اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب مفتاح الصلاة الطهور [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب مفتاح الصلاة الطهور [2] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
الطهور شرط للصلاة فلا صلاة بغير طهور، سواء كان هذا الطهور ماء، أو تراباً لمن لم يجد الماء أو عجز عن استعماله، أما من عجز عن الاثنين فإنه يسقط عنه هذا الشرط فيصلي على حاله إلى أن يستطيع استعمال أحدهما.
تخريج حديث: (من أحب النساء إليك...)
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فلا زلنا نتدارس الباب الثالث من أبواب الطهارة الذي عنون عليه الترمذي هذا العنوان فقال: باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور، ثم روى حديثين في هذا الباب:الحديث الأول: رواه عن أربعةٍ من شيوخه: عن قتيبة بن سعيد ، وهناد بن السري ، ومحمود بن غيلان ، ومحمد بن بشار رحمهم الله أجمعين، عن علي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، قال أبو عيسى : هذا الحديث أصح شيءٍ في هذا الباب وأحسنه.ثم روى حديثاً آخر عن شيخه أبي بكر محمد بن زنجويه ، وعن غير واحدٍ من شيوخه رضي الله عنهم أجمعين، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الوضوء).وقد ذكرنا ما يتعلق بإسناد الحديث الأول، وانتهينا من ترجمة علي رضي الله عنه، وهو راوي الحديث عن نبينا عليه وعلى آله وصحبه صلوات الله وسلامه. وننتقل إلى ذكر إسناد الحديث الثاني كما تدارسنا إسناد الحديث الأول، ثم ندخل في المبحث الثاني في فقه الحديث ومعناه إن شاء الله.وقبل أن نبدأ بدراسة إسناد الحديث الثاني، كنت ذكرت في آخر مبحث دراسة الإسناد للحديث المتقدم ترجمةً لـعلي رضي الله عنه، ذكرت فيها حديث الترمذي والمستدرك، وتقدم معنا رواية الحديث وقلت: إنه في درجة الحسن عن أمنا عائشة ، وبريدة رضي الله عنهم أجمعين أنه (كان أحب الرجال إلى النبي عليه الصلاة والسلام علي، وكان أحب النساء إليه فاطمة ) رضي الله عنهم أجمعين، وقلت: هذا كما قال النخعي : أي: من أهل بيته.وأما أحب الرجال إليه على الإطلاق فـأبو بكر ، وأحب النساء إليه على الإطلاق فأمنا عائشة رضي الله عنهم أجمعين، وذكرتُ حديثَ الصحيحين في ذلك ونسبته إلى سنن الترمذي وقلت: رواه الترمذي ، عن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح، وقد كنت أخذته من جامع الأصول، وفي الجزء التاسع، صفحة خمسٍ وثلاثين ومائة: عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: (قيل: يا رسول الله! من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة ، قيل: من الرجال؟ قال: أبوها)، أخرجه الترمذي ، يقول في التعليق في المناقب باب مناقب عائشة رضي الله عنها: وهو حديثٌ حسنٌ صحيح، والحديث موجودٌ في سنن الترمذي في الطبعة الحمصية في الجزء التاسع، صفحة ثلاثٍ وتسعين وثلاثمائة، وأنا أعجب غاية العجب لماذا لم ينسب هذا الحديث إلى الصحيحين، مع أن الأصل أنه في جامع الأصول؟ وتقدم معنا أنه يقصد به الأصول الستة: الصحيحين، والسنن الثلاث، وموطأ الإمام مالك ، بدل سنن ابن ماجه ، وقد تقدم معنا في المقدمة بيان أن الأصول الخمسة متفقٌ عليها، واختلف في الأصل السادس هل هو الموطأ، أو سنن ابن ماجه ، أو الدارمي فالأصل أن يعزوه إلى الصحيحين، والذي علق على الكتاب أيضاً يقول: في الصحيحين مع سنن الترمذي ؛ ولأنه جامع الأصول، فلماذا لم يذكر صاحب التعليق هذا؟ وهذا أمرٌ خفي وغريب، والعلم عند الله جل وعلا في هذا.والحديث في الصحيحين، رواه البخاري في فضائل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، في باب: (لو كنت متخذاً خليلاً من أهل الأرض لاتخذت أبا بكرٍ خليلاً)، ورواه في كتاب المغازي باب غزوة ذات السلاسل، ورواه مسلم في صحيحه في فضائل الصحابة في فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه.ونبينا عليه الصلاة والسلام لا يحب إلا طيباً، فأحب أطيب الرجال، وهو أبو بكر رضي الله عن الصحابة أجمعين، وأطيب النساء، وهي أمنا عائشة رضي الله عنهم أجمعين، ولذلك علق الذهبي على هذا الحديث، فقال: هذا حديثٌ صحيحٌ ثابتٌ في الصحيحين على رغم أنوف الروافض، ثم قال: فمن أبغض حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو جديرٌ بأن يكون بغيضاً عند الله وعند رسوله عليه الصلاة والسلام. كنت ذكرت هذا الحديث وتعليق كلام الذهبي.إذاً: الحديث في الصحيحين، وفي سنن الترمذي، وحقيقةً ينبغي أن يكتب هذا في جامع الأصول، فهل ابن الأثير رمز له؛ لأنه يرمز بالأحرف رموزاً يعني قال: خاء ميم وتاء، وسقط هذا من الرمز، وخفي على المعلق؛ لأن المعلق في الأصل ينبغي أن يبين؛ لأنه في الحاشية يخرج الأحاديث، لكن أنا في تقديري -والعلم عند الله- لا أظن أن يخفى هذا على ابن الأثير، فأظن أنه رمز له بالأحرف تاء خاء ميم في الرموز التي يستعملها، ثم سقطت بعد ذلك في الطباعة، لكن كونها سقطت هذا لا يعفي المحقق؛ لأن المحقق كان يخرج هذه الرموز، فإذا رمز بالخاء، يقول المحقق: البخاري، تاء جاءت يقول: في باب كذا، كتاب كذا، أو رمز بالميم يقول: صحيح مسلم كتاب كذا رقم الحديث كذا، كما اشترط على نفسه، فلعله لما سقط هذا الرمز لم ينتبه المحقق، وأنا جئت على إثره فما انتبهت أيضاً، وهذا حال البشر، ونسأل الله أن يتوب علينا، وأن يعفو عن تقصيرنا، إنه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين.فالحديث إذاً: في الصحيحين، وسنن الترمذي، وهو حديثٌ صحيح. رضي الله عن أبي بكر، وعن ابنته، وعن علي، وعن زوجه، وعن الصحابة أجمعين، وصلى الله على نبينا وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين رضوان الله عليهم أجمعين.
 

ترجمة رواة حديث: (مفتاح الصلاة الطهور)

 رحلة جابر بن عبد الله في طلب حديث واحد
جابر بن عبد الله رضي الله عنه من المجتهدين في طلب حديث نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، وكان يرحل شهراً كاملاً على الإبل؛ لأجل أن يطلب حديثاً واحداً، والحديث بلغه عن ذلك الصحابي عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن أراد أن يتحقق منه وأن يستوثق، وأن يأخذه من مصدره؛ ليكون عال الإسناد عنده، وقصة جابر في هذا أخرجها البخاري في الأدب المفرد، والإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، والخطيب البغدادي في كتاب الرحلة في طلب الحديث، والطبراني في مسند الشاميين، وأبو يعلى في مسنده، وتمام في فوائده، وأشار إليها البخاري في صحيحه معلقاً، فقال: ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهرٍ إلى عبد الله بن أنيس ، وإسناده صحيح، يشير إلى الحديث الذي ذكره الخطيب البغدادي في الرحلة في طلب الحديث، في صفحة مائة وتسعةٍ في ذكر من رحل في حديثٍ واحدٍ من الصحابة الأكرمين رضي الله عنهم أجمعين، وبدأ بـجابر رضي الله عنه وأرضاه، وهذا الكتاب جعله الخطيب البغدادي فيمن رحل في طلب حديثٍ واحدٍ فقط، أما من رحل في طلب حديث النبي عليه الصلاة والسلام على وجه العموم، فأولئك لا يحصون، وإنما جمع الخطيب في كتابه من رحل في حديثٍ واحدٍ من الصحابة فمن بعدهم، رجل بلغه حديثٌ، فجهز الراحلةَ، وشد الرحلَ إلى بلد بعيد من أجل أن يتحقق من ذلك الحديث.عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: بلغني عن رجلٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو عبد الله بن أنيس- حديثٌ سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أسمعه منه، يعني: لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم -وانظر لهذه الهمة العالية- قال: فابتعت بعيراً، فشددت عليه رحلي، فسرت إليه شهراً، من المدينة المنورة إلى بلاد الشام، حتى أتيت الشام، فإذا هو عبد الله بن أنيس الأنصاري ، قال: فأرسلت إليه: أن جابراً على الباب، فلما فتح خادمه الباب قلت له: أخبر عبد الله بن أنيس : أن جابر بن عبد الله على الباب، قال: فرجع إلي الرسول فقال: جابر بن عبد الله ؟ فقلت: نعم، جابر بن عبد الله ، قال: فرجع الرسول إليه، فخرج إليّ فاعتنقني واعتنقته، قال: قلت: حديثٌ بلغني أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم لم أسمعه، فخشيت أن أموت أنا أو تموت أنت قبل أن أسمعه منك، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يحشر الله العباد، أو قال: يحشر الله الناس، عراةً، غرلاً، بهماً، قلت: ما بهماً؟ قال: ليس معهم شيء، قال: فيناديهم بصوتٍ يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان لا ينبغي لأحدٍ من أهل الجنة أن يدخل الجنة، وأحدٌ من أهل النار يطلبه بمظلمة)، يعني: أهل الجنة إذا استحقوا دخول الجنة لا يمكن أن يدخلوها وواحدٌ من أهل النار أن يطالبهم بمظلمة وبحق، (ولا ينبغي لأحدٍ من أهل النار يدخل النار وأحدٌ من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة، قال: قلنا: كيف هو؟) يعني: الصحابة يقولون للنبي عليه الصلاة والسلام: إنما نأتي الله تعالى عراةً، غرلاً، بهماً، ما عندنا ما نرد به المظالم، فكيف سنرد الحقوق في ذلك اليوم؟ (قال: بالحسنات والسيئات)، يعني: يُقتص للمظلوم من حسنات الظالم، وإذا لم يكن له حسنات، طرح من سيئاتهم عليه. وهذا الحديث لما عُقد لـابن تيمية عليه رحمة الله مناظرةً من أجل ما ذكره في العقيدة الواسطية من أن الله يتكلم يوم القيامة بصوت، وأكثروا النكير والضجيج عليه، فقيل له: كيف تصف الله بأنه يتكلم بصوتٍ؟ قال: هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، لم أقله أنا فذكر لهم الحديث وفيه: (فيناديهم بصوتٍ يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب)، وهذا وارد في عدة أحاديث: (يناديهم بصوت)، هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، والأمير الذي كان يحقق في القضية وهم يتناظرون أمامه ما يعرف -كما يُقال: الحديث من قصة عنترة- إنما قال للحاضرين: هل هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام؟ قالوا: نعم، شيخ الإسلام يتكلم بما ورد عن نبينا المكرم عليه الصلاة والسلام فعلام الاعتراض؟وإن صفات الله تليق بذاته جل وعلا، وطريقتنا فيها: أن نقر بها، ونمرها كما جاءت، ونكل العلم بكيفيتها إلى الواحد القهار سبحانه وتعالى، نُقر ونُمر، فنثبت هذه الصفة ولا نبحث في كنهها، ولا في كيفيتها، ولا يلزم أن يكون صوت الله كصوتنا، كما أنه لا يلزم أن يكون صوت الجهاز كصوتنا، وأما ترتيب أنه إذا كان يتكلم بصوت فيلزم منه وجود حنك وحلق وأسنان وأضراس ومخارج حروف ولسان، تعالى الله عما يتوهم المتوهمون علواً كبيراً، لا يلزم عندنا، فمثلاً الآن جهاز التلفزيون ينطق هل يلزم منه هذا؟ ويوم القيامة تنطق الجوارح، وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا [فصلت:21]، هل يلزم أن يكون لها لسان وحنك وأسنان وأضراس ومخارج حروف؟ لا يلزم فنطق كل شيءٍ بحسبه، سبحان الله وتعالى عما يشرك المشركون، ويتوهم المتوهمون.جابر بن عبد الله رضي الله عنه رحل -كما قلت- مسيرة شهرٍ في طلب حديثٍ واحد من الصحابة الكرام، وقد سمعه من صحابي، لكن رحل طلباً لعلو الإسناد، فالإسناد العالي: هو الذي تقل رجاله، فبدلاً من أن يرويه عن رجلٍ عن عبد الله بن أنيس ، يرويه مباشرةً عن عبد الله بن أنيس .