اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما جاء في فضل الطهور [10] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب ما جاء في فضل الطهور [10] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
إن العقل مجاله العلوم المادية القائمة على التجارب، وأما الأمور الغيبية كالميزان وذبح الموت وصفات الله فنؤمن بها كما وردت دون تأويل، إذ لا يجوز أن نقحم العقل فيها. والأصل في الكلام أن يحمل على حقيقته ولا ينقل عن ذلك إلا عند استحالة المعنى مع جواز ذلك في لغة العرب، وليس ثمة مجال للمجاز في الأمور الغيبية.
كيفية التعامل مع الغيبيات
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين! اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين! سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فلا زلنا نتدارس الباب الثاني من أبواب الطهارة الذي عنون عليه الإمام أبو عيسى الترمذي عليه رحمة الله فقال: باب ما جاء في فضل الطهور، ثم ساق الحديث بسنده من طريق شيخيه: إسحاق بن موسى الأنصاري ، وقتيبة بن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، وإذا غسل يديه خرجت من يده كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب).قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح.وكنا نتدارس المسألة الثانية من المبحث الثاني، والمبحث الثاني دار حول فقه الحديث وبيان معناه، وقلت: تحت ذلك مسألتان: المسألة الأولى: في تكثير الطاعات والسيئات. والمسألة الثانية: في كيفية خروج الخطايا من أعضاء المتوضئ عندما يتوضأ، وهذه الكيفية كما تقدم معنا تحمل على حقيقتها التي يعلمها الله ولا نعلمها، وقد يطلع الله جل وعلا بعض عباده على رؤية هذه الخطايا التي تؤثر في جسم العاصي ظاهراً وباطناً. وتقدم معنا تقرير هذا الأمر بأدلته مفصلاً فيما مضى، وقلت: لا يجوز أن نحمل الحديث على أنه من باب الكناية والمجاز عن المغفرة وستر العبد وإسقاط الذنب عنه، دون أن يحصل هناك خروج حقيقي، ولا يجوز أن نقول: إن هذا الخروج أيضاً حقيقي؛ لأنه يوجد في عالم الإنسان في هذه المعاني والأعراض أجرام وأجساد وشيء محسوس، كل هذا قلت: إنه من باب التكلف.وختمت المسألة الثانية بثلاثة أمور ينبغي أن ننتبه لها وأن نعيها حول موقف العقل في هذه الحياة نحو ما يعرض عليه. قلت: إن العقل مجاله العلوم المادية، فليبحث فيها عن طريق التجارب، ولنقرر ما يتوصل إليه. وأما ما يتعلق بدائرة الحلال والحرام، والفضيلة والرذيلة، والخير والشر، والحق والباطل، فمرد ذلك إلى شرع الله جل وعلا، ولا يجوز للإنسان أن يحكم في هذه الأمور عن طريق عقله، ولا عرفه، ولا عن طريق طاعة قائده، ولا أن يتبع مصلحته أو شهواته، فمرد ذلك إلى شرع ربه جل وعلا، إنما عقله يفهم ويستنير بعد ذلك بنور الوحي وهداه. وليحذر كل الحذر من رد النصوص الشرعية أو من تأويلها بما يشبه ردها.والأمر الثالث: دائرة المغيبات، قلنا: نؤمن بها كما وردت، فلا نؤولها، ولا نبحث في كنهها وكيفيتها وحقيقتها، فالإيمان بها يقوم على دعامتين اثنتين: إقرار وإمرار، نقر باللفظ كما ورد، ونمره دون أن نبحث في كيفيته وحقيقته وكنهه وماهيته. فهذه المغيبات لم تطلع عليها عقولنا، ولم تصل إليها حواسنا، فلا يجوز أن نتكلم فيها بأكثر من إثباتها كما ورد ذلك بالنص الشرعي الذي لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت:42].