اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب مفتاح الصلاة الطهور [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب مفتاح الصلاة الطهور [1] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
ولد الإمام علي رضي الله عنه قبل البعثة بعشر سنين، فكان أول الصبيان إيماناً، وقد نال شرف مصاهرة النبي صلى الله عليه وسلم، إذ تزوج فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم، ومن فضائله شهادة الرسول له في خيبر بحب الله ورسوله وحبه لله ورسوله وأن حبه إيمان وبغضه نفاق، وقد تولى علي الخلافة بعد عثمان فكان رابع الخلفاء في الزمن والفضل، وهذا ما استقر عليه أهل السنة بعد خلاف في تقديمه على عثمان، وقد وقف أهل السنة من علي موقفاً وسطاً فلم يغلوا فيه غلو الروافض، ولم يجفوه جفاء النواصب.
الرد على من وصف ابن عباس بالتدليس
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فقد بدأنا في مدارسة الباب الثالث من أبواب الطهارة من جامع الإمام أبي عيسى الترمذي عليه وعلى أئمتنا والمسلمين أجمعين رحمات رب العالمين، وقد دار هذا حول باب ما جاء في أن (مفتاح الصلاة الطهور)، ثم ساق الإمام الترمذي عليه رحمة الله في هذا الباب حديثين:الحديث الأول رواه عن أربعةٍ من شيوخه: عن قتيبة بن سعيد ، وهناد بن السري ، ومحمود بن غيلان ، ومحمد بن بشار رضي الله عنهم أجمعين، عن علي رضي الله عنه وأرضاه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، قال أبو عيسى : هذا الحديث أصح شيءٍ في هذا الباب وأحسن. ثم روى حديثاً آخر في هذا الباب رواه عن شيخه أبي بكر محمد بن زنجويه البغدادي ، وعن غير واحدٍ من شيوخه أيضاً عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الوضوء).إخوتي الكرام! لا زلنا في المبحث الأول في دراسة إسناد الحديثين، وغالب ظني أننا انتهينا من ترجمة العبد الصالح سيد الحفاظ وإمام المسلمين في زمنه علماً وعملاً سفيان الثوري أبي عبد الله عليه وعلى أئمتنا رحمات ربنا، وآخر ما تكلمنا على هذه الترجمة المباركة فيما يتعلق بوصف التدليس الذي وصف به، وبينت معنى التدليس، وأقسام المدلسين الخمسة، بعض الإخوة يقول: إن بعض العلماء المعاصرين يقول: إن ابن عباس رضي الله عنهما كان من المدلسين، وأنه أول المدلسين في هذه الأمة.والجواب: أن وصف ابن عباس رضي الله عنهما بذلك لا يصح، وإن كان روى أحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام بواسطةٍ وحذف تلك الواسطة، لكن ما أطلق على هذا الفعل من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم وصف التدليس، التدليس كان فيمن بعدهم؛ لأن الراوي عندما يحذف شيخه الذي حدثه بالحديث، قلنا: هذا يوهم علينا الأمر، فقد يكون هذا المحذوف حوله كلام، فأما الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين سواءٌ سموا بأعيانهم أو لم يسموا لا يضر، ولذلك لو قال التابعي الثقة: حدثني من صحب النبي عليه الصلاة والسلام، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال كذا، ولم يسم الصحابي فالحديث له حكم الاتصال بالاتفاق.