وكل ما قلت رجاله علا وضده ذاك الذي قد نزلاقال الإمام أحمد عليه رحمة الله: طلب العلو سنة، يعني: العلو في الإسناد سنة المتقدمين، فإذا سمعوا شيئاً وقائله على قيد الحياة، تحققوا منه ولا يأخذون عنه بواسطة، وإذا سمعوا من الصحابي والنبي حي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه طلبوا الحديث من النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء ضمام بن ثعلبة رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: جاء رسولك وزعم، وزعم؛ ليتحقق من النبي عليه الصلاة والسلام، وهل هو قال ذلك أم لا؟ وهكذا إذا سمعوه عن صحابي بواسطة ذهبوا إلى ذلك الصحابي وأخذوا منه كما فعل جابر رضي الله عنه؛ طلباً لعلو الإسناد.ففي ذلك مشروعية الرحلة، وقد استحب أئمتنا الرحلة في طلب العلم والحديث، قال الإمام أحمد عندما سئل: إذا كان هناك عالمٌ في البلدة وعنده علومٌ متنوعة، فهل يقتصر طالب العلم في الأخذ عنه أو يرحل إلى أمصار المسلمين ليلقى العلماء؟ فقال: يرحل ويكتب عن علماء الأمصار، ويشافه الناس ويتعلم منهم.وكلما كثر شيوخ الرجل كلما تفتح عقله، ومن ضيق عقل الرجل أن يقل شيوخه؛ لأن كل عالمٍ من العلماء يهبه الله جل وعلا ميزةً وخصيصةً قد لا تكون عند غيره، فأنت عندما يكثر شيوخك تستطيع أن تجمع هذه المزايا المتنوعة، فيصير حالك كحال النحل عندما تأكل من كل الثمرات، ثم بعد ذلك تخرج الشهد والعسل، فإياك أن تبقى على عالمٍ واحد، فكل إنسانٍ له زلل وعنده سلبيات، ولا تظهر لك إلا إذا خالطت وجالست وأخذت وتنقلت، فقد تهدم هذه السلبيات دينك كما هو الواقع في هذه الأمة عندما تقوقع الناس في هذه الأيام عند شيخ واحد لا يخرج عنه، وصارت أفكار الصوفية منتشرة بين المسلمين في هذه الأيام، إلا من رحم ربك، ومنها: طالب العلم بين شيخين كالمرأة بين زوجين، كما يقول الصوفية، ويقصدون كما أنه لا يصلح للمرأة أن يتزوجها أكثر من زوج، فلا يصلح لطالب العلم أن يكون له أكثر من شيخ، وهذا هو الضلال، وهذا هو البلاء، وهكذا بعض الناس أخطأ مفهوم الجماعة وظنها الحزبية والجماعات التي وجدت في الأمة الإسلامية، وهذه الأفكار والمبادئ التي لا يخرج عنها ولو جاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهذا كله من الضلال الذي تعيشه الأمة في هذه الأيام، ونسأل الله الفرج وحسن الختام. هذا ما يتعلق بترجمة جابر بن عبد الله رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين، وندخل بعد ذلك في فقه الحديث، وبيان معناه إن شاء الله.
الطهارة وكونها مفتاح الصلاة
هذان الحديثان يتضمنان أربعة أحكام: أولها: مشروعية الطهارة للصلاة.ثانيها: تكبيرة الإحرام، وحكمها، ولفظها.ثالثها: التحلل من الصلاة بأي شيءٍ يحصل، ولفظ السلام.رابعها: مفتاح الجنة الصلاة، كما أشار إلى ذلك الحديث الثاني، وما في هذه اللفظة من دلالةٍ معتبرةٍ. أولها: الطهارةُ شرطٌ للصلاة، ولا تقبل صلاةً بغير طهور، كما تقدم معنا، (لا يقبل الله صلاةً بغير طهور)، ولفظ حديث علي رضي الله عنه: (مفتاح الصلاة الطهور)، فلا بد من الطهارة لصحة الصلاة، وقد أجمع المسلمون على أن الطهارة شرطٌ لصحة الصلاة، سواءٌ كانت عن طريق الماء، أو عن طريق التراب، المقصود هل هي طهارةٌ شرعية؟وتقدم معنا في أول المباحث عند أول حديث أن من عجز عن استعمال أحد الطهورين الماء، أو التراب، أن ذلك خمسة أقوال أرجحها خامسها: وهو أنه يصلي من غير وضوءٍ، ولا تيمم، وليس عليه إعادة، وقلنا إذا أمكنه أن يتوضأ، أو يتيمم، فلا يصلي إلا بأحد هذين الطهورين على حسب حاله، فإذا كان الماء موجوداً وبإمكانه أن يستعمله فلابد له من استعماله، الماء غير موجود، أو موجود وعنده عذر لاستعماله، فلا بد هنا من الطهور الثاني، وهو التراب فيتيمم، وكما قلت: لا يجوز أن يصلي إلا بطهارة، وهي مفتاح الصلاة، فلا يمكن أن يدخل إلى الصلاة، ولا أن يشرع فيها إلا إذا تطهر، وأما حالة الاضطرار فهي أحوالٌ نادرة، إذا فقد الطهورين لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].