اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء [5] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء [5] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
إن بدعة القدرية بدعة هدامة للدين، وهي على ضربين: الأول: إنكار تقدير الله وعلمه بالأشياء قبل وقوعها، وهؤلاء كفار مارقون، قد عفا عليهم الزمن ولم يبق لهم وجود، وكان على رأسهم معبد الجهني حيث ظهر في البصرة وأخذ هذه المقالة من نصراني يقال له: سوسن؛ ادعى الإسلام وأتى بهذه البدعة واختفى، وانتهى الأمر بمعبد إلى القتل، وتلقف عن معبد هذه المقالة غيلان الدمشقي الذي قتل مصلوباً نهاية المطاف، وقد رد السلف على أهل هذه المقالة وتبرءوا منهم.
عقيدة أهل السنة في القدر
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فكنا نتدارس في الباب الرابع من أبواب كتاب الطهارة من جامع الإمام أبي عيسى الترمذي -رحمه الله- وقد ساق الإمام الترمذي في هذا الباب حديثاً عن ثلاثة من شيوخه الكرام هم: عن قتيبة بن سعيد ، وهناد بن السري ، وأحمد بن عبدة الضبي البصري عن أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء يقول: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبيث)، والرواية الثانية أنه كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، ويجوز تسكين الباء في الرواية الثانية (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث).هذا الحديث قال عنه الإمام الترمذي : إنه أصح شيءٍ في هذا الباب، ثم قال: وفي الباب: عن زيد بن أرقم ، وعن علي بن أبي طالب ، وعن جابر بن عبد الله ، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين.وكنا نتدارس المبحث الأول حول إسناد هذا الحديث الذي ذكره الإمام الترمذي في جامعه، وانتهينا من ترجمة رجال الحديث الأول، وبدأت بعد ذلك أترجم لمن ذكرهم في إسناد حديث زيد بن أرقم ، حيث قال الترمذي : وحديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب، روى هشام الدستوائي ، وكنا نترجم لـهشام وقلنا: هو هشام بن أبي عبد الله ، ووالده اسمه سنبر أبو بكر الدستوائي ، ثقةٌ ثبتٌ، رمي بالقدر من كبار السابعة، توفي سنة أربعٍ وخمسين بعد مائة للهجرة، وأخرج حديثه أهل الكتب الستة.بدعة القدر التي رمي بها هذا العبد الصالح هشام الدستوائي كنا نتدارسها، وقد ذكرت شيئاً من أحوالها، وكأن بعض الكرام يريد مزيداً من الكلام عليها، فأريد أن أعيد ما تقدم بشيءٍ من التفصيل، مع الإضافة إليه، وأنهي ما يتعلق ببدعة القول بالقدر في هذه الموعظة إن شاء الله، وإذا انتهينا منها نتدارس حكم رواية المبتدع بعون الله جل وعلا، سواءٌ كانت البدعة بدعة القول بالقدر، أو بدعة الإرجاء، أو بدعة التشيع، ومتى تقبل رواية المبتدع ومتى ترد؟ وهذا المبحث إذا تدارسناه في هذه الموعظة لن نعود إليه في المواعظ الآتية إن شاء الله.إن بدعة القول بالقدر تنقسم إلى قسمين: إلى قدريةٍ غلاة، وإلى قدريةٍ معتزلة، وكل منهما ضل وخالف اعتقاد الحق فيما ذهب إليه، فأهل الحق يوقنون بأن الحي القيوم سبحانه وتعالى قدر الأمور قبل وقوعها كما علمها، فلا يقع شيءٌ في ملك الله إلا بمشيئة الله وإرادته، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وينتهي سعي العباد بأسرهم إلى قول الله جل وعلا: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان:30]، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29]، وتصرفات المخلوقات بأكملها تنتهي عند هاتين الآيتين، فلنا تصرفٌ وإرادة ومشيئةٌ، لكن كل ذلك مرتبط بمشيئة الله وإرادته وتقديره، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.وسيأتينا كلام الإمام الشافعي -عليه رحمة الله- في هذا، وهو أصح ما نقل إلى الشافعي وأثبت شيءٍ في الإيمان بالقدر: ما شئت كان وإن لم أشأوما شئت إن لم تشأ لم يكنفما شاء الله كان، سواءٌ شئنا أو لم نشأ، رضينا أو لم نرض، وما شئنا مقيدٌ بمشيئة ربنا جل وعلا، وسأذكر الأبيات عما قريب إن شاء الله.