فما جرى وصدر من ابن عباس رضي الله عنهما سماه أئمتنا بمرسل الصحابي، وهو ما رواه الصحابي عن النبي عليه الصلاة والسلام ولم يسمعه منه، إنما أخذه بواسطة صحابيٍ آخر، هذا يقال له: مراسيل الصحابة، ومراسيل الصحابة لها حكم الاتصال، وما خالف في ذلك إلا إمام واحد من أئمتنا الأبرار وهو الإمام أبو إسحاق الإسفراييني ، ولذلك يقول شيخ الإسلام الإمام العراقي في الألفية: أما الذي أرسله الصحابيفحكمه الوصل على الصوابوالصواب يقابله الخطأ، فكأنه يقول: هناك إمامٌ من الأئمة قال: إن مراسيل الصحابة كمراسيل من بعدهم، نتوقف فيها حتى يتبين لنا من رووا عنهم عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا -كما قلت- خلاف الصواب.فـابن عباس رضي الله عنهما كان عمره عندما توفي نبينا عليه الصلاة والسلام وانتقل إلى جوار ربه أربع عشرة سنة، أي ناهز الاحتلام، فأكثر الأحاديث التي رواها كانت عن الصحابة الكرام عن النبي عليه الصلاة والسلام، وكان أحياناً يصرح بالصحابي، وأحياناً يحذفه ويروي الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام مباشرةً دون أن يقول: سمعت، إنما يقول: قال النبي عليه الصلاة والسلام، أو أن النبي عليه الصلاة والسلام فعل وما شاكل هذا، من غير تصريح بالسماع، إنما يحذف من حدثه به من الصحابة الكرام.هذا كما قلت يقال له: مراسيل الصحابة، وحكمها أنها متصلة، فليس حالها كحال التدليس الذي وصف به بعض المحدثين ممن جاء بعد الصحابة الطيبين رضوان الله عليهم أجمعين.
 

تراجم رجال حديث: مفتاح الصلاة الطهور
إخوتي الكرام! كلمة (ح) بعد سفيان تقدم معنا بيانها في الحديثين المتقدمين. ‏
 ترجمة محمد بن الحنفية
عن محمد بن الحنفية ، وهو ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، وإنما نسب إلى أمه محمد بن الحنفية وهي من سبي بني حنيفة للتمييز بينه وبين أولاد فاطمة رضي الله عنهم أجمعين، أي: بينه وبين الحسن والحسين ، فهذا من سبي بني حنيفة، وذكر بذلك.ونعت فيما يبدو لي عند أئمتنا لعلةٍ أخرى، وهي الرد على الروافض الذين يقعون في الشيخين في أبي بكر وعمر ، ويطعنون في خلافتهما، ويقولون: خلافتهما باطلة، فأئمتنا كانوا ينعتون ولد علي بإضافته إلى أمه، إشارةٍ إلى أن هذا القول باطل، وأما قولكم لو ثبت لكان في ذلك منقصة ومطعن في علي رضي الله عنه وأرضاه؛ لأن تصرفات الإمام غير الشرعي ليست شرعية، وقتال المرتدين في بلاد نجد من بني حنيفة وقع في عهد أبي بكر ، وسبى ذرية المرتدين، ووزعت الغنائم على المجاهدين ومنهم علي ، فأخذ امرأةً من السبي واستولدها، وولد له هذا المولود المبارك الذي سماه محمداً . وولد محمد في العام الذي مات فيه أبو بكررضي الله عنهم أجمعين، إذاً حصل الاستيلاد في حياة أبي بكر، وولد في العام الذي مات فيه أبو بكر رضي الله عنه، وهذا كله في عهد خلافة أبي بكر ومن تصرفات أبي بكر ، فإذا كانت تصرفات هذا الخليفة غير نافذة ولا شرعية فكيف استباح علي أن يأخذ امرأةً من السبي وأن يستولدها؟! هذا برهانٌ قطعي على إقرار علي بصحة خلافة أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، والفروج يحتاط فيها غاية الاحتياط. ونحن عندنا أمران فيما يتعلق بالمصاهرة نقطع بهما لسان كل رافضي: الأمر الأول: محمد بن الحنفية ، فإذا جاء رافضي ليطعن في أبي بكر قل له: أخبرنا عن محمد بن الحنفية من أبوه؟ إن قال: أبوه علي رضي الله عنه وأرضاه، فقل له: من أمه؟ امرأةٌ من بني حنيفة، كيف تم اتصال علي بها؟ عن طريق توزيعها من السبي، في عهد خلافة من؟ في عهد خلافة أبي بكر ، كيف استباح علي هذا العرض في عهد هذا الخليفة الذي لا تنعقد خلافته عندكم، وخلافته باطلة؟! فتصرفاته باطلة إذاً.والقصة الثانية: قصة زواج عمر من أم كلثوم، وهي بنت علي وبنت فاطمة رضي الله عنهم أجمعين، فإذا كان عمر رضي الله عنه فيه ما فيه كما تقولون من الظلم والجور والجبروت والكفر على تعبيركم، كيف رضي علي أن يزوج ابنته لهذا الصحابي الذي تصفونه بما هو منه بريء؟ وهذه أوصافكم، وأوصاف الضالين أمثالكم، وليست هذه بأوصاف الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، فكأن أئمتنا كانوا يضيفون محمداً إلى أمه، لهذين الأمرين: للتفريق بينه وبين أولاد فاطمة ، والثاني: للإشارة إلى أن هذا الحدث له دلالة معينة في الرد على فرقةٍ ضالةٍ تتهم أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه، ففعل علي يرد عليها، والدلالة الأولى كما قلت معتبرة.وقد قيل لـمحمد بن الحنفية رضي الله عنهم أجمعين: ما بال والدك علي يقدمك بين يديه لما لا يقدم به الحسن والحسين ؟ يعني: يكلفك ويرسلك والحسن والحسين يصونهما عن كثيرٍ من الأفعال؟ فقال: أما علمتم أن الحسن والحسين لـعلي بمثابة الخدين والعينين، وأما أنا فبمثابة اليدين، والإنسان يدفع الأذى عن خديه وعن عينيه بيديه، الحسن والحسين لهما مكانة، فأبوهما علي وأمهما فاطمة ، وأنا والدي علي لكن أمي دون فاطمة رضي الله عنهم أجمعين، فأنا إذاً أخدم أخوي الحسن والحسين ، كما أن الإنسان يخدم عينيه وخديه ووجهه بيديه، فأنا بمثابة يد تستعمل في خدمة علي وأولاده من نسل فاطمة رضي الله عنهم أجمعين.محمد بن الحنفية هو أبو القاسم المدني ، ثقةٌ عالمٌ، من الثامنة، أخرج حديثه أهل الكتب الستة، توفي بعد الثمانين، ولم يجاوز المائة عليه رحمة الله، وهو ثقةٌ عالمٌ صالحٌ هذا الذي جاء في التقريب.وذكر أئمتنا كما في تذكرة الحفاظ وسير أعلام النبلاء في ترجمة هذا العبد الصالح محمد بن الحنفية أنه كان يقول: من كرمت عليه نفسه لم يكن للدنيا عنده قدر، فالله ما جعل للنفس ثمناً إلا الجنة، فكيف إذاً يجعل الإنسان للدنيا قدراً عنده، ونفسه اشتراها الله جل وعلا وجعل ثمنها الجنة! وكان يقول: أهل بيتين من العرب اتخذهما الناس أنداداً: نحن وبنو عمنا بنو أمية، أي: بنو أمية جعلهم الناس أنداداً من أجل عرض الدنيا للحكم الذي حصل لهم، وهكذا آل البيت الطيبون الطاهرون اتخذهم بعض الناس أنداداً وغلوا فيهم، أولئك من أجل الدنيا، وهؤلاء من أجل الدين.إذاً: لبس الشيطان على الناس بهذين الفريقين:آل البيت عبدهم بعض الناس من دون الله من أجل وساوس اخترعها الشيطان لهم، وزين لهم أن حب آل البيت حسنة لا يضر معها خطيئة، فإذا ادعى حبهم فليس عليه بعد ذلك لو ترك الصلاة والصيام، أو فعل كبائر الآثام! والبيت الثاني بنو أمية، الذين ما عبدوا من أجل الآخرة بل من أجل الدنيا، وباع كثيرٌ من الناس دينهم من أجل الدنيا التي عند بني أمية، وهناك أناسٌ -كما قلت-: ضيعوا دينهم زعماً أنهم على دين عندما غلوا في آل البيت الطيبين الطاهرين رضوان الله عليهم أجمعين. هذا فيما يتعلق برجال هذا الإسناد قبل الراوي من الصحابة الكرام وهو علي رضي الله عنه وأرضاه.