أما لفظ المفتاح هنا (مفتاح الصلاة الطهور)، قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث: المفتاح هو كل ما يتوصل به إلى استخراج المغلقات التي يتعذر الوصول إليها، فكل ما يتوصل به إلى استخراج المغلقات، التي يتعذر الوصول إليها هذا يقال له: مفتاح، فمن كان بيده مفاتيح شيءٍ مخزون سهل عليه الوصول إليه بهذا المفتاح، وكذلك هنا هذه الصلاة، أنت ممنوعٌ من أدائها، ولا يمكن أن تتلبس بها إلا إذا كان عندك المفتاح لها وهي الطهارة، فإذا تطهرت جئت بعد ذلك للصلاة وحلت لك، وعليه فمفتاح الصلاة الموصل إليها، والطريق للدخول فيها وهو الطهارة وذلك عن طريق استعمال الماء، أو التراب، وكما قلت: هذا مجمعٌ عليه.ووجه تسمية الطهارة مفتاحاً: أن الحدث مانعٌ من الصلاة، فصار الحدث كأنه قفلٌ على الصلاة، فكأن الصلاة شيء وعليها قفل، وهذا القفل يُفتح بإزالة الحدث، ويكون بالطهور، فالحدث مانعٌ من الصلاة، فصار كالقفل على الباب يمنع من الدخول إلا بمفتاح، فإذا جئت بهذا المفتاح ألا وهو الطهارة أمكنك أن تدخل إلى الصلاة، وهذا المعنى ذكره النووي في المجموع في الجزء الثالث، صفحة تسعٍ وثمانين ومائتين، وذكره ابن العربي في عارضة الأحوذي في الجزء الأول صفحة ست عشرة، هذا ما يتعلق في هذا الأمر، وكنت بحثت ما يتعلق باشتراط الطهور للصلاة في أول بابٍ من أبواب الطهارة.
 رحلة جابر بن عبد الله في طلب حديث واحد
جابر بن عبد الله رضي الله عنه من المجتهدين في طلب حديث نبينا الأمين عليه الصلاة والسلام، وكان يرحل شهراً كاملاً على الإبل؛ لأجل أن يطلب حديثاً واحداً، والحديث بلغه عن ذلك الصحابي عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن أراد أن يتحقق منه وأن يستوثق، وأن يأخذه من مصدره؛ ليكون عال الإسناد عنده، وقصة جابر في هذا أخرجها البخاري في الأدب المفرد، والإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، والخطيب البغدادي في كتاب الرحلة في طلب الحديث، والطبراني في مسند الشاميين، وأبو يعلى في مسنده، وتمام في فوائده، وأشار إليها البخاري في صحيحه معلقاً، فقال: ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهرٍ إلى عبد الله بن أنيس ، وإسناده صحيح، يشير إلى الحديث الذي ذكره الخطيب البغدادي في الرحلة في طلب الحديث، في صفحة مائة وتسعةٍ في ذكر من رحل في حديثٍ واحدٍ من الصحابة الأكرمين رضي الله عنهم أجمعين، وبدأ بـجابر رضي الله عنه وأرضاه، وهذا الكتاب جعله الخطيب البغدادي فيمن رحل في طلب حديثٍ واحدٍ فقط، أما من رحل في طلب حديث النبي عليه الصلاة والسلام على وجه العموم، فأولئك لا يحصون، وإنما جمع الخطيب في كتابه من رحل في حديثٍ واحدٍ من الصحابة فمن بعدهم، رجل بلغه حديثٌ، فجهز الراحلةَ، وشد الرحلَ إلى بلد بعيد من أجل أن يتحقق من ذلك الحديث.عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: بلغني عن رجلٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو عبد الله بن أنيس- حديثٌ سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أسمعه منه، يعني: لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم -وانظر لهذه الهمة العالية- قال: فابتعت بعيراً، فشددت عليه رحلي، فسرت إليه شهراً، من المدينة المنورة إلى بلاد الشام، حتى أتيت الشام، فإذا هو عبد الله بن أنيس الأنصاري ، قال: فأرسلت إليه: أن جابراً على الباب، فلما فتح خادمه الباب قلت له: أخبر عبد الله بن أنيس : أن جابر بن عبد الله على الباب، قال: فرجع إلي الرسول فقال: جابر بن عبد الله ؟ فقلت: نعم، جابر بن عبد الله ، قال: فرجع الرسول إليه، فخرج إليّ فاعتنقني واعتنقته، قال: قلت: حديثٌ بلغني أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في المظالم لم أسمعه، فخشيت أن أموت أنا أو تموت أنت قبل أن أسمعه منك، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يحشر الله العباد، أو قال: يحشر الله الناس، عراةً، غرلاً، بهماً، قلت: ما بهماً؟ قال: ليس معهم شيء، قال: فيناديهم بصوتٍ يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان لا ينبغي لأحدٍ من أهل الجنة أن يدخل الجنة، وأحدٌ من أهل النار يطلبه بمظلمة)، يعني: أهل الجنة إذا استحقوا دخول الجنة لا يمكن أن يدخلوها وواحدٌ من أهل النار أن يطالبهم بمظلمة وبحق، (ولا ينبغي لأحدٍ من أهل النار يدخل النار وأحدٌ من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة، قال: قلنا: كيف هو؟) يعني: الصحابة يقولون للنبي عليه الصلاة والسلام: إنما نأتي الله تعالى عراةً، غرلاً، بهماً، ما عندنا ما نرد به المظالم، فكيف سنرد الحقوق في ذلك اليوم؟ (قال: بالحسنات والسيئات)، يعني: يُقتص للمظلوم من حسنات الظالم، وإذا لم يكن له حسنات، طرح من سيئاتهم عليه. وهذا الحديث لما عُقد لـابن تيمية عليه رحمة الله مناظرةً من أجل ما ذكره في العقيدة الواسطية من أن الله يتكلم يوم القيامة بصوت، وأكثروا النكير والضجيج عليه، فقيل له: كيف تصف الله بأنه يتكلم بصوتٍ؟ قال: هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، لم أقله أنا فذكر لهم الحديث وفيه: (فيناديهم بصوتٍ يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب)، وهذا وارد في عدة أحاديث: (يناديهم بصوت)، هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، والأمير الذي كان يحقق في القضية وهم يتناظرون أمامه ما يعرف -كما يُقال: الحديث من قصة عنترة- إنما قال للحاضرين: هل هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام؟ قالوا: نعم، شيخ الإسلام يتكلم بما ورد عن نبينا المكرم عليه الصلاة والسلام فعلام الاعتراض؟وإن صفات الله تليق بذاته جل وعلا، وطريقتنا فيها: أن نقر بها، ونمرها كما جاءت، ونكل العلم بكيفيتها إلى الواحد القهار سبحانه وتعالى، نُقر ونُمر، فنثبت هذه الصفة ولا نبحث في كنهها، ولا في كيفيتها، ولا يلزم أن يكون صوت الله كصوتنا، كما أنه لا يلزم أن يكون صوت الجهاز كصوتنا، وأما ترتيب أنه إذا كان يتكلم بصوت فيلزم منه وجود حنك وحلق وأسنان وأضراس ومخارج حروف ولسان، تعالى الله عما يتوهم المتوهمون علواً كبيراً، لا يلزم عندنا، فمثلاً الآن جهاز التلفزيون ينطق هل يلزم منه هذا؟ ويوم القيامة تنطق الجوارح، وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا [فصلت:21]، هل يلزم أن يكون لها لسان وحنك وأسنان وأضراس ومخارج حروف؟ لا يلزم فنطق كل شيءٍ بحسبه، سبحان الله وتعالى عما يشرك المشركون، ويتوهم المتوهمون.جابر بن عبد الله رضي الله عنه رحل -كما قلت- مسيرة شهرٍ في طلب حديثٍ واحد من الصحابة الكرام، وقد سمعه من صحابي، لكن رحل طلباً لعلو الإسناد، فالإسناد العالي: هو الذي تقل رجاله، فبدلاً من أن يرويه عن رجلٍ عن عبد الله بن أنيس ، يرويه مباشرةً عن عبد الله بن أنيس .