وقلت: يدخل في دائرة المغيبات ما يتعلق بصفات رب الأرض والسموات، فإيماننا بها إقرار وإمرار، ويدخل في هذا عالم الملائكة، وعالم الجن، وما يكون في اليوم الآخر من عذاب أليم ونعيم مقيم، كل هذا لا نبحث في كنهه ولا في كيفيته، نثبته كما ورد به النص على المعنى اللائق به، ولا يعلم حقيقة ذلك إلا قائل ذلك والمخبر عنه وهو الله جل وعلا؛ ولذلك ينبغي أن نعي هذا الأمر تمام الوعي لنبتعد عن الفضول وعن القيل والقال، وعن الكلام الذي لا وزن له ولا اعتبار. فموضوع الذنوب والخطايا وأثرها في أعضاء الإنسان، هذه الكيفية لا يدركها العقل فلا يجوز له أن يخوض فيها، ولا أن يؤولها، وغاية ما يقول: إن هناك خطايا دنست أعضاء الإنسان فإذا توضأ تزول عنه، كيفية ذلك يعلمها الله جل وعلا، وإذا لم يطلعنا الله على هذا الأمر وعلى حقيقته فلا يجوز أن ننكره ولا أن نؤوله بما يشبه إنكاره، وهكذا ما يتعلق بصفاته جل وعلا، وما يكون في اليوم الآخر، وكذلك ما يكون في عالم الغيب من عالم الملائكة والجن وما يتعلق بهذا.كنت ختمت الموعظة الماضية بأمر من الأمور تلاعبت فيه العقول عندما لم تقف عند هدي نبينا الرسول عليه صلوات الله وسلامه، ألا وهو أمر الدجال، فمن قائل: إن الدجال رمز للدجل والخرافات التي كانت قبل بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام، ومن قائل: الدجال هو التكنولوجيا والعلوم الحديثة التي وجدت في زماننا، والدجل فيها أن الناس خدعوا بها، والعور فيها أنها مجردة من الاتصال بالله فهي تكنولوجيا على تعبيرهم بلا خلق ولا دين، كل هذا الكلام باطل وهذيان. ومن قائل: الدجال هو إنسان حقيقة كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عنه، لكن ما ورد من خوارق للعادات وعجائب تأتي معه هذه ليست على ظاهرها، إنما هي على حسب الإمكانات الحديثة التي ستكون في المستقبل، فـالدجال لم يركب الحمار إنما سيركب الطائرة، والصحابة وإن لم يدركوا هذا المعنى، فنحن أدركناه. كل هذا -كما قلت- ضلال وهوس وشطط في عقل الإنسان، والإنسان عندما حجر على عقله وزمه بزمام الشر يصل إلى هذه المتاهات التي لا نهاية لها.
 

حقيقة الميزان بين الشرع والعقل
سأضرب بعض الأمثلة لتقرير هذه الحقيقة لنعلم وظيفة العقل، وأنه لا يجوز أن نقحمه في عالم الغيب بتاتاً، كما لا يجوز أن ندخله في دائرة التحليل والتحريم، ولنترك له المجال في دائرة الأمور المادية ليرتع فيها كما يريد، وليقرر ويستنتج ما يتوصل إليه.
 الحكمة من خلق الله الميزان
فإن قيل: ما الحكمة منه؟ نقول: إذا أمكننا أن نقف على بيان الحكمة فهذا زيادة فطنة، وإذا لم ندرك بيان الحكمة، فلا يجوز أن نرد ما ورد به النص وندخل في عالم الغيب، وهنا حكم كثيرة معلومة أولها: امتحان الله لخلقه، هل سيؤمنون بعالم الغيب أم لا؟ هذه أول الحكمة، وهي التي كفر بها علماء الكلام وأنكروها، ولا يوجد إيمان أعظم وأفضل من الإيمان بالغيب، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة:3]، وأن تسلم بعجزك، فأنت ما أوتيت من العلم إلا قليلاً، فقف عند حدك، وإذا أردت أن تتطاول فهذا من علامة سفاهة الإنسان.