اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - مقدمات [7] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - مقدمات [7] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
رمى ابن حزم الإمام الترمذي بالجهالة، فأنقص ذلك من قدره لا من قدر الترمذي، ولابن حزم شذوذ وتناقضات، منها دخوله في علم الكلام، وقدحه في الأئمة الأعلام، وإباحته للمعازف والغناء، والواجب الاعتدال نحو ابن حزم رحمه الله.
سبب وصف ابن حزم للترمذي بالمجهول
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الرحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:إخوتي الكرام! انتهينا من بيان منزلة الإمام الهمام أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي عليه وعلى أئمتنا والمسلمين أجمعين رحمة رب العالمين، وختمت ترجمته المباركة بقول الإمام الذهبي : إنه ثقة مجمع عليه، ولا التفات لقول أبي محمد بن حزم : إنه مجهول، وهذا الكلام الذي قاله هذا الإمام أعني أبا محمد بن حزم في هذا الإمام العلم الجبل أبي عيسى الترمذي يحتمل أمرين اثنين كما وضحت هذا في آخر الموعظة الماضية: يحتمل أن الإمام ابن حزم ما سمع بـالترمذي ، وما بلغه خبره، وإلى هذا ذهب الإمام الذهبي -كما قلت- في الميزان وفي سير أعلام النبلاء، وادعى الإمام الذهبي أن سنن الترمذي وسنن ابن ماجه لم تصلا إلى بلاد الأندلس إلا بعد موت الإمام ابن حزم عليه وعلى أئمتنا جميعاً رحمة ربنا.والقول الثاني ولعله الأظهر كما تقدم معنا، هو الذي ذهب إليه الإمام ابن كثير ، وذهب إليه حذامي المحدثين الحافظ ابن حجر عليهم جميعاً رحمات رب العالمين وأن هذا من تعنت ابن حزم وشذوذه، وطعنه في الأئمة وعدم توقيره لهم، فقال هذا مجهلاً له، كأنه يقول: إنه نكرة من النكرات مجهول، وليس من العلماء الأعلام، كأنه يريد أن يضع من قدره بهذا الكلام، وهذا الكلام كما قال الإمام ابن حجر صدر نظيره من ابن حزم عندما حكم كما تقدم معنا على الإمام أبي القاسم البغوي بالجهالة أيضاً، ثم علق هذان الإمامان الكريمان: الإمام ابن كثير وابن حجر على كلام الإمام ابن حزم ، بأن هذا الكلام الذي صدر من ابن حزم أنزل من منزلة ابن حزم عند العلماء، ولم ينزل شيئاً من مكانة الإمام الترمذي عند علماء الشريعة الغراء.
 

أصناف العلماء
كنت أحب أن أقف وقفة يسيرة لعلها ستأخذ هذه الموعظة بكاملها حول الإمام ابن حزم ، وإنما أردت أن أقف هذه الوقفة وقد تطول -كما قلت- إلى نهاية الموعظة؛ من أجل أن نعلم أن العلماء الذين هم أهل هدى ينقسمون إلى قسمين: عالم سلم من الملاحظات والمؤاخذات كما هو الغالب في أئمتنا الكرام عليهم الرحمة والرضوان، كأصحاب المذاهب الأربعة، وهكذا أهل الكتب الستة، وأكثر علماء المسلمين أهل الهدى ليس حولهم ملاحظات، ولا يعني أننا نقول: إنهم مقدسون ولا يخطئون، لا، المراد أنه ليس عندهم شذوذ، قد يوجد أحياناً في بعض المسائل، لكن المسلك العام لهم هدى والتزام للحق. وهناك علماء من أهل الهدى عندهم أحياناً شيء من الشذوذ والانحراف في كتبهم، وفي تأولهم وفي ترخصهم، كلهم أهل هدى، فإذاً: ينبغي أن ننظر إلى الصنف الثاني نظرة إنصاف، نأخذ ما أصابوا فيه ونطرح ما زلوا فيه دون تكثير عليهم، نعم عندنا صنف ثالث، لكن ليسوا من علماء الهدى، إنما هم من علماء البدعة والهوى، كأصحاب البدع والزيغ والضلال هؤلاء ما لنا ولهم، هم مردودون بجميع أحوالهم، لكن علماؤنا الكرام أهل السنة أيضاً ينقسمون إلى قسمين: عالم ليس عنده ترخص ولا تأول بل عنده التزام بالنص ووقوف عنده، ثم بعد ذلك لا يتهجم على عالم إذا صدر منه شيء.وعندنا صنف آخر أحياناً يترخص ويتأول فيزل ويخطئ، مع أنه من أهل الهدى، لكن لا يعني هذا أنه معصوم ولا يقع في زلل وخطأ، فما موقفنا نحو هذا ونحو ذاك؟ أما أولئك -كما قلت- أئمة الهدى أهل المذاهب الأربعة المتبعة، أهل الكتب الستة، غالب أئمتنا الكرام فعلى العين والرأس، والمسلك -كما قلت- أنهم كلهم إن شاء الله هدوا إلى صراط الله المستقيم.