وكل ما قلت رجاله علا وضده ذاك الذي قد نزلاقال الإمام أحمد عليه رحمة الله: طلب العلو سنة، يعني: العلو في الإسناد سنة المتقدمين، فإذا سمعوا شيئاً وقائله على قيد الحياة، تحققوا منه ولا يأخذون عنه بواسطة، وإذا سمعوا من الصحابي والنبي حي على نبينا وآله وصحبه صلوات الله وسلامه طلبوا الحديث من النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء ضمام بن ثعلبة رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: جاء رسولك وزعم، وزعم؛ ليتحقق من النبي عليه الصلاة والسلام، وهل هو قال ذلك أم لا؟ وهكذا إذا سمعوه عن صحابي بواسطة ذهبوا إلى ذلك الصحابي وأخذوا منه كما فعل جابر رضي الله عنه؛ طلباً لعلو الإسناد.ففي ذلك مشروعية الرحلة، وقد استحب أئمتنا الرحلة في طلب العلم والحديث، قال الإمام أحمد عندما سئل: إذا كان هناك عالمٌ في البلدة وعنده علومٌ متنوعة، فهل يقتصر طالب العلم في الأخذ عنه أو يرحل إلى أمصار المسلمين ليلقى العلماء؟ فقال: يرحل ويكتب عن علماء الأمصار، ويشافه الناس ويتعلم منهم.وكلما كثر شيوخ الرجل كلما تفتح عقله، ومن ضيق عقل الرجل أن يقل شيوخه؛ لأن كل عالمٍ من العلماء يهبه الله جل وعلا ميزةً وخصيصةً قد لا تكون عند غيره، فأنت عندما يكثر شيوخك تستطيع أن تجمع هذه المزايا المتنوعة، فيصير حالك كحال النحل عندما تأكل من كل الثمرات، ثم بعد ذلك تخرج الشهد والعسل، فإياك أن تبقى على عالمٍ واحد، فكل إنسانٍ له زلل وعنده سلبيات، ولا تظهر لك إلا إذا خالطت وجالست وأخذت وتنقلت، فقد تهدم هذه السلبيات دينك كما هو الواقع في هذه الأمة عندما تقوقع الناس في هذه الأيام عند شيخ واحد لا يخرج عنه، وصارت أفكار الصوفية منتشرة بين المسلمين في هذه الأيام، إلا من رحم ربك، ومنها: طالب العلم بين شيخين كالمرأة بين زوجين، كما يقول الصوفية، ويقصدون كما أنه لا يصلح للمرأة أن يتزوجها أكثر من زوج، فلا يصلح لطالب العلم أن يكون له أكثر من شيخ، وهذا هو الضلال، وهذا هو البلاء، وهكذا بعض الناس أخطأ مفهوم الجماعة وظنها الحزبية والجماعات التي وجدت في الأمة الإسلامية، وهذه الأفكار والمبادئ التي لا يخرج عنها ولو جاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهذا كله من الضلال الذي تعيشه الأمة في هذه الأيام، ونسأل الله الفرج وحسن الختام. هذا ما يتعلق بترجمة جابر بن عبد الله رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين، وندخل بعد ذلك في فقه الحديث، وبيان معناه إن شاء الله.
تكبيرة الإحرام صفتها وحكمها
المسألة الثانية: قول النبي عليه الصلاة والسلام: (وتحريمها التكبير)، تحريم الصلاة: التكبير، المراد من التحريم التحريمة التي يدخل بها الإنسان في الصلاة، وهي لفظة: الله أكبر، وهل تتعين لذلك أم لا؟ يأتينا ضبط الكلام في ذلك والترجيح بإذن الله إن شاء الله.والتحريم في بداية الصلاة ركنٌ -عند المذاهب الأربعة- من أركان الصلاة، بحيث لو لم يأت بالتحريمة التي يحرم عليه بها ما كان مباحاً عليه قبل صلاته مما ينافي الصلاة من أكلٍ وشربٍ وكلامٍ وغير ذلك، من هذه المباحات التي تنافي الصلاة وليست من أفعالها؛ فصلاته باطلة ولا تصح، فمتى ما دخلت في الصلاة بالتحريمة، حرُمت عليك تلك الأشياء تحريماً، فالتحريمة ركن عند المذاهب الأربعة.قال أئمتنا: سميت بذلك؛ لأن التحريمة تحرم الأشياء التي تباين الصلاة ولا تصح فيها، من أكلٍ وشربٍ وكلامٍ وحركاتٍ وغير ذلك.(تحريمها التكبير)، يقال: حرمت فلاناً: إذا منعته، فحرمته: منعته، وكل ممنوعٍ فهو محرم، فتحريمها التكبير، يعني: الذي يحرم فعل الأشياء المباحة في الصلاة، وليست التحريمة التي تأتي بها وهي لفظة: الله أكبر، أو صيغة تكبيرة الإحرام داخلة في التحريم بل هي مشروعةٌ ومستحبةٌ، وإذا أتى بها فصلاته صحيحةٌ بلا خلاف، وما يفعله المسلمون في أقطار الأرض من قولهم: الله أكبر معلوم، لكن مع هذا الوضوح الجلي حقيقةً يجد الإنسان حيرةً في بعض الأقوال المقولة في هذا الأمر، وأريد أن أذكرها لبيان القضية في هذه المسألة، والخلاف الواقع فيها؛ لأبين ما يشهدُ له الدليل، والأقوال الأخرى حقيقةً لو حذفت ولم تقل لكان أحسن، ولكن قيلت وقالها عددٌ من أئمة الإسلام الكبار، فانتبهوا لهذه الأقوال. (تحريمها التكبير)، كما قلت: الصيغة المتفق على جوازها واستحسانها لفظة: الله أكبر، إذاً فغير هذه الصيغة هل تنعقد الصلاة وتصح بها أم لا؟
