اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما جاء في فضل الطهور [3] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب ما جاء في فضل الطهور [3] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
اختلف العلماء في توجيه قول الترمذي: حديث حسن صحيح، وأفضل ما ذكر قول ابن حجر: فإن جمعا -الصحة والحسن- فلتردد في الناقل حيث التفرد، وإلّا فباعتبار إسنادين، وبالنسبة للحديث الحسن فقد عرفه عدة علماء منهم الترمذي، والحكم للإسناد بالصحة حكم على المتن من إمام معتمد إذا لم يتبع الحكم بتضعيف.
تخريج حديث أبي هريرة في فضل الطهور
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الراحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: إخوتي الكرام! لا زلنا نتدارس الباب الثاني من أبواب الطهارة من جامع الإمام الترمذي عليه رحمة الله: باب ما جاء في فضل الطهور. روى الإمام الترمذي حديثاً في هذا الباب عن شيخيه: إسحاق بن موسى الأنصاري ، وقتيبة بن سعيد بسنده من هنا إلى أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئةٍ نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، وإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئةٍ بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب)، قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ صحيح. وقد انتهينا من دراسة المبحث الأول المتعلق بإسناد الحديث، ومن دراسة المبحث الثاني المتعلق بمتن الحديث: بفقهه ومعناه، وسنتدارس إن شاء الله في هذه الليلة المباركة المبحثين الآخرين تتمة المباحث الأربعة فيما يتعلق بدرجة الحديث وتخريجه، وفيما يتعلق بتخريج الروايات التي أشار إليها الإمام الترمذي بقوله: وفي الباب عن فلانٍ وفلان.أما المبحث الثالث المتعلق بدرجة هذا الحديث وتخريجه فقد قال أبو عيسى عليه رحمة الله: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح، والأمر كذلك إخوتي الكرام! كما تقدم معنا في دراسة الإسناد، فجميع رجال الإسناد أئمةٌ ثقاتٌ عدولٌ كرامٌ فحول، وكل واحدٍ وصف بصفةٍ أو صفتين من أوصاف التوثيق والتعديل ثقةٌ ثبت، ثقةٌ فاضل، إلا أحد الرواة الذين تقدم معنا ترجمتهم، وهو سهيل بن أبي صالح ، فقد نعته الحافظ بأنه صدوق. وقد أخرج حديثه الإمام البخاري تعليقاً ومقروناً، وأخرج حديثه الإمام مسلم في الصحيح وأهل السنن الأربعة، فحديثه مخرج إذاً عند جماعة أهل الكتب الستة. وأما من عدا هذا العالم الإمام الهمام فكلهم ثقاتٌ أثبات في أعلى درجات التوثيق والعدالة. والحديث له طرقٌ كثيرة وشواهد وتيرة، وعليه فهو صحيحٌ كما قال أبو عيسى عليه رحمة الله: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح، وهو حديث مالك عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين.وهذا الحديث قد أخرجه مالكٌ في موطئه أيضاً، والإمام الشافعي في مسنده، وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه، إذاً: أخرجه من أهل الكتب الستة اثنان: الإمام مسلم في صحيحه، والإمام الترمذي في سننه وجامعه، وهو -كما قلت- حديثٌ صحيح. ورواية الإمام مسلم فيها زيادة، وهذه الزيادة ضروريةٌ جداً، مما يدل على أن الحديث هنا فيه شيءٌ من الاختصار، والزيادة هي: (فإذا غسل رجليه خرجت من رجليه كل خطيئةٍ مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب)، والرواية التي هنا اقتصرت على ذكر الوجه وذكر اليدين، ولفظ الحديث عند مسلم: باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء.وترجمة الأبواب ليست من عمل الإمام مسلم في صحيحه، إنما هي من عمل شراح صحيح مسلم، فالإمام مسلم ترجم فقط للكتب مثل: كتاب الطهارة، وكل بابٍ بعد ذلك في كتبه فهو من عمل الشراح ومن عمل شيخ الإسلام النووي ، وهكذا من شرح صحيح مسلم ، فقوله: باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء من عمل الشراح، وهو في كتاب الطهارة. لفظ الحديث أيضاً من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن)، أيضاً على الشك هل نطق النبي عليه الصلاة والسلام بنعت الإسلام أو الإيمان شك الراوي، فحكاه حسبما علم لما لم يتأكد من أحد الصفتين رواه على الشك، (إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن)، يعني: أحد اللفظين قاله النبي عليه الصلاة والسلام، وهما بمعنىً واحد، (فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئةٍ نظر إليها بعينيه مع الماء)، أيضاً الشك هنا موجود، (أو مع آخر قطر الماء)، يعني: أن هذه الخطايا تخرج مع ماء الوضوء، أو مع آخر قطرات الوضوء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئةٍ كانت بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، (فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب)، فأضاف في هذه الرواية ذكر الرجلين.ورواية الإمام مالك في الموطأ كرواية الترمذي ، إنما رواية صحيح مسلم فيها زيادة ذكر الرجلين، ولو لم تذكر فهي معلومة، فإذا غسلت الخطايا من الوجه خرجت الخطايا من الوجه واليدين، فتخرج من بقية أعضاء الوضوء بفضل الله ورحمته، لكن هنا تنصيصٌ على ذلك، وستأتينا الروايات الأخرى التي أشار إليها الترمذي وفيها التنصيص على ذلك أيضاً بما هو أوضح وأكثر تفصيلاً.إذاً: هذه الرواية في صحيح مسلم ، وموطأ الإمام مالك ، وأخرجها الترمذي ، ومعهم الإمام الشافعي في مسنده عليهم جميعاً رحمة الله، والرواية كما قلت: صحيحةٌ ثابتة عن نبينا عليه الصلاة والسلام.