 

وقفات حول بدعة القدرية الغلاة
إذاً: هذا هو اعتقاد أهل الحق، فالله قدر الأمور قبل وقوعها وعلمها، فلا يقع شيءٌ إلا على حسب تقديره وعلمه سبحانه وتعالى، والعباد يثابون ويعاقبون على حسب اختيارهم الذي هو مربوطٌ بتقدير ربهم جل وعلا.والقدرية ضلوا في هذا الباب فانقسموا قسمين: قدريةً غلاة اشتطوا ضلالاً في القدر، وانحرفوا انحرافاً كبيراً، وخلاصة قولهم: أنهم ينفون تقدير الله للأشياء قبل وقوعها، كما نفوا تقدم علم الله بالأشياء قبل حدوثها، فقالوا: ما قدر الله شيئاً، ولا يعلم الله الشيء إلا بعد أن يقع، فإذا وقع الشيء علمه الله، أما قبل وقوعه فإنه لا يعلمه، مثلاً: هل سنصوم شهر رمضان أم لا؟ يقول القدري: الله لا يعلم إلا بعد أن يقع منا الصيام أو الفطر، لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه، وما قدر في الأزل شيئاً، هذا قول غلاة القدرية، وهذا القول منقولٌ عنهم في شرح صحيح مسلم لشيخ الإسلام الإمام النووي في الجزء الأول صفحة ستٍ وخمسين ومائة، ونقله عنهم أئمتنا قاطبةً، انظروا أيضاً قولهم في كتاب درء تعارض العقل والنقل للإمام ابن تيمية في الجزء الثاني صفحة اثنين وثلاثين وثلاثمائة.
 حكم القدرية الغلاة
فمن قال بهذه البدعة وهي: أن الله لم يقدر شيئاً، ولا يعلم الشيء إلا بعد أن يقع، القائل بذلك كافرٌ كما قرر أئمتنا، وهذه المقالة بدعةٌ مكفرة، نص على ذلك شيخ الإسلام الإمام النووي عليه رحمة الله كما سأذكره.قال القاضي عياض عليه رحمة الله: هذا في القدرية الأول الذين نفوا تقدم علم الله جل وعلا بالأشياء، ونفوا تقدير الله للأشياء قبل وقوعها، والقائل بذلك كافرٌ بلا خلاف، على أن الإمام النووي بعد أن حكى هذا قال: ويجوز أن يراد من قول ابن عمر : إن المراد من ذلك كفران النعم لا كفران المنعم، ثم استبعد هذا فقال: لكن قوله: لو أن لأحدهم مثل أحدٍ ذهباً فأنفقه -يعني في سبيل الله- ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر، ظاهرٌ في تفسير القدرية؛ لأن الأعمال لا تحبط ولا يبطل ثوابها إلا إذا كان فاعلها كافراً، وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة:5]، فهو ظاهرٌ في تفسير القدرية، ثم قال أيضاً: ويمكن أن يقال: إن ذلك من باب الزجر والتغليظ، ويصح أن يقال للمؤمن: إن عمله لا يقبل لمعصيته، وإن كان عمله صحيحاً من أجل زجره وتغليظ القول عليه، احتمالات أوردها هذا الإمام، ولكن المعتمد ما قرره هو ومن قبله ومن بعده من العلماء بأن القدرية هم الذين ينفون قدر الله، أي: ينفون ركناً من أركان الإيمان، وينفون تقدم علم الله بالأشياء وهؤلاء لا شك في كفرهم، وقد نقل عددٌ من أئمتنا اتفاق السلف على تكفير هؤلاء، منهم الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في الجزء الثامن صفحة خمسٍ وثمانين وثلاثمائة، وكرره في المجلد الثامن في صفحة ستٍ وستين، وثلاثين، وأربعمائة، وخمسين وأربعمائة، وأشار إليه في كتابه: درء تعارض العقل والنقل، في الجزء التاسع صفحة اثنتين وأربعمائة، وأشار إليه الإمام ابن القيم في: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والتعليل، في صفحة ثمانٍ وعشرين، وفي صفحة ستٍ وثمانين ومائة.وهكذا الإمام السخاوي في: فتح المغيث، في الجزء الأول صفحة ستٍ وثلاثمائة، قال: البدع التي لا شك في تكفير قائلها القول: بأن الله لا يعلم الأشياء قبل وقوعها، لا شك في تكفير قائلها، وهكذا بدعة نفي علم الله جل وعلا في الجزئيات، أي: يعلم الكليات لا الجزئيات، وتتابع أئمتنا على حكاية هذا القول، انظره في تدريب الراوي في صفحة ست عشرة ومائتين، وهكذا في سنن الإمام البيهقي السنن الكبرى في الجزء العاشر صفحة ثلاثٍ ومائتين، وفي مناقب الإمام الشافعي للإمام البيهقي أيضاً في الجزء الأول صفحة ثمانٍ وستين وأربعمائة وغير ذلك.