الحكمة الثانية: يجعل الله الميزان علامةً على تعريف العباد. بما يستحقونه يوم المعاد من جنة أو نار، من مثوبة أو عقوبة، من درجات أو دركات، فمن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، لذلك يقول الملك الموكل بالميزان: (إذا ثقلت موازين الإنسان سعد سعادةً لا يشقى بعدها أبداً، وإذا خفت الموازين يقول: شقي شقاوةً لا يسعد بعدها أبداً).الحكمة الثالثة من وجود الميزان: إعلام الله لعباده بأنه عادل، فالله حكم عدل، فلا بد من أن يبين لهم هذا بأعينهم ليروه، ولذلك أهل النار عندما يلقون في النار لا أحد منهم يعترض على العزيز القهار، إنما يلوم نفسه فقط: قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ [المؤمنون:106]، ينادون على أنفسهم بهذا، وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:77]، لا أحد منهم يقول: ربنا ظلمتنا، جرت علينا، لا نستحق هذا؛ لأنهم شهدوا عرصات الموقف، ولذلك كل من يشهد الموقف من إنس وجن وبهائم، من مؤمن وكافر يحمد الله في نهاية الأمر، وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر:75]، ما سمى القائل لإفادة التعميم، أي: كل من حضر الموقف يحمد الله، ولذلك يتبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا، ويتبرأ أيضاً الذين اتبعوا من الذين اتبعوا، ويتلاعنون في دركات النار.الأمر الرابع من جملة الإقامة لإثبات الميزان ووجوده: إقامة الحجة على العباد على أتم وجه وأكمله، بعد أن أظهر الله عدله يقيم جل وعلا الحجة على عباده.الحكمة الخامسة: تعليم الله لعباده كيفية المعاملة، إذا كان الله الذي لا تخفى عليه خافية يزن أعمالنا، ويبين ما نستحق عليها، فنحن ينبغي أن نتعامل أيضاً بالميزان والقسط، وألا يظلم بعضنا بعضاً، ولله المثل الأعلى سبحانه وتعالى، كيف نتعامل في هذه الحياة؟ والأمور لا بد لها من ضبط وتحديد، وهكذا الذي يفعله ربنا المجيد. حكم كثيرة، لو لم يظهر لنا شيء منها لما صح لنا أن نرد النصوص الشرعية التي وردت للميزان والوزن يوم القيامة، فكيف وهناك حكم كثيرة! ولذلك الذين أنكروا الميزان وأولوه وأخرجوه عن حقيقته، لا بالشرع آمنوا، ولا للعقل احترموا، فالعقل يقرر ويؤكد وجود الميزان، ويقول: إن العدل الإلهي يقتضي وجود الميزان يوم القيامة، فلم أنتم تجحدون بعقولكم، ثم تردون ما جاء به شرع ربكم سبحانه وتعالى؟! لا عندكم عقل صريح، ولا بعد ذلك تؤمنون بنقل صحيح، وتجمعون بين البليتين: رد للنقل، ومكابرة وجحد لحقائق العقل.عالم الغيب ينبغي أن نقف فيه عند حدنا، ولا يجوز أن ندخل عقولنا فيه، بل إقرار وإمرار، ولذلك ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء. ورواه الضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة، ورواه أبو نعيم ، والبيهقي بإسناد صحيح. فالأسماء متفقة لكن الحقائق مختلفة، (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
حقيقة ذبح الموت يوم القيامة
من جملة الأمور التي أدخل أهل الهذيان عقولهم فيها، وأخرجوها عن ظاهرها ذبح الموت، ما الحرج في ذبحه؟ وإذا ذبح الموت لا يحصل للخليقة بعد ذلك موت، قال هذا الذي لا ينطق عن الهوى نبينا عليه الصلاة والسلام، وإذا ذبح الموت يخلد هؤلاء ويخلد هؤلاء كل واحد في المكان الذي هو فيه. ثبت الحديث بذلك في المسند والصحيحين، ورواه الترمذي وابن ماجه والحاكم في مستدركه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار)، استقر الفريقان في هاتين الدارين في الجنة أو في النار، (يجاء بالموت كأنه كبش أملح)، إذاً: جيء به وصور بهذه الصورة كأنه كبش أملح، (وينادى: يا أهل الجنة! ما هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: هذا هو الموت، ويقال: يا أهل النار! ما هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: هذا هو الموت، ثم يذبح هذا الكبش الأملح الذي هو الموت بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة! خلود بلا موت، ويا أهل النار! خلود بلا موت)، الحديث أعلى درجات الصحة. ورواه الإمام الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بزيادة، وفيه: (فلولا أن الله قضى لأهل الجنة بالحياة والبقاء لماتوا فرحاً)، (ولولا أن الله قضى على أهل النار بالحياة والبقاء لماتوا ترحاً)، أي: حزناً وأسفاً، وفي لفظ: (بعد أن يذبح الموت فيقال: خلود فيما تجدون يا أهل الجنة ويا أهل النار، لا موت فيها أبداً)، هذا أخبرنا عنه نبينا عليه الصلاة والسلام، وأنه بصورة حسية يأتي يوم القيامة ينظر إليه أهل الجنة وينظر إليه أهل النار، ثم يأتيك علماء الهذيان أصحاب الكلام يقولون: هذا كناية عن تخليد هؤلاء في الجنة، وعن تخليد هؤلاء في النار.إذاً: هنا ذبح حقيقي للموت يكون بهذه الصورة، فإن قيل: كيف؟ قل: عالم الغيب لا تدخل عقلك فيه، إقرار وإمرار، ولا يعلم هذا إلا العزيز القهار سبحانه وتعالى، وأما أنك ستصل إلى مستوى الله جل وعلا بحيث تدرك كل شيء كما يدركه، أنت لا تعرف الروح التي بين جنبيك، ولا تعرف حقيقتها، ولا كنهها ولا ماهيتها، ولا شكلها، ولا كيفية سريانها في بدنك، وهذا محسوس فيك تدركه، فكيف بعد ذلك ستدرك هذا المغيب وتبحث فيه؟!قف عند حدك، ولا تتعالى على ربك جل وعلا.
 الحكمة من خلق الله الميزان
فإن قيل: ما الحكمة منه؟ نقول: إذا أمكننا أن نقف على بيان الحكمة فهذا زيادة فطنة، وإذا لم ندرك بيان الحكمة، فلا يجوز أن نرد ما ورد به النص وندخل في عالم الغيب، وهنا حكم كثيرة معلومة أولها: امتحان الله لخلقه، هل سيؤمنون بعالم الغيب أم لا؟ هذه أول الحكمة، وهي التي كفر بها علماء الكلام وأنكروها، ولا يوجد إيمان أعظم وأفضل من الإيمان بالغيب، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة:3]، وأن تسلم بعجزك، فأنت ما أوتيت من العلم إلا قليلاً، فقف عند حدك، وإذا أردت أن تتطاول فهذا من علامة سفاهة الإنسان.الحكمة الثانية: يجعل الله الميزان علامةً على تعريف العباد. بما يستحقونه يوم المعاد من جنة أو نار، من مثوبة أو عقوبة، من درجات أو دركات، فمن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، لذلك يقول الملك الموكل بالميزان: (إذا ثقلت موازين الإنسان سعد سعادةً لا يشقى بعدها أبداً، وإذا خفت الموازين يقول: شقي شقاوةً لا يسعد بعدها أبداً).الحكمة الثالثة من وجود الميزان: إعلام الله لعباده بأنه عادل، فالله حكم عدل، فلا بد من أن يبين لهم هذا بأعينهم ليروه، ولذلك أهل النار عندما يلقون في النار لا أحد منهم يعترض على العزيز القهار، إنما يلوم نفسه فقط: قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ [المؤمنون:106]، ينادون على أنفسهم بهذا، وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:77]، لا أحد منهم يقول: ربنا ظلمتنا، جرت علينا، لا نستحق هذا؛ لأنهم شهدوا عرصات الموقف، ولذلك كل من يشهد الموقف من إنس وجن وبهائم، من مؤمن وكافر يحمد الله في نهاية الأمر، وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر:75]، ما سمى القائل لإفادة التعميم، أي: كل من حضر الموقف يحمد الله، ولذلك يتبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا، ويتبرأ أيضاً الذين اتبعوا من الذين اتبعوا، ويتلاعنون في دركات النار.