اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما جاء في فضل الطهور [4] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب ما جاء في فضل الطهور [4] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
من الروايات التي أشار إليها الترمذي لحديث أبي هريرة في فضل الطهور: رواية عمرو بن عبسة، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن عمرو. وروى الترمذي أيضاً حديث: "مفتاح الصلاة الطهور"، ومن رجال هذا الحديث: محمود بن غيلان العدوي شيخ الإمام الترمذي، وكذلك: سفيان الثوري الإمام المعروف، وقد صنف الإمام الحافظ ابن حجر كتاباً في طبقات المدلسين ووضع سفيان الثوري في الطبقة الثانية، ولا يقدح ذلك في مكانة سفيان الثوري وذلك لثقته وإمامته.
تابع ذكر الروايات التي أشار إليها الترمذي عقب حديث: (إذا توضأ العبد المسلم...)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: لا زلنا نتدارس الباب الثاني من أبواب الطهارة من جامع الإمام أبي عيسى الترمذي عليه وعلى جميع المسلمين رحمات رب العالمين، وقد دار هذا الباب حول فضل الطهور، باب ما جاء في فضل الطهور، وقد روى الإمام الترمذي في هذا الباب حديثاً عن شيخيه: إسحاق بن موسى الأنصاري ، وقتيبة بن سعيد ، عن أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئةٍ نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، وإذا غسل يديه خرجت كل خطيئةٍ بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب). قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ صحيح.وكنا نتدارس المبحث الرابع من المباحث المتعلقة بهذا الحديث الشريف وهو آخر المباحث، والمبحث الرابع في بيان الروايات التي أشار إليها الإمام الترمذي في آخر كلامه على هذا الحديث، وهي ست روايات أشار إليها الإمام الترمذي بقوله: وفي الباب عن عثمان وثوبان ، وعن الصنابحي ، وعن عمرو بن عبسة ، وعن سلمان ، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهم أجمعين. أما الروايات الثلاث الأولى فقد تقدم الكلام عليها: على رواية عثمان رضي الله عنه ومن أخرجها، وهكذا رواية ثوبان ومن أخرجها، وهكذا رواية الإمام الجليل الصحابي الفاضل الصنابحي . وختمت الكلام فيما يتعلق بالإمام الصنابحي الصحابي الجليل بأن هناك ثلاثة من الرواة يطلق عليهم هذا اللفظ، فلا بد من التفريق بينهم: الصنابحي الصحابي اسمه عبد الله ، و الصنابحي التابعي أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة ، والصنابح بن الأعسر صحابي أيضاً، وعليه عندنا صحابيان كل منهما يقال له: الصنابحي ، ويقال للصنابحي الثاني: الصنابح بن الأعسر أيضاً، ويقال له: الصنابحي، وتابعي وهو عبد الرحمن بن عسيلة أبو عبد الله فكونوا على علمٍ بذلك، وذكرت أن الإمام البلقيني ألف رسالةً في ذلك وضح فيها هذا الأمر سماها الطريقة الواضحة في بيان الصنابحة كما تقدم معنا هذا.
 ذكر رواية عبد الله بن عمرو بن العاص
أما الحديث السادس وهي الرواية الأخيرة والوقوف عليها ما يعدله شيءٌ من عرض الدنيا، وهذه الرواية تقدمت معنا عند حديث ثوبان ، مع أنني بحثت عنها ما يزيد على أسبوع -كما قلت- وما وقفت عليها، وخلال استعراضي للروايات أمامكم تذكرتها والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. الشيخ المباركفوري في تحفة الأحوذي يقول: لم أقف على رواية عبد الله بن عمرو ، وأنا بحثت أسبوعاً فما وقفت عليها، والرواية تقدمت معنا في حديث ثوبان وهي في سنن ابن ماجه ، ورقم الحديث: مائتان وتسعٌ وسبعون في كتاب الطهارة، باب: المحافظة على الوضوء، وهي كلفظ حديث ثوبان تماماً، (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)، وهذه فضيلة للوضوء عظيمة، أي: فضل الطهور، فمن يحافظ عليه فهذا من علامة إيمانه، وتقدم معنا أن حديث ثوبان روي عن عدة أيضاً من الصحابة الكرام، منهم: عبد الله بن عمرو ، والحديث صحيح، لكن رواية عبد الله بن عمرو فيها ليث بن أبي سليم ، وهو صدوق لكنه طرأ عليه الاختلاط في آخر عمره فتغير فترك حديثه، أخرج حديثه الإمام البخاري في صحيحه لكن معلقاً، والإمام مسلم لكن مقروناً بالشواهد والمتابعات، وأخرج حديثه أهل السنن الأربعة، وغالب ظني أنه تقدمت الإشارة إلى هذا العبد الصالح في أول محاضرة الحديث. إذاً: هذه رواية عبد الله بن عمرو ، وبذلك نكون قد انتهينا من قول الإمام الترمذي : وفي الباب، وليتنا نعثر كما تقدم على كتاب الحافظ ابن حجر اللباب في بيان قول الترمذي: وفي الباب، في تخريج هذه الروايات. بعض الإخوة الكرام أرسل إلي ورقةً في الموعظة الماضية يقول: خرج شرح لسنن النسائي طبع منه مجلدات من بعض الإخوة في بلاد مصر يخرج هذه الروايات التي يشير إليها الإمام الترمذي بقوله: وفي الباب، فأنا أطلب منه شاكراً سعيه أن يحضر لي الكتاب لأتأمله وأنظر فيه، أما أنا فما عندي علم عنه.
