اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما جاء في فضل الطهور [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب ما جاء في فضل الطهور [2] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
إن مكانة الصحابة عالية، فهم نقلة الشريعة المطهرة، والطاعن فيهم طاعن في صاحب الشريعة ومتهم له، ومن جملتهم أبو هريرة راوية الإسلام، فهو أكثر من روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لازمه ودعا له.ومن مروياته حديث في فضل الوضوء وتكفيره للذنوب، وقد اختلف العلماء فيما يكفره الوضوء من الذنوب، هل الكبائر والصغائر، أم الصغائر فقط والكبائر لا بد لها من توبة؟
ترجمة أبي هريرة ومكانته
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الرحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحابه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:كنا نتدارس الباب الثاني من أبواب الطهارة من جامع الإمام الترمذي رحمه الله، والباب الثاني دار حول فضل الطُهور، أي: التطهر واستعمال الماء أو التيمم، ثم ساق الإمام الترمذي الحديث من طريق شيخيه: إسحاق بن موسى المدني الأنصاري الخطمي ، وقتيبة بن سعيد إلى أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، وإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب )، قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح.كنا في المبحث الأول حول تراجم رجال الإسناد، وانتهينا من ترجمة جميع الرجال، خلا ترجمة الصحابي الراوي أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وقلت: إن كل راوٍ من رواة الحديث من الصحابة الكرام سنقف عنده وقفة فيها شيء من التفصيل لأحواله ومكانته من حيث الرواية ومنزلته في الإسلام، ووقفتنا مع أبي هريرة رضي الله عنه ستكون حول حياته وإسلامه ومكانته، وهذه الوقفة أكثر وأطول من الوقفات نحو الرواة الآخرين من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين؛ والسبب في ذلك أنه كان ألزم الناس للنبي عليه الصلاة والسلام في مدة إسلامه التي لم تزد على ثلاث سنين، ففي هذه السنوات كان يلازمه في جميع الأحوال والأوقات، ويده في يد النبي عليه الصلاة والسلام في كل مكان، فإجلالاً للنبي عليه الصلاة والسلام، وحباً للنبي عليه الصلاة والسلام، ينبغي أن نتعرف على أحوال هذا الصاحب الذي تأثر بنبيه عليه الصلاة والسلام في مدة صحبته، لا سيما كما قلت: إنه أحفظ الصحابة الكرام، وهو راوية الإسلام، وظهرت فيه معجزات كثيرة لنبينا عليه الصلاة والسلام.ذكرت فيما مضى بعضاً من أحواله فيما يتعلق باسمه، ومنزلته على وجه العموم في نفس كل مؤمن ومؤمنة، فلا يسمع به مؤمن إلى قيام الساعة إلا أحبه وتعلق به وترضى عنه.
 موت أبي هريرة
أختم ترجمة أبي هريرة -رضي الله عنه- بما حصل له عند الموت، وما في ذلك من العبر، ثبت في مستدرك الحاكم بإسناد صحيح على شرط الشيخين كما قال الحاكم وأقره عليه الذهبي : عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، اختلف في اسمه فقيل: عبد الله وقيل: إسماعيل ، وهو من التابعين، أبوه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، يقول: لما اشتد بـأبي هريرة رضي الله عنه وجعه دخلت عليه وأسندته على صدري، ثم قلت: اللهم اشف أبا هريرة ، فقال أبو هريرة رضي الله عنه: اللهم لا ترجعها، يعني: روحي لا ترجعها إلى بدني، الآن تخرج فلا أريد أن تعود ولا أن أبقى حياً، ثم قال لـأبي سلمة