اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب لا تقبل صلاة بغير طهور [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - باب لا تقبل صلاة بغير طهور [2] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
جاء الإسلام لتطهير النفوس وتزكيتها، فأمر بطهارة الظاهر والباطن، وجعل مرتبة الطهور على الشطر من الإيمان، وأمر بصدق المعاملة وعدم الغش بين الراعي والرعية، ونهى عن المحاباة والمداهنة.
مسائل متعلقة بفقه حديث: (لا تقبل صلاة...)
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الرحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:إخوتي الكرام! كنا نتدارس أول باب من أبواب الطهارة الثابتة عن رسولنا صلى الله عليه وسلم، وبوب الإمام الترمذي على هذا الباب عنواناً فقال: باب: ما جاء في أنه لا تقبل صلاة بغير طهور، ثم ساق الحديث من طريق شيخيه: قتيبة بن سعيد وهناد بن السري عليهم جميعاً رحمة الله إلى ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول )، وفي رواية هناد : ( لا تقبل صلاة إلا بطهور، ولا صدقة من غلول ).هذا الحديث إخوتي الكرام! بعد أن انتهينا من المبحث الأول من دراسته فيما يتعلق بإسناده، وانتهينا من دارسة المبحث الثاني في بيان فقه الحديث ومعناه، قلت: بقي شيء يتعلق بفقه الحديث ومعناه أذكره إن شاء الله، ثم ننتقل إلى المبحث الثالث والرابع في بيان من خرج الحديث ودرجة الحديث، والمبحث الرابع في بيان المراد بقول الإمام الترمذي : وفي الباب عن فلان وفلان. ‏
 موقف ابن عمر مع عبد الله بن عامر واستدلاله بـ(... ولا صدقة من غلول)
هناك قصة ثبتت في صحيح مسلم سأذكرها إن شاء الله، وأختم بها الكلام على فقه الحديث بها لننتقل إلى المبحث الثالث. في صحيح مسلم وردت زيادة على رواية الإمام الترمذي في قصة جرت لـابن عمر مع صحابي آخر، كان أميراً على البصرة، عند هذه الحادثة استشهد ابن عمر بهذا الحديث: ( لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول )، وخلاصة القصة: أن عبد الله بن عامر -وهو صحابي جليل رضي الله عنه وأرضاه- كان مريضاً، فدخل عليه ابن عمر وجماعة من الصحابة يعودنه، فقال ابن عامر لـابن عمر : ألا تدعو لي أبا عبد الرحمن! أي: ادع لي بالشفاء والمغفرة والرحمة، وفي رواية في المسند قال: فجعل الحاضرون يثنون على عبد الله بن عامر ، فقال ابن عمر : لست بأغشهم لك، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول )، وكنتَ أميراً على البصرة. إذاً: الجمع بين الروايتين: دخل بعض الصحابة والتابعين على عبد الله بن عامر فأثنوا عليه، لكن ابن عمر رضي الله عنه توقف، فطلب ابن عامر من ابن عمر أن يدعو، فقال: ألا تدعو لي أبا عبد الرحمن! كما يدعو هؤلاء؟ قال: اعلم أني لست بأغشهم لك، فليس في قلبي غش، وكيد لك حتى أتهم، لكن عندي أمراً أحب أن أذكرك به، سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)، وقد كنت أميراً على البصرة، كأنه يقول له: أنت وليت أمر المسلمين، والغالب في الوالي والأمير والقاضي والمسؤول أن لا يخلو من تفريط، إما في حق الله وإما في حق الرعية، وإذا فرط فقد ظلم، وإذا ظلم فقد خان، فكيف أدعو لك وأنت خائن؟ ولا يقصد ابن عمر رضي الله عنه بهذا أن الدعاء لا ينفع عصاة الموحدين، لا يقصد هذا أبداً، إنما أراد بذلك حث ابن عامر على التوبة إن جرى منه شيء من التقصير والتفريط في حق الله أو في حق رعيته. وحقيقة هذا هو النصح، وخير الناس من صدقك ونصحك، وشرهم من مدحك وتملق لك وغشك، فالمدح والإطراء يسمعه الأمير وكل حاكم، ولكن ألا يوجد من يذكره بالله ويقول له: استعد للقاء الله؛ فإن الرعية كلها في رقبتك، وكل واحد من رعيتك سيسأل عن نفسه، إلا أنت فستسأل عن نفسك وعنهم فرداً فرداً، فأعد الجواب أمام الكريم الوهاب سبحانه وتعالى، ألا يوجد من يقول له هذا؟ وأما المدح والإطراء فيحسنه كل أحد، ومهما كان الحال فلا يخلو حال أمير وإن كان صحابياً من تقصير، فإذا كان كذلك فإنني أمتنع عن الدعاء له من أجل أن أحثه على التوبة والإنابة إلى الله جل وعلا، وليس مراد -كما قلت- ابن عمر أن الدعاء لا ينفع العصاة، فعندنا: أن الدين كماله وتمامه بالاستغفار للمؤمنين والمؤمنات، كما أن أصله وأساسه توحيد رب الأرض والسماوات: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ [محمد:19]، فأساس الدين توحيد رب العالمين، وكماله وتمامه الاستغفار لعباد الله المؤمنين، ولذلك كل من مات من أهل القبلة له حق في رقابنا، بأن نصلي عليه مهما كان عليه من الذنوب والعيوب؛ لأنه مؤمن موحد، وإذا صلينا عليه فينبغي أن نخلص له في الدعاء، فرحمة الله واسعة، ولكن إذا كان حياً حتى لا يتمادى في عصيانه، إذا عنده خلل وهو أدرى بنفسه، ووظيفته قد تشير إلى أنه يقع في تقصير، فإننا نمتنع عن مدحه والثناء عليه، وعن الدعاء له في وجهه، ونقول له: استعد للقاء الله، فالدعاء مع الخيانة والظلم لا أساس له، بل نقول له: تخل عن ظلمك وخيانتك وغشك لرعيتك حتى ينفعك دعاؤنا ودعاؤك، فكما أن الصدقة لا تقبل من خائن، كذلك من كان خائناً لله ولرسوله وللمؤمنين لا ينتفع بالدعاء، لا بدعائه ولا بدعاء غيره إلا إذا تاب إلى رب العالمين.