روايات أخرى فيها الدلالة على فضل الطهور لم يشر إليها الترمذي
إخوتي الكرام! هناك رواياتٌ أخرى فيها الدلالة على فضل الطهور ما أشار إليها الإمام الترمذي ؛ لأنه ليس من شرطه أن يستقصي، إنما يشير إلى بعض الروايات. فورد أيضاً في فضل الطهور أحاديث عن أنس ، وعن عباد ، ويقال: عبّاد، وفي التقريب ضبطه الحافظ بكسر العين عِباد وهو صحابي، ويقال: عبّاد، وهو أبو ثعلبة العبدي ، أما في الإصابة فذكر الوجهين: عَبّاد وعِباد، وأما في التقريب فذهب إلى كسر العين فقط، روى عنه ولده ثعلبة بن عِباد بن عَبّاد ، وحديثه في فضل الطهور أخرجه الطبراني وابن السكن وابن شاهين ، والحديث روي أيضاً عن عقبة بن عامر ، وعن عبد الله بن مسعود ، وعن أبي الدرداء ، وعن أبي مالك الأشعري وعن غيرهم من الصحابة الكرام، انظروا مجمع الزوائد الجزء الأول صفحة واحد وعشرين ومائتين، وكتاب الترغيب للإمام المنذري الجزء الأول صفحة مائة وواحد وخمسين، والروايات كثيرةٌ في هذا، منها: رواية أبي أمامة رضي الله عنه وأرضاه، ورواية أبي أمامة ما أشار إليها الإمام الترمذي ، أوليس كذلك؟ هذا ضمن الروايات التي ذكرتها: أنس ، وعِبَاد أو عَبّاد ، وعقبة بن عامر ، وابن مسعود ، وأبو الدرداء ، وأبو مالك الأشعري ، وأبو أمامة الباهلي رضي الله عنهم أجمعين. أقرأ لكم روايات حديث أبي أمامة في كتاب الترغيب والترهيب للإمام المنذري: وعن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أيما رجلٍ قام إلى وضوئه يريد الصلاة ثم غسل كفيه -هو الذي فعل- ثم غسل كفيه نزلت كل خطيئةٍ من كفيه مع أول قطرةٍ، فإذا مضمض واستنشق واستنثر نزلت خطيئته من لسانه وشفتيه مع أول قطرةٍ، فإذا غسل وجهه نزلت كل خطيئةٍ من سمعه وبصره مع أول قطرة، فإذا غسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين سلم من كل ذنب كهيئته يوم ولدته أمه، قال: فإذا قام إلى الصلاة رفع الله درجته، وإن قعد قعد سالماً)، يعني: إذا لم يصل فقد سلم من الذنوب وطهر من العيوب، وإذا قام ليصلي يرفع الله درجته سبحانه وتعالى، رواه أحمد وغيره من طريق عبد الحميد بن بهران عن شهر بن حوشب ، وقد حسنها الترمذي في غير هذا المتن، يعني ما روى هذا الحديث الإمام الترمذي وهو في المسند، لكن هذا الإسناد حسنه الإمام الترمذي في السنن، وهو إسنادٌ حسن في المتابعات لا بأس به. وفي رواياتٍ له أيضاً قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من توضأ فأسبغ الوضوء غسل يديه ووجهه، ومسح على رأسه وأذنيه وغسل رجليه ثم قام إلى صلاةٍ مفروضة غفر له في ذلك اليوم ما مشت إليه رجله، وقبضت عليه يداه، وسمعت إليه أذناه، ونظرت إليه عيناه، وحدث به نفسه من سوء، قال: والله لقد سمعته من نبي الله صلى الله عليه وسلم ما لا أحصيه)، هذا أبو أمامة الذي كان يعترض على ابن عبسة ، يقول: انظر ما تقول، في المجلس الواحد يعطى الرجل كل هذا؟ أنت الآن تروي ما فيه تلك الدلالة وزيادة رضي الله عنهم أجمعين.ورواه أيضاً بنحوه من طريقٍ صحيح وزاد فيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الوضوء يكفر ما قبله ثم تصير الصلاة نافلةً).وفي رواية أخرى لـأبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا توضأ الرجل المسلم خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه، فإن قعد قعد مغفوراً له)، وإسناد هذه حسن. وفي أخرى له أيضاً: (إذا توضأ المسلم فغسل يديه كفر عنه ما عملت يداه)، إما أن نقول: كفر الله عنه، وإما أن يبنى الفعل للمجهول وهنا ضبطها بالمبني للمعلوم، لكن هذه الطبعة من شر الطبعات وأسوئها، وكلها مملوءةٌ بالتصحيف والتحريف، (إذا توضأ المسلم فغسل يديه -كما قلت- كُفِّر عنه أو كَفَّر الله عنه ما عملت يداه، فإذا غسل وجهه كفر الله عنه ما نظرت إليه عيناه، وإذا مسح برأسه كفر الله عنه ما سمعت أذناه، فإذا غسل رجليه كفر الله عنه ما مشت إليه قدماه، ثم يقوم إلى الصلاة فهي فضيلة ويصح أن يكون المعنى كفر عنه الوضوء، إذا توضأ المسلم فغسل يديه كفر الوضوء عنه ما عملت يداه، أو كُفر عنه أو كَفّر الله عنه، يعني توجيه صحيح، لكن إذا بني للمجهول وأعيد الفاعل إلى الوضوء فالكلام صحيح، كَفَّر الوضوء، أو كَفّر الله عنه، أو كُفِّر عنه، من ناحية التوجيه سليم )، وإسناد هذه حسنٌ أيضاً.وفي روايةٍ للطبراني في الكبير: قال أبو أمامة : لو لم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سبع مرات ما حدثت به، كرواية عمرو بن عبسة : لو لم أسمعه إلا سبع مرات ما حدثت به، قال: (إذا توضأ الرجل كما أمر ذهب الإثم من سمعه وبصره ويديه ورجليه)، وإسناده حسنٌ أيضاً.فهذه الروايات كلها تدل على فضل الطهور.