 

الحديث الحسن وتعريف الأئمة له
يتعلق معنا بهذا المبحث -قبل أن ننتقل إلى قول الإمام الترمذي : وفي الباب- اصطلاحٌ معين، وهو أول شيءٍ ورد معنا في هذا الكتاب (حسنٌ صحيح)، تقدم معنا في الباب الأول: (لا تقبل صلاةٌ بغير طهور)، حديث أبي هريرة رضي الله عنه، هناك نعت للصحة فقط، هذا أصح شيءٍ في هذا الباب وأثبت، فبينت هناك معنى الصحيح، وشروط الحديث ليكون صحيحاً، وأما هنا فقال: (حسنٌ صحيح)، وهذا يدعونا إلى أن نبين معنى الحسن، ثم ماذا يراد بالحسن الصحيح عندما يقترن هذان اللفظان. ومعنى الحسن على انفراد؛ فكما تقدم معنا تعريف الصحيح أبين الآن معنى الحسن، ثم أبين اصطلاح أئمتنا في قولهم: هذا حسنٌ صحيح، وأجيب على سؤالٍ لبعض الإخوة وهو: هل إذا قيل: إسناده حسن صحيح، إسناده صحيح، رجاله ثقات، رجاله أثبات، هل يلزم من هذا صحة الحديث؟ يعني: صحة المتن. نتكلم على هذا في هذه الموعظة إن شاء الله. أما الحديث الحسن فكثرت تعاريف أئمتنا له، وهي على كثرتها تنحصر في أمرين اثنين: ‏
 انتقاد ابن الصلاح لتعاريف الحديث الحسن كما في ألفية العراقي
يقول الإمام ابن الصلاح الذي ينقل كلامه الإمام العراقي في الألفية: وما بكل ذا حدٍ حصل، يعني: هذه التعريفات الثلاثة كلها عليها اعتراضات، وليس واحدٌ منها حدَّ وعرَّف وقيَّد وضبط الحديث الحسن.لا بكلام الخطابي ، ولا بكلام الترمذي ، ولا بكلام ابن الجوزي ، وبالبيان الذي ذكرته لكم حصلت حدودٌ وتعريفاتٍ للحديث الحسن بتعريفي لا يخرج الحسن عنهما، ولا يرد الاعتراض على حسب ما ذكرت.ثم قال الإمام ابن الصلاح كما نقل كلامه الإمام العراقي في الألفية: وقال بان لي فيه بإمعانِ النظر أنَّ له قسمين كلٌ قد ذكريقول: بان لي بعد إعمال فكري وتدقيق نظري في كلام أئمتنا في إطلاقهم لفظ الحسن على الحديث أن له قسمين كلٌ قد ذكرفـالخطابي ذكر قسماً، والترمذي ذكر قسماً، وكلام ابن الجوزي شامل للقسمين: أن له قسمين كلٌ قد ذكرقسماً وزاد كونه ما عُلِّلاولا بنكرٍ شذوذ شملاومن الذي زاد؟ ابن الصلاح في تعريف الحديث الحسن: ألا يكون شاذاً ولا معللاً بعلة قادحة، وهذا معلوم؛ لأن العلة التي توجد في الإسناد إذا كانت تقدح في الحديث الصحيح فهي تقدح في الحديث الحسن، كرفع الموقوف: الحديث موقوف ورفعه، أو وصل المنقطع، هذه علة قادحة للوهم، يرد هذا الحديث لوجود هذه العلة فيه، فلا يكون مرفوعاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام.والفقهاء كلهم يستعمله والعلماء الجُلُّ منهم يقبلهوهو بأقسام الصحيح ملحقأي: يلتحق برتبة الحديث الصحيح فيحتج به. حجية وإن يكن لا يلحقيعني: لا يلحقه في الرتبة ويساويه، فهو دونه، لكن في الاحتجاج يحتج به كما يحتج بالحديث الصحيح.وهذه خلاصة تعريف الحديث الحسن. الإمام الترمذي عرف الحسن لغيره، والإمام الخطابي عرف الحسن لذاته، وكلام ابن الجوزي شامل لهما، وإنما خصّ الإمام الترمذي تعريف الحسن؛ لأنه بالتعريف الذي ذكره فيه شيءٌ من الغموض، فأراد أن يبينه، ثم بعد ذلك هذا اصطلاحٌ جديد، أول من نوه بالحديث الحسن وأكثر من استعماله في كتابه هو الإمام أبو عيسى عليه وعلى أئمتنا رحمة ربنا. هذا فيما يتعلق بالنقطة الأولى والأمر الأول، وهو ما يتعلق بالحديث الحسن، وعليه إذا أردنا أن نفرق بينه وبين الحديث الصحيح، فنقول: شروط الحديث الصحيح خمسة: أن يكون الرواة عدولاً، وضبطهم تام، والسند متصل، ولا يوجد شذوذٌ ولا علةٌ قادحة، والحديث الحسن لذاته شروطه نفس الشروط إنما نضع بدل تمام الضبط خفة الضبط، والحسن لغيره ليس راويه عدلاً تام الضبط، فيه شيءٌ من الضعف، هو مستور ليس بتام الضبط ولا بخفيف الضبط، ضبطه ناقص، ولا يمكن أن يحسن حديثه على انفراده، لكن هذا النقص انجبر بوروده من طريقٍ آخر.