مؤسسو بدعة القدر
هذه البدعة أبرز من أسسها ودعا إليها رجلٌ ملعونٌ من النصارى، أظهر الإسلام، ثم أراد أن يفسد في دين الإسلام باسم الإسلام، وهذا ما يفعله أعداء الإسلام في كل وقت؛ لأن شجرة الإسلام لا يمكن أن يقطعها إلا من تظاهر بالإسلام، ولذلك عندما أراد الغرب أن يقضوا على الخلافة الإسلامية جندوا خبيثاً من جنسهم، لكن تظاهر باسم الإسلام، وهو: مصطفى أتاتورك كانت لحيته تملأ صدره، والإبريق في إزاره معلقٌ على جنبه الأيمن، والسواك على الجنب الأيسر، وكان يقال له: الخوجة، والخوجة عند الأتراك: مثل الشيخ عند المسلمين، وكان يقال له: الإمام الغازي المجاهد في سبيل الله، ولكن صلى وصام لأمرٍ كان يقصده، ثم بعد ذلك عندما تمكن أعلن علمنة الدولة، وقضى على كل شيءٍ له صلة بالإسلام، حتى أصدر حكم الإعدام بمن يلبس العمة أو طربوشاً على رأسه يشنق مباشرة، تنصب له المشنقة في قارعة الطريق، أما إذا لبس برنيطة النصارى أو خرج حاسراً فلا بأس.
 المؤسس الثالث لبدعة القدر: غيلان الدمشقي
ثم إن بدعة القول بالقدر لم تقف عند هذا الحد، ولكن أخذها شيطانٌ آخر عن معبد الجهني وهو غيلان الدمشقي ، وكان في رحلته في طلب العلم فالتقى بـمعبد فلما فتنه عاد إلى بلاد الشام لينشر ذلك الهذيان بين المسلمين أنه لا قدر، وأن الأمر أنف، وأن الله لا يعلم الشيء إلا بعد أن يقع، فانتشرت البدعة في ذلك الوقت، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان خليفة المسلمين، فاتبع غيلان الدمشقي وناظره فرجع عن بدعته وقال: يا أمير المؤمنين! كنت أعمى فبصرتني، وكنت ضالاً فهديتني، أشهدك أنني رجعت عن قولي، ولا أعود إليه، فقال عمر بن عبد العزيز : اللهم إن كان عبدك غيلان صادقاً فثبته، وإن كان كاذباً فاخذله، يعني: إذا رجع تقيةً أمامي والاعتقاد في قلبه أسألك أن تخذله، وأن تكشف سره، وأن توقع به العقوبة التي يستحقها، فكان كذلك لما مات عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه أظهر غيلان القول ببدعته، وعمر بن عبد العزيز رحمه الله ورضي الله عنه مع ليونته ورأفته ورحمته وشفقته عنده هيبةٍ وفي قلبه نور، وإذا صلح الرأس فما على الجسد لا يضر؛ لأن الأعضاء ستصلح، فإذا كان المبطل إذا وقف أمامه -أي: عمر بن عبد العزيز - يتراجع عن باطله للحق الذي في قلب عمر رضي الله عنه وأرضاه، وإذا كانت الذئاب ترعى مع الغنم في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه فمن بابٍ أولى أن يتراجع غيلان عن بدعته أمام هذا النور الوقاد، لكن عندما مات وجاء هشام أظهر غيلان القول ببدعة القدر وأن الله لا يعلم الشيء إلا بعد أن يقع، فاستدعاه هشام ، وحذره من هذه البدعة فأصر عليها، وقال: أبداً أنا على حق، والله ما