ترجمة علي بن أبي طالب رضي الله عنه
أما علي رضي الله عنه وأرضاه فكما ذكرت بأننا إذا جاء معنا صحابي نبسط الكلام على شيءٍ من ترجمته، وتقدم معنا ترجمة عبد الله بن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهم أجمعين، وهذا صحابيٌ ثالث، وبعده جابر بن عبد الله في هذا الباب، أوجز الكلام عليهما إن شاء الله. ‏
 تفضيل عثمان على علي
وأفضل هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام: أبو بكر، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي ، أما تقديم الشيخين فهذا محل إجماعٍ بين أهل السنة الكرام، بل حكى الإجماع على ذلك الإمام الشافعي عن الصحابة والتابعين كما نقل ذلك الإمام البيهقي في كتاب الاعتقاد على مذهب السلف في تقديم الشيخين: أبي بكر وعمر ، وأما ما يتعلق بـعثمان وعلي فلأئمتنا الكرام ثلاثة أقوال، والذي استقر عليه قول أهل السنة: تقديم عثمان رضي الله عنهم أجمعين، وهناك قولٌ بالتوقف، وكان يذهب إليه الإمام مالك في أول الأمر ثم رجع عنه كما قال القاضي عياض، وقال بتقديم عثمان على علي ، وهذا القول الذي رجع عنه الإمام مالك هو الذي يقول به إمام الحرمين أبو المعالي ، فإنه يتوقف في علي وعثمان فلا يفاضل بينهما.والقول الثالث: تقديم علي على عثمان ، وإليه كان يذهب أهل السنة في الكوفة، ومنهم سفيان الثوري ، وقد رجع في آخر عمره أيضاً عن هذا القول، واستقر أهل السنة على تقديم عثمان على علي ، وهذا ما يشير إليه الإمام العراقي في الألفية فيقول: والأفضل الصديق ثم عمروبعده عثمان وهو الأكثر أو فـعلي قبله خلف حكيقلت وقول الوقف جا عن مالك فالأفضل الصديق ثم عمر ، هذا لا كلام فيه ولا خلاف، وبعد عمر عثمان وهو القول الأكثر عند أهل السنة، أو فـعلي قبله، أي: قبل عثمان، خلف حكي، قلت هذا من زيادة الحافظ العراقي على مقدمة ابن الصلاح، قلت: وقول الوقف جا عن مالك، أي: جاء وورد وأثر ونقل عن الإمام مالك عليهم جميعاً رحمة الله، والذي استقر عليه أهل السنة هو الحق، ويدل عليه أدلة كثيرة: منها: ما ثبت في صحيح البخاري وسنن أبي داود والترمذي ، وهذا لفظ البخاري ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين قال: (كنا نخير بين الناس في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، نخير أبا بكر ثم عمر ، ثم عثمان)، هذا لفظ البخاري، وثم للترتيب مع التراخي.وفي روايةٍ في صحيح البخاري وسنن أبي داود عن ابن عمر رضي الله عنه قال: (كنا زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نعدل بـأبي بكرٍ أحداً، ثم لا نعدل بـعمر أحداً، ثم لا نعدل بـعثمان أحداً، ثم نترك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم).وفي صحيح البخاري ، وثبت في سنن أبي داود أيضاً عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كنا نقول والنبي صلى الله عليه وسلم حي: أفضل أمة النبي صلى الله عليه وسلم بعده أبو بكر، ثم عمر ، ثم عثمان). وثبت في سنن الترمذي بإسنادٍ حسن عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كنا نقول ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي: أبو بكر وعمر وعثمان).