 

أثر علم الكلام على ابن حزم
عندنا من الصنف الثاني الإمام ابن حزم ، سنتكلم عليه ونأخذ العبرة من حياته؛ لئلا نفرط ولا نفرط ولا نجفو ولا نغلو، ونزن أمورنا وغيرنا بالقسطاس المستقيم، إمام علم لا شك فيه، وهو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم ، توفي سنة (456هـ) في القرن الخامس للهجرة، ومع أنه إمام علم جبل إلا أن عليه ملاحظات ومآخذ يمكن أن تجمل في ثلاثة أمور، هذه الملاحظات لا ترى واحدة منها في أئمتنا أهل الهدى الذين مسلكهم كله على حق وصواب.المسلك الأول: دخل هذا الإمام في علم الكلام، ومن العجائب العديدة أن يكون هذا الإمام ظاهري المذهب، ثم يميل إلى الكلام، يعني: حاله كحال أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي صاحب كتاب أطراف الكتب الستة، وشروط الأئمة الستة، وسيأتي شيء من ذكره إن شاء الله بعد هذا المبحث، توفي سنة (507هـ). من العجائب العجيبة أنه صوفي ظاهري، أنا أعجب كيف اجتمع التصوف مع مذهب أهل الظاهر، وهنا ابن حزم ظاهري، والظاهري: هو الذي يأخذ بظواهر النصوص ولا يرى أن يؤولها، لكن كيف دخلت في علم الكلام الذي هو نتان، وعلم الكلام يتعارض مع نصوص شريعة الإسلام، كيف تجمع بين الظاهر وعلم الكلام؟ تأتي لنصوص الصفات فتؤولها على حسب قواعد علم الكلام، وتأتي بعد ذلك لنصوص الشرع في الفروع فتجمد على ظاهريتك ولا تلتمس لها علة ولا تبحث لها عن معنى لتقيس الفرع على هذا الأصل الوارد! هذا من العجائب، دخل في علم الكلام، ثم خرج منه بعد ذلك وتاب؛ لكن بعد أن أثر فيه ما أثر، يقول الإمام الذهبي عليه رحمة الله: بقي فيه قسط من نحلة الكلام، بعد أن رجع منه بقي فيه قسط من نحلة الكلام.وقال الإمام الذهبي أيضاً: أثر فيه علم الكلام، وليته سلم منه! أبعده الله من علم. أي: هذا العلم الباطل أبعده الله من علم، وما أعرض الإمام ابن حزم عنه إلا بعد أن زرع في باطنه أموراً وانحرافاً عن السنة، فلم يخرج منه خروجاً كاملاً، وكتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل شاهد على تلبسه بهذه البدعة، أعني بدعة علم الكلام.