الأمر الرابع من جملة الإقامة لإثبات الميزان ووجوده: إقامة الحجة على العباد على أتم وجه وأكمله، بعد أن أظهر الله عدله يقيم جل وعلا الحجة على عباده.الحكمة الخامسة: تعليم الله لعباده كيفية المعاملة، إذا كان الله الذي لا تخفى عليه خافية يزن أعمالنا، ويبين ما نستحق عليها، فنحن ينبغي أن نتعامل أيضاً بالميزان والقسط، وألا يظلم بعضنا بعضاً، ولله المثل الأعلى سبحانه وتعالى، كيف نتعامل في هذه الحياة؟ والأمور لا بد لها من ضبط وتحديد، وهكذا الذي يفعله ربنا المجيد. حكم كثيرة، لو لم يظهر لنا شيء منها لما صح لنا أن نرد النصوص الشرعية التي وردت للميزان والوزن يوم القيامة، فكيف وهناك حكم كثيرة! ولذلك الذين أنكروا الميزان وأولوه وأخرجوه عن حقيقته، لا بالشرع آمنوا، ولا للعقل احترموا، فالعقل يقرر ويؤكد وجود الميزان، ويقول: إن العدل الإلهي يقتضي وجود الميزان يوم القيامة، فلم أنتم تجحدون بعقولكم، ثم تردون ما جاء به شرع ربكم سبحانه وتعالى؟! لا عندكم عقل صريح، ولا بعد ذلك تؤمنون بنقل صحيح، وتجمعون بين البليتين: رد للنقل، ومكابرة وجحد لحقائق العقل.عالم الغيب ينبغي أن نقف فيه عند حدنا، ولا يجوز أن ندخل عقولنا فيه، بل إقرار وإمرار، ولذلك ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء. ورواه الضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة، ورواه أبو نعيم ، والبيهقي بإسناد صحيح. فالأسماء متفقة لكن الحقائق مختلفة، (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
حقيقة تصفيد الشياطين في رمضان
مثال آخر كما في المسند والصحيحين وسنن النسائي وغير ذلك وهو في أعلى درجات الصحة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين)، سلسلت قيدت بالسلاسل والأغلال، قلنا: هذه السلسلة وهذا التقييد وهذا التصفيد حقيقة بالكيفية التي يعلمها الله ولا نعلمها، لا تدخل عقلك في ذلك، أما علماء الهذيان فيقولون: هذه كناية عن عدم سريان الشيطان في بدن الإنسان وجريانه فيه؛ لأنه إذا جاع لا يتحرك الدم في البدن كثيراً، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، هذا كله كلام باطل وهذيان، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (سلسلت الشياطين، صفدت الشياطين)، ثم تأتي تقول: هذا كناية هذا إشارة ورمز، ينبغي أن نحذر من إدخال العقول في عالم الغيب.
 الحكمة من خلق الله الميزان
فإن قيل: ما الحكمة منه؟ نقول: إذا أمكننا أن نقف على بيان الحكمة فهذا زيادة فطنة، وإذا لم ندرك بيان الحكمة، فلا يجوز أن نرد ما ورد به النص وندخل في عالم الغيب، وهنا حكم كثيرة معلومة أولها: امتحان الله لخلقه، هل سيؤمنون بعالم الغيب أم لا؟ هذه أول الحكمة، وهي التي كفر بها علماء الكلام وأنكروها، ولا يوجد إيمان أعظم وأفضل من الإيمان بالغيب، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة:3]، وأن تسلم بعجزك، فأنت ما أوتيت من العلم إلا قليلاً، فقف عند حدك، وإذا أردت أن تتطاول فهذا من علامة سفاهة الإنسان.