توجيهات العلماء على قول الترمذي: حسن صحيح
النقطة الثانية: حسنٌ صحيح، يوجد فيه إشكال؛ لأن الحسن نازل عن الصحيح، والصحيح فوقه، فأنت الآن تثبت القصور وتنفيه، تقول: حسن دون الصحيح، ثم تقول: صحيح تنفي القصور، كيف تثبت القصور وتنفيه في لفظٍ واحد، إن كان صحيحاً فليس بحسن، وإن كان حسناً فليس بصحيح، أما أن تجمع بين القصور عن الصحة وبلوغه الصحة في لفظٍ واحد هذا فيه إشكال. وهذا أول حديثٍ مرت معنا فيه هذه العبارة، قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ صحيح. وهو حديث مالك عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين.أئمتنا ذكروا أربعة أجوبة للخلاص من هذا الإشكال: جوابان معتبران، وجوابان أذكرهما بناءً على تقرير أئمة الإسلام لهما، لكن لا اعتبار لهذين القولين والجوابين.
 نقل كلام الحافظ العراقي لخلاف العلماء في معنى قول الترمذي: حسن صحيح
الكلام الذي ذكرته أشار إليه شيخ الإسلام الإمام العراقي في الألفية، والألفاظ احفظوها هي أحلى من العسل.يقول عليه رحمة الله: واستشكل الحسن مع الصحة في متن فإن لفظاً يرد فقل: صِفِواستشكل الحسن مع الصحة في متن، أعني: متن من المتون قيل: حسنٌ صحيح. واستشكل الحسن مع الصحة في متنٍ فإن لفظاً يرد ...يعني: أراد من الحسن الحسن اللفظي اللغوي، وهو كلام ابن الصلاح . فإن لفظاً يرد فقل: صِفِ به الضعيفيعني: يجوز أن نصف الضعيف إذا فهمت من الحسن حسن اللفظ اللغوي، وعليه فكلامك فيه مؤاخذة.فقل: صفِ به الضعيف.أو يرد- هذا التعليل الثاني للحسن الصحيح- أو يرد ما يختلف سنده فكيف إن فرد وصف؟ يعني: إذا قيل: حسنٌ صحيح يراد ما اختلف إسناده، يعني له إسنادان أو أكثر، يقول: العراقي يرد على هذا الاعتراض الذي أثاره بعض العلماء، قال: فكيف إن فردٌ وصف؟ ما هو الفرد الذي وصف؟ بعض العبارات تأتينا في كلام الترمذي ، هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب، إذاً: لا يوجد إسنادان قطعاً وجزماً، وسيأتينا من هذا الشيءٌ الكثير. أو يرد ما يختلف إسناده، فكيف إن فردٌ وصف؟ أي: كيف تتخلص من هذا الإشكال إذا كان هناك حديث واحد كما قال الترمذي : هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب، فليس عندنا الآن تعدد الإسناد، ليس عندنا إلا إسنادٌ واحد، فنقول: إذا ذكر فردٌ واحد فنلجأ للاصطلاح الثاني، حسنٌ أو صحيح أي: متردد. الحافظ ابن حجر عبارته في منتهى الدقة، وتخلص من هذا الإشكال، ولم يقل: حسنٌ وصحيح حتى تقول: ليس لهذا المتن إسنادان، فكيف إن فردٌ وصف؟ إن كان الإسناد واحد حسن أو صحيح، فلا يرد هذا الاعتراض على الإمام ابن حجر عليهم جميعاً رحمة الله. إذاً هنا: واستشكل الحسن مع الصحة في متن فإن لفظاً يرد فقل: صفبه الضعيف أو يرد ما يختلف سنده فكيف إن فردٌ وصف؟ولأبي الفتح في الاقتراح وهو الإمام ابن دقيق العيد .ولـأبي الفتح في الاقتراح أن انفراد الحسن ذو اصطلاحوإن يكن صحّ فليس يلتبس كل صحيحٍ حسنٌ لا ينعكسوأوردوا ما صحَّ من أفرادِ حيثُ اشترطنا غير ما إسناديقول: للإمام أبي الفتح ابن دقيق العيد اصطلاحٌ خاص، وهو: أن الحديث الصحيح حسنٌ من باب أولى، فلا إشكال في الجمع بينهما؛ لأنه إذا أحرز الصفة العليا فقد أحرز الدنيا، فلا تتردد في قول الإمام: حسنٌ صحيح؛ لأنه صحيح، وهو حسن من باب أولى، فلا إشكال في ذلك، إذاً هو صحيح، لكن الحسن متمكنٌ فيه من باب أولى.ولأبي الفتح في الاقتراحأن انفراد الحسن ذو اصطلاحيعني: إذا كان الحديث حسناً فله تعريفٌ خاص، هو نزل عن درجة الصحة، أما عندما يصح الحديث فيجوز أن تقول: إنه صحيحٌ وحسن، وإن يكن صح فليس يلتبس لا إشكال.وإن يكن صحّ فليس يلتبس كل صحيحٍ حسنٌ لا ينعكسوأوردوا ما صحّ من أفراد حيث اشترطنا غير ما إسنادإذاً: هذا ما يتعلق بالنقطة الثانية وهي حسنٌ صحيح، حسنٌ أو صحيح، حسنٌ وصحيح، وقيل: المراد بالحسن الحسن اللغوي، وهو الجمع الثالث. وقيل: المراد بالحسن هنا مع الصحة ما انطبق هذا الوصف عليه من باب أولى؛ لأنه إذا كان صحيحاً فهو حسن ولا إشكال في ذلك، يعني: هو صحيح، وإذا كان صحيحاً فقد وجدت فيه صفات الحسن من باب أولى فكن على علمٍ بذلك. هذه -كما قلت- أربع تخريجات أقواها الأول والثاني والعلم عند الله جل وعلا.