 تأثر ابن حزم بعلم الكلام كتأثر الغزالي بالفلسفة
ابن حزم ابتلي بلوثة علم الكلام، خرج منه، لكن كما قال الذهبي في تذكرة الحفاظ: وبقي فيه قسط من نحلة الكلام، حاله كحال الإمام أبي حامد محمد الغزالي الذي توفي سنة (505هـ) عليه رحمة الله، أبو حامد الغزالي صاحب الإحياء، كان تلميذه أبو بكر بن العربي عليهم جميعاً رحمة الله يقول: شيخنا أبو حامد ابتلع الفلسفة ثم أراد أن يتقيأها فما استطاع، وكان يقول: شيخنا دخل في بطون الفلاسفة ثم أراد أن يخرج فما استطاع، بقي فيه لوثة، مع أنه ألف كتابه: تهافت الفلاسفة، وكفرهم بثلاثة أمور، وحكم عليهم بالبدعة لسبعة عشر أمراً، ومع كل هذا يقول الإمام الغزالي في الإحياء في الجزء الأول صفحة (103) شهادة على منزلة علم الكلام الذين أدخلوا عقولهم في شرع ربهم، وأرادوا أن يجعلوا العقل حكماً على النقل يقول: وأما منفعة علم الكلام فقد يظن أن منفعته كشف الحقائق على ما هي عليه. يعني: يريد أن تظهر له الأمور بالأدلة والبراهين العقلية، وهيهات هيهات أن يفي علم الكلام بهذا المطلب الشريف، فليس فيه إلا التخليط والتضليل. يقول: وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي. غفر الله لك يا أبا حامد ! حتى بعد رجوعك عن علم الكلام ما زال الحشو على لسانك، إذا سمعته من محدث أو حشوي، يعني: من شيخ من أهل السنة مسكين لا علم له بالعقليات على طريقة الفلاسفة والمتكلمين، إذا التحذير منه ربما ظننت أن الناس أعداء لما جهلوا، فلا تأخذ به، وأهل السنة وهم الطائفة المرضية يقول عنهم: ما يشتغلون بعلم الكلام. فإذا ذموا علم الكلام، ستقول: هؤلاء يجهلون علم الكلام فذموه، فاسمع هذا ممن خبر الكلام، ثم قلاه بعد الخبرة، وتغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوزه إلى علوم أخرى، يعني: أنت إذا سمعت هذا الحكم من غيري قد لا تقبله، فاسمعه مني، فأنا فارس هذا الميدان ابتليت وأظلم قلبي، ووصل إلى درجة من الهوس والشك. كما يخبر عن نفسه في كتابه المنقذ من الضلال، فنسأل الله أن يحفظنا من الزيغ والضلال، يخبر عن نفسه أنه كان يشك في نفسه هل هو رجل أو امرأة؟! وهل هو رجل أو شجرة؟! وهل هو رجل أو حجرة؟! وهل هو حي أو ميت؟! فحقيقةً:إذا لم يكن عون من الله للفتىفأول ما يقضي عليه اجتهادهونسأل مقلب القلوب أن يثبت قلوبنا على دينه، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.فـابن حزم دخل في لوثة الكلام، وهذا عار وأي عار، أن يبتلى هذا الإمام المبارك بهذه اللوثة، أئمتنا صانهم الله من ذلك، قد يخطئ بعضهم أحياناً لعدم وقوفه على الدليل، وقد يخطئ أحياناً في فهم الدليل، هذا أمر يسير، إنما المصيبة أن يسلك هذا المسلك المبتدع، وهو من أهل الهدى! هذه ملاحظة، لكن عليها علامة استفهام أكبر من هذا المسجد حول حياة الإمام ابن حزم ، وهذه نقطة سوداء في سيرته، ونسأل الله أن يغفر لنا وله، سيأتينا إخوتي الكرام موقفنا من هذه النقيصة وغيرها من نقائص أئمة أهل الهدى الذين وجد فيهم نقائص ينبغي أن نزكي بالقسطاس المستقيم كما قلت، فـابن حزم فيه هذه الزلة.