نماذج من رفض السلف تحمل الولاية والقضاء
إخوتي الكرام! إن موضوع الولايات بعد عصر الخلافة الراشدة حصل فيها ما حصل من الدنس والعفن والكدر، ولذلك كان أئمة الهدى والخير والصلاح يبتعدون عن ذلك؛ أي: عن هذه المسؤوليات من ولاية أو شرطة أو قضاء.. وغيرها، وكان يعرض هذا على أصلح الصالحين في العصر الأول فيمتنع، والقصص في ذلك كثيرة، أذكر لكم قصتين لنعلم أن من يدخل في الأمور والولاية العامة بعد تغير المسار العام عن الصراط المستقيم، سيقع في شيء من المخالفات لرب العالمين، والسلامة لا يعدلها شيء.القصة الأولى: يروي أئمتنا كما في سير أعلام النبلاء وغيره في ترجمة شيخ الإسلام في زمانه عبد الله بن إدريس أبي محمد الأودي توفي سنة (192هـ)، وحديثه مخرج في الكتب الستة -الصحيحين والسنن الأربعة- قال الإمام الذهبي في ترجمته: هو الإمام الحافظ المقرئ القدوة شيخ الإسلام، يقول الإمام أحمد عن هذا العبد الصالح: كان نسيج وحده، أي: يسلك طريقاً ما سلكه أحد في زمانه من الورع والاحتياط والحزم والعزم، ولما احتضر بكت عليه ابنته، فقال: يا بنية! لا تبكي، والله لقد ختمت القرآن في هذه الحجرة أربعة آلاف مرة، فهوني على نفسك فرحمة الله واسعة، عبد الله بن إدريس الأودي ، استدعاه هارون الرشيد ليوليه قضاء الكوفة، وهارون الرشيد لو وجد في زماننا وخرج الناس للاستسقاء لقدموه ليدعو؛ لأنه أصلح الأمة الإسلامية لو وجد في هذا الوقت، وما أظن أحداً يصل إلى صلاحه وتقاه، وحزمه وعزمه وجده واجتهاده، فكيف بحالنا؟ نسأل الله أن يتوب علينا. هارون الرشيد استدعاه ليوليه قضاء الكوفة، فلما جاءه الكتاب من هارون بعد صلاة الظهر، شهق وصاح وخر مغشياً عليه في بيته، فاجتمع تلاميذه، ماذا دهى شيخهم؟ وبأي شيء أصيب؟ فأذن العصر ولا زال في غيبوبته، فرشوا عليه الماء، فصحا قبيل المغرب، فأول شيء قاله بعد صحوه ووعيه: لا حول ولا قوة إلا بالله، أي ذنب عملته؟ وأي معصية فعلتها حتى يعرفني هارون ويرسل إليّ؟! إذاً: أنا صاحب ذنوب وعيوب، ماذا عملت؟! ثم بعد ذلك جيء به إلى هارون وعرض عليه القضاء، فقال: لا ألي لك القضاء، فقال له هارون : ليتني ما عرفتك ولا رأيتك، قال: وأنا ليتني ما عرفتك ولا رأيتك، أنا لم أطلبك ولم آتك، ثم بعد ذلك تقول هذا -إن أئمتنا مع ما فيهم من انحراف، لكن عندهم أيضاً خشية من الله ووقوف عند الحق- فما كلمه هارون بعد ذلك، بل قال: إذا أبيت أن تلي لنا عملاً فخذ هذه الجائزة خمسة آلاف درهم، فرفضها عبد الله الأودي وقال: لا آخذ شيئاً، قال هارون : إن أبيت أن تلي لنا عملاً، وأبيت صلتنا، فسيأتيك ولدي مأمون فحدثه بحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقال: إن جاء مع العامة في المسجد حدثته.عبد الله بن إدريس الأودي لماذا امتنع من ولاية القضاء؟ لأنه يعلم أنه إذا ولج فيها سيقع في شيء من الشوائب، فرأى أن الامتناع أسلم، وهنا ابن عمر يقول لـعبد الله بن عامر : أنت وليت على البصرة، وتعلم حال الوالي وحال القاضي، ولا يخلو حال واحد من هؤلاء من تقصير، فخير من أن أدعو لك تب إلى ربك وارجع إليه.القصة الثانية: في ترجمة شيخ الإسلام في زمانه عبد الله بن وهب ، وكان في مصر، توفي بعد عبد الله بن إدريس الأودي بخمس سنين، فتوفي سنة (197هـ)، وحديثه مخرج أيضاً في الكتب الستة، وهنيئاً لأهل مصر بهذا الإمام الصالح والعبد القانت، الذي قال أئمتنا فيه: كان من أوعية العلم وكنوز العمل، ويقول ابن عيينة فيه عندما مات: أصيب به المسلمون عامة، وأصبت به خاصة، ومن فضائل هذا الإمام المبارك أنه عمل عملاً ليتنا نقتدي به، خاصة في هذه الأيام لنقف عند حدنا، يقول: جاهدت نفسي في الغيبة أن لا أغتاب أحداً، فرأيتها تتفلت، فعاهدت الله أنني إذا اغتبت أحداً أن أصوم يوماً، فإذا وقعت في غيبة صمت، حتى أجهدني الصوم وتعبت، والنفس لا تنسى أن تذكر الناس أحياناً بما هو غيبة، ولعله يحصل منا في اليوم الواحد بل في المجلس مئات أو آلاف الغيبة، ونحن نتكلم ونتحدث، ونخوض في غمرات جهنم ولا ندري، وحكم الشرع أنه إذا ذكرت أحداً غائباً بما يكرهه فقد اغتبته، وهذه من الكبائر، يقول ابن وهب : فعاهدت الله أنني لا أغتاب أحداً إلا تصدقت بدرهم -والدرهم يشترى به شاة في ذلك الوقت- يقول: فامتنعت عن الغيبة حباً في الدراهم، ليصون بها عرضه وكرامته فإنه لو أنفقها عقوبة لنفسه على الغيبة لم يبق عنده ما يأكل، وحقيقة: لو أن الواحد منا قال: لله علي أنني إذا اغتبت أحداً أن أتصدق بمائة ريـال، فهذا يصبح بعد ذلك واجباً عليه، فإذا فرط فيه أثم كما لو منع الزكاة، فإذا كان كلما اغتاب أخرج مالاً فسيقول لنفسه: أقف عند حدي وأتقي ربي، وهذا كله من مجاهدة النفس التي أمرنا الله بها، وكل واحد أدرى بشؤون نفسه.