 ذكر رواية عبد الله بن عمرو بن العاص
أما الحديث السادس وهي الرواية الأخيرة والوقوف عليها ما يعدله شيءٌ من عرض الدنيا، وهذه الرواية تقدمت معنا عند حديث ثوبان ، مع أنني بحثت عنها ما يزيد على أسبوع -كما قلت- وما وقفت عليها، وخلال استعراضي للروايات أمامكم تذكرتها والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. الشيخ المباركفوري في تحفة الأحوذي يقول: لم أقف على رواية عبد الله بن عمرو ، وأنا بحثت أسبوعاً فما وقفت عليها، والرواية تقدمت معنا في حديث ثوبان وهي في سنن ابن ماجه ، ورقم الحديث: مائتان وتسعٌ وسبعون في كتاب الطهارة، باب: المحافظة على الوضوء، وهي كلفظ حديث ثوبان تماماً، (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)، وهذه فضيلة للوضوء عظيمة، أي: فضل الطهور، فمن يحافظ عليه فهذا من علامة إيمانه، وتقدم معنا أن حديث ثوبان روي عن عدة أيضاً من الصحابة الكرام، منهم: عبد الله بن عمرو ، والحديث صحيح، لكن رواية عبد الله بن عمرو فيها ليث بن أبي سليم ، وهو صدوق لكنه طرأ عليه الاختلاط في آخر عمره فتغير فترك حديثه، أخرج حديثه الإمام البخاري في صحيحه لكن معلقاً، والإمام مسلم لكن مقروناً بالشواهد والمتابعات، وأخرج حديثه أهل السنن الأربعة، وغالب ظني أنه تقدمت الإشارة إلى هذا العبد الصالح في أول محاضرة الحديث. إذاً: هذه رواية عبد الله بن عمرو ، وبذلك نكون قد انتهينا من قول الإمام الترمذي : وفي الباب، وليتنا نعثر كما تقدم على كتاب الحافظ ابن حجر اللباب في بيان قول الترمذي: وفي الباب، في تخريج هذه الروايات. بعض الإخوة الكرام أرسل إلي ورقةً في الموعظة الماضية يقول: خرج شرح لسنن النسائي طبع منه مجلدات من بعض الإخوة في بلاد مصر يخرج هذه الروايات التي يشير إليها الإمام الترمذي بقوله: وفي الباب، فأنا أطلب منه شاكراً سعيه أن يحضر لي الكتاب لأتأمله وأنظر فيه، أما أنا فما عندي علم عنه.
باب ما جاء في أن مفتاح الصلاة الطهور
ندخل إخوتي الكرام في الباب الثالث إن شاء الله من جامع الإمام الترمذي من كتاب الطهارة. باب ما جاء في أن (مفتاح الصلاة الطهور).تقدم معنا الباب الأول: (لا تقبل صلاةٌ بغير طهور)، والباب الثاني: ما جاء في فضل الطهور، والآن سيعيد الترمذي الباب الأول بصيغةٍ أخرى؛ فهناك لا تقبل بغير طهور، وهنا الطهور هو مفتاحها للدخول إليها.قال الإمام أبو عيسى الترمذي عليه وعلى أئمتنا والمسلمين أجمعين رحمة رب العالمين: حدثنا قتيبة وهناد ومحمود بن غيلان ، إذاً ثلاثة من شيوخه يروي الحديث عنهم في هذه الرواية الأولى، حدثنا قتيبة وهناد ومحمود بن غيلان ، قالوا: حدثنا وكيع عن سفيان ، (ح)، وحدثنا محمد بن بشار الشيخ الرابع للإمام الترمذي بعد أن حول الإسناد من سفيان إلى محمد بن بشار ليلتقي بعد ذلك الإسناد الثاني بـسفيان مرةً أخرى. قال الترمذي : وحدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال: حدثنا سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيلٍ ، عن محمد بن الحنفية ، عن عليٍ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم). قال أبو عيسى : هذا الحديث أصح شيءٍ في هذا الباب وأحسنه، وعبد الله بن محمد بن عقيل هو صدوقٌ، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، قال أبو عيسى : وسمعت محمد بن إسماعيل -يعني الإمام البخاري - يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم والحميدي يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل ، قال محمد -يعني الإمام البخاري- عليهم جميعاً رحمة الله: هو مقارب الحديث، بكسر الراء وفتحها، وسيأتينا شرح هذا الاصطلاح وبيان قيمة الراوي إذا وصف بذلك إن شاء الله. قال أبو عيسى : وفي الباب عن جابر وأبي سعيد . عندنا في هذا الباب حديثٌ آخر في بعض الطبعات لم يذكر في طبعة الهند التي شرحها الإمام المباركفوري في تحفة الأحوذي. والحديث الثالث كما سيأتينا، وأشار إليه الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير؛ لأن هذه الرواية في سنن الترمذي ، وعليه فمما يؤكد ثبوت هذا الحديث هو أنه يوجد في بعض النسخ المخطوطة ولا يوجد في بعضها، فبعض النسخ حذف منها الحديث الثاني من الباب الثالث، وهو الحديث الرابع على الترتيب. قال أبو عيسى : وحدثنا أبو بكر محمد بن زنجويه ضبط عندكم زنجويه هذا خطأ وتصحيف وغلط في ضبط الحديث، وسيأتينا توجيه هذا إن شاء الله عندما نتكلم على ترجمة هذا العبد الصالح، هناك ذكر ثلاثةً، ثم أتبعهم في الإسناد الثاني بـمحمد بن بشار ، هنا ذكر واحداً وقال: وغير واحدٍ، تصح قال وقالوا؛ قال بناءً على أنه شيخه الذي ذكره محمد بن زنجويه ، وقالوا الذين معه جميعاً، قال: حدثنا الحسين بن محمد قال: حدثنا سليمان بن قرم ، عن أبي يحيى القتات ، عن مجاهد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الوضوء)، هناك: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، وهنا: (مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الوضوء). وسنتدارس هذين الحديثين كما تقدم معنا على الترتيب.