قدح ابن حزم في علماء الإسلام
الزلة الثانية: لسانه كسيف الحجاج ، ذاك يضرب الرقاب، وهذا يقع في الأعراض، نسأل الله أن يكون ابن حزم وغيره من المسلمين قد حطوا رحالهم في الجنة، وما نقول هذا -يعلم الله- تنقيصاً له ولا لغيره، لكن لنحذر من هذا الزلل ونوجه كما قلت بعد ذلك العبر نستفيدها من هذه الترجمة. قال أبو العباس بن العريف وتوفي سنة (536هـ): سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقان، الحجاج قتل مائة وعشرين ألفاً، وهذا ثابت في سنن الترمذي بإسناد صحيح، أحصي ما قتله الحجاج صبراً، فبلغ مائة ألف وعشرين ألفاً، وهذا لسانه شقيق سيف الحجاج ، وهذه في الحقيقة منقصة، أعف الناس ألسنة هم أهل السنة، فأنت من أهل السنة كيف تبتلى بهذه اللوثة، ولسانك تطلقه بقولك: الترمذي مجهول، وصدق الله وكذب مالك ! هكذا في المحلى: صدق الله وكذب أبو حنيفة . اتق الله في نفسك، لم هذه العبارة الفظة؟ لماذا الأسلوب اللاذع؟! قل: الدليل قول الله، وأخطأ مالك وأخطأ الشافعي ، ومن أنت إذا كان الترمذي مجهولاً، أي نكرة أنت أو غيرك ممن جاء بعدك إذا كان شيخ الإسلام في زمنه الإمام أبو عيسى الذي أجمعت الأمة على عدالته وإمامته وتوثيقه مجهولاً، إذا كان هذا المجهول فمن المعروف، فأطلق لسانه في العلماء، وهذه في الحقيقة كما قلت: منقصة. أعف المحدثين لساناً الإمام البخاري عليه رحمة الله، ما قال في رجل كما قال أئمتنا كذاب، كلمة كذاب ما أطلقها، إنما أسوأ عبارات الجرح التي يستعملها: منكر الحديث، فإذا قال: منكر الحديث انتهى، أما كذاب وضاع دجال فهذه العبارات لا يستعملها، فنفس العبارة هذه يأتي الجرح عندها وانتهى الأمر، أما دجال، ونحوها من العبارات التي كان بعض الأئمة يترخص فيها، فما أطلقها هذا الإمام المبارك. وجاء خلفه في هذا المسلك الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله، فكان يحتاط للأحاديث، كلمة موضوع.. موضوع.. موضوع.. موضوع.. كما اعتاد بعض الناس، يا رجل! اتق الله في نفسك، قد يكون في هذا الحديث احتمال (1%) من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، فكيف تقول: موضوع.. موضوع..، يعني: أنك الآن نفيت ثبوته عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيا ويلك إن كان من كلامه، قل: ضعيف، قل: منكر، قل: متروك، قل: شاذ مرة، قل نحو هذا، أما أن تأتي فتقول: موضوع.. موضوع.. موضوع.. ثم تقول: فلان متروك وفلان روى كذا، إذاً: أنت شهدت بأنه ليس بموضوع، الموضوع ما يكون فيه دجال وضاع مجمع عليه، الإمام ابن حجر يكاد أن يحترق ولا يطلق كلمة الوضع على حديث، وهذا حقيقة من ورعه، إنما يقول: متروك، شاذ، يعني: مطروح، منكر، فعلى الإنسان أن يتقي الله في عباراته.