وهذا -كما قلت- يدل على ما ذهب إليه أكثر أهل السنة الكرام في العصر الأول، وهو الذي استقر عليه مذهب أهل السنة بتقديم أبي بكر وعمر ، وهذا محل اتفاق، والتثليث بـعثمان ، ثم بعد ذلك علي رضي الله عنهم أجمعين، ففضلهم يكون على حسب ترتيبهم في الخلافة، وخيرهم من ولي الخلافة، وكان الصحابة يذكرون هذا والنبي عليه الصلاة والسلام بينهم حي فما كان ينكر عليهم عليه صلوات الله وسلامه، وكان يقرهم فيخيرون ويفضلون أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ، فيأتي بعد عثمان علي رضي الله عنه، فما أحدٌ قُدم على علي بعد عثمان غيره، فهو في الدرجة الرابعة، هذا محل اتفاق، لكن الخلاف: هل يكون الثالث في الفضل أو الرابع؟ أما الرابع فلا ينازعه في ذلك أحد.هذا موقف أهل السنة نحو علي، حبه دين، ونتقرب بذلك إلى رب العالمين، ولا نقع فيه ولا في أحدٍ من آل البيت الطيبين الطاهرين، كما لا نقع في أحدٍ من الصحابة الكرام الطيبين رضوان الله عليهم أجمعين، ولا يعني أننا إذا فضلنا الخلفاء الراشدين الثلاثة على علي أننا نقدح في علي أو نطعن فيه، لا ثم لا! فإذا فضلنا خليل الرحمن إبراهيم على كليم الله موسى على نبينا وعليهما صلوات الله وسلامه، هل يلزم من هذا أننا نطعن في موسى؟ لا ثم لا! وإذا فضلنا الرسل على الأنبياء، وفضلنا أولي العزم على الرسل، وفضلنا نبينا عليه الصلاة والسلام على أولي العزم! فهل هذا يعني أننا نطعن في واحدٍ من هؤلاء الرسل الكرام؟ لا ثم لا، هم أهل خيرٍ وصلاح وهدى، لكن يتفاوتون في المنزلة، وأسأل الله جل وعلا أن يشفعهم فينا، وأن يجعل حبهم عظيماً في قلوبنا بحيث يكون هذا سبباً لمغفرة ذنوبنا، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وما عندنا عملٌ نتقرب به إلى الله بعد الإيمان به وتوحيده أكثر رجاءً من حبنا لأصحاب نبينا عليه الصلاة والسلام رضوان الله عليهم أجمعين.وما يقوله بعض الضالين: إننا معشر أهل السنة الكرام لا نحب علياً وآل البيت الطيبين الطاهرين، فهذا ضلالٌ وبهتانٌ علينا! ولا يحب آل البيت إلا أهل السنة، لكن نحن وضعناهم في المنزلة التي وضعهم الله فيها، ولا يجوز أن نعبد أحداً مع الله ومن دون الله، ولا يجوز أن ندعي العصمة لأحدٍ من خلق الله، لا لـعلي رضي الله عنه ولا لأحفاده وأولاده، ولا نرفعهم إلى مرتبة الرسل، أو إلى ما هو أعلى من ذلك، ولا نخلع عليهم العصمة، فهذا كله ضلال، هم ينهون عنه رضي الله عنهم أجمعين، أما أن يقع قدحٌ فيهم فمعاذ الله أن نقرَّه، ونحن نتبرأ من الغلو فيهم، ومن معاداتهم، لا نسلك مسلك الرفض ولا مسلك النصب. وإذا أردت أن تتحقق من موقف أهل السنة الكرام من آل البيت ومنزلتهم عندهم فانظر إلى أسماء أهل السنة الكرام، لا يخلو بيت من بيوت أهل السنة -إلا ما ندر- إلا ويحمل أسماء أهل البيت الطيبين الطاهرين مثل: فاطمة ، وعلي ، والحسن ، والحسين ، وهذا كما قلت: لنعبر وندلل على حبنا لآل بيت نبينا عليه وعليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.