافعي عليه رحمة الله أبياتاً لطيفةً في هذا الأمر، قال عنها الإمام ابن عبد البر في كتابه الانتقاء في تراجم الأئمة الثلاثة الفقهاء في صفحة ثمانين: هي أثبت ما روي عن الشافعي ، وأصح ما نقل عنه، وهي أثبت شيءٍ في الإيمان بالقدر، ونقل هذه الأبيات الإمام البيهقي في السنن الكبرى في الجزء العاشر صفحة ستٍ ومائتين، كما نقلها في كتابه الاعتقاد في صفحة اثنتين وسبعين، ونقلها أيضاً في كتاب الأسماء والصفات صفحة اثنتين وسبعين ومائة، ونقلها في مناقب الشافعي أيضاً في الجزء الأول صفحة اثنتي عشرة وأربعمائة، فهذه عدة كتب للإمام البيهقي فقط، وهي منقولة في كثيرٍ من كتب أئمتنا، وهذه الأبيات يقول الإمام الشافعي فيها:ما شئت كان وإن لم أشأ وما شئت إن لم تشأ لم يكنخلقت العباد على ما علمت ففي العلم يجري الفتى والمسنعلى ذا مننت وهذا خذلت وهذا أعنت وذا لم تعنفمنهم غنيٌ ومنهم فقيرٌ ومنهم قبيحٌ ومنهم حسنومنهم شقيٌ ومنهم سعيدٌ وكل بأعماله مرتهنفما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا تكن كحال المغفل السقيم العقيم، الذي خرج ليشتري حمارةً فقال: إلى أين؟ قال: لأشتري الحمارة، قيل له: قل: إن شاء الله، قال: الفلوس في جيبي وسوق الحمير معروف، فلا داعي لقول: إن شاء الله! فذهب إلى السوق وساوم على حمارة، وبعد أن اتفق على شرائها مد يده إلى جيبه فوجد الفلوس قد سرقت، فرجع من غير حمارة، وبينما هو على الطريق قيل له: أين الحمارة؟ قال: ما اشتريتها إن شاء الله، الآن تقولها! لو قلتها من البداية: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا [الكهف:23-24].
الأصول الخمسة عند المعتزلة
لقد وصل الشطط ببعض عتاة المعتزلة وهو ثمامة بن أشرس ، ضالٌ مضل، هلك سنة ثلاثٍ وسبعين ومائتين للهجرة، وله مخازي كثيرة لا أريد أن أذكر شيئاً منها في هذا الشهر الكريم، كان يقول: لا يجوز أن نقول: إن الله خلق الكافر، لأننا إذا قلنا: إن الله خلقه فهذا يعني أن الله قدر الكفر فيعطل مذهب المعتزلة، بل نقول: خلق الله المؤمنين، ونسكت عن الكفار! وانظروا هذه الضلالة وضلالات كثيرة له في ترجمته في لسان الميزان للحافظ ابن حجر .نقول لهذا الجاهل: الصحابة كلهم كانوا على ضلالة ثم هداهم الله، فقبل أن يؤمنوا من خلقهم؟ هو يقول: المؤمن خلقه الله؛ لأن هذا حسنٌ يضاف إلى الله، أي: رضيه وأحبه إرادة شرعية دينية يحبها، أما الإرادة الكونية القدرية فهو ينكرها، وهذا ضلالٌ إخوتي الكرام ما بعده ضلال.هذه الضلالة -ضلالة القول بالقدر- قال بها المعتزلة وأتوا بضلالات كثيرة غيرها، فركبوا بعد ذلك ضلالة إنكار الأسماء والصفات، وهي التي يسمونها بالتوحيد، وتوحيدهم توحيد تعطيل كما يقول أئمتنا، ثم ركبوا بعد ذلك ضلالة الوعد والوعيد، وهو أنه يجب على الله أن يعاقب العاصي، ولا يجوز أن يغفر له، ثم ركبوا بعد ذلك ضلالة أخرى وسموها المنزلة بين المنزلتين وهي أن من فعل كبيرةً خرج من الإيمان، ولم يدخل في الكفر! ولكن مخلدٌ يوم القيامة في النيران، ثم ركبوا ضلالةً أخرى وهي آخر ضلالاتهم التي يسمونها الأصول الخمسة، والتي شرحها عبد الجبار في كتابٍ يزيد على ألف ومائتي صفحة، كلها ضلالات، نقضوا بها أصول الإسلام، وهذه الأخيرة يسمونها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر هو في الحقيقة تفرقةٌ لكلمة المسلمين، وخروج بالسيف على أئمة الجور، ولو أدى ذلك إلى ضياع الأمة من أولها إلى آخرها.هذه الضلالات الخمس لم يقل بها كثيرٌ من الأئمة الذين رموا بالقول بالقدر، كـهشام الدستوائي ، فهو لا يقول: إن فاعل الكبيرة مخلد في النار، ولا يقول: ليس بمؤمن ولا كافر، إنما يقول: ما يقع من شر هو باختيار العباد وفعلهم دون تقدير الله عليهم، فهو على زعمهم في هذا الأصل يريدون أن ينزهوا الله عن تقدير السوء كما تقدم معنا في كلام عبد الجبار : سبحان من تنزه عن الفحشاء، وقلت: يترتب على هذا القول من جهة العقل عجز الرب! لأنه وقع في ملكه ما لا يريده، وأن إرادة العبد غلبت إرادة الرب، فدعونا من عقولنا وعقولكم، ولنلجأ إلى النصوص الشرعية التي صرحت بأن الله خالق كل شيء، قال الله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96].