وقفة عند قول الأئمة: إسناد رجاله ثقات ورجاله رجال الصحيح
الأمر الثالث: وهو ما أثاره بعض الإخوة عندما يقول: إسناد رجاله ثقات، قال الهيثمي في المجمع: رجاله رجال الصحيح، كما يأتي معنا مثل هذه العبارات بكثرة، وعدد من الأسئلة يأتي فيها: هل يلزم من قولهم رجاله ثقات صحة الحديث (صحة المتن)؟ نقول: هذه العبارة إذا أطلقها أنا أو أنت فلا يلزم، إذا بحثنا في رجال الإسناد وقلنا: الذي ثبت عندنا أن رجال الإسناد ثقات، لا يلزم من هذا أننا حكمنا على المتن؛ لاحتمال أن يكون رجال الإسناد -كما قلت- ثقات، لكن هناك انقطاع، أو هناك شذوذ، أو هناك علة خفية ما ظهرت لنا، هذا موضوع آخر، لكن عندما يأتي الإمام الحاذق الماهر المدقق ابن حجر وشيخ الإسلام النووي والمنذري وأئمة الإسلام، ويقولون: رجاله رجال الصحيح، رجاله ثقات، ولا يعقب هذا بكلامٍ ينتقد به حكمه على الإسناد، فهذا حكمٌ منه على الإسناد وعلى المتن، وهذا ما أشار إليه أئمتنا فاسمعوا نظم الإمام العراقي في الألفية عند مبحث الحسن أيضاً، يقول: والحكم للإسناد بالصحة أو بالحسن دون الحكم للمتن رأواعندما تقول: إسناده حسن ليس معنى هذا أن الحديث حسن، فالإسناد قد يكون على حسب الظاهر، رواته عندنا في درجة الحسن، لكن قد يكون فيه انقطاع، فهم عندنا عدول وضبطهم فيه شيء من الخفة جعلهم عندنا في درجة الحسن، ليس هذا حكم منا على المتن.والحكم للإسناد بالصحة أو بالحسن دون الحكم للمتن رأوا انتبه. واقبله إن أطلقه من يعتمد ولم يعقبه بضعفٍ ينتقدأي: اقبل هذا الحكم على الإسناد وعلى المتن، إذا قال: إسناده صحيح، إسناده حسن، رجاله ثقات، أو رجاله رجال الصحيح، اقبل هذا الحكم منه عليه وعلى المتن، إذا صدر من إمامٍ يعتمد عليه، ولم يتبع هذا الحكم بضعف، ولذلك يقول الحافظ الهيثمي في المجمع بكثرة أحياناً: رجاله رجال الصحيح، رجاله ثقات، لكن فيه فلان وهو مدلسٌ وقد عنعن، يعني: هو من رجال الصحيح، لكن روايته في الصحيح محمولة على الاتصال لما علم من شرط صاحبي الصحيح في صحيحيهما، أما هنا -في رواية المسند- فهو من رجال الصحيح لكنه مدلس، فانتبه، فكأنه هنا يتوقف في الحكم على المتن، ولذلك لا يحكم لهذا الإسناد بالاتصال؛ لأنه ليس في أحد الصحيحين، فانتبه لذلك، والأصل أن الإمام العالم إذا أطلق هذه العبارة فهذا حكمٌ منه على الإسناد وعلى المتن والعلم عند الله جل وعلا، هذا فيما يتعلق بالنقطة الأولى في تخريج الحديث، وبيان ما يتعلق بقول الترمذي : حسنٌ صحيح.
 نقل كلام الحافظ العراقي لخلاف العلماء في معنى قول الترمذي: حسن صحيح
الكلام الذي ذكرته أشار إليه شيخ الإسلام الإمام العراقي في الألفية، والألفاظ احفظوها هي أحلى من العسل.يقول عليه رحمة الله: واستشكل الحسن مع الصحة في متن فإن لفظاً يرد فقل: صِفِواستشكل الحسن مع الصحة في متن، أعني: متن من المتون قيل: حسنٌ صحيح. واستشكل الحسن مع الصحة في متنٍ فإن لفظاً يرد ...يعني: أراد من الحسن الحسن اللفظي اللغوي، وهو كلام ابن الصلاح . فإن لفظاً يرد فقل: صِفِ به الضعيفيعني: يجوز أن نصف الضعيف إذا فهمت من الحسن حسن اللفظ اللغوي، وعليه فكلامك فيه مؤاخذة.فقل: صفِ به الضعيف.أو يرد- هذا التعليل الثاني للحسن الصحيح- أو يرد ما يختلف سنده فكيف إن فرد وصف؟ يعني: إذا قيل: حسنٌ صحيح يراد ما اختلف إسناده، يعني له إسنادان أو أكثر، يقول: العراقي يرد على هذا الاعتراض الذي أثاره بعض العلماء، قال: فكيف إن فردٌ وصف؟ ما هو الفرد الذي وصف؟ بعض العبارات تأتينا في كلام الترمذي ، هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب، إذاً: لا يوجد إسنادان قطعاً وجزماً، وسيأتينا من هذا الشيءٌ الكثير. أو يرد ما يختلف إسناده، فكيف إن فردٌ وصف؟ أي: كيف تتخلص من هذا الإشكال إذا كان هناك حديث واحد كما قال الترمذي : هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب، فليس عندنا الآن تعدد الإسناد، ليس عندنا إلا إسنادٌ واحد، فنقول: إذا ذكر فردٌ واحد فنلجأ للاصطلاح الثاني، حسنٌ أو صحيح أي: متردد. الحافظ ابن حجر عبارته في منتهى الدقة، وتخلص من هذا الإشكال، ولم يقل: حسنٌ وصحيح حتى تقول: ليس لهذا المتن إسنادان، فكيف إن فردٌ وصف؟ إن كان الإسناد واحد حسن أو صحيح، فلا يرد هذا الاعتراض على الإمام ابن حجر عليهم جميعاً رحمة الله. إذاً هنا: واستشكل الحسن مع الصحة في متن فإن لفظاً يرد فقل: صفبه الضعيف أو يرد ما يختلف سنده فكيف إن فردٌ وصف؟ولأبي الفتح في الاقتراح وهو الإمام ابن دقيق العيد .ولـأبي الفتح في الاقتراح أن انفراد الحسن ذو اصطلاحوإن يكن صحّ فليس يلتبس كل صحيحٍ حسنٌ لا ينعكسوأوردوا ما صحَّ من أفرادِ حيثُ اشترطنا غير ما إسناديقول: للإمام أبي الفتح ابن دقيق العيد اصطلاحٌ خاص، وهو: أن الحديث الصحيح حسنٌ من باب أولى، فلا إشكال في الجمع بينهما؛ لأنه إذا أحرز الصفة العليا فقد أحرز الدنيا، فلا تتردد في قول الإمام: حسنٌ صحيح؛ لأنه صحيح، وهو حسن من باب أولى، فلا إشكال في ذلك، إذاً هو صحيح، لكن الحسن متمكنٌ فيه من باب أولى.ولأبي الفتح في الاقتراحأن انفراد الحسن ذو اصطلاحيعني: إذا كان الحديث حسناً فله تعريفٌ خاص، هو نزل عن درجة الصحة، أما عندما يصح الحديث فيجوز أن تقول: إنه صحيحٌ وحسن، وإن يكن صح فليس يلتبس لا إشكال.وإن يكن صحّ فليس يلتبس كل صحيحٍ حسنٌ لا ينعكسوأوردوا ما صحّ من أفراد حيث اشترطنا غير ما إسنادإذاً: هذا ما يتعلق بالنقطة الثانية وهي حسنٌ صحيح، حسنٌ أو صحيح، حسنٌ وصحيح، وقيل: المراد بالحسن الحسن اللغوي، وهو الجمع الثالث. وقيل: المراد بالحسن هنا مع الصحة ما انطبق هذا الوصف عليه من باب أولى؛ لأنه إذا كان صحيحاً فهو حسن ولا إشكال في ذلك، يعني: هو صحيح، وإذا كان صحيحاً فقد وجدت فيه صفات الحسن من باب أولى فكن على علمٍ بذلك. هذه -كما قلت- أربع تخريجات أقواها الأول والثاني والعلم عند الله جل وعلا.
اختلاف الأئمة في اسم أبي هريرة
يقول أبو صالح والد سهيل ، هو أبو صالح السمان واسمه ذكوان تقدمت معنا ترجمته وأنه إمامٌ ثبت، حديثه مخرج في الكتب الستة.و أبو هريرة اختلف في اسمه، تقدمت معنا ترجمته مفصلة، فقالوا: عبد شمس، فقلت: هذا في الجاهلية، وقالوا: عبد الله بن عمرو ، والنقل الذي نقله الإمام الترمذي عن شيخه البخاري خلاف ما ينقله أئمتنا عن البخاري ، فالإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغة عند ترجمة أبي هريرة نقل عن البخاري أن اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر ، وقال: الأصح عند المحققين الأكثرين ما صححه البخاري وغيره من المسلمين أن اسمه عبد الرحمن بن صخر ، وأنا أقول: التلميذ أدرى بالنقل عن شيخه، والإمام النووي ما ذكر مستنده في ذلك، نعم كتب التراجم جرت على أن أشهر ما يضبط به اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر ، هذا الذي مال إليه الذهبي في السير، وفي تذكرة الحفاظ، والإمام ابن كثير في البداية والنهاية، والحافظ ابن حجر في التهذيب وغير ذلك، هذا الذي استقر عليه عمل العلماء، لكن حكاية هذا عن البخاري ، في الحقيقة قول الترمذي بأنه عبد الله بن عمرو يقدم، فنقول: قول الجمهور: عبد الرحمن بن صخر مقدم عندنا ثم اختلفوا على ثلاثين قولاً في اسمه واسم أبيه في الجاهلية والإسلام، والإمام النووي ينقل عن البخاري أن اسمه عبد الرحمن بن صخر ، والترمذي ينقل عن شيخه أن اسمه عبد الله بن عمرو ، فكونوا على علمٍ بذلك، وبحثت وفتشت كثيراً لأتحقق من هذا المتن، ورجعت للتاريخ الكبير ولغيره فما وقفت على شيء، لكن كتب التراجم مثل: تهذيب الأسماء واللغة للنووي ، على أئمتنا جميعاً رحمة الله نقل عن البخاري أن اسمه عبد الرحمن بن صخر ، وعندنا في هذا الكتاب نقل الترمذي عن شيخه الذي روى عنه أنه عبد الله بن عمرو فهذا يقدم على من ينسب إلى البخاري أن اسمه عبد الرحمن بن صخر ، والعلم عند الله. يقول: وهو الأصح، هذا الذي رجحه الإمام الترمذي ، أن اسمه عبد الله بن عمرو ، وهو اختيار شيخه وهو الذي رجحه، والجمهور بعد ذلك على ترجيح عبد الرحمن بن صخر ، والمسألة يسيرة رضي الله بأي اسمٍ سمي، سواءٌ كان يسمى بـعبد الرحمن أو بـعبد الله، وكلنا عبيدٌ لله عز وجل.