حاصل القصة أنه جاء كتاب من المأمون إلى أمير مصر عباد بن محمد بأن يتولى عبد الله بن وهب قضاء مصر، فلما بلغ الخبر عبد الله بن وهب هرب من بيته، فهدم الوالي جزءاً من الدار عقوبة لـعبد الله بن وهب ، يطلب للقضاء فيهرب ويفر ويتوارى، فهدم بعض داره، وخرب جزءاً منه، وقال بعض خواص الأمير وهو الصباحي ، قال للأمير: عبد الله بن وهب يمتنع عن القضاء، متى كان يطمع أن يكون قاضياً؟ وبدأ يتكلم ويقع فيه، فلما علم ابن وهب بخبره رفع يده إلى ربه وقال: اللهم أعمِ بصره، فما مضى عليه أسبوع حتى عمي هذا الصباحي ، ثم بعد ذلك لا زال الطلب عليه من أجل أن يكون قاضياً، سبحان الله! يفر من القضاء، يريد سلامة الدين؛ لأن القضاء أمانة وهو يوم القيامة خزي وندامة، يأتي ويده مضمومة إلى الرقبة، فهذه مشكلة، فلما جاءه الطلب من أجل أن يذهب إلى أمير مصر عباد بن محمد تظاهر بالجنون، أي: تخابل وأظهر للمسؤولين أنه مجنون، ولا يصلح أن يلي القضاء، ثم بدأ يتذمر ويتسخط، فقيل له: ما بالك؟ فقال: كنت أطمع أن أحشر مع العلماء، وهم ورثة الأنبياء، وتريدون مني أن أحشر مع القضاة، وهم مع الحكام؟ فالحشر مع أيهما أحسن وأكمل؟ وهذا القول قاله ابن جرير الطبري بعده عندما امتنع عن القضاء، فلامه تلاميذه وقالوا: تحيي السنن وتميت البدع وتنشر العدل؟ فقال: كنت أخشى إذا أخذت القضاء أن تلوموني، فإذْ تركته بدأتم تلموني؟ ثم قال: أما بلغكم أن العلماء يحشرون مع الأنبياء، والقضاة يحشرون مع الحكام؟ أما بلغكم هذا؟ فكيف نحن نفرط في تلك المنزلة العالية عند الله جل وعلا؟! ولا شك أن من أخذ القضاء واتقى الله فلا شك أنه على خير، لكن كما قلت: لما حصل الدنس في الحياة العامة، فالذي سيبتلى بشيء من الولايات فلا ريب أنه يدخل في شيء من البلاء، فإذا كان في العصر الأول يقول ابن عمر لـعبد الله بن عامر : كنت والياً على البصرة، فكيف أدعو لك؟ تب إلى ربك وفتش عن أحوال نفسك.
 موقف ابن عمر مع عبد الله بن عامر واستدلاله بـ(... ولا صدقة من غلول)
هناك قصة ثبتت في صحيح مسلم سأذكرها إن شاء الله، وأختم بها الكلام على فقه الحديث بها لننتقل إلى المبحث الثالث. في صحيح مسلم وردت زيادة على رواية الإمام الترمذي في قصة جرت لـابن عمر مع صحابي آخر، كان أميراً على البصرة، عند هذه الحادثة استشهد ابن عمر بهذا الحديث: ( لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول )، وخلاصة القصة: أن عبد الله بن عامر -وهو صحابي جليل رضي الله عنه وأرضاه- كان مريضاً، فدخل عليه ابن عمر وجماعة من الصحابة يعودنه، فقال ابن عامر لـابن عمر : ألا تدعو لي أبا عبد الرحمن! أي: ادع لي بالشفاء والمغفرة والرحمة، وفي رواية في المسند قال: فجعل الحاضرون يثنون على عبد الله بن عامر ، فقال ابن عمر : لست بأغشهم لك، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول )، وكنتَ أميراً على البصرة. إذاً: الجمع بين الروايتين: دخل بعض الصحابة والتابعين على عبد الله بن عامر فأثنوا عليه، لكن ابن عمر رضي الله عنه توقف، فطلب ابن عامر من ابن عمر أن يدعو، فقال: ألا تدعو لي أبا عبد الرحمن! كما يدعو هؤلاء؟ قال: اعلم أني لست بأغشهم لك، فليس في قلبي غش، وكيد لك حتى أتهم، لكن عندي أمراً أحب أن أذكرك به، سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول)، وقد كنت أميراً على البصرة، كأنه يقول له: أنت وليت أمر المسلمين، والغالب في الوالي والأمير والقاضي والمسؤول أن لا يخلو من تفريط، إما في حق الله وإما في حق الرعية، وإذا فرط فقد ظلم، وإذا ظلم فقد خان، فكيف أدعو لك وأنت خائن؟ ولا يقصد ابن عمر رضي الله عنه بهذا أن الدعاء لا ينفع عصاة الموحدين، لا يقصد هذا أبداً، إنما أراد بذلك حث ابن عامر على التوبة إن جرى منه شيء من التقصير والتفريط في حق الله أو في حق رعيته. وحقيقة هذا هو النصح، وخير الناس من صدقك ونصحك، وشرهم من مدحك وتملق لك وغشك، فالمدح والإطراء يسمعه الأمير وكل حاكم، ولكن ألا يوجد من يذكره بالله ويقول له: استعد للقاء الله؛ فإن الرعية كلها في رقبتك، وكل واحد من رعيتك سيسأل عن نفسه، إلا أنت فستسأل عن نفسك وعنهم فرداً فرداً، فأعد الجواب أمام الكريم الوهاب سبحانه وتعالى، ألا يوجد من يقول له هذا؟ وأما المدح والإطراء فيحسنه كل أحد، ومهما كان الحال فلا يخلو حال أمير وإن كان صحابياً من تقصير، فإذا كان كذلك فإنني أمتنع عن الدعاء له من أجل أن أحثه على التوبة والإنابة إلى الله جل وعلا، وليس مراد -كما قلت- ابن عمر أن الدعاء لا ينفع العصاة، فعندنا: أن الدين كماله وتمامه بالاستغفار للمؤمنين والمؤمنات، كما أن أصله وأساسه توحيد رب الأرض والسماوات: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ [محمد:19]، فأساس الدين توحيد رب العالمين، وكماله وتمامه الاستغفار لعباد الله المؤمنين، ولذلك كل من مات من أهل القبلة له حق في رقابنا، بأن نصلي عليه مهما كان عليه من الذنوب والعيوب؛ لأنه مؤمن موحد، وإذا صلينا عليه فينبغي أن نخلص له في الدعاء، فرحمة الله واسعة، ولكن إذا كان حياً حتى لا يتمادى في عصيانه، إذا عنده خلل وهو أدرى بنفسه، ووظيفته قد تشير إلى أنه يقع في تقصير، فإننا نمتنع عن مدحه والثناء عليه، وعن الدعاء له في وجهه، ونقول له: استعد للقاء الله، فالدعاء مع الخيانة والظلم لا أساس له، بل نقول له: تخل عن ظلمك وخيانتك وغشك لرعيتك حتى ينفعك دعاؤنا ودعاؤك، فكما أن الصدقة لا تقبل من خائن، كذلك من كان خائناً لله ولرسوله وللمؤمنين لا ينتفع بالدعاء، لا بدعائه ولا بدعاء غيره إلا إذا تاب إلى رب العالمين.
ترجمة الصحابي عبد الله بن عامر
عبد الله بن عامر الصحابي، ابن خالة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأبوه عامر ابن عمة النبي عليه الصلاة والسلام البيضاء بنت عبد المطلب وعبد الله بن عامر هو الذي روى الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: ( من قتل دون ماله فهو شهيد )، والحديث في المستدرك في ترجمة عبد الله بن عامر في كتاب: معرفة الصحابة من المستدرك، وقد رواه الإمام أحمد وأهل الكتب الستة من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص ، ورواه الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة من رواية سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم أجمعين، ورواه الإمام النسائي عن بريدة الأسلمي ، وروي نحو هذا الحديث من رواية أبي هريرة وسويد بن مقرن وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم أجمعين.
 بعض المآخذ على عبد الله بن عامر في ولايته
عبد الله بن عامر أمير البصرة، جرى لغط حوله وهو أمير، والحديث في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي ، وسيأتينا في كتاب الفتن من سنن الترمذي ، ورواه أبو داود الطيالسي وإسناده حسن وقال الترمذي : حسن غريب، من رواية زياد بن كتيب العدوي ، قال: كنت مع أبي بكرة -أحد الصحابة واسمه نفيع بن الحارث - تحت منبر عبد الله بن عامر ، وهو يخطب وعليه ثياب رقاق، ثياب المترفين، كأنه يتميز عن الحاضرين، فقال أبو بلال أحد الحاضرين -وقيل: إنه من الخوارج، ويقول برأيهم ويذهب مذهبهم-: انظروا إلى أميركم يلبس ثياب الفساق، ويخطب فيكم؟! فقال له أبو بكرة : اسكت، إنني سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله )، فعندك نصح لهذا الأمير أو المسؤول فبلغه إياه، ولا داعي لهذه الفضيحة وهذا التشهير، بلغ هذه النصيحة إليه ليسمعها دون تحقير أو تشهير، وإسناد هذا الحديث حسن، وصححه عدد من أئمتنا عليهم جميعاً رحمة الله جل وعلا.إذاً: مع كونه أميراً جرى حوله هذا الكلام، ثم إن الثياب لها اعتبار، وكان أئمتنا يقولون: أول النسك الزي، ومن رق ثوبه رق دينه، يعني: أول علامات الالتزام أن تغير ثيابك، وهذا هو الواقع؛ لأنك ترى من يعيش في الجاهلية ثم يهتدي، فأول شيء يظهر عليه من علامات الهدى الثياب، تراه كان يلبس ثياباً من حرير أو ناعمة فلما استقام تركها، ولبس لباس السنة، واقتصد، فهذا أول ما يظهر عليه، كان يلبس لباساً يشف أحياناً حتى عن فخذيه، وسراويل قصيرة، ثم تراه لبس لباس الكمال والحشمة والمروءة، فأول النسك الزي، ومن رق ثوبه رق دينه. فـعبد الله بن عمر أراد أن ينبه عبد الله بن عامر على هذا الأمر، ألا وهو التوبة إلى الله جل وعلا، وما قال له: فيك وفيك، وإنما قال: أنت كنت أميراً على البصرة، وأنت أدرى، والأمير والمسؤول في الغالب يفرط في حق الله وفي حق رعيته، فلا داعي أن تتعلق همتك بطلب الدعاء منا، بل تب إلى ربك جل وعلا، فهو الذي يقبل التوبة عن عباده، ولا يريد ابن عمر بذلك أن الدعاء للعصاة لا ينفع، فكمال الدين عندنا أن ندعو للمؤمنات والمؤمنين، كما أن أصل الدين توحيد رب العالمين، والعلم عند الله جل وعلا.