يذكر أئمتنا الكرام في ترجمة يعقوب بن إسحاق أبو يوسف بن السكيت ، توفي سنة أربعٍ وأربعين ومائتين للهجرة، وهو من أئمة أهل السنة الكبار صاحب كتاب إصلاح المنطق، وكان يعلم ويؤدب أولاد الخليفة المتوكل ، فكان مرةً في مجلس الخليفة المتوكل فدخل ولداه: المعتز والمؤيد ، فقال المتوكل لـأبي يوسف بن السكيت : أيهما أحب إليك وأفضل: ولداي: المعتز والمؤيد ، أو الحسن والحسين ؟ انظر لكلام هذا الشيخ السني في مجلس الخليفة -والخليفة المتوكل قال أئمتنا: كان فيه نصبٌ، أي: معاداةٌ لـعلي - انظر لجواب السني في مجلس الخليفة -ووالله لقطع رقابنا أيسر علينا من أن يؤذى أحدٌ من آل بيت نبينا عليه الصلاة والسلام- فقال: يا أمير المؤمنين! والله إن قنبراً خادم علي أفضل منك ومن ابنيك، تسأل عن الحسن والحسين ، أولاد فاطمة وجدهما رسول الله عليه الصلاة والسلام، لا يصح أن أقول: الحسن والحسين أفضل من ولديك، هذا تنقيص للحسن والحسين ، خادم علي قنبر الذي ما انفصل من صلبه ولا من بضعة النبي عليه الصلاة والسلام الطاهرة، وإنما حظي بخدمة هذا الصحابي الجليل أفضل منك ومن ابنيك، فغضب الخليفة المتوكل ، وأمر بإخراج لسان يعقوب بن السكيت من قفاه، فشقت رقبته وكسر رأسه وأخرج لسانه، وضربه غلمانه الأتراك بعد ذلك في مجلسه حتى مات! وأي حرجٍ فيما إذا مت من أجل إظهارك كلمة الحق والتعبير عن موقفك نحو آل البيت.انظروا هذه القصة في سير أعلام النبلاء في الجزء الثاني عشر صفحة سبعة عشرة في ترجمة يعقوب بن السكيت ، ورواها الإمام الزبيدي في طبقات النحويين واللغويين، ورواها السيوطي في بغية الوعاة وطبقات النحاة، وانظروها في النجوم الزاهرة وشذرات الذهب في حوادث سنة أربعٍ وأربعين ومائتين للهجرة، هذا هو موقف أهل السنة الكرام نحو أهل البيت الطيبين الطاهرين رضوان الله عليهم أجمعين.هذا فيما يتعلق برجال إسناد الحديث الأول بدءاً من شيوخ الإمام الترمذي حتى الصحابي الجليل راوي الحديث وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين. وأما الحديث الثاني فسأتكلم عليه إن شاء الله في أول الموعظة الآتية، أترجم أيضاً رجال إسناده وأولهم شيخ الإمام الترمذي أبو بكر محمد بن زنجويه البغدادي ، ثم بعد ذلك أختم الكلام بترجمةٍ موجزة لـجابر بن عبد الله الصحابي رضي الله عنهم أجمعين، ثم نتدارس فقه الحديث ومعناه إن شاء الله، وأما موعظة الغد فستكون في الغالب يعني المحدد لها والمعلن عنها في مواعظ عامة، وكنت بدأت كما تعلمون في موضوعٍ سابق ببيان مقياس وضابط وميزان أعمال الإنسان في هذه الحياة، وما يعني يوجد موضوعٌ طارئ على ذهني يحتاج إلى بحثٍ في هذه الأوقات، ولكن الأبحاث التي تحتاج إلى بحثٍ كثيرة، لكن لا يوجد شيءٌ يستدعي أن أعدله على ما أريد أن أكمله، ألا وهو تحفة المؤمن الموت، وقد بدأت في ذلك الموضوع وأخذ منا عدداً من المواعظ ولم ينته، فلعلني إن شاء الله أكمله في بعض المواعظ لعله في ثلاث مواعظ أو أربع إن شاء الله بحيث يكتمل الموضوع من بدايته إلى نهايته، ثم ندخل بعد ذلك في أمورٍ أخرى -إن أحيانا الله- وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، اللهم لا تجعل فينا ولا بيننا ولا معنا ولا منا شقياً ولا محروماً، اللهم اغفر ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب مفتاح الصلاة الطهور [1] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net