بن عبد الرحمن : يا أبا سلمة ! إن استطعت أن تموت فمت، فقال أبو سلمة : إنا نحب الحياة، نتمنى أن نعيش وأن تطول أعمارنا في طاعة ربنا سبحانه وتعالى، فقال أبو هريرة : ليأتين على العلماء زمان يكون الموت فيه أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر، وليأتين أحدكم إلى قبر أخيه فيتمرغ عليه ويقول: يا ليتني مكانك، يعني: لا تسأل ربك طول البقاء، وإذا جاءك الموت فقل: لا أفلح من ندم، حبيب جاء على فاقة، غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه.وكان يقول كما في حلية الأولياء الجزء الأول صفحة (384): إذا رأيتم ستاً، فإن كانت نفس أحدكم في يده فليلقها، أي: لو كانت روحه في يده، فليطرحها وليمت، ولا حاجة في أن يبقى، وهذه الست مذكورة في حديث عن نبينا عليه الصلاة والسلام ورد في مسند أحمد ومستدرك الحاكم ، ومعجم الطبراني الكبير، والحديث صحيح؛ صححه الحاكم ، والحافظ ابن حجر في الإصابة من رواية عبس ويقال: عابس الغفاري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( بادروا بالموت ستاً )، بادروا بالموت: تعجلوا بالموت، والمراد من التعجل هنا: أن الإنسان لا يركن إلى الدنيا، ولا يسأل ربه طول البقاء فيها، فإذا جاءه الموت فرح بطلوله ورغب في حصوله، ( بادروا بالموت ستاً: إمرة السفهاء )، يصبح المسلمون سفهاء، لا عقل ولا دين، ( إمرة السفهاء، وكثرة الشرط )، أي: من أجل إذلال الناس في ضبطهم وإرعابهم في جميع أحوالهم، وكأن الشرط لا هم لها في هذه الأيام إلا إفزاع عباد الرحمن، إلا ما رحم ربك وقليل ما هم: ( إمرة السفهاء، وكثرة الشرط، وبيع الحكم )، عمالة وخيانة، فينصب على المسلمين من يريده أعداء رب العالمين، مقابل عمالات وخيانات، إذا أعطاهم عهوداً بالقضاء على عباد الله، ومطاردة أولياء الله، مكنوا له وقووه وأمدوه بأسلحة كالمطر، وإلا فلا، وليس المراد من بيع الحكم أن يشتريه من أفراد الرعية، إنما المقصود أن الحكم صار عمالة لشرق أو لغرب، ( إمرة السفهاء، وكثرة الشرط، وبيع الحكم، وقطيعة الرحم، واستخفافاً بالدم، ونشأً يتخذون القرآن مزامير؛ يقدمون من يغنيهم وإن كان أقل منهم فقهاً )، من أجل جمال الصوت والتمطيط والترقيق والتفخيم دون القراءة الشرعية للقرآن الكريم، إذا رأيتم هذه الأمور الستة واستطعتم أن تموتوا فموتوا، وإذا كانت نفس أحدكم في يده فليطرحها، وقوله: استخفافاً بالدم، ما أيسر دماء المسلمين في هذه الأيام! ولعل قتل الذبابة أصعب من قتل المسلم، ولعل الذبابة لها حصانة أكثر من المؤمن! ومع ذلك لما احتضر أبو هريرة رضي الله عنه اعتراه ما اعتراه من الفزع، وإن حقيقة الموت شديدة شديدة، نسأل الله أن يهون علينا سكرات الموت، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.ثبت في حلية الأولياء، وعند ابن أبي الدنيا في كتاب المحتضرين، كما قال الحافظ في الإصابة وإسناده صحيح: أنه لما احتضر أبو هريرة وجاءه الموت بكى رضي الله عنه، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي من قلة الزاد وشدة المفازة، أي: أبكي لأن بضاعتي قليلة، فإذا كانت بضاعته قليلة في العلم والعمل، فماذا نقول نحن؟! وبعد ذلك شدة المفازة وطولها.