تخريج حديث: (لا تقبل صلاة بغير طهور)
ثم ندخل في المبحث الثالث: في تخريج الحديث وبيان درجته، فالحديث صحيح لا شك فيه، فقد أخرجه الإمام أحمد في المسند، والإمام مسلم في صحيحه، وأخرجه ابن ماجه في سننه، إذاً: أخرجه ثلاثة من أهل الكتب الستة، وهم: الترمذي وابن ماجه ومسلم. وما ذكر في تحفة الأحوذي في قوله: أخرجه الجماعة إلا البخاري ، فهو وهم آفته التقليد -وآفة العلم التقليد كما قال أئمتنا- فلم يخرج الحديث أبو داود ولا النسائي ، إنما هو في رواية ابن ماجه وصحيح مسلم ، وقال: كما قال في المنتقى، والمنتقى الذي شرحه الإمام الشوكاني في نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار، أحاديث مجموعة من كلام نبينا عليه الصلاة والسلام جمعها مجد الدين عبد السلام بن عبد الله ابن تيمية ، وهو جد شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله ابن تيمية عليهم جميعاً رحمة الله، توفي سنة (652هـ)، في منتقى الأخبار نص على أن هذا الحديث أخرجه الجماعة إلا البخاري ، وهذا الكلام موجود كما قلت في نيل الأوطار، في الجزء الأول صفحة (204ـ)، بعد أن ذكر الإمام المجد ابن تيمية هذا الحديث من رواية ابن عمر قال: أخرجه الجماعة إلا البخاري ، وفي تحفة الأحوذي يقول: أخرجه الجماعة إلا البخاري ، وهذا وهم، لم يخرجه أبو داود ولا النسائي ، كما أن الشوكاني أقر المجد ابن تيمية على ذلك تقليداً، والشيخ أحمد شاكر الذي علق على نسخة الترمذي في الحاشية يقول: هذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وهو وهم، فكله تقليد لوهم سبق من المجد ابن تيمية عليهم جميعاً رحمة الله، فلم يخرجه البخاري بالاتفاق، ولم يخرجه أبو داود ولا النسائي ، نعم إنه صحيح ، لكن ما أخرجه إلا مسلم وابن ماجه والترمذي من أهل الكتب الستة، والحديث صحيح لا شك فيه. فإن قيل لنا: كيف صحح وفيه سماك بن حرب وقد تقدم معنا أنه صدوق، والصدوق حديثه في درجة الحسن لا يصل إلى درجة الصحة، كما أن روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وتغير بآخره، روى له البخاري تعليقاً ومسلم وأهل السنن الأربعة؟والجواب: أن هذا الحديث الذي هو في درجة الحسن لنفسه، إذا وجد ما يشهد له من روايات أخرى يرتقي إلى درجة الصحة بلا خلاف، فهو حسن، يرتقي إلى درجة الصحيح لتعدد الطرق، ففي الباب عن أبي المليح عن أبيه، وعن أبي هريرة وعن أنس ، فهذه ثلاث طرق ذكرها الإمام الترمذي شواهد لرواية ابن عمر ، وسيأتي أن هناك طرقاً كثيرة أخرى لهذا اللفظ وهذا المعنى: ( لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول ) فقد روي عن عدد من الصحابة يقاربون العشرة بهذا اللفظ.فإذاً: الحديث في درجة الحسن في الأصل وارتفع إلى درجة الصحة، ولذلك الإمام مسلم أورده في صحيحه كما قلت لوجود هذه الشواهد له. وقول الترمذي : هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن، غير مسلم قطعاً وجزماً، فالحديث ليس بأصح. فرواية أبي هريرة كما سيأتينا مخرجة في الصحيحين، فهي في أعلى درجات الصحة، وكذلك عندنا هنا: سماك ، والمعتمد في أمره أن حديثه في درجة الحسن، وهو صدوق، وقد نعته الإمام أحمد بالاضطراب، وكل الطعن الذي وجه إليه إنما يتعلق بحفظه وضبطه لا في عدالته وديانته، قال الإمام أحمد : مضطرب الحديث، وقال الثوري : يضعف بعض الضعف، هذا كله في تهذيب التهذيب، وكان الإمام ابن حبان يقول: إنه يخطئ كثيراً، وقال ابن عدي : لـسماك حديثه كثير مستقيم، وهو من كبار التابعين، فهو من تابعي أهل الكوفة، وأحاديثه حسان، وهو صدوق لا بأس به. كلمة صدوق من ابن عدي اعتمدها الحافظ ابن حجر في الحكم على سماك فقال في التقريب: صدوق، نعم، نعت بأنه إمام، لكن تُكلم فيه من ناحية الحفظ، وفيه اضطراب، وأنه يخطئ، وهذا كما قلت: ينقص من ضبطه، فينزله عن درجة الصحة إلى الحسن، وكلام ابن حبان : يخطئ كثيراً، هذا بعد تغيره بآخره. إذاً: الرواية قبل ذلك عنه فيها قصور في الضبط، لكن لا تصل إلى الضعف، والحديث حسن، فكيف يقول الترمذي : هذا أصح شيء في هذا الباب؟! ولم يخرج هذا الحديث الشيخان، وحديث أبي هريرة كما سيأتينا خرجه الشيخان، فهو أعلى حديث في هذا الباب، ولفظ حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ )، أخرجه الشيخان، والإمام أبو داود والترمذي ، وسيأتينا أن البخاري أورد هذا الحديث ضمن ترجمة هي جزء من الحديث المتقدم: باب: لا تقبل صلاة بغير طهور، وسأبين لمَ فعل البخاري هذا إن شاء الله، وفي تكملة حديث أبي هريرة : فقال رجل من أهل حضرموت لـأبي هريرة : ما الحدث يا أبا هريرة ؟ قال: فساء أو ضراط.قد يقول قائل: لم اقتصر أبو هريرة رضي الله عنه على تفسير الحدث بالريح الذي يخرج من الإنسان، سواء كان له صوت أو لا؟ الجواب: ذكر أئمتنا عدة توجيهات معتبرة: أولها: قالوا: هذا غالب ما يبتلى به الناس من الحدث، يعني: أن أكثر ما يصابون به من الحدث أن يخرج منهم هذا الريح، وهو غالب الحدث ومعظمه وأكثره. ثانيها: أن الصلاة التي يصليها الناس لله جل وعلا هي مظنة خروج هذا الحدث، وهي يمكن أن يقع فيها هذا الحدث؛ يعني: أنه يمكن أن يخرج من أحد الناس وهو في الصلاة فساء أو ضراط، أما البول فقليل له حكم الندرة، وما عداه فهو أشد ندرة، ككونه يقضي مثلاً حاجة الغائط وهو يصلي، هذا لا يمكن أن يقع. فإذاً: الصلاة هي مظنة لحصول هذا الحدث فيها، فلذلك نبهه على أنه إذا وجد هذا في صلاته فقد بطلت صلاته وانتقض وضوؤه فينبغي أن يتوضأ.ثالثها: قيل: نبهه بالأخف والأدنى على الأغلب والأعلى؛ لأنه إذا كان هذا الخفيف اليسير خروج الريح بصوت أو لا ينقض الوضوء، فكيف بالبول والغائط وغيره؟! فهو ينقض من باب أولى.رابعها: قيل: لعل السائل -من أهل حضرموت- يعلم حكم النواقض الأخرى من البول والغائط الذي لا يخفى أمرها على أحد، ولكن الريح قد يشكل أمره على بعض الناس؛ لأنه ليس بنجس، يعني: إذا خرج من الإنسان ريح لا يلزمه أن يستنجي، والاستنجاء من الريح بدعة، فقد يشتبه الأمر على السامع؛ لأن الريح ليس بحدث، فقال: ما الحدث يا أبا هريرة ؟ قال: فساء أو ضراط، يعني: إذا خرج هذا فقد انتقض الوضوء كما لو خرج البول.إذاً: هذا الحديث -أي: حديث أبي هريرة- أصح، فقد أخرجه صاحبا الصحيحين، وهذا يدعونا إلى أن نعرف الحديث الصحيح، ثم مراتب الحديث الصحيح باختصار.
 بعض المآخذ على عبد الله بن عامر في ولايته
عبد الله بن عامر أمير البصرة، جرى لغط حوله وهو أمير، والحديث في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي ، وسيأتينا في كتاب الفتن من سنن الترمذي ، ورواه أبو داود الطيالسي وإسناده حسن وقال الترمذي : حسن غريب، من رواية زياد بن كتيب العدوي ، قال: كنت مع أبي بكرة -أحد الصحابة واسمه نفيع بن الحارث - تحت منبر عبد الله بن عامر ، وهو يخطب وعليه ثياب رقاق، ثياب المترفين، كأنه يتميز عن الحاضرين، فقال أبو بلال أحد الحاضرين -وقيل: إنه من الخوارج، ويقول برأيهم ويذهب مذهبهم-: انظروا إلى أميركم يلبس ثياب الفساق، ويخطب فيكم؟! فقال له أبو بكرة : اسكت، إنني سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ( من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله )، فعندك نصح لهذا الأمير أو المسؤول فبلغه إياه، ولا داعي لهذه الفضيحة وهذا التشهير، بلغ هذه النصيحة إليه ليسمعها دون تحقير أو تشهير، وإسناد هذا الحديث حسن، وصححه عدد من أئمتنا عليهم جميعاً رحمة الله جل وعلا.إذاً: مع كونه أميراً جرى حوله هذا الكلام، ثم إن الثياب لها اعتبار، وكان أئمتنا يقولون: أول النسك الزي، ومن رق ثوبه رق دينه، يعني: أول علامات الالتزام أن تغير ثيابك، وهذا هو الواقع؛ لأنك ترى من يعيش في الجاهلية ثم يهتدي، فأول شيء يظهر عليه من علامات الهدى الثياب، تراه كان يلبس ثياباً من حرير أو ناعمة فلما استقام تركها، ولبس لباس السنة، واقتصد، فهذا أول ما يظهر عليه، كان يلبس لباساً يشف أحياناً حتى عن فخذيه، وسراويل قصيرة، ثم تراه لبس لباس الكمال والحشمة والمروءة، فأول النسك الزي، ومن رق ثوبه رق دينه. فـعبد الله بن عمر أراد أن ينبه عبد الله بن عامر على هذا الأمر، ألا وهو التوبة إلى الله جل وعلا، وما قال له: فيك وفيك، وإنما قال: أنت كنت أميراً على البصرة، وأنت أدرى، والأمير والمسؤول في الغالب يفرط في حق الله وفي حق رعيته، فلا داعي أن تتعلق همتك بطلب الدعاء منا، بل تب إلى ربك جل وعلا، فهو الذي يقبل التوبة عن عباده، ولا يريد ابن عمر بذلك أن الدعاء للعصاة لا ينفع، فكمال الدين عندنا أن ندعو للمؤمنات والمؤمنين، كما أن أصل الدين توحيد رب العالمين، والعلم عند الله جل وعلا.
مسائل في شروط الحديث الصحيح
إن الحديث الصحيح لا يكون صحيحاً إلا إذا وجدت فيه خمسة شروط:أولها: عدالة الرواة، ثانيها: ضبطهم، ثالثها: اتصال السند، رابعها: السلامة من الشذوذ، خامسها: السلامة من العلة القادحة. يقول شيخ الإسلام الشيخ عبد الرحيم بن الحسين الأثري عليه رحمة الله في أول ألفيته:وأهل هذا الشأن قسموا السننإلى صحيح وضعيف وحسنفالأول وهو الصحيح.فالأول المتصل الإسنادبنقل عدل ضابط الفؤادعن مثله.. مثله دخل في قوله متصل الإسناد.عن مثله من غير ما شذوذأو علة قادحة فتوذيإذاً: ينبغي أن يتصل السند، فخرج بهذا الشرط كل انقطاع، كالمعضل الذي يسقط فيه راويان، والمنقطع والمرسل والمدلس... وغيرها هذا كله يخرج بشرط الاتصال.فالشروط الخمسة للحديث الصحيح: أولها: اتصال السند. (فالأول المتصل الإسناد)، فخرج انقطاع السند من أي مكان كان الانقطاع، من الأول أو الوسط أو الأخير.