وأما ما يفعله العباد فإنه مقدر عليهم، وهو مسطورٌ في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقوا، وعندما تنفخ الروح في الإنسان على رأس أربعة أشهر يكتب رزقه وأجله وعمله وشقيٌ أو سعيد، ولا يلزم -كما قلت- من هذا التقدير قصرٌ وإجبار، فإن لك اختياراً تثاب وتعاقب عليه، وكل واحدٍ يميز بين فعله الاختياري وفعله الاضطراري، وهذا مما فطر الله عليه العباد، فالمرتعش يده تتحرك بغير اختياره، وإذا أراد أن يسكنها لا تسكن فحركتها اضطرارية، وأنت عندما تحرك يدك فباختيارك، وكلٌ منهما بتقدير الله، لكن المرتعش لا اختيار له وهنا لك اختيار، وكذلك عندما خلقت ذكراً فبتقدير الله، وعندما صليت فبتقدير الله، ولكن على ذكورتك لا تثاب ولا تعاقب، وعلى الصلاة تثاب إن فعلت، وإن تركت تعاقب، وكلٌ منهما بتقدير الله، وهذا مما فطر الله عليه الناس مؤمنهم وكافرهم، فأنت لك اختيار في الإرادة الدينية، وليس لك اختيار في الإرادة الكونية، فلا يجوز أن تلغي الإرادة الكونية القدرية، وتجعل الإرادتين إرادة شرعية دينية، كما فعل المعتزلة، كما لا يجوز بالمقابل أن تلغي الإرادة الدينية الشرعية، وتجعل الإرادتين إرادة كونية قدرية كما زعمت الجبرية حيث قالوا: كل ما يقع فهو مما يحبه الله ويرضاه؛ لأنه تنفيذٌ لإرادة الله جل وعلا، وهذا كلامٌ باطل، كما أن ذاك أيضاً كلامٌ باطل.
 اختيار العبد لا يخرج عن تقدير الله
فلنا اختيارٌ ولا شك، لكن اختيارنا لا يخرج عن تقدير ربنا جل وعلا، بل ينتهي سعي العالم من أولهم إلى آخرهم في آيتين من كتاب الله، الآية الأولى في سورة الإنسان الدهر: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان:30]، وفي سورة التكوير في آخرها: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:28-29]، إذاً: هاتان الآيتان سعي العباد عندهما مرتبط بتقدير ومشيئة وإرادة العزيز القهار سبحانه وتعالى، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.ولذلك قال شيخ الإسلام الإمام الشافعي عليه رحمة الله أبياتاً لطيفةً في هذا الأمر، قال عنها الإمام ابن عبد البر في كتابه الانتقاء في تراجم الأئمة الثلاثة الفقهاء في صفحة ثمانين: هي أثبت ما روي عن الشافعي ، وأصح ما نقل عنه، وهي أثبت شيءٍ في الإيمان بالقدر، ونقل هذه الأبيات الإمام البيهقي في السنن الكبرى في الجزء العاشر صفحة ستٍ ومائتين، كما نقلها في كتابه الاعتقاد في صفحة اثنتين وسبعين، ونقلها أيضاً في كتاب الأسماء والصفات صفحة اثنتين وسبعين ومائة، ونقلها في مناقب الشافعي أيضاً في الجزء الأول صفحة اثنتي عشرة وأربعمائة، فهذه عدة كتب للإمام البيهقي فقط، وهي منقولة في كثيرٍ من كتب أئمتنا، وهذه الأبيات يقول الإمام الشافعي فيها:ما شئت كان وإن لم أشأ وما شئت إن لم تشأ لم يكنخلقت العباد على ما علمت ففي العلم يجري الفتى والمسنعلى ذا مننت وهذا خذلت وهذا أعنت وذا لم تعنفمنهم غنيٌ ومنهم فقيرٌ ومنهم قبيحٌ ومنهم حسنومنهم شقيٌ ومنهم سعيدٌ وكل بأعماله مرتهنفما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا تكن كحال المغفل السقيم العقيم، الذي خرج ليشتري حمارةً فقال: إلى أين؟ قال: لأشتري الحمارة، قيل له: قل: إن شاء الله، قال: الفلوس في جيبي وسوق الحمير معروف، فلا داعي لقول: إن شاء الله! فذهب إلى السوق وساوم على حمارة، وبعد أن اتفق على شرائها مد يده إلى جيبه فوجد الفلوس قد سرقت، فرجع من غير حمارة، وبينما هو على الطريق قيل له: أين الحمارة؟ قال: ما اشتريتها إن شاء الله، الآن تقولها! لو قلتها من البداية: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا [الكهف:23-24].