قدر الله شيئاً ولا يعلم الشيء إلا بعد أن يقع، فاستدعى هشام شيخ المسلمين في ذلك الوقت وهو الإمام الأوزاعي فناظره في قوله فأبى أن يرجع عن بدعته، فأفتى الأوزاعي بقتله، فقتل غيلان الدمشقي ، وبعد أن قتل كتب رجاء بن حيوة إلى هشام بن عبد الملك يقول له: يا أمير المؤمنين! والله إن قتل غيلان أفضل من قتل ألفين من الروم، يعني: إذا قتلت ألفين من النصارى لا يعدل ذلك قتل غيلان ، فأولئك نصارى بيننا وبينهم حواجز، وضلالهم في أذهانهم، أما هذا يدعو إلى هذه البدعة باسم الإسلام، وهو يختلط مع المسلمين في مساجدهم ويضلهم، فقتله أفضل من قتل ألفين من الروم، ورجاء بن حيوة كان شيخاً للمسلمين أيضاً في زمانه يعدل الإمام الأوزاعي ، وكان مسلمة بن عبد الملك يقول: لـرجاء بن حيوة ولـعدي بن عدي ولـعبادة بن نسي ينصر بهم على الأعداء، فينزل الله الغيث من السماء.وقال مكحول الدمشقي شيخ الشام أيضاً في زمنه وهو في أهل الشام كـالحسن البصري في أهل البصرة، قال: إن غيلان ترك الناس على مثل لجج البحار، حسبه العزيز القهار، وكان يقول له قبل أن يقتل: ويحك يا غيلان لا تموت إلا مقتولاً؟ اترك قولك، ومعنى قوله: ترك الأمة على مثل لجج البحار، أي: بهذه الشبه والضلالات التي نشرها بينهم، وبمقتل غيلان قال أئمتنا الكرام: انتهى القول ببدعة القدرية الغلاة، فما بقي أحدٌ بعد غيلان يقول: بأن الله لم يقدر شيئاً، ولا يعلم الشيء إلا بعد أن يقع، يقول الحافظ في الفتح في الجزء الأول صفحة مائة وتسع عشرة: قال الإمام القرطبي أبو العباس صاحب كتاب المفهم في شرح صحيح مسلم : انقرض القائلون بهذا القول، أي: بقول القدرية الغلاة، ولا نعرف أحداً ينسب إليه من المتأخرين، وهكذا قال شيخ الإسلام الإمام النووي في الجزء الأول صفحة أربعٍ وخمسين ومائة في شرح صحيح مسلم .
القدرية المعتزلية
الصنف الثاني من أصناف القدرية: قدرية مجوسيةٌ معتزلة، نتكلم على هذا الصنف فيما يأتي -إن شاء الله- والإمام هشام الدستوائي لا يقول بقول القدرية الغلاة قطعاً وجزماً، بل يقول بقول القدرية المعتزلة ولم يكن داعياً، فهو مع بدعته تقبل روايته بشروطٍ وضوابط، كما ستأتينا عند قبول رواية المبتدع، والعلم عند الله جل وعلا.رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمةً إنك أنت الوهاب، اللهم تقبل منا الصلاة والصيام والقيام، اللهم اجعلنا من عتقائك من النار، اللهم اجعلنا من عتقاء شهر رمضان، وأدخلنا الجنة من باب الريان بسلام، بفضلك ورحمتك يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اجعل لنا هذا الشهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتقاً لرقابنا من النار، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.