 الضبط وأقسامه
إذاً: اتصال السند، وعدل الرواة وضبطهم، والضبط: هو الإتقان، فإذا كان يضبط كتابه ويصونه فلا يتعرض هذا الكتاب لأيدي غيره، وإذا كان يضبط بصدره، أي: يحفظه عندما يؤديه، فلا يخطئ ولا يهم فيه، فهذا تم ضبطه وحديثه صحيح، وإن خف ضبطه فحديثه حسن، وإن كثر الوهم عليه نزل إلى درجة الضعيف، فإذا قارنا حديثه بأحاديث الأئمة الثقات الجهابذة المتقنين فإن وافقهم قلنا: هو ضابط وحديثه صحيح، وإن وافقهم ولم يخالف إلا مخالفة يسيرة، فهو ضابط خفيف الضبط، فحديثه حسن، وإن خالفهم في كثير من الأحاديث وفحشت مخالفته، فليس بضابط، وحديثه ليس بصحيح ولا حسن.والضبط قسمان: ضبط كتاب، وضبط صدر، فضبط الكتاب: أن يكتب عن شيخه في كتابه دون حفظ في صدره، وهذا الكتاب لا تمتد إليه يد غيره، ثم إذا روى أخرج هذا الكتاب الذي بخط يده وروى منه فهذا ضبط كتاب، وأما ضبط الصدر: فهو الحفظ كما قدمنا، وكل منهما معتبر وحق.قال العراقي: فالأول المتصل الإسناد بنقل عدل ضابط الفؤاد. عن مثله من غير ما شذوذ...، أي: لا يكون في الحديث شذوذ، والشذوذ: هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، وسيأتينا إن شاء الله نماذج من أحاديث يحكم عليها الإمام الترمذي بالشذوذ، ورواية الأوثق منه هي المحفوظة، أما الضعيف إذا خالف الثقة فيقال لروايته: منكرة، ورواية الثقة هي المعروفة المضبوطة.والعلة القادحة: هي أن يكون الحديث ظاهره الاتصال، ولكن فيه انقطاع، كرفع موقوف، وهم بعض الرواة فرفعه، أو مرسل فوصله، فهذه علة خفية، ظاهر الإسناد السلامة، فيأتي إمام من الجهابذة يقول: في هذا الحديث يوجد آفة، والدليل على ذلك رواية كذا وكذا وكذا، فيوضح ذلك، وأنه يوجد وهم، إذاً: هذه هي شروط الحديث الصحيح الخمسة.
مراتب الحديث الصحيح
بعد هذا لنتبين أن كلام الإمام الترمذي أن حديث ابن عمر أصح شيء في هذا الباب وأحسنه، ليس بمسلم، ومراتب الحديث عندنا كما قال أئمتنا:وأرفع الصحيح مرويهماثم البخاري فمسلم فماشرطهما حوى فشرط الجعفيفمسلم فشرط غير يكفيوعنده التصحيح ليس يمكنفي عصرنا وقال يحيى: ممكنفهذه سبع مراتب لدرجات الحديث الصحيح: أولها: ما أخرجه الشيخان، فهذا في أعلى درجات الصحة.ثانيها: ما انفرد البخاري بإخراجه.ثالثها: ما انفرد مسلم بإخراجه.رابعها: ما كان على شرط الشيخين مما أخرجه أئمتنا وليس هو في الصحيحين، كأن يكون أخرجه أبو داود -مثلاً- على شرط الشيخين فهذا في المرتبة الرابعة.خامسها: ما كان على شرط البخاري ، كأن يكون أخرجه النسائي مثلاً على شرط البخاري . سادسها: ما كان على شرط مسلم كأن يكون أخرجه النسائي مثلاً على شرط مسلم فهذا في المرتبة السادسة. ‏ والمرتبة السابعة وهي آخر المراتب: أن يكون صحيحاً وليس على شرط أحد الشيخين، بل صحيح عند إمام من أئمة الحديث
 الضبط وأقسامه
إذاً: اتصال السند، وعدل الرواة وضبطهم، والضبط: هو الإتقان، فإذا كان يضبط كتابه ويصونه فلا يتعرض هذا الكتاب لأيدي غيره، وإذا كان يضبط بصدره، أي: يحفظه عندما يؤديه، فلا يخطئ ولا يهم فيه، فهذا تم ضبطه وحديثه صحيح، وإن خف ضبطه فحديثه حسن، وإن كثر الوهم عليه نزل إلى درجة الضعيف، فإذا قارنا حديثه بأحاديث الأئمة الثقات الجهابذة المتقنين فإن وافقهم قلنا: هو ضابط وحديثه صحيح، وإن وافقهم ولم يخالف إلا مخالفة يسيرة، فهو ضابط خفيف الضبط، فحديثه حسن، وإن خالفهم في كثير من الأحاديث وفحشت مخالفته، فليس بضابط، وحديثه ليس بصحيح ولا حسن.والضبط قسمان: ضبط كتاب، وضبط صدر، فضبط الكتاب: أن يكتب عن شيخه في كتابه دون حفظ في صدره، وهذا الكتاب لا تمتد إليه يد غيره، ثم إذا روى أخرج هذا الكتاب الذي بخط يده وروى منه فهذا ضبط كتاب، وأما ضبط الصدر: فهو الحفظ كما قدمنا، وكل منهما معتبر وحق.قال العراقي: فالأول المتصل الإسناد بنقل عدل ضابط الفؤاد. عن مثله من غير ما شذوذ...، أي: لا يكون في الحديث شذوذ، والشذوذ: هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، وسيأتينا إن شاء الله نماذج من أحاديث يحكم عليها الإمام الترمذي بالشذوذ، ورواية الأوثق منه هي المحفوظة، أما الضعيف إذا خالف الثقة فيقال لروايته: منكرة، ورواية الثقة هي المعروفة المضبوطة.والعلة القادحة: هي أن يكون الحديث ظاهره الاتصال، ولكن فيه انقطاع، كرفع موقوف، وهم بعض الرواة فرفعه، أو مرسل فوصله، فهذه علة خفية، ظاهر الإسناد السلامة، فيأتي إمام من الجهابذة يقول: في هذا الحديث يوجد آفة، والدليل على ذلك رواية كذا وكذا وكذا، فيوضح ذلك، وأنه يوجد وهم، إذاً: هذه هي شروط الحديث الصحيح الخمسة.