 ذكر رواية عبد الله بن عمرو بن العاص
أما الحديث السادس وهي الرواية الأخيرة والوقوف عليها ما يعدله شيءٌ من عرض الدنيا، وهذه الرواية تقدمت معنا عند حديث ثوبان ، مع أنني بحثت عنها ما يزيد على أسبوع -كما قلت- وما وقفت عليها، وخلال استعراضي للروايات أمامكم تذكرتها والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. الشيخ المباركفوري في تحفة الأحوذي يقول: لم أقف على رواية عبد الله بن عمرو ، وأنا بحثت أسبوعاً فما وقفت عليها، والرواية تقدمت معنا في حديث ثوبان وهي في سنن ابن ماجه ، ورقم الحديث: مائتان وتسعٌ وسبعون في كتاب الطهارة، باب: المحافظة على الوضوء، وهي كلفظ حديث ثوبان تماماً، (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)، وهذه فضيلة للوضوء عظيمة، أي: فضل الطهور، فمن يحافظ عليه فهذا من علامة إيمانه، وتقدم معنا أن حديث ثوبان روي عن عدة أيضاً من الصحابة الكرام، منهم: عبد الله بن عمرو ، والحديث صحيح، لكن رواية عبد الله بن عمرو فيها ليث بن أبي سليم ، وهو صدوق لكنه طرأ عليه الاختلاط في آخر عمره فتغير فترك حديثه، أخرج حديثه الإمام البخاري في صحيحه لكن معلقاً، والإمام مسلم لكن مقروناً بالشواهد والمتابعات، وأخرج حديثه أهل السنن الأربعة، وغالب ظني أنه تقدمت الإشارة إلى هذا العبد الصالح في أول محاضرة الحديث. إذاً: هذه رواية عبد الله بن عمرو ، وبذلك نكون قد انتهينا من قول الإمام الترمذي : وفي الباب، وليتنا نعثر كما تقدم على كتاب الحافظ ابن حجر اللباب في بيان قول الترمذي: وفي الباب، في تخريج هذه الروايات. بعض الإخوة الكرام أرسل إلي ورقةً في الموعظة الماضية يقول: خرج شرح لسنن النسائي طبع منه مجلدات من بعض الإخوة في بلاد مصر يخرج هذه الروايات التي يشير إليها الإمام الترمذي بقوله: وفي الباب، فأنا أطلب منه شاكراً سعيه أن يحضر لي الكتاب لأتأمله وأنظر فيه، أما أنا فما عندي علم عنه.
تراجم رجال حديث: (مفتاح الصلاة الطهور)
أول شيءٍ نبحثه في بيان ترجمةٍ موجزةٍ للرواة، قلنا: وهو المبحث الأول من المباحث الأربعة التي نتدارس فيها أبواب الإمام الترمذي عليه رحمة الله.قوله: حدثنا قتيبة تقدمت معنا ترجمة قتيبة وتقدمت معنا ترجمة هناد . وكنت أشرت إلى طريقةٍ تفيدكم في المستقبل، لا أعلم هل أحد منكم فعلها أو لا، أو لا تذكرونها على الإطلاق؟والطريقة هي: قلت: لو أفرد الرواة على حسب حروف المعجم، فمن بدأ اسمه بالهمزة تفرده، ومن يبدأ بالباء أو بالقاف وهكذا، وكلما جاء ذكر راوٍ في السنن تشير إلى رقم الحديث، فتقول: جاء في الحديث الأول وفي الحديث الثاني وفي الحديث الثالث وفي الرابع، وتحصي في نهاية الأمر كم حديثاً روى عنه؟ وأين ورد ذكره وغيره؟ وهذا فعله على مهل لا يأخذ كلفة؛ لأنه في الأسبوع نأخذ حديثاً أو في الأسبوعين حديثين، فضبط هذين من أسهل ما يكون وليس فيه كلفة، وفيه إراحة للإنسان أحياناً إذا لزمه أن يخرج روايات قتيبة أو روايات هناد ، أو روايات غيرهم بعد ذلك من الرواة.