إخوتي الكرام! كما بدأت حياته لأمر يدل على مكانته في نفس كل مؤمن ومؤمنة، فأختم ترجمته بحديث، وسيأتي معنا هذا الحديث في سنن الترمذي ، يدل على مكانته وكرامته عند النبي عليه الصلاة والسلام، وفي هذا الحديث معجزة لنبينا عليه الصلاة والسلام، وكرامة لـأبي هريرة رضي الله عنه في كتاب المناقب مناقب أبي هريرة رضي الله عنه عن أبي العالية عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بتمرات ) وهذا في آخر عهده، ولو فعل هذا في أول حياته لما جاع ولما صرع، ولكن لله حكمة فيما يقدر ويدبر سبحانه وتعالى: ( فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! ادع الله فيهن بالبركة )، أي: فأنت صاحب كرامات ولك منزلة عند رب الأرض والسماوات، فهذه التمرات ادع الله أن يبارك فيهن، قال: ( فضمهن، ثم دعا فيهن بالبركة )، كحال الرداء عندما بسطه وغرف فيه ودعا ثم أمره بضمه، وهنا كذلك: ( فضمهن ثم دعا فيهن بالبركة، فقال: خذهن واجعلهن في مزودك هذا، أو في هذا المزود )، والمزود: وعاء من جلد صغير يضع الإنسان فيه زاده، ويربطه بثيابه عند خاصرته، وهذا يفعله أحياناً بعض طلبة المدارس، تراه يحمل وعاء حول حقوه يضع فيه الزاد من ماء ومعه شيء من زبيب أو تمر يأكله عند فسحة الطلاب، ( كلما أردت أن تأخذ منه شيئاً فأدخل يدك فيه فخذه ولا تنثره نثراً )، أي: لا تفرغ المزود وتصب ما فيه من تمر، بل مد يدك وخذ، والله على كل شيء قدير سبحانه وتعالى، يبارك لك في هذا المزود بما لا يخطر في بالك.يقول أبو هريرة : ( فلقد حملت من ذاك التمر كذا وكذا وسقاً في سبيل الله )، والوسق مائة واثنان كيلو جرام، ومن ذلك الحديث: ( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة )، والخمسة أوسق خمسمائة وعشرة كيلوهات، أي أن من يكون عندهم من الزروع والثمار نصف طن فإنه تجب عليهم الزكاة، وفيما دون ذلك لا تجب الزكاة، فمن هذا المزود يقول أبو هريرة : حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسق في سبيل الله، إشارة إلى كثرة الفائدة، يقول: وكان لا يفارق حقوي، أي: هذا المزود لا يفارقه، كلما رأى محتاجاً أعطاه من هذا التمر، حتى كان يوم قتل عثمان فانقطع هذا المزود وضاع، فحزن عليه أبو هريرة حزناً كثيراً، وذلك سنة (35هـ)، يعني: بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام بخمسٍ وعشرين سنة، فبقي هذا المزود مع أبي هريرة على أقل تقدير خمساً وعشرين سنة، هذا على فرض أن دعاء النبي عليه الصلاة والسلام له في أيامه الأخيرة، خمساً وعشرين سنة يأكل منه ويطعم ويحمل في سبيل الله، والمزود باقٍ عنده ممتلئ تمراً حتى انقطع يوم قتل عثمان رضي الله عنه، وكان أبو هريرة من جملة المدافعين عن عثمان رضوان الله عنه، ففي تلك الفتنة انقطع هذا المزود من حقوه، فضاع منه وحزن عليه حزناً كثيراً، هذا ختام ترجمة أبي هريرة رضي الله عنه.
فوائد من حديث: (إذا توضأ العبد المسلم فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة...)
الحديث حوله مسألتان أريد أن أتكلم عليهما ولا أريد أن أطيل في تعداد المسائل. ‏
 حد الصغائر والكبائر وما الذي يكفره الوضوء
إن الوضوء يزيل الخطيئات، ويمحو السيئات، ويذهب الزلات، وكما قلنا: نص الحديث ومعناه يدل على هذه القضية بلا خلاف، وهذه المسألة لأئمتنا الكرام نحوها وفيها اجتماع وافتراق، أما الاجتماع فقد أجمع أهل الإسلام على أن الوضوء يكفر صغائر الذنوب والخطايا.وتعريف الذنب الصغير: هو كل جرم ليس عليه عقوبة مقدرة في الدنيا، وليس عليه وعيد شديد في الآخرة، ويقال عنه: هذا من اللمم، كنظرة أو هذيان أو قيل وقال، وما شاكل هذا من قبلة أو لمس فكل هذه صغائر، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه.ولا يوجد ذنب -صغيرة أو كبيرة- إلا وعليه وعيد، لكن على الكبيرة وعيد شديد، إما بلعنة أو بذكر الغضب، أو المقت، أو السخط، أو العذاب الأليم، أو الخلود في نار الجحيم، فهذه عقوبة فظيعة، فقول الله -مثلاً- في الربا: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( ودرهم ربا أعظم وأشنع من ستة وثلاثين زنية )، وقوله عليه الصلاة والسلام: ( الربا اثنان وسبعون باباً، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه )، وهذا في منتهى التشنيع على صاحبه، فهو كبيرة مع أنه ليس فيه حد مقدر في الدنيا، والسرقة فيها حد مقدر، فمن سرق ما قيمته ربع دينار فإنه تقطع يده، وأما الربا فقد يرابي بملايين وليس في ذلك قطع يد، لكن عقوبة الربا شديدة أليمة فظيعة في الآخرة، والأصل في العقوبات أن تكون في الآخرة، وموضوع العقوبات وما فيها من حكم وأسرار، وضابط الكبيرة والصغيرة، كل هذا يأتينا إن شاء الله في كتاب الحدود، إنما الآن نأخذ هذا التعريف للكبيرة والصغيرة والذي ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما واختاره سفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل ، وهو المقرر عندنا في كتب التوحيد كما في شرح الطحاوية وغيره قال: الكبيرة: كل ما فيه وعيد شديد في الآخرة، أو عقوبة مقدرة في الدنيا، والصغيرة ما دون الحدين، يعني: ليس فيه عقوبة شديدة في الآخرة، وليس فيه حد مقدر في الدنيا. وهنا مسألة: عندنا صغائر وكبائر وهي إما متعلقة في حق الله أو حق العباد، فما الذي سيكفره الوضوء منها؟والجواب: لا خلاف بين أهل الإسلام بأن الوضوء يكفر الصغائر، فإذا نظر، أو قبل، أو صدر منه هذيان أو غناء أو ما شاكل هذا، مما لا يصل إلى حنث، أما القذف فإن فيه حد مقدر في الدنيا، ووعيد شديد في الآخرة، وقذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة، فإذا سببت إنساناً فهذا معصية، ولكن لم تصل إلى حد القذف، كأن عيرته بخصلة من خصال الجاهلية فهذه معصية، تكفر بالوضوء وبالطاعات، هذا محل الاتفاق، وثبت في مسند أحمد وصحيح مسلم وسنن الترمذي ، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر )، وفي رواية: ( ما لم تغش الكبائر )، أي: تفعل من الغشيان، إذاً: عندنا هنا قيد، وهو أن الصغائر هي التي تكفر، والمعنى: إن هذه الطاعات مكفرات لما بينهن، من الصغائر ما لم تفعل كبيرة، فإن أتى كبيرة فالطاعات لا تقوى على التكفير والتغيير والإزالة كما هو نص هذا الحديث.وحكى الإجماع على أن الطاعات من وضوء وغيره تكفر الصغائر، ابن عبد البر كما في جامع العلوم والحكم للحافظ ابن رجب الحنبلي في صفحة تسعٍ وخمسين ومائة، وإذا كانت هذه المسألة محل إجماع واتفاق فلا داعي للإفاضة في تقريرها، فهي مجمع عليها.أما الذنوب التي ليست بصغائر، بل هي كبائر، وأكبر الكبائر الشرك فحكمه متفق عليه كالصغيرة، فالوضوء لا يكفر الشرك والكفر، إذ لابد من أن يقلع عن الشرك، وأن يتوب إلى ربه جل وعلا، فالله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48]، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:116]، كمن يعبد غير الله، فيحكم بغير ما أنزل الله، أو يطوف حول قبر، أو يعمل عملاً يدخله في الشرك، كمن يستغيث بغير الله، فهذه الأمور إذا أتبعها بوضوء وصلاة وصيام، لا تنفعه صلاته ولا طاعاته ولا أثر لها على الإطلاق؛ لأنه من يشرك بالله فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين، فالنصارى عندما يؤمنون بالله ويشركون به هل ينفعهم إيمانهم؟ حتماً لا ينفعهم.