 المؤسس الثالث لبدعة القدر: غيلان الدمشقي
ثم إن بدعة القول بالقدر لم تقف عند هذا الحد، ولكن أخذها شيطانٌ آخر عن معبد الجهني وهو غيلان الدمشقي ، وكان في رحلته في طلب العلم فالتقى بـمعبد فلما فتنه عاد إلى بلاد الشام لينشر ذلك الهذيان بين المسلمين أنه لا قدر، وأن الأمر أنف، وأن الله لا يعلم الشيء إلا بعد أن يقع، فانتشرت البدعة في ذلك الوقت، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان خليفة المسلمين، فاتبع غيلان الدمشقي وناظره فرجع عن بدعته وقال: يا أمير المؤمنين! كنت أعمى فبصرتني، وكنت ضالاً فهديتني، أشهدك أنني رجعت عن قولي، ولا أعود إليه، فقال عمر بن عبد العزيز : اللهم إن كان عبدك غيلان صادقاً فثبته، وإن كان كاذباً فاخذله، يعني: إذا رجع تقيةً أمامي والاعتقاد في قلبه أسألك أن تخذله، وأن تكشف سره، وأن توقع به العقوبة التي يستحقها، فكان كذلك لما مات عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه أظهر غيلان القول ببدعته، وعمر بن عبد العزيز رحمه الله ورضي الله عنه مع ليونته ورأفته ورحمته وشفقته عنده هيبةٍ وفي قلبه نور، وإذا صلح الرأس فما على الجسد لا يضر؛ لأن الأعضاء ستصلح، فإذا كان المبطل إذا وقف أمامه -أي: عمر بن عبد العزيز - يتراجع عن باطله للحق الذي في قلب عمر رضي الله عنه وأرضاه، وإذا كانت الذئاب ترعى مع الغنم في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه فمن بابٍ أولى أن يتراجع غيلان عن بدعته أمام هذا النور الوقاد، لكن عندما مات وجاء هشام أظهر غيلان القول ببدعة القدر وأن الله لا يعلم الشيء إلا بعد أن يقع، فاستدعاه هشام ، وحذره من هذه البدعة فأصر عليها، وقال: أبداً أنا على حق، والله ما قدر الله شيئاً ولا يعلم الشيء إلا بعد أن يقع، فاستدعى هشام شيخ المسلمين في ذلك الوقت وهو الإمام الأوزاعي فناظره في قوله فأبى أن يرجع عن بدعته، فأفتى الأوزاعي بقتله، فقتل غيلان الدمشقي ، وبعد أن قتل كتب رجاء بن حيوة إلى هشام بن عبد الملك يقول له: يا أمير المؤمنين! والله إن قتل غيلان أفضل من قتل ألفين من الروم، يعني: إذا قتلت ألفين من النصارى لا يعدل ذلك قتل غيلان ، فأولئك نصارى بيننا وبينهم حواجز، وضلالهم في أذهانهم، أما هذا يدعو إلى هذه البدعة باسم الإسلام، وهو يختلط مع المسلمين في مساجدهم ويضلهم، فقتله أفضل من قتل ألفين من الروم، ورجاء بن حيوة كان شيخاً للمسلمين أيضاً في زمانه يعدل الإمام الأوزاعي ، وكان مسلمة بن عبد الملك يقول: لـرجاء بن حيوة ولـعدي بن عدي ولـعبادة بن نسي ينصر بهم على الأعداء، فينزل الله الغيث من السماء.وقال مكحول الدمشقي شيخ الشام أيضاً في زمنه وهو في أهل الشام كـالحسن البصري في أهل البصرة، قال: إن غيلان ترك الناس على مثل لجج البحار، حسبه العزيز القهار، وكان يقول له قبل أن يقتل: ويحك يا غيلان لا تموت إلا مقتولاً؟ اترك قولك، ومعنى قوله: ترك الأمة على مثل لجج البحار، أي: بهذه الشبه والضلالات التي نشرها بينهم، وبمقتل غيلان قال أئمتنا الكرام: انتهى القول ببدعة القدرية الغلاة، فما بقي أحدٌ بعد غيلان يقول: بأن الله لم يقدر شيئاً، ولا يعلم الشيء إلا بعد أن يقع، يقول الحافظ في الفتح في الجزء الأول صفحة مائة وتسع عشرة: قال الإمام القرطبي أبو العباس صاحب كتاب المفهم في شرح صحيح مسلم : انقرض القائلون بهذا القول، أي: بقول القدرية الغلاة، ولا نعرف أحداً ينسب إليه من المتأخرين، وهكذا قال شيخ الإسلام الإمام النووي في الجزء الأول صفحة أربعٍ وخمسين ومائة في شرح صحيح مسلم .

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء [5] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net