 نقل كلام الحافظ العراقي لخلاف العلماء في معنى قول الترمذي: حسن صحيح
الكلام الذي ذكرته أشار إليه شيخ الإسلام الإمام العراقي في الألفية، والألفاظ احفظوها هي أحلى من العسل.يقول عليه رحمة الله: واستشكل الحسن مع الصحة في متن فإن لفظاً يرد فقل: صِفِواستشكل الحسن مع الصحة في متن، أعني: متن من المتون قيل: حسنٌ صحيح. واستشكل الحسن مع الصحة في متنٍ فإن لفظاً يرد ...يعني: أراد من الحسن الحسن اللفظي اللغوي، وهو كلام ابن الصلاح . فإن لفظاً يرد فقل: صِفِ به الضعيفيعني: يجوز أن نصف الضعيف إذا فهمت من الحسن حسن اللفظ اللغوي، وعليه فكلامك فيه مؤاخذة.فقل: صفِ به الضعيف.أو يرد- هذا التعليل الثاني للحسن الصحيح- أو يرد ما يختلف سنده فكيف إن فرد وصف؟ يعني: إذا قيل: حسنٌ صحيح يراد ما اختلف إسناده، يعني له إسنادان أو أكثر، يقول: العراقي يرد على هذا الاعتراض الذي أثاره بعض العلماء، قال: فكيف إن فردٌ وصف؟ ما هو الفرد الذي وصف؟ بعض العبارات تأتينا في كلام الترمذي ، هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب، إذاً: لا يوجد إسنادان قطعاً وجزماً، وسيأتينا من هذا الشيءٌ الكثير. أو يرد ما يختلف إسناده، فكيف إن فردٌ وصف؟ أي: كيف تتخلص من هذا الإشكال إذا كان هناك حديث واحد كما قال الترمذي : هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب، فليس عندنا الآن تعدد الإسناد، ليس عندنا إلا إسنادٌ واحد، فنقول: إذا ذكر فردٌ واحد فنلجأ للاصطلاح الثاني، حسنٌ أو صحيح أي: متردد. الحافظ ابن حجر عبارته في منتهى الدقة، وتخلص من هذا الإشكال، ولم يقل: حسنٌ وصحيح حتى تقول: ليس لهذا المتن إسنادان، فكيف إن فردٌ وصف؟ إن كان الإسناد واحد حسن أو صحيح، فلا يرد هذا الاعتراض على الإمام ابن حجر عليهم جميعاً رحمة الله. إذاً هنا: واستشكل الحسن مع الصحة في متن فإن لفظاً يرد فقل: صفبه الضعيف أو يرد ما يختلف سنده فكيف إن فردٌ وصف؟ولأبي الفتح في الاقتراح وهو الإمام ابن دقيق العيد .ولـأبي الفتح في الاقتراح أن انفراد الحسن ذو اصطلاحوإن يكن صحّ فليس يلتبس كل صحيحٍ حسنٌ لا ينعكسوأوردوا ما صحَّ من أفرادِ حيثُ اشترطنا غير ما إسناديقول: للإمام أبي الفتح ابن دقيق العيد اصطلاحٌ خاص، وهو: أن الحديث الصحيح حسنٌ من باب أولى، فلا إشكال في الجمع بينهما؛ لأنه إذا أحرز الصفة العليا فقد أحرز الدنيا، فلا تتردد في قول الإمام: حسنٌ صحيح؛ لأنه صحيح، وهو حسن من باب أولى، فلا إشكال في ذلك، إذاً هو صحيح، لكن الحسن متمكنٌ فيه من باب أولى.ولأبي الفتح في الاقتراحأن انفراد الحسن ذو اصطلاحيعني: إذا كان الحديث حسناً فله تعريفٌ خاص، هو نزل عن درجة الصحة، أما عندما يصح الحديث فيجوز أن تقول: إنه صحيحٌ وحسن، وإن يكن صح فليس يلتبس لا إشكال.وإن يكن صحّ فليس يلتبس كل صحيحٍ حسنٌ لا ينعكسوأوردوا ما صحّ من أفراد حيث اشترطنا غير ما إسنادإذاً: هذا ما يتعلق بالنقطة الثانية وهي حسنٌ صحيح، حسنٌ أو صحيح، حسنٌ وصحيح، وقيل: المراد بالحسن الحسن اللغوي، وهو الجمع الثالث. وقيل: المراد بالحسن هنا مع الصحة ما انطبق هذا الوصف عليه من باب أولى؛ لأنه إذا كان صحيحاً فهو حسن ولا إشكال في ذلك، يعني: هو صحيح، وإذا كان صحيحاً فقد وجدت فيه صفات الحسن من باب أولى فكن على علمٍ بذلك. هذه -كما قلت- أربع تخريجات أقواها الأول والثاني والعلم عند الله جل وعلا.
ذكر الروايات التي أشار إليها الترمذي عقب حديث: (إذا توضأ العبد المسلم...)
قال أبو عيسى : وفي الباب عن عثمان بن عفان ، هذه رواية، وثوبان مولى نبينا عليه الصلاة والسلام، والصنابحي ، وعمرو بن عبسة ، وسلمان ، وعبد الله بن عمرو ، هذه ست روايات تحتاج إلى إيجاز نذكر تخريجها لننتهي بعد ذلك من هذا، وننتقل إلى الصنابحي الذي تكلم عنه الإمام الترمذي تكملةً لهذا الباب إن شاء الله.