 ترجمة سفيان الثوري
حدثنا وكيعٌ عن سفيان، وهذا أول موطنٍ يرد معنا فيه ذكرٌ لـسفيان الثوري ، وهو سفيان بن سعيد بن مسروق أبو عبد الله ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ حجة، هذا كلام الحافظ في التقريب ولا أتعداه إلى اصطلاحات أخرى، وإذا ذكرت شيئاً عليه أزيده، وهذا في أعلى الدرجات، من السابعة، توفي سنة إحدى وستين، أي: بعد المائة، خرج حديثه أهل الكتب الستة (الجماعة)، وربما دلس، وبحث التدليس إن شئتم أن نتكلم عليه عند ترجمة العبد الصالح سفيان تكلمنا، وإن شئتم أن نرجئه إلى ما بعد ذلك عند دراسة الإسناد أرجأناه، ولو تكلمنا على التدليس هنا لكان الأمر أيضاً مرتبطاً بالبحث وفي محله.إخوتي الكرام! يقول الحافظ في ترجمته: وكان ربما دلس، وهو من أئمة الهدى والصلاح والاستقامة لا شك فيهم، ينعته الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ بأنه شيخ الإسلام وسيد الحفاظ، ويقول في السير: هو شيخ الإسلام وإمام الحفاظ وسيد العلماء العاملين في زمانه، ونقل الذهبي عن شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك أنه قال: كتبت عن ألفٍ ومائة شيخ، ما كتبت عن أفضل من سفيان ، هو أفضل هؤلاء الشيوخ على الإطلاق. وقال الإمام أحمد شيخ أهل السنة عليهم جميعاً رحمة الله: لم يتقدمه في قلبي أحد، أي: من أئمة الإسلام لا يوجد أحد قبل سفيان في قلبي له هذه المنزلة العظيمة. وقال الإمام الأوزاعي : لو قيل لي: اختر لهذه الأمة إماماً لما اخترت لهم إلا سفيان الثوري ، وهو أحد الستة الذين نقل عنهم الفقه الإمام الترمذي في جامعه كما تقدم معنا، ينقل فقه سفيان بالإسناد إليه كما تقدم معنا في مزايا جامع الإمام أبي عيسى الترمذي ، فهذا الإمام الذي هو شيخ الإسلام وسيد الحفاظ وسيد العلماء العاملين أيضاً ربما دلس، فما معنى التدليس؟ وما حال تدليس سفيان ؟
تعريف التدليس في الحديث وأنواعه
إخوتي الكرام! التدليس كما قال أئمتنا: مأخوذٌ من الدلس وهو: الظلمة، واختلاط الظلام ببعضه يقال له: دلس، فإذا دلس فقد أظلم الأمر وخبأه وأخفاه وغطاه، ولم يظهر ما فيه من عيبٍ وما فيه من محظور، ومنه التدليس في البيع: أن يكتم عيب السلعة، هذا يقال له: تدليس، فما المراد بالتدليس عندنا في الحديث؟ التدليس في اصطلاح أئمتنا: تحسين الإسناد وإخفاء المراد، وهو ثلاثة أنواعٍ عند الجهابذة النقاد، وهذا التعريف من عندي، يعني ما أخذته من إمام، لكن الذي ينظر في بيان التدليس يعرفه بهذا، أما من عرفه بأنه تحسين الإسناد لإخفاء عيب فيه، فليس كذلك؛ لأنه ما أدخل تدليس الشيوخ، إذاً: تعريفه: تحسين الإسناد وإخفاء المراد، يعني تخفي مرادك، وقد لا يكون هناك عيب في الإسناد، فعندما يذكر شيخاً بلقبٍ آخر فهذا ليس عيباً في الإسناد، إنما أخفى مراده، لكن عندما لا يسمع من الشيخ ويقول بصيغةٍ تحتمل السماع فهذا عيب حقيقةً؛ لأنه يوجد انقطاع، وسيأتينا إيضاح هذا. إذاً هو كما قلت: تحسين الإسناد، وإخفاء المراد. وهو ثلاثة أنواعٍ عند الجهابذة النقاد:
 شرح أبيات الحافظ العراقي في التدليس
هذا وتدليس الشيوخ، وتدليس الإسناد، وتدليس التسوية، جمعها الإمام زين الدين عبد الرحيم الأثري ، والأثري ليس من التدليس فهو يقال له: العراقي ، لكن هو نسب نفسه كذلك فقال في ألفيته: يقول راجي ربه المقتدرعبد الرحيم بن الحسين الأثريلأنه مرةً قال لي بعض الإخوة: يقول عبد الرحيم الأثري هذا تدليس، من يعرفه أنه الأثري؟ قلت: يا عبد الله! هو نعت نفسه بذلك، والمدلس يدلس غيره، وكونه يقال له: العراقي أسهل عند طلبة العلم، لكن الأثري ليس من باب التدليس.نظم الإمام عبد الرحيم الأثري شيخ الحافظ ابن حجر عليهم جميعاً رحمة الله ما يتعلق بالتدليس في ثمانية أبيات ظريفةٍ لطيفةٍ، فانتبهوا لها واحفظوها، وعلى حسب طلب بعض الإخوة إذا تعرضنا لمبحث وجاء فيه شيءٌ من الأبيات رغبوا في ضبطها من أجل حفظها؛ لأنه يوجد تصحيفٌ في طباعة الأبيات، فانتبهوا لها إخوتي الكرام. يقول عليه رحمة الله: تدليس الإسناد كمن يسقط منحدثه ويرتقي بعن وأن إذاً هذه ثلاث صيغ.وقال يوهم اتصالاً واختلف في أهله فالرد مطلقاً ثقفنعود للبيت الأول، تدليس الإسناد: أن يسقط من حدثه، فيسقط الراوي عن شيخه، هو كما قلنا روى عن شيخه بنفسه وبواسطة، فحذف الواسطة وذكر الحديث عن شيخه بصيغةٍ تحتمل السماع فقال: عن فلان، تدليس الإسناد كمن يسقط من حدثه، ويرتقي إلى الشيخ بعن وأنّ مشددة وقال، فهذه ثلاث صيغ.