أقسام الكبائر ومكفراتها
إن الكبائر قسمان: كبائر متعلقة بحق الله، وكبائر متعلقة بحق العباد، فلنأخذ القسم الأول:الكبائر المتعلقة بحق الله جل وعلا من زنا، وشرب خمر، وفطر في رمضان، وترك لبعض الصلوات، وغيرها مما فيه وعيد في الآخرة، أو عقوبة مقدرة في الدنيا، عند جمهور أهل السنة، وهو قول المذاهب الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد عليهم جميعاً رحمة الله، أن الطاعات لا تكفرها، ولا بد من توبة نصوح، وخالف في ذلك ابن حزم وابن المنذر ، وهو الذي يفهم من كلام ابن تيمية ، وقالوا: إن الطاعات تكفر الخطيئات صغيرة كانت أو كبيرة.إذاً: قول جمهور أهل السنة، أن هذه الكبائر المتعلقة بحق الله جل وعلا لا تكفرها الطاعات، ولا بد لها من توبة بخصوصها، أن يقلع منها، وأن يستغفر، وأن يندم، وأن يعزم أن لا يعود، وإذا لم يفعل هذا، فلا تنفعه الطاعات في تكفير هذا الذنب وتغييره مهما فعل من طاعات وخيرات، وحجتهم في ذلك عدة أمور:أولها: قالوا: أمر الله بالتوبة في آيات من القرآن، وتوارد في ذلك الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]، وأجمعت الأمة على أن التوبة إلى الله جل وعلا فرض، وهذا الفرض لا يتأتى إلا بنية وقصد، فمن فعل معصية الزنا -مثلاً- ثم صلى وصام رمضان، ولكنه ما استغفر ربه، وما ندم على فعله الزنا، وما عزم على عدم العود، أي: أنه لم تحصل منه نية التوبة، فلا زال فرض التوبة من الزنا في رقبته، فرض لا يتأدى إلا بنية، والأعمال بالنيات، فإذاً: طاعته لا تكفر خطيئته.الدليل الثاني: قالوا: أخبر الله جل وعلا في كتابه أن من لم يتب فهو ظالم، فإذا كان ظالماً كيف ستكفر طاعته ظلمه وهو ظالم بنص القرآن؟ يقول الله جل وعلا في سورة الحجرات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ [الحجرات:11]، انتبه للقضية الشرعية، وهذه الحقيقة الجلية: وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات:11]، فكل من لم يتب إلى الله فإنه ظالم وصف يلازمه مهما عمل من طاعات؛ لأن التوبة فرض، فكيف سيزول عنه الظلم بوضوئه وصلاته وصومه وحجه؟! والآية في منتهى الصراحة والوضوح: وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات:11].الدليل الثالث عند جمهور أهل السنة: يقولون: لو كانت الموبقة تكفر بالطاعات لما احتيج إلى التوبة، فمن يفعل كبيرة ثم يعقبها بطاعة، زال عنه إثمها ووعيدها، ما دامت المعصية تزول بلا توبة، إذاً: باب التوبة كله من أوله إلى آخره لا داعي لذكره في شريعة الله المطهرة، لا في الآيات ولا في الأحاديث.الدليل الرابع، وهو من الأدلة القوية والأركان في هذه المسألة: قالوا: لو كانت الموبقات تغفر بالطاعات لفتحنا باب الإرجاء الذي يدندن حوله المرجئة، وهو أنه لا يضر مع الإيمان خطيئة وذنب، وهنا بما أنه يقوم بالطاعات، فمهما فعل من الموبقات فلا حرج عليه، فنحن بهذا نفتح باب الإرجاء ونوافق المرجئة، وإن كنا لا نوافقهم في جميع مذهبهم على هذا القول، لكن وافقناهم بأن هذه الخطيئات وهذه الموبقات زالت بالطاعات كما يقولون: بالإيمان يزول كل خطيئة. ولهذه الأمور الأربعة نقول: إن الطاعات لا تكفر الكبائر الموبقات، إذ لا بد لها من توبة نصوح صادقة مخلصة، وأما من خالف هذا فإن عندهم ما يشكل على قولهم ويعكر عليه، أورده إن شاء الله فيما يأتي، وأبين أنه لا دلالة في الأدلة التي ذكروها على قولهم، والعلم عند الله جل وعلا.اللهم صل على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.