 الكلام على رواية الصنابحي
والرواية الثالثة: رواية الصنابحي، عندنا ثلاثة من الصنابحة وهم بطنٌ من مراد من بلاد اليمن، البلاد المباركة، صنابح بن الأعسر ، والصنابحي أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة ، والصنابح عبد الله ، صحابيان وتابعي، فانتبهوا للفارق بينهم لئلا تخلطوا واحداً بآخر، والصنابحي الذي يقصده الترمذي هنا هو عبد الله الصحابي وليس ابن الأعسر وهو صحابي أيضاً، لكن ذاك يقال له: صنابح بن الأعسر، وهذا يقال له: الصنابحي، ويقال له: عبد الله ، والتابعي عبد الرحمن بن عسيلة يقال له: أبو عبد الله ، وكثيراً ما يخطئ كثيرٌ من المحدثين بين عبد الله الصنابحي وأبي عبد الله الصنابحي ، فانتبه لهذا، عبد الله الصنابحي الذي معنا صحابي، أخرج حديثه الإمام أحمد في المسند، وأخرجه مالكٌ في الموطأ، والنسائي في السنن، وأخرجه ابن ماجه والحاكم في المستدرك، وأخرجه البيهقي في سننه الكبرى وفي شعب الإيمان.ولفظ حديث الإمام الصنابحي : (إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه، حتى تخرج من تحت أستار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة)، والحديث صحيحٌ ثابتٌ عن نبينا عليه الصلاة والسلام، هذه رواية الصنابحي .إخوتي الكرام! كما قلت: الصنابحي هو عبد الله الصنابحي ، حديثه مخرج في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه ، أخرج حديثه غير هذا الحديث فهو من رجال هذه الكتب، وهذه الرواية كما تقدم معنا في موطأ مالك ، فحديثه مخرج في ثلاثة من كتبٍ ستة، في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه ، فالحديث الذي معنا هنا أخرجه النسائي وابن ماجه ، ولم يخرجه أبو داود من الثلاثة.قال الحافظ في ترجمته في تقريب التهذيب صحابيٌ مختلفٌ في وجوده، فقيل: صحابيٌ مدني، وقيل: هو أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة الآتي الذي هو تابعي وسيأتي ذكره وترجمته بعد ذلك، عبد الله الصنابحي رقم ترجمته في الطبعة التي هي مجلد واحد صفحة ثلاثمائة وواحد وثلاثين. هذا صحابي، لكن أئمتنا كانوا يخلطون بينه وبين أبي عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة التابعي، ذاك قدم من اليمن، فلما وصل إلى الجحفة جاء راكبٌ من المدينة فقال: ما الخبر؟ قال: قبض النبي عليه الصلاة والسلام، ودفناه من خمسٍ، يعني: من خمسة أيام دفناه، فذاك تابعي، وصاحب أبي بكر وروى عنه، وأما عبد الله الصنابحي فصحابي، فانتبه لذلك.الترمذي ماذا يقول: والصنابحي الذي روى عن أبي بكر الصديق ليس له سماعٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة قال في التقريب أبو عبد الله الصنابحي ثقةٌ من كبار التابعين، قدم بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام بخمسة أيام، حديثه مخرجٌ في الكتب الستة، وأما الصحابي فحديثه في الكتب الثلاثة من السنن، قال عبادة بن الصامت : من سره أن ينظر إلى رجلٍ رقي به فوق سبع سموات، فعمل على ما رأى فلينظر إلى هذا، أي: إلى أبي عبد الله الصنابحي عبد الرحمن بن عسيلة رضي الله عنه وأرضاه، وقد روى عن النبي عليه الصلاة والسلام أحاديث لكنها مرسلة، إذا لم يصرح بالصحابي الذي حدثه. و الصنابحي بن الأعسر هذا صحابي بالاتفاق، صحابيٌ سكن الكوفة، ووهم من قال: إنه الصنابحي ، هذا الصنابح بن الأعسر ، حديثه مخرجٌ في سنن ابن ماجه فقط، ويقال له: الصنابحي أيضاً، وإنما حديثه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إني مكاثرٌ بكم الأمم، فلا تقتتلن بعدي).أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن، باب: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، والحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند في الجزء الرابع صفحة واحد وخمسين وثلاثمائة، ولفظ المسند: (إني مكاثرٌ بكم الأمم، فلا ترجعن بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض)، هذا الصنابح بن الأعسر .