اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - مقدمات [6] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - مقدمات [6] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
الإمام الترمذي صاحب الجامع الصحيح أو السنن، الإمام العلم جبل الحفظ، الثقة الورع الزاهد الخاشع، أحد أصحاب الكتب الستة التي جمعت السنة توفي سنة 279هـ، تتلمذ على البخاري وأخذ عنه علم العلل، وجمع بين الفقه والحديث، قال فيه ابن حزم: مجهول، فرد عليه أهل العلم وبينوا خطأه في ذلك.
قصص تبين فضل الجمع بين الرواية والدراية
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الرحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحابه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:إخوتي الكرام! وصلنا إلى ترجمة الإمام المبارك أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن الضحاك البوغي الترمذي ، ووعدت أن نتدارس في هذه الموعظة المباركة ما يتعلق بحياته وترجمته ومكانته، والأمر الثاني فيما يتعلق بكتابه ومنزلته من كتب السنة، وغالب ظني أننا سنقصر حديثنا ومدارستنا في هذه الليلة على الأمر الأول إن شاء الله، وهو على مكانة الإمام الترمذي ورتبته، والدرجة العالية التي كان يتبوؤها في الحياة العلمية، ونسأل الله أن يجمعنا معه في نعيم الجنات مع عباده المقربين، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، ويأتي في نهاية ترجمته شيء من التعليق؛ لذلك قد يطول الوقت فلا نتمكن بعد ذلك من مدارسة منزلة ومكانة كتابه في كتب السنة، وقبل أن أتكلم على ترجمة هذا الإمام المبارك أحب أن أنبه على أمرين اثنين:أحدهما: سؤال وجه لي من بعض الإخوة الكرام في الليلة الماضية.وأمر ثانٍ: يتعلق بقصة كنت وهمت وأخطأت فيها، والخطأ كان فيما يتعلق بتسمية الأشخاص وتعيينهم، لا فيما يتعلق بموضوع القصة وواقعها، هذه القصة هي المتعلقة بما جرى مع الإمام يحيى بن معين مع أبي حنيفة ، وكنت ذكرت هذه القصة عند بيان منزلة المحدثين والفقهاء، وقلت: الفقهاء أطباء، والمحدثون صيادلة، ومن جمع الفقه والحديث فهو طبيب وصيدلي، فذكرت قصة أبين فيها منزلة الفقهاء، والأخ يقول لي: أبو حنيفة توفي سنة: ثلاثٍ وستين ومائة، والإمام ابن معين عليهم جميعاً رحمات رب العالمين ولد سنة: ثمانٍ وخمسين ومائة، فقلت له: موت أبي حنيفة عليه رحمة الله سنة: خمسين ومائة بيقين، قال: إذاً: هو من باب أولى؛ إذ كيف يحدثه بهذه القصة التي تقع وهو ولد بعد موته بثمان سنين؟ يعني: ولادة يحيى بن معين سنة: ثمانٍ وخمسين ومائة، ووفاة أبي حنيفة سنة: خمسين ومائة، قلت: هذا وهم وخطأ قطعاً وجزماً، أما أن القصة ثابتة ومروية فوالله لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب، أو أن أقول ما لم أعلمه، لكن إذا أخطأ الإنسان في تسمية الأسماء فهذا موضوع آخر، أما القصة فإنها ثابتة، قال: نعم، أريد فقط التحقق منها، وأقرأ عليكم القصة إخوتي الكرام، وأقرأ لكم ما يشبهها مما جرى مع أبي حنيفة ، لكن ليس مع يحيى بن معين ، إنما أذكر في أول الأمر قصة ابن معين التي ذكرتها، وأن حيضة أمنا عائشة ليست في يدها.هناك كتاب اسمه: (المحدث الفاصل بين الراوي والواعي) بعض الناس يخطئون في الضبط ويقولون: المحدث الفاضل، وهذا لحن وتصحيف وخطأ، والصواب: المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، للإمام الرامهرمزي ، وقد شاع بين طلبة العلم أنه أول كتاب ألف في علم مصطلح الحديث؛ لأنه توفي سنة: ستين وثلاثمائة للهجرة، وأنا أقول: نعم، إذا كان على سبيل التجريد والاستقلال، فأول كتاب مجرد ومستقل في المصطلح هو كتاب المحدث الفاصل، أما بالنسبة للتنويه بقواعد المصطلح وذكرها لكن ليس على سبيل الاستقلال والتجريد فأول من فعل هذا هو صاحب الترجمة المباركة الذي سنتدارس سيرته العطرة ألا وهو الإمام الترمذي ؛ فكتابه أول ما وصلنا من كتب المصطلح كما سيأتينا، وأول ما وصلنا أيضاً من كتب الفقه المقارن بأقوال العلماء، وهو أيضاً مع ذلك كتاب حديث، فنجمع هذه المزايا عندما سنتدارس منزلة هذا الكتاب من كتب السنة إن شاء الله.