الحكمة الثانية: يجعل الله الميزان علامةً على تعريف العباد. بما يستحقونه يوم المعاد من جنة أو نار، من مثوبة أو عقوبة، من درجات أو دركات، فمن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، لذلك يقول الملك الموكل بالميزان: (إذا ثقلت موازين الإنسان سعد سعادةً لا يشقى بعدها أبداً، وإذا خفت الموازين يقول: شقي شقاوةً لا يسعد بعدها أبداً).الحكمة الثالثة من وجود الميزان: إعلام الله لعباده بأنه عادل، فالله حكم عدل، فلا بد من أن يبين لهم هذا بأعينهم ليروه، ولذلك أهل النار عندما يلقون في النار لا أحد منهم يعترض على العزيز القهار، إنما يلوم نفسه فقط: قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ [المؤمنون:106]، ينادون على أنفسهم بهذا، وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:77]، لا أحد منهم يقول: ربنا ظلمتنا، جرت علينا، لا نستحق هذا؛ لأنهم شهدوا عرصات الموقف، ولذلك كل من يشهد الموقف من إنس وجن وبهائم، من مؤمن وكافر يحمد الله في نهاية الأمر، وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر:75]، ما سمى القائل لإفادة التعميم، أي: كل من حضر الموقف يحمد الله، ولذلك يتبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا، ويتبرأ أيضاً الذين اتبعوا من الذين اتبعوا، ويتلاعنون في دركات النار.الأمر الرابع من جملة الإقامة لإثبات الميزان ووجوده: إقامة الحجة على العباد على أتم وجه وأكمله، بعد أن أظهر الله عدله يقيم جل وعلا الحجة على عباده.الحكمة الخامسة: تعليم الله لعباده كيفية المعاملة، إذا كان الله الذي لا تخفى عليه خافية يزن أعمالنا، ويبين ما نستحق عليها، فنحن ينبغي أن نتعامل أيضاً بالميزان والقسط، وألا يظلم بعضنا بعضاً، ولله المثل الأعلى سبحانه وتعالى، كيف نتعامل في هذه الحياة؟ والأمور لا بد لها من ضبط وتحديد، وهكذا الذي يفعله ربنا المجيد. حكم كثيرة، لو لم يظهر لنا شيء منها لما صح لنا أن نرد النصوص الشرعية التي وردت للميزان والوزن يوم القيامة، فكيف وهناك حكم كثيرة! ولذلك الذين أنكروا الميزان وأولوه وأخرجوه عن حقيقته، لا بالشرع آمنوا، ولا للعقل احترموا، فالعقل يقرر ويؤكد وجود الميزان، ويقول: إن العدل الإلهي يقتضي وجود الميزان يوم القيامة، فلم أنتم تجحدون بعقولكم، ثم تردون ما جاء به شرع ربكم سبحانه وتعالى؟! لا عندكم عقل صريح، ولا بعد ذلك تؤمنون بنقل صحيح، وتجمعون بين البليتين: رد للنقل، ومكابرة وجحد لحقائق العقل.عالم الغيب ينبغي أن نقف فيه عند حدنا، ولا يجوز أن ندخل عقولنا فيه، بل إقرار وإمرار، ولذلك ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء. ورواه الضياء المقدسي في الأحاديث الجياد المختارة، ورواه أبو نعيم ، والبيهقي بإسناد صحيح. فالأسماء متفقة لكن الحقائق مختلفة، (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).
الإيمان بصفات الله.. بين الإثبات والتأويل
وهكذا ما يتعلق بصفات الله جل وعلا، لم نر ذاته، ولم نطلع عليها، ونسأل الله أن يكرمنا برؤية نور وجهه الكريم في جنات النعيم، لكن مطلوب منا الإيمان بالغيب في هذه الحياة، وإذا كانت الذات لم تعرف كنهها وحقيقتها وكيفيتها، فأنت عن إدراك كيفية الصفات وكنهها وحقيقتها أعجز وأعجز، إذا لم تدرك كيفية الذات فلن تدرك كيفية الصفات من باب أولى، فلا تدخل عقلك في صفات ربك.