أسباب انتشار بدعة المعتزلة القدرية
خلاصة بدعة القدرية المعتزلة أن الشر لم يقدره الله، وأن العباد يستقلون بأفعالهم من غير تقدير الله عليهم، وهذه البدعة تختلف عن بدعة القدرية الغلاة، لا أقول: من حيث الخسة والشناعة، بل من حيث الزوال والبقاء، فتلك تقدم معنا أنها زالت وانتهى أهلها، أما هذه فإنها رسخت، وضربت لها جذوراً إلى هذا اليوم، ونسأل الله أن يستأصلها وأن يزيلها، وأن يريح الأمة منها إنه على كل شيءٍ قدير، فبدعة القدرية المعتزلة ما أكثر من يقول بها! حتى إن مشايخ جاءوا بعض البلاد والجامعات التي لها شأن يقولون بذلك، وعلى تعبيرهم قالوا: ننزه الله عن الظلم، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، يصفون الله بنقيصةٍ وأنه يقع في ملكه ما لا يريده، ويسلبونه بعد ذلك إرادته ثم يقولون: ننزهه عن الظلم! وأي ظلمٍ أشنع من هذا الظلم الذي تعتدون به على الحكم العدل سبحانه وتعالى، وتنفون تقديره وتقولون: ننزهه عن الظلم! هذه البدعة اختلفت عن تلك، فراجت ورسخت لثلاثة أسباب:
 تعاون المعتزلة فيما بينهم
وآخر الأمور: تعاونهم فيما بينهم، وكان يضرب المثل بمعاونة الشيعي للشيعي كما يضرب المثل بمعاونة المعتزلي للمعتزلي، وكان أئمتنا إذا أرادوا أن يخبروا عن احتفاء وإكرام إنسانٍ لإنسان يقولون: احتفى به كاحتفاء المعتزلي للمعتزلي، والشيعي للشيعي، حقيقةً أن الشيعة يخلصون لبعضهم إخلاصاً عجيباً، وهكذا المعتزلة، أما نحن الذين ننتسب إلى أهل السنة والجماعة فحدث ولا حرج عما بيننا من همزٍ ولمز، ونحن على الحق، وأحق أن نتآلف! لكن ماذا نعمل، يجتمع أحياناً بعض الناس معي ويقول لي: يا شيخ! أنا أرد الكلام عنك، ثم تراه يحاضر ويتكلم ويذكر الكلام، فإذا به يسفهنا، أما يتقي الله، هل عندك يا هذا بينة؟ فإن كنت على حقٍ وعلى هدى وجب على المخطئ أن يتراجع عن خطئه، وإن كنت على ردى فارجع، ولا تسفه برأيك في مراء! هذا هو حالنا، أما حال أهل البدع فهو تآلفٌ وتكاتفٌ وتعاون، والقوى وإن كانت على باطل فاجتماعها على الباطل يزيدها قوة، والحق عندما يتفرق يضعف، أسأل الله أن يؤلف بين قلوب المؤمنين إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، اللهم اجعل لنا هذا الشهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتقاً لرقابنا من النار، اللهم تقبل منا الصلاة والصيام والقيام، اللهم اجعلنا من عتقائك من النار، اللهم اجعلنا من عتقاء شهر رمضان، وأدخلنا الجنة من باب الريان بسلام، بفضلك ورحمتك يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء [6] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net