 وصف الألوسي لابن حزم بالضلال
الإمام الألوسي في روح المعاني غفر الله له، في أول التفسير له، لا يذكر ابن حزم إلا بهذه العبارة: قال ابن حزم الضال المضل، كما سيأتينا عند تحليل ابن حزم للمعازف والمزامير، والإمام الألوسي رد عليه في تفسير سورة لقمان، وأن ابن حزم طعن في هذا الحديث، وقال: لا يصح في تحريم المعازف والمزامير كما سيأتينا، وكلما ذكر موضوعاً فيه ابن حزم يقول الإمام الألوسي : هذا قاله ابن حزم الضال المضل، وكرر هذا، في الحقيقة هذا فيه فضاضة، فإذا هو أخطأ فلنرد خطأه، ونسأل الله أن يعفو عنا وعنه، ولذلك الإمام ابن الصلاح عندما سئل عن كتب الغزالي التي فيها ما فيها، ومن جملتها الإحياء، قال: أما كتبه فلا يلتفت إليها، يعني: الأخطاء التي فيها لا يلتفت إليها. ولا تؤخذ لا منه ولا من غيره، والحق أحق بالاتباع، وأما الرجل فيسكت عنه. يعني: إذا جئت وقلت: هذا البحث فيه ضلال، قل، فهذا واجب عليك، لكن لا تقل: الكاتب ضال، اسكت أنت.قال الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى معللاً كلام الإمام ابن الصلاح ، قال: لأنه قد يكون مخطئاً أو ناسياً أو صائباً، أو أنه تاب إلى الله وغفر له، فتضلله الآن لم؟ فيه احتمالات للعفو، فأنت رد الباطل وهذا واجب عليك، واترك هذه الشرطية، من التجريح والطعن، أما الكتب فلا يلتفت إليها، وأما الرجل كما قلت فلا يذكر بسوء، نعم نتركه، وهنا كذلك، فلا يوجد من يفطن لـابن حزم ، جاء مثلاً وقال: الترمذي مجهول، نقول: كلام مطروح مردود لا قيمة له، أجمعت الأمة على إمامة الإمام الترمذي ، لا داعي بعد ذلك أن نقول: ابن حزم ضال مضل؛ لأنه قال هذا، وبعد ذلك أحياناً نتطاول أكثر فنلعن أو نزيد هذا لا ينبغي، المقصود أن هذا باطل رددناه.
إباحة ابن حزم المعازف والغناء
الأمر الثالث: وهذا من الغرائب العجيبة، وهذا حال من لم يسلك مسلك الأئمة الأربعة، دائماً ينفرد، فمطبات كل واحد كما يقال أشنع من الآخر، ظاهري وكلام، ظاهري وسب في علماء الإسلام، ظاهري وعشق وهيام، وإباحة مزامير الشيطان، أنا أعجب كيف يجتمع هذا.يقول الإمام ابن القيم في روضة المحبين في صفحة (130) معلقاً، وهو الأمر الثالث من المؤاخذات عليه، يقول: على قدر يبس ابن حزم وقسوته في التمسك بالظاهر وإلغائه المعاني والمناسبات والحكم والعلل الشرعية، على قدر هذا، انماع في باب العشق والنظر، وسماع الملاهي المحرمة، توسع في هذا الباب جداً، فعنده يجوز النظر إلى الأمرد والتمتع به والنظر إليه واستحلال ذلك، يجوز النظر إلى المرأة الجميلة وإطلاق النظر إليها، واستحسان صورتها، بشرط أن تملك إربك فلا تزني ولا تلوط، يجوز أن تسمع جميع المعازف والمزامير، أصوات مطربات كحالة الطيور الشجية، وهنا صور حسنة تنظر إلى المردان، تنظر إلى النسوان، تسمع مزامير الشيطان، كل هذا يقول: مباح، وعلى تعبير بعض المهوسين يدخل في دائرة الطيبات، هذه عندهم طيبات! تستطيبون الخبيثات؟ أعوذ بالله، نظر إلى امرأة، مصافحة لامرأة، نظر لأمرد، سماع غناء وموسيقى، أهذه طيبات؟ لقد انتكست القلوب وعميت. انظر هنا يبس غاية اليبس، ولا يقيس فرعاً بأصل، وهنا جاء بالقياس، قال: كما يجوز أن ينظر للمروج والزهور والرياحين، يجوز أن ننظر إلى النساء والمردان، وكما يجوز أن نستمع للطيور عندما تصدح يجوز أن نسمع الموسيقى! الإمام ابن القيم يقول: فوسع هذا الباب جداً، وضيق باب المناسبات والمعاني والحكم الشرعية جداً، وهو من انحرافه في الطرفين.