 صفة المعية وأقسامها والأدلة على إثباتها
وما أشار إليه ابن عبد البر وحكاه عن إجماع الصحابة والتابعين في تأويل قول الله: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة:7]، بأن الله على العرش، وعلمه في كل مكان، وأنه ما خالف السلف الكرام في ذلك أحد يحتج به، فهذه الآية من آيات المعية، وهذا التأويل الذي هو تفسير لها هو بيان معنى الآية، وليس إخراجاً لها عن ظاهرها كما يتوهم بعض الناس.إن المعية في قول الله: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4]، وقوله: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7]، هي معية علم وإحاطة واطلاع ورقابة، وليس المراد منها معية الذات، فيستحيل أن يكون الخالق في شيء من مخلوقاته سبحانه وتعالى، وهناك عندنا معيتان في القرآن: معية عامة كالنص المتقدم، ومعية خاصة إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128]، لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62]، وهي معية نصر وتأييد وتوفيق ورعاية وكلاءة وحفظ، وليس معنى المعيتين واحد، وهذا بإجماع السلف، أي: هذا هو معنى الآية؛ لأن المعية؛ إما أن تكون بالذات، وإما أن تكون بالعلم، وإما أن تكون بالنصر والتأييد، فهنا يوجد ما يدل على أنه في آيات المعية العامة معية العلم والاطلاع، يظهر هذا المعنى ويفهمه منه كل أحد، وليس هذا إخراجاً للنص عن ظاهره، أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ [المجادلة:7]، بدأ الآية بصفة العلم، يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة:7]، بأي شيء؟ بعلمه؛ لأنه يعلم ما في السموات وما في الأرض، ثم أراد أن يفصل علمه، أنه لا يعزب عنه صغيرة ولا كبيرة، ما يكون من نجوى ثلاثة يتناجون سراً فيما بينهم إلا وهو معهم، بأي شيء؟ بعلمه؛ لأنه قال: يعلم، مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ [المجادلة:7]، بأي شيء؟ بعلمه، أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة:7]، انتبه لآخر الآية: ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7]، والآية تقرر علم الله، وأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء سبحانه وتعالى، فقوله هنا: معهم أي: بعلمه. وعندما قال أبو بكر لنبينا عليه الصلاة والسلام: (يا رسول الله! لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا، قال: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين الله ثالثهما)، فأنزل الله قوله: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، فالمعية هنا ليست بالعلم، وإنما بالنصر والتأييد والرعاية والحفظ؛ لأن هذا الموقف فيه فزع ورعب وخوف، (لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا، ما ظنك باثنين الله ثالثهما)، فهذا الكون من عرشه إلى فرشه ملك لله، ويجعل لنا فرجاً ومخرجاً من حيث لا نحتسب، إذاً: لا تحزن إن الله معنا بنصره وتأييده. فالمعية قد تكون ذاتية، وقد تكون علمية، وقد تكون معية خاصة، معية نصر وتأييد ورعاية وحفظ. فإذاً: آيات المعية العامة: معية العلم، وآيات المعية الخاصة: معية النصر والتأييد والرعاية.قوله تعالى: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46]، عندما أرسل الله نبييه موسى وهارون، قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:45-46]، معكما بالنصر والتأييد والرعاية والحفظ، أما إذا كانت معية لهما فإنه كذلك مع فرعون، فكيف سيمتازان عليه؟! هذا المعنى الذي حكاه الإمام ابن عبد البر ، ونقله عن إجماع الصحابة والتابعين، قال: وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله، هذا هو الحق. وأما ما يقوله بعض الناس في هذه الأيام: إن هذا تأويل، فأقول له: بل هو تفسير للنص بما يدل عليه؛ لأن النص يحتمل هذه المعاني، وهنا دل سياق النص واتفاق السلف على تحديد هذا المعنى. والشوكاني له رسالة مختصرة سماها التحف في بيان مذاهب السلف، وهي موجودة ضمن الرسائل المنيرية في الجزء الثاني من صفحة أربع وثمانين إلى ست وتسعين، يعني في اثنتي عشرة صفحة، يرى أن آيات المعية لا يجوز أن نفسرها بمعية العلم والإحاطة والاطلاع، فيقول: كما نقول في الاستواء نقول في آيات المعية؛ فلا نتكلف تأويل ذلك كما يتكلف غيرنا، نقول: فمن أول آيات المعية بمعية العلم والاطلاع فهذه شعبة من شعب التأويل تخالف مذاهب السلف وتباين ما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعيهم. يقول: وقوله: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة:7]، وقوله: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4] ، إلى ما يشابه ذلك ويماثله ويقاربه ويضارعه فنقول في مثل هذه الآيات: هكذا جاء القرآن، وحكى أن الله مع هؤلاء، ولا نتكلف تأويل ذلك كما يتكلف غيرنا؛ لأن المراد بهذا الكون هو المعية، وهذه المعية هو كون العلم، وهذه شعبة من شعب التأويل تخالف مذاهب السلف، وتبين ما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعيهم.وهذا الكلام مردود، والشوكاني عليه رحمة الله يبني كلامه على غير أساس، فقوله: هذا التأويل يخالف مذاهب السلف، لا خلاف بين السلف في تأويل المعية هنا؛ لأنها معية علم وإحاطة واطلاع ورقابة، وقد حكى ابن عبد البر إجماع الصحابة والتابعين على هذا، ونقل ذلك الذهبي في كتاب العلو للعلي الغفار سبحانه وتعالى، وعليه هذا الكلام من الإمام الشوكاني غير مسلم، وهذه الآيات -كما قلنا- لا بد من التفريق بين ما أشارت إليه من معية عامة ومعية خاصة، فالمعية العامة معية علم وإحاطة ورقابة، وهناك معية كلاءة وحفظ وتأييد ونصر ورعاية، والعلم عند الله جل وعلا.