 الأدلة على وجوب التكبير بـ(الله أكبر)
وتأمل هذه الأحاديث من فعل النبي عليه الصلاة والسلام، وقوله عليه صلوات الله وسلامه.الحديث الأول من السنة الفعلية رواه ابن ماجه عليه رحمة الله من رواية أبي حميد ، وهو في المعجم الأول، صفحة أربعٍ وستين ومائتين، وصححه الإمام ابن خزيمة ، وابن حبان ، والحافظ ابن حجر كما في فتح الباري، في الجزء الثاني، صفحة سبع عشرة ومائتين، عن أبي حميد قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة واستقبل القبلة رفع يديه وقال: الله أكبر)، هذه صيغة التكبير التي كان ينطق بها نبينا صلى الله عليه وسلم، قال القرطبي في تفسيره، في الجزء الأول، صفحة ستٍ وسبعين ومائة: وهذا نصٌ صريح، وحديثٌ صحيح في تعيين التكبير، وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يفتتح صلاته بلفظ: الله أكبر.الحديث الثاني من السنة الفعلية: فعل النبي عليه الصلاة والسلام رواه البزار ، وقال الحافظ ابن حجر : صحيحٌ على شرط الإمام مسلم كما في الفتح، وفي التلخيص الحبير، عن علي رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة، رفع يديه حذو منكبيه وقال: الله أكبر). وحديث البزار عن علي ، هو أيضاً في سنن ابن ماجه وصحيح ابن حبان عن أبي حميد من فعل النبي عليه الصلاة والسلام: (أنه كان إذا كبر يقول -هذه الصيغة-: الله أكبر)، فالزعم بأن هذه الصيغة لم ترد عن النبي عليه الصلاة والسلام زعمٌ باطل.وأما الأحاديث القولية فهي كثيرةٌ، منها: الحديث الأول من السنة القولية: حديث رفاعة بن رافع ، وهذا لفظ الطبراني ، وهو في المجمع، في الجزء الثاني، صفحة مائة وأربعة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنه لا تتم صلاةٌ لأحدٍ من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه -يعني: يضع الماء في المواضع التي أمر الله أن نضعه فيها من هذه الأعضاء- ثم يقول: الله أكبر)، الحديث كما قلت: رجاله رجال الصحيح، وأخرجه أهل السنن الأربعة، لكن فيه لفظ بدل: (ثم يقول: الله أكبر)، (ثم يكبر)، وعليه فلفظة: الله أكبر الواردة في رواية الطبراني هي بيان للتكبير في رواية أهل السنن، كما أنه هنا كان إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر بياناً للتكبير في الحديث الذي معنا: (تحريمها التكبير)، فالروايتين بمعنىً واحد: رواية السنن (ثم يكبر)، ورواية الطبراني ، بإسنادٍ صحيح: (توضأ ثم قال: الله أكبر)، وبدون هذا لا تتم صلاة الإنسان ولا تقبل. والحديث الثاني من السنة القولية: رواه البيهقي ، والبزار ، وسنذكره في لاحقاً إن شاء الله، وأنقل بعد ذلك كلام ابن القيم في هذه المسألة، وكلام أبي بكر بن العربي ومع جلالة من قال بها نردها، وإذا ثبت الأمر عن نبينا عليه الصلاة والسلام، فلا يجوز بعد ذلك أن نغيره باجتهادٍ من عند الإنسان، نعم من فعل هذا متأولاً مجتهداً نقول: أجره عند الله جل وعلا لا يضيع، لكن ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام لا نضيعه أيضاً، فلا نضلل من خالف باجتهادٍ وتأويل، ولا نترك ما ثبت عن نبينا الجليل عليه صلوات الله وسلامه.اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب مفتاح الصلاة الطهور [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net