إذاً عندنا ثلاثة: الصنابحي عبد الله الصنابحي ، والصنابحي بن الأعسر ، ويقال له: الصنابح ، والصنابحي أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة . وقد ألف الإمام البلقيني رسالةً سماها الطريقة الواضحة في تبيين الصنابحة، أشار إليها المعلق على كتاب الأم للإمام الشافعي في الجزء الأول صفحة مائة وسبعٍ وأربعين، أقرأ لكم كلامه حقيقةً هو في التحقيق أصفى من الذهب لتفرقوا بين هؤلاء الثلاثة؛ لأن عدداً من الأئمة وهموا الإمام مالك ومنهم البخاري في روايته عن عبد الله الصنابحي ، قال: وهو أبو عبد الله الصنابحي ، والحديث مرسل وليس بمتصل، وليس كذلك، فانتبه لهذا، والصنابحي الذي أشار إليه هو المذكور في رواية الترمذي الرواية التي ذكرتها لكم عبد الله الصنابحي ، قال السراج البلقيني: حديث الصنابحي هذا الذي ذكرته لكم آنفاً هو في الموطأ، ثم بعد أن ذكر هذا يقول: واعلم أن جماعةً من الأقدمين نسبوا الإمام مالكاً إلى أنه يقع له خللٌ في هذا الحديث باعتقادهم أن الصنابحي في هذا الحديث هو عبد الرحمن بن عسيلة أبو عبد الله ، وإنما صحب أبا بكر الصديق رضي الله عنهم أجمعين، وليس الأمر كما زعموا، بل هذا صحابي غير عبد الرحمن بن عسيلة ، وغير الصنابحي بن الأعسر الأحنفي ، وقد بينت ذلك بياناً كافياً في تصنيف لطيف سميته الطريقة الواضحة في تبيين الصنابحة، فلينظر ما فيه فإنه مفيد. والكتاب ليس عندي، لكن هذا موجودٌ كما قلت في تعليق المعلق على كتاب الأم للإمام الشافعي عليه رحمة الله.و الحاكم في المستدرك روى حديث الصنابحي عبد الله كما ذكرت لكم في المستدرك في الجزء الأول صفحة مائة وثلاثين، لكن في التعبير عن الصنابحي كلامٌ مشوش، في غالب ظني أنه من سوء الطباعة، يقول هنا آخر الحديث: (حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة)، هذا حديثٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وليس له علة، إنما خرجا بعض هذا المتن من حديث حمران عن عثمان وأبي صالح ، عن أبي هريرة غير تمام، وعبد الله الصنابحي صحابي، انتبه للكلام المشوش بعد ذلك، ويقال: أبو عبد الله الصنابحي صاحب أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه عبد الرحمن بن عسيلة ، والصنابحي صاحب قيس بن أبي حازم يقال له: الصنابح بن الأعسر ، هذا الكلام مشوش، ضبطه: وعبد الله الصنابحي صحابي، انتهينا، وأبو عبد الله الصنابحي صاحب أبي بكر الصديق رضي الله عنه هو عبد الرحمن بن عسيلة ، أي واحد آخر، ففرق بين هذا وهذا، وأبو عبد الله الصنابحي صاحب أبي بكر هو عبد الرحمن بن عسيلة ، ليس عبد الله يقال: أبو عبد الله ، انتبه، والصنابحي واحدٌ ثالث صاحب قيس بن أبي حازم الذي روى عنه يقال له: الصنابح بن الأعسر . إذاً: الحاكم أشار إلى ثلاثةٍ من الصنابحة، لكن في الطباعة رداءةٌ وتشويشٌ في العبارة، فهنا قال: عبد الله الصنابحي صحابي، ثم قال: ويقال: أبو عبد الله صاحب أبي بكر ، فشوش في العبارة، والصنابحي صاحبه، هذا كله تشويش فاضبطوها كما بينت لكم، والعلم عند الله.الذهبي غفر الله له علق على كلام الحافظ ، قال: على شرطهما ولا علة لها أقره، قال: والصنابحي صحابيٌ مشهور، كذا قال، قلت: لا، الأمر نعم كما قال، عبد الله الصنابحي صحابي، وأبو عبد الله ليس بصحابي، ولذلك نقل الإمام المنذري في الترغيب والترهيب كلام الحاكم ووافقه عليه وقال: الصنابحي عبد الله صحابيٌ مشهور في الجزء الأول صفحة أربعٍ وخمسين ومائة من الترغيب والترهيب، ففرقوا بين الصنابحة الثلاثة الذين هم بطنٌ من مراد.وهذا لا بد من ضبطه، الحافظ في الإصابة في ترجمة الصنابحي قال: كلٌ منهما يقال له: صنابح وصنابحي لكنه الصواب في ابن الأعسر أنه بغير ياء، يقال: الصنابح بدل الصنابحي، والآخر بإفلات الياء، ويظهر الفرق بينما بالرواية عنهما، فحيث جاءت الرواية عن قيس بن أبي حازم ، فهو ابن الأعسر ، وهو صحابي، وحديثه موقوف، وحيث جاءت الرواية عن غير قيس فهو الصنابحي أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة ، وهو التابعي وحديثه مرسل، أما الصنابحي الذي هو عبد الله ولم يذكر نسبه فهو صحابي، حديثه كما قلت: في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه والعلم عند الله جل وعلا. وهذا الذي أيضاً رجحه الإمام الزرقاني في شرح الموطأ في الجزء الأول صفحة سبعٍ وستين. والعلم عند رب العالمين، وكثير من الناس يخلطون بين الصنابحة الثلاثة، والإمام البلقيني ألف هذه الرسالة وأزال الإشكال، ماذا سمى الرسالة؟ قلنا: الطريقة الواضحة في تبيين الصنابحة، إذاً هذا حديث الإمام الصنابحي .وأما حديث عمرو بن عبسة وهو عندنا الآن الرواية الرابعة أوليس كذلك؟ عثمان ، وثوبان ، والصنابحي ، وعمرو بن عبسة ، بقي عندنا رواية عمرو بن عبسة وسلمان ، وعبد الله بن عمرو ، ورواية هؤلاء ومن خرجها سنتكلم عليها إن شاء الله في أول الموعظة الآتية بعون الله، ثم ندخل في الباب الرابع إن أحيانا الله، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، اللهم لا تجعل فينا ولا منا ولا معنا ولا بيننا شقياً ولا محروماً، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما جاء في فضل الطهور [3] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net