وقفات مختصرة مع المجاز
سأل بعض الإخوة عن موضوع المجاز وطلب الكلام حول هذه القضية، والإمام الذهبي تعرض للمجاز، وكذا ابن عبد البر في الكلام الذي ذكرته، وهو أن أهل الكلام حملوا هذه النصوص على المجاز لا على الحقيقة.
 علاقة المجاز بالأمور الغيبية
وكما قلت: إذا كان المجاز قاصراً على هذه الأمور المحسوسة بيننا، فكون تسمية هذا حقيقة أو مجاز لا ينتج عنه أي إشكال، نحن نريد ألا يدخل المجاز في عالم الغيب، هذا الذي نريده، فعندما يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما تقدم معنا: (خرجت خطاياه من وجهه مع الماء أو مع آخر قطر الماء)، فهذا يتعلق بكيفية لا تعرفها أنت، والذنوب لها آثار حسية ظاهرة وباطنة، قد تدركها وقد لا تدركها فلا تنفي هذا. وعندما يرد أن جبريل عليه صلوات الله وسلامه له ستمائة جناح، وأنه سد الأفق يقول بعض السفهاء: كيف تلك الأجنحة؟! ليس هناك أجنحة ولا وجود لها، إنما هذا كناية عن عظمته وهيبته، هذا كله باطل، فلا يجوز أن تدخل المجاز في أمور الغيب على الإطلاق فيما يتعلق بصفات الله، وفيما يتعلق بنصوص المعاد، وفيما يكون في الجنة والنار، وفي الجن، وفي الملائكة، وفيما شاكل هذا، كل هذا حق، وهو على حقيقته، نؤمن به بالكيفية التي يعلمها الله وأرادها، ولا نعلمها ولا نعرفها والعلم عند الله جل وعلا.ومن أراد أن يؤول ما يتعلق بأمور الغيب فقد يصل في نهاية الأمر إلى أن يؤول نعيم الجنة ونعيم النار، ويصل به الأمر إلى الزندقة، وأنه ليس هناك جنة ولا نار، وأن الجنة هي ارتياح النفس في هذه الحياة، والنار شقاء النفس في هذه الحياة، ورد النصوص المتواترة القطعية بهذا التأويل البارد الفاسد، فقف عند حدك، وإن كل شيء يحمل على حقيقته التي تليق به، وليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء، وعليه فإذا لم تتفق تلك الأسماء مع الحقائق الموجودة في الدنيا لا يجوز أن تنكرها، وأن تخرجها إلى عالم المجاز، بل حقيقة تتناسب مع ما يكون في تلك الدار، كما أن الأسماء لها حقائق تناسبها في هذه الدار، والعلم عند العزيز الغفار.أما المبحث الثالث المتعلق بدرجة هذا الحديث، والمبحث الرابع في بيان قول الإمام الترمذي : وفي الباب إشارة إلى تخريج الروايات التي ذكرها وأشار إليه أرى أن نتكلم على هذين المبحثين فيما يأتي إن شاء الله.اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، اللهم أصلح أحوالنا، واجعل الجنة دارنا، اللهم لا تجعل إلى النار مصيرنا يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما جاء في فضل الطهور [10] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net