 حد الصغائر والكبائر وما الذي يكفره الوضوء
إن الوضوء يزيل الخطيئات، ويمحو السيئات، ويذهب الزلات، وكما قلنا: نص الحديث ومعناه يدل على هذه القضية بلا خلاف، وهذه المسألة لأئمتنا الكرام نحوها وفيها اجتماع وافتراق، أما الاجتماع فقد أجمع أهل الإسلام على أن الوضوء يكفر صغائر الذنوب والخطايا.وتعريف الذنب الصغير: هو كل جرم ليس عليه عقوبة مقدرة في الدنيا، وليس عليه وعيد شديد في الآخرة، ويقال عنه: هذا من اللمم، كنظرة أو هذيان أو قيل وقال، وما شاكل هذا من قبلة أو لمس فكل هذه صغائر، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه.ولا يوجد ذنب -صغيرة أو كبيرة- إلا وعليه وعيد، لكن على الكبيرة وعيد شديد، إما بلعنة أو بذكر الغضب، أو المقت، أو السخط، أو العذاب الأليم، أو الخلود في نار الجحيم، فهذه عقوبة فظيعة، فقول الله -مثلاً- في الربا: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( ودرهم ربا أعظم وأشنع من ستة وثلاثين زنية )، وقوله عليه الصلاة والسلام: ( الربا اثنان وسبعون باباً، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه )، وهذا في منتهى التشنيع على صاحبه، فهو كبيرة مع أنه ليس فيه حد مقدر في الدنيا، والسرقة فيها حد مقدر، فمن سرق ما قيمته ربع دينار فإنه تقطع يده، وأما الربا فقد يرابي بملايين وليس في ذلك قطع يد، لكن عقوبة الربا شديدة أليمة فظيعة في الآخرة، والأصل في العقوبات أن تكون في الآخرة، وموضوع العقوبات وما فيها من حكم وأسرار، وضابط الكبيرة والصغيرة، كل هذا يأتينا إن شاء الله في كتاب الحدود، إنما الآن نأخذ هذا التعريف للكبيرة والصغيرة والذي ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما واختاره سفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل ، وهو المقرر عندنا في كتب التوحيد كما في شرح الطحاوية وغيره قال: الكبيرة: كل ما فيه وعيد شديد في الآخرة، أو عقوبة مقدرة في الدنيا، والصغيرة ما دون الحدين، يعني: ليس فيه عقوبة شديدة في الآخرة، وليس فيه حد مقدر في الدنيا. وهنا مسألة: عندنا صغائر وكبائر وهي إما متعلقة في حق الله أو حق العباد، فما الذي سيكفره الوضوء منها؟والجواب: لا خلاف بين أهل الإسلام بأن الوضوء يكفر الصغائر، فإذا نظر، أو قبل، أو صدر منه هذيان أو غناء أو ما شاكل هذا، مما لا يصل إلى حنث، أما القذف فإن فيه حد مقدر في الدنيا، ووعيد شديد في الآخرة، وقذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة، فإذا سببت إنساناً فهذا معصية، ولكن لم تصل إلى حد القذف، كأن عيرته بخصلة من خصال الجاهلية فهذه معصية، تكفر بالوضوء وبالطاعات، هذا محل الاتفاق، وثبت في مسند أحمد وصحيح مسلم وسنن الترمذي ، من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر )، وفي رواية: ( ما لم تغش الكبائر )، أي: تفعل من الغشيان، إذاً: عندنا هنا قيد، وهو أن الصغائر هي التي تكفر، والمعنى: إن هذه الطاعات مكفرات لما بينهن، من الصغائر ما لم تفعل كبيرة، فإن أتى كبيرة فالطاعات لا تقوى على التكفير والتغيير والإزالة كما هو نص هذا الحديث.وحكى الإجماع على أن الطاعات من وضوء وغيره تكفر الصغائر، ابن عبد البر كما في جامع العلوم والحكم للحافظ ابن رجب الحنبلي في صفحة تسعٍ وخمسين ومائة، وإذا كانت هذه المسألة محل إجماع واتفاق فلا داعي للإفاضة في تقريرها، فهي مجمع عليها.أما الذنوب التي ليست بصغائر، بل هي كبائر، وأكبر الكبائر الشرك فحكمه متفق عليه كالصغيرة، فالوضوء لا يكفر الشرك والكفر، إذ لابد من أن يقلع عن الشرك، وأن يتوب إلى ربه جل وعلا، فالله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48]، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:116]، كمن يعبد غير الله، فيحكم بغير ما أنزل الله، أو يطوف حول قبر، أو يعمل عملاً يدخله في الشرك، كمن يستغيث بغير الله، فهذه الأمور إذا أتبعها بوضوء وصلاة وصيام، لا تنفعه صلاته ولا طاعاته ولا أثر لها على الإطلاق؛ لأنه من يشرك بالله فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين، فالنصارى عندما يؤمنون بالله ويشركون به هل ينفعهم إيمانهم؟ حتماً لا ينفعهم.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب ما جاء في فضل الطهور [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net