يوهم اتصالاً، يعني: يوهم أنه سمع بنفسه، وأن الرواية متصلة، مع أنه يوجد واسطة. واختلف في أهله، يعني: في المدلسين، هل نقبل روايتهم أم لا؟ فالرد مطلقاً ثقف، يعني: وجد؛ لأن التدليس جرح، فمن دلس فقد أخفى هذا العيب، وهذا يعتبر جرحاً فيه فنرد روايته، كما لو صدر منه مفسق آخر، وهذا فيه قسوة وشدة، ثم يقول في البيت الثالث: والأكثرون قبلوا ما صرّحا ثقاتهم بوصله وصححا هذا هو المعتمد؛ فإذا كان المدلس ثقةً وصرح بالسماع فقال: سمعت، حدثني، أخبرني، نقبل روايته، وإذا لم يصرح يتوقف في روايته ونقول: حكمه حكم الانقطاع حتى يتبين لنا ثبوت السماع، والأكثرون قبلوا ما صرح ثقاتهم بوصله، يعني: صرحّ بالسماع بوصله، وصححا، هذا هو المعتمد عند أئمتنا. وفي الصحيح عدةً كـ (الأعمش) وكـ (هشيم) بعده وفتشيعني: عندك في أحاديث الصحيحين من وصفوا بالتدليس، فلو كان التدليس -كما قال من قال في القول الأول: والرد مطلقاً ثقف- جرحاً، فكيف إذاً روي عن هؤلاء في الصحيح؟ إذاً: التدليس ليس بجرح، وهذا مذهبٌ معروفٌ؛ فراوٍ نعرفه أنه مدلس نعامل روايته على حسب ما عرفنا من وصفه وانتهى الأمر، فليس هذا بجرحٍ، وإنما هو أسلوب من أساليب الرواية عند هذا الراوي، فنحن عندما يخبرنا أنه مدلس أو نكشف هذا منه نعامل روايته بهذه المعاملة، إن صرح بالسماع والتحديث والإخبار قبلنا وإلا توقفنا. وفي الصحيح عدة كـالأعمش ، وهو سليمان بن مهران وحديثه في الكتب الستة، توفي سنة سبعٍ أو ثمانٍ وأربعين ومائةٍ للهجرة عليه رحمة الله، وسيأتينا إذا جاءنا في الإسناد تعريفه، وأنه من الأئمة العلماء الزهاد العباد القراء، حديثه في الصحيحين، وهو مدلس، وكـهشيم بن بشير ، حديثه في الكتب الستة، وهو من الأئمة الثقات الأثبات، توفي سنة ثلاثٍ وثمانين ومائةٍ للهجرة. وفي الصحيح عدةٌ كـ (الأعمش)وكـ (هشيم ) بعده وفتشأي: انظر أيضاً في أسانيد رجال الصحيحين فقف على مدلسين كثيرين منهم السفيانان، وقتادة بن دعامة ، وغيرهم.وذمه شعبة ذو الرسوخ.. من العلماء الراسخين الربانين شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، أي: ذم التدليس، وكان يقول -وقد أفرط فيما قال رحمه الله ورضي الله عنه-: لأن أزني أحب إليّ من أن أدلس. وذمه شعبة ذو الرسوخودونه التدليس للشيوخ أي: دون تدليس الإسناد في الرتبة والمنزلة والخفة.فتدليس الشيوخ هو:أن يصف الشيخ بما لا يعرفبه وذا بمقصدٍ يختلفيصف شيخه بما لا يعرف به أمام الناس، وله مقاصد تختلف. فشره للضعف واستصغاراًوكالخطيب يوهم استكثاراًفشره، أي: شر هذه المقاصد والأغراض، للضعف، أي: أن الشيخ ضعيف، فكنى عنه لنتوهم أن الإسناد معتبر عندما لم يكشف عن هذا الراوي باسمه لنقف على حقيقة أمره، فقد تلتبس علينا الكنية التي ذكرها بكنية إمامٍ ثقة، ولا يميز الناس بعد ذلك هذه الرواية. فشره للضعف واستصغاراً، أي: يستصغر شيخه كأن يكون من أقرانه وروى الحديث عنه ولا يريد أن يقول: حدثني فلان باسمه أو أن فلاناً هذا من تلاميذه، فيكنى عنه باسمٍ لا يعرف، يقول: حدثني الحنفي، والحنفي يوجد من هو أكثر منه ومن هو أصغر، فمن هو الحنفي؟ وما عينه؟والخطيب يدلس من أجل إيهام كثرة الشيوخ. يقول الشيخ عبد الباقي الأوتاري عليه رحمة الله في شرح الألفية: لو قال العراقي : فشره للضعف واستكباراً لكان أولى؛ لموازنتها لاستكثارا في اللفظ والخط. فشره للضعف واستكباراً وللخطيب يوهم استكثاراًأما استصغار واستكبار فخرجت عن البناء، والاستصغار هو الاستكبار؛ لأنك عندما تستصغر شيخك فقد تطاولت عليه، وما عرفت قدره، وتكبرت عليه.و الشافعي أثبته بمرةِ، يعني: أثبت التدليس واعتبر الراوي مدلساً إذا نقل عنه التدليس مرة واحدة، لو دلس في إسنادٍ واحد فهو مدلس، قلت: وهذا هو النوع الثالث من أنواع التدليس لم يذكره ابن الصلاح في الألفية، وزاده العراقي بإضافته إليه؛ لأنه إذا لم يذكر نسبة الكلام إلى أحد فالقائل به ابن الصلاح ، وبعد ذلك إذا نسبه لأحد من العلماء فالقائل به من سماه أو نسبه إلى نفسه.والشافعي أثبته بمرةِقلت وشرها أخو التسويةأي: تدليس التسوية حذف ضعيفٍ بين ثقتين، ثبت رواية واحدٍ منهما عن الآخر، أو كلٌ منهما عن الآخر، هذا ما يتعلق بأنواع التدليس الثلاثة.