التصحيح والتضعيف في العصور المتأخرة
قول العراقي : (وعنده) تقدم معنا أنه إذا أسند الفعل المفرد أو الضمير لغائب فالمراد منه ابن الصلاح ، وعنده التصحيح ليس يمكن، أي: وعند ابن الصلاح لا يمكن في العصور المتأخرة تصحيح ولا تحسين ولا تضعيف، وليس لنا إلا أن نعول على كلام من سبقنا، وهذا القول -مع عدم تعويل أئمتنا عليه- يبين لنا خطورة التصحيح والتحسين والتضعيف في العصور المتأخرة، وهو قول العراقي : وقال يحيى: ممكن، ومن هو يحيى ؟ إنه شيخ الإسلام الإمام النووي عليه الرحمة، وليس ابن معين ؛ لأن ابن معين قبل ابن الصلاح بقرون، وقال يحيى: ممكنُ، يعني: أن التصحيح ممكن، وهذا الذي اعتمد عليه أئمتنا وساروا عليه ولم يأخذوا بقول ابن الصلاح مع أن قوله يبين لنا خطورة الإقدام على هذه المرتبة.إذاً: أرفع الصحيح بالاتفاق ما كان في الصحيحين، وحديث أبي هريرة في الصحيحين، فقول الترمذي : حديث ابن عمر أصح شيء في هذا الباب وأحسن، غير مسلم، والله أعلم.وعندما نحكم على حديث بالصحة والحسن أو الضعف في العصور المتأخرة نقول: إسناده صحيح، إسناده حسن، إسناده ضعيف، دون أن نطلق هذا على المتن، فقد يكون في الإسناد شيء، ولكن المتن صحيح، فالحكم على الإسناد غير الحكم على المتن، نعم إذا أطلق هذا الحكم على الإسناد إمام من الأئمة، فهو حكم منه على الأمرين: على الإسناد وعلى المتن، قال الإمام العراقي عليه رحمة الله في ألفيته: والحكم للإسناد بالصحة أوبالحسن دون الحكم للمتن رأواواقبله إن أطلقه من يعتمدولم يعقبه بضعف ينتقدفإذا أطلق إمام من الأئمة كـابن حجر الهيتمي أو الإمام النووي وقال: حسن الإسناد، أو صحيح الإسناد، فهو يعني: الحديث كله إسناداً ومتناً، وأما إذا قال بعض الناس في هذه العصور المتأخرة: صحيح، أي: إسناداً، فهذا لا يقوى عليه، ولا يعتبر قوله بالحكم على المتن إلا إذا كان من الأئمة الكبار الراسخين.بقي لنا ما يتعلق بقول الترمذي : وفي الباب، في بيان تخريج هذه الأحاديث أعني حديث أبي هريرة وحديث أبي المليح عن أبيه، وحديث أنس نبينها فيا يأتي.نسأل الله إن أحيانا أن يحيينا على الإسلام، وإن أماتنا أن يتوفانا على الإيمان، نسأله برحمته التي وسعت كل شيء أن يجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ونسأله أن لا يجعل فينا ولا منا ولا بيننا شقياً ولا محروماً، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم ارحمهم كما ربونا صغاراً، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.
 الضبط وأقسامه
إذاً: اتصال السند، وعدل الرواة وضبطهم، والضبط: هو الإتقان، فإذا كان يضبط كتابه ويصونه فلا يتعرض هذا الكتاب لأيدي غيره، وإذا كان يضبط بصدره، أي: يحفظه عندما يؤديه، فلا يخطئ ولا يهم فيه، فهذا تم ضبطه وحديثه صحيح، وإن خف ضبطه فحديثه حسن، وإن كثر الوهم عليه نزل إلى درجة الضعيف، فإذا قارنا حديثه بأحاديث الأئمة الثقات الجهابذة المتقنين فإن وافقهم قلنا: هو ضابط وحديثه صحيح، وإن وافقهم ولم يخالف إلا مخالفة يسيرة، فهو ضابط خفيف الضبط، فحديثه حسن، وإن خالفهم في كثير من الأحاديث وفحشت مخالفته، فليس بضابط، وحديثه ليس بصحيح ولا حسن.والضبط قسمان: ضبط كتاب، وضبط صدر، فضبط الكتاب: أن يكتب عن شيخه في كتابه دون حفظ في صدره، وهذا الكتاب لا تمتد إليه يد غيره، ثم إذا روى أخرج هذا الكتاب الذي بخط يده وروى منه فهذا ضبط كتاب، وأما ضبط الصدر: فهو الحفظ كما قدمنا، وكل منهما معتبر وحق.قال العراقي: فالأول المتصل الإسناد بنقل عدل ضابط الفؤاد. عن مثله من غير ما شذوذ...، أي: لا يكون في الحديث شذوذ، والشذوذ: هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، وسيأتينا إن شاء الله نماذج من أحاديث يحكم عليها الإمام الترمذي بالشذوذ، ورواية الأوثق منه هي المحفوظة، أما الضعيف إذا خالف الثقة فيقال لروايته: منكرة، ورواية الثقة هي المعروفة المضبوطة.والعلة القادحة: هي أن يكون الحديث ظاهره الاتصال، ولكن فيه انقطاع، كرفع موقوف، وهم بعض الرواة فرفعه، أو مرسل فوصله، فهذه علة خفية، ظاهر الإسناد السلامة، فيأتي إمام من الجهابذة يقول: في هذا الحديث يوجد آفة، والدليل على ذلك رواية كذا وكذا وكذا، فيوضح ذلك، وأنه يوجد وهم، إذاً: هذه هي شروط الحديث الصحيح الخمسة.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - باب لا تقبل صلاة بغير طهور [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net