 طرق من أقوال بعض العلماء في الغناء والمعازف
أقول: إذا كنا نوقن بأن الله حرم الخمر، وما أظن أحداً يشك في ذلك، والله الذي لا إله إلا هو، إذا كنا نوقن بهذا فينبغي أن نقول: يستحيل في حكمة الحكيم الخبير أن يحرم مثل رأس الإبرة من الخمر؛ لأنها تقود إلى الفواحش وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ثم يبيح ما هو أعظم شوقاً من الخمر إلى الفواحش، وأعظم صداً عن الصلاة من الخمر ألا وهو الغناء، وهذا كلام أئمتنا الأتقياء عليهم جميعاً رحمة الله، وانظروا في مدارج السالكين في الجزء الأول صفحة (500) لشيخ الإسلام الإمام ابن قيم الجوزية ، ولا أريد أن أسترسل في موضوع تحريم الغناء والموسيقى، فكنت قد ألقيت محاضرة طويلة مطولة حول هذا، جواب سائل عن حكم الغناء، فارجعوا فاسمعوها ففيها إن شاء الله بيان الحق في هذه المسألة، إنما انظر لكلام هذا الإمام المبارك عليه رحمة الله، في مدارج السالكين بحث مطول من صفحة (466) فما بعدها إلى (500)، وهو قبل ذلك أيضاً بأكثر، لكن انظر الآن هذه العبارة التي تقرأها في صفحة (496) من مدارج السالكين في الجزء الأول:القاعدة الثالثة: إذا أشكل على الناظم أو السالك حكم الشيء هل هو الإباحة أو التحريم؟ فلينظر إلى مرتبته وثمرته وغايته، فإن كان مشتملاً على مفسدة راجحة ظاهرة، فإنه يستحيل على الشارع الأمر به أو إباحته، بل العلم بتحريمه من الشرع قطعي، ولاسيما إذا كان طريقاً مفضياً إلى ما يغضب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، موصلاً إليه عن قرب، وهو رقية له ورائد وبريد، فهذا لا يشك في تحريمه أولو البصائر، فكيف يظن بالحكيم الخبير أن يحرم مثل رأس الإبرة من المسكر؛ لأنه يسوق النفس إلى السكر الذي يسوقها إلى المحرمات، ثم يبيح ما هو أعظم منه سوقاً للنفوس إلى الحرام بكثير، فإن الغناء كما قال ابن مسعود رضي الله عنه هو: رقية الزنا، وقد شاهدنا الناس أنه ما عاناه صبي إلا فسد، ولا امرأة إلا بغت، ولا شاب إلا وإلا، ولا شيخ إلا وإلا، والعيان من ذلك يغني عن البرهان، ولاسيما إذا جمع هيئة تحدو النفوس أعظم حدواً إلى المعصية والفجور، بأن يكون على الوجه الذي ينبغي لأهله من المكان والإمكان والعشراء والإخوان، وآلات المعازف: من اليراع والدف والأوتار والعيدان، وكان القوال شادناً شجي الصوت؛ لطيف الشمائل من المردان أو النسوان، وكان القول في العشق والوصال والصد والهجران..والله الذي لا إله إلا هو إن ما يحصل الآن من سماع إلى المغنيات والمغنين في أجهزة الدمار التي تنتشر في العالم، لو كان يمكن للمرأة أن تحمل من غير وطئ لحملت من سماع هذا الغناء، وكيف بعد ذلك ترخصنا فيه وأبحناه لضيوفنا في بيوتنا؟ يقول الإمام ابن القيم في إغاثة اللهفان في الجزء الأول صفحة (246): ولا ريب أن كل غيور يجنب أهله سماع الغناء كما يجنبهن أسباب الريب، ومن طرق أهله إلى سماع رقية الزنا فهو أعلم بالإثم الذي يستحقه، ومن المعلوم عند القوم: أن المرأة إذا استصعبت على الرجل اجتهد أن يسمعها صوت الغناء، فحينئذ تعطي الليان.الحطيئة مرة نزل مع ابنته ضيفاً عند بعض الناس فغنى، فقام الحطيئة مع ابنته يريد أن يخرج في جاهليتهم، قال المضيف صاحب البيت: مالك؟ آذيناك قصرنا في حقك؟ قال: أنت تفسد علي ابنتي، الآن تستدعيها إلى فراشك، فتغني في الحجرة الثانية، إن لم تكف عن الغناء فسأخرج. وهذا في جاهليته، وهذا لأن المرأة سريعة الانفعال للأصوات جداً، فإذا كان الصوت بالغناء صار انفعالها من وجهين: من جهة الصوت ومن جهة معناه، فأما إذا اجتمع إلى هذه الرقية -يعني: الغناء- الدف والشبابة والرقص بالتخنث والتكسر، فلو حبلت المرأة من غناء لحبلت من هذا الغناء، فلعمر الله كم من حرة صارت بالغناء من البغايا، وكم من حر أصبح به عبداً للصبيان أو الصبايا، وكم من غيور تبدل به اسماً قبيحاً بين البرايا، وكم من ذي غنىً وثروة أصبح بسببه على الأرض بعد المطارف والحشايا، وكم من معافى تعرض له فأمسى وقد حلت به أنواع البلايا، وكم أهدى للمشغوف به من أشجان وأحزان، فلم يجد بداً من قبول تلك الهدايا، وكم جرع من غصة وأزال من نعمة وجلب من نقمة؛ وذلك منه من إحدى الخطايا، وكم خبأ لأهله من آلام منتظرة وغموم متوقعة وهموم مستقبلة. الغناء، إغاثة اللهفان في الجزء الأول صفحة (246) فما بعدها، الغناء يقدم على كلام رب الأرض والسماء؟! وإذا سمعنا القرآن نتثاقل وإذا سمعنا الغناء نتواجد؟!تلي الكتاب فأطرقوا لا خيفةلكنه إطراق ساه لاهيوأتى الغناء فكالحمير تناهقواوالله ما رقصوا لأجل اللهدف ومزمارٌ ونغمة شادنفمتى رأيت عبادة بملاهيوأما موضوع المعازف والمزامير، فقد حكى عدد من أئمتنا الإجماع على تحريم المعازف والمزامير، من جملتهم الإمام ابن تيمية عليه رحمة الله في مجموع الفتاوى في الجزء الحادي عشر صفحة (576)، فإليكم كلامه باختصار.يقول: وأما إذا فعلها -يعني: ما تقدم من آلات اللهو- على وجه التمتع والتلاعب، فمذهب الأئمة الأربعة: أن آلات اللهو كلها حرام، فقد ثبت في صحيح البخاري وغيره: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه سيكون من أمته من يستحل الحر والحرير والخمر والمعازف، وذكر أنهم يمسخون قردة وخنازير )، والمعازف هي الملاهي كما ذكر ذلك أهل اللغة. صفحة: (576) وكلامه طويل في ذلك، وكما قلت: لا أريد أن أستقصي كل قول، إنما أريد أن أقول: هذا الذي جرى من ابن حزم وتبعه عليه الغزالي ومعه محمد بن طاهر المقدسي ، زلل في هؤلاء نسأل الله أن يغفر لهم وأن يتوب عليهم، ولا يجوز لأحد أن يعول على زلة عالم.قال سليمان التيمي وهو عبد صالح، توفي سنة (143هـ)، من عباد البصرة، قال: لو أخذت برخصة كل عالم أو زلته اجتمع فيك الشر كله. انظر قوله هذا في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للإمام الخلال صفحة (159)، وانظر قوله في بيان جامع العلم وفضله للإمام ابن عبد البر في الجزء الثاني صفحة: (91)، وانظره في تذكرة الحفاظ في الجزء الأول صفحة (151)، يقول الإمام الذهبي نقلاً في الجزء السابق صفحة (125) عن الإمام الأوزاعي أنه قال: من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام، وقال الإمام ابن القيم في إغاثة اللهفان في الجزء الأول صفحة (228): من أخذ بزلل العلماء ورخصهم تزندق أو كاد.بقيت الأمور المتعلقة بترجمة ابن حزم ، هذه الثلاثة كما قلت سلبيات، بعد ذلك تأتي ايجابيات في حياته، وكيف ينبغي أن نعتبر به وبأمثاله.وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، وألهمنا رشدنا، وبصرنا بعواقب أمورنا، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، اللهم اغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً، والحمد لله رب العالمين.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - مقدمات [7] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net