طبقات المدلسين
ألف الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله رسالة صغيرة الحجم، عظيمة في النفع، فيها طبقات المدلسين: تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، الرسالة من أولها إلى آخرها في حدود أربعين صفحة من القطع الصغير، جمع المدلسين في هذه الرسالة وقسَّمهم إلى خمس طبقات، فانتبهوا لطبقاتهم لنعرف حكم رواياتهم.
 خلاصة طبقات المدلسين وأحكامهم
هذه خمس طبقاتٍ للمدلسين في هذا الكتاب: من لا يدلس إلا نادراً، من يدلس بقلة وليس بكثرة، لكن له مكانة بين العلماء، أو لا يدلس إلا عن الثقات، هذه المرتبة الثانية، الثالثة: يدلس بكثرة، لكن لا يكثر تدليسه عن الضعفاء والمجاهيل، والمعتمد في الدرجة الثالثة أنهم إذا صرحوا بالسماع قبلنا منهم وإلا نتوقف. الدرجة الرابعة: وصفوا بالتدليس لكن كثر تدليسهم عن المجاهيل والضعفاء، وأفرطوا في التدليس كـبقية، فلا نقبل منهم بالاتفاق إلا إذا صرحوا بالسماع. والخامسة: فيهم ضعف بسببٍ آخر غير التدليس؛ فلا نقبل منهم وإن صرحوا بالسماع والعلم عند الله جل وعلا، هذا فيما يتعلق بالتدليس. وعليه تدليس سفيان مقبولٌ محتملٌ لا يخدش في ضبطه ولا عدالته ولا منزلته ولا إمامته، وكما قلت: التدليس مذهب في الرواية، نعرف فقط طريقة الراوي ونعامله على حسب مذهبه، أما أن نقول: هو شرٌ من الزنا، فالحقيقة فيه مبالغة زائدة عن الحد.
ثبوت كرامة لسفيان الثوري مع أبي جعفر المنصور
هذا العبد الصالح سفيان الثوري ، كنت ذكرت كرامةً له في بعض المحاضرات، ويقول عنها الذهبي في سير أعلام النبلاء: هذه كرامةٌ ثابتةٌ لـسفيان ، وجرى حولها لغط كثير في ذاك الوقت، وأخشى أن نذكرها الآن ويثير أيضاً اللاغطون الذين يزعمون أنهم متفننون لغطاً، لكن بما أنني أشرت إليها فالحقيقة ذكرها على سبيل الاختصار لا حرج فيه. سفيان الثوري كان يجهر بالحق ويصدع ولا يبالي بأحد، وما سلم أحد بعد الخلافة الراشدة من جور، لكن كان الحكام يتفاوتون في الجور، فلما آل الأمر إلى أبي جعفر وتقدم معنا دخول عبد الرحمن بن زياد بن أنعم قاضي أفريقيا على أبي جعفر وقوله له: جئت لأشكو إليك ما في أفريقيا من ظلم فوجدت الظلم من دارك يخرج، فأطرق أبو جعفر رأسه وقال: من لي بأعوان الصدق؟ قال: أما بلغك عن عمر بن عبد العزيز أن الأمير كالسوق يجلب إليها ما ينفق فيها؟ فإذا كنت صالحاً يأتيك الصالحون، وإن كنت رقاصاً يأتيك الرقاصون، والجزاء من جنس العمل، والطيور على أشكالها تقع، وهنا كذلك. تكلم سفيان عليه رحمة الله على ما يقع في الحياة العامة من فسادٍ ونصح، واغتاظ أبو جعفر واشتاط غضباً، وأرسل من بغداد الجلادين ومعهم الأخشاب، وقال: إذا وصلتم إلى مكة فخذوا سفيان واقتلوه واصلبوه، حتى إذا دخلت إلى مكة أريد أن أراه مصلوباً، سبحان الله على هذا الشطط وهذه الغطرسة وهذا الضلال! شيخ المسلمين وسيد الحفاظ وسيد العلماء العاملين يعامل هكذا، والله لو بصق هذا على الأمير وكان عند الأمير إنصاف لتبرك ببصاق هذا العالم الصالح، ولعل أحداً الآن أن يثير لغطاً ويقول: أنت تقول إذاً بالتبرك بالصالحين، لا إله إلا الله! كم من الأمراء الذين شهدتهم هذه الأمة المرحومة كان يفتخر بتقديم الحذاء للعالم والإمام، الإمام الرازي كان إذا أراد أن يلقي درسه -وهذا ثابتٌ في ترجمته- كان الأمير يحمل نعله، وهذا ثابت لعدد من أئمتنا عليهم جميعاً رحمات ربنا، فلم يحصل لهم منقصة، لكن انظر هنا الغطرسة والظلم: اقتلوه واصلبوه، فبدأت الشرطة تبحث عنه في الحرم، وكان بين سفيان بن عيينة والفضيل بن عياض ، رأسه في حجر الفضيل بن عياض ، ورجلاه في حجر سفيان بن عيينة يسترانه من الشرطة، وفي بعض المواقف هرب وجلس في مجلس النساء في الحرم وقال: هن أرحم، فالنساء غطينه أيضاً بجلابيبهن، لكن في هذا الموقف كان بين سفيان بن عيينة والفضيل بن عياض والشرطة تبحث عنه، فقالا له: قم ولا تشمت بنا، يعني اذهب وتوار واختف، واترك هذا المكان ولا تأتي إليه، الحقيقة أنَّ نكاية الأعداء لا تؤثر في الإنسان، لكن خذلان الأولياء في الحقيقة هو الذي يفري الكبد، يعني أنتم على شاكلته، تقولون: اخرج وتوارى، أين ثقتنا بالله ونصر الله لنا؟ فقام وذهب من بينهما وذهب إلى الكعبة وتعلق بأستارها، وقال: برئت منه، أي: من الله جل وعلا، إن دخل أبو جعفر مكة وأنا حي، يعني: أنت يا سفيان ويا أيها الإمام الراشد الفضيل بن عياض تخافان لم؟ ومقاليد السموات والأرض بيد الله، وإذا أراد أمراً فإنما يقول له: كن فيكون، وأنا أسأل الله أن يجعله خيراً مما قال، وليٌ لله ومن عباد الله من لو أقسم على الله لأبر قسمه، أنا أتحداكم أن أبا جعفر يدخل مكة، قبل أن يصل إلى مكة سيقصم الله ظهره ويريح الأمة منه، ولا يدخل مكة، فكان الأمر كذلك، ما دخل أبو جعفر مكة، فقد مات قبل أن يدخلها وانتهى.قال الإمام الذهبي في السير: هذه كرامةٌ ثابتةٌ لـسفيان ، وانظروها في ترجمته. وبعض الناس ما عندهم إلا الغضب والقيل والقال في هذه الأيام، ومرةً بعض الناس -لما كنت في بعض الأماكن- قالوا: الذي يقول هذا زنديق، فقال له بعض السامعين: من تقصد زنديق سفيان الثوري ، أو الذهبي ، أو الناقل؛ أما الناقل فما أصدر القصة ولا هو الذي صححها ولا الذي أثبت، أنا شخصياً أنقل ما في الكتب، فالزندقة إذاً بين الذهبي وبين سفيان الثوري ، يرضيك هذا عن أئمتنا أنهم زنادقة؟! قال: هذه إذا وقعت فيه ما ينكرها، سبحان الله العظيم! لو وجدت تعتبرها زندقة؟ أما تتقي رب العالمين؟! الإمام أحمد يقول: لم يتقدمه في قلبي أحد، تقول: هذا الذي يقول هذا الكلام زنديق؟ نعوذ بالله من عدم معرفة الإنسان قدر نفسه، والذي لا يعرف نفسه لا يعرف ربه، وحقيقةً عندما ينسى الإنسان الله ينسيه نفسه: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ [الحشر:19].كلام العبد الصالح إمام أهل السنة أحمد بن حنبل ما ذكرته في مناسبة -حتى هنا- إلا أثار اللاغطون حوله لغطاً، كأن مفهوم السلفية أو التسنن أو السنة عند بعض الناس أمور معينة في أذهانهم، لو خرجت عن عرفهم لقالوا: خرجت عن السلفية، خرجت عن السنة، يعني السنة فقط عرفك، والسلفية فقط ما أنت عليه من اصطلاحات، أما تتقي الله جل وعلا! هذا كلام إمام أهل الناس يقول في ترجمة العبد الصالح صفوان بن سليم : ولا يوجد كتاب من كتب التراجم ترجم فيه لهذا العبد من تهذيب التهذيب، وتذكرة الحفاظ، وسير أعلام النبلاء وغيرها إلا وفيها هذا الكلام، يقول: يستشفى بحديثه، وينزل قطر السماء عند ذكر اسمه، ذكرت هذا في محاضرات جاءت من جملة كلامه في هذا الأمر، قال: هذا كيف يقال؟ قلت: إن كنتم تعترضون على الإمام أحمد ، فحقيقةً ينبغي أن نعيد النظر إذاً في سلفيتنا وفي ديننا الذي جاءنا عن طريق أئمتنا، الكلام الآن ثابت عن هذا العبد الصالح من هذه الكتب، فأين التراجم فيه؟! إذا نحن ذكرنا أولياء الله، ألله يرضى أم يغضب؟ وإذا رضي يرحمنا سبحانه وتعالى إذا أثنينا عليهم، وتحدثنا بمحاسنهم، عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، أولياء الله نتقرب بحبهم إلى الله جل وعلا، فهل كنا نستغيث بهم أو نعبدهم؟! فـسفيان الثوري عليه رحمة الله هذه حاله، وأما بقية رجال الإسناد فنتدارسهم في الدرس القادم، ولعلنا نكمل بقية المباحث بعون الله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، اللهم اغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.
 خلاصة طبقات المدلسين وأحكامهم
هذه خمس طبقاتٍ للمدلسين في هذا الكتاب: من لا يدلس إلا نادراً، من يدلس بقلة وليس بكثرة، لكن له مكانة بين العلماء، أو لا يدلس إلا عن الثقات، هذه المرتبة الثانية، الثالثة: يدلس بكثرة، لكن لا يكثر تدليسه عن الضعفاء والمجاهيل، والمعتمد في الدرجة الثالثة أنهم إذا صرحوا بالسماع قبلنا منهم وإلا نتوقف. الدرجة الرابعة: وصفوا بالتدليس لكن كثر تدليسهم عن المجاهيل والضعفاء، وأفرطوا في التدليس كـبقية، فلا نقبل منهم بالاتفاق إلا إذا صرحوا بالسماع. والخامسة: فيهم ضعف بسببٍ آخر غير التدليس؛ فلا نقبل منهم وإن صرحوا بالسماع والعلم عند الله جل وعلا، هذا فيما يتعلق بالتدليس. وعليه تدليس سفيان مقبولٌ محتملٌ لا يخدش في ضبطه ولا عدالته ولا منزلته ولا إمامته، وكما قلت: التدليس مذهب في الرواية، نعرف فقط طريقة الراوي ونعامله على حسب مذهبه، أما أن نقول: هو شرٌ من الزنا، فالحقيقة فيه مبالغة زائدة عن الحد.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما جاء في فضل الطهور [4] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net