 قصة تعجب الأعمش من فقه أبي حنيفة
هذه القصة جرى نظيرها ومثيلها لكن لغير موضوع الحيضة، جرى مع أبي حنيفة مع محدث آخر وهو الإمام سليمان بن مهران الأعمش سيد المحدثين في زمنه رحمه الله ورضي عنه. جاء في الجزء الثاني صفحة: (131) من جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله، بعد أن ساق الحديث بإسناده إلى عبيد الله بن عمرو ، قال: كنت في مجلس الأعمش ، فجاءه رجل فسأله عن مسألة فلم يجبه، ونظر فإذا أبو حنيفة ، فقال: يا نعمان ! قل فيها -والنعمان هو أبو حنيفة - قال: القول فيها كذا وكذا، قال: من أين دليلك؟ قال: من حيث ما حدثتني به، وبدأ يروي له الحديث الذي حدث به الأعمش ، فقال الأعمش : نحن الصيادلة وأنتم الأطباء. ولذلك قال أئمتنا: إن من يحمل الحديث ولا يعرف فيه التأويل كالصيدلاني، وهذا الكلام الذي قاله الأعمش لـأبي حنيفة : نحن الصيادلة وأنتم الأطباء، قاله الإمام أبو جعفر الطحاوي لمحدث دمشق أبي سليمان الربعي -بإسكان الباء- محمد بن عبد الله بن ربيعة ، قال عنه الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ في الجزء الثالث صفحة: (997): ثقة مأمون، يقول أبو سليمان الربعي : استعار مني أبو جعفر الطحاوي بعض كتبي ومصنفاتي، فنظر فيها ثم أعادها إلي، فقال: أنتم معشر المحدثين صيادلة ونحن الفقهاء، يعني: عندكم هذه الكنوز، وهذه الآثار، لكن استنباطكم منها قليل قليل، وهي عندما تئول إلينا نفتحها بالاستنباط ونبين المراد منها. انتهى من تذكرة الحفاظ.فـأبو جعفر الطحاوي قال كما قال الأعمش رحمة الله على الجميع.ومن مناقب هذا العبد الصالح أبي سليمان الربعي محدث دمشق الذي توفي سنة (379هـ): أنه رأى الحق جل وعلا في منامه، ورؤية الله جل وعلا في المنام جائزة، وكل واحدٍ يراه حسب إيمانه، فقيل له: كيف رأيته؟ قال: رأيت نوراً، والقصة ثابتة في تذكرة الحفاظ، في ترجمة هذا العبد الصالح في المكان الذي أشرت إليه آنفاً. وقد جرى من الإمام الأعمش قصص كثيرة تشبه هذه القصة مع أبي حنيفة أيضاً، انظروها في كتاب الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء: أبي حنيفة ومالك والشافعي عليهم جميعاً رحمة الله، لحافظ المغرب وإمام الدنيا في زمنه: الإمام ابن عبد البر ، الذي توفي سنة: (463هـ). فالقصة ثابتة، لكن أخطأت في تعيين من جرت له القصة مع ابن معين ، فهي لم تجر بين ابن معين وأبي حنيفة ، إنما هي بين ابن معين وأبي ثور رحمهم الله جميعاً ورضي عنهم، ونسأل الله أن يعفو عن زللنا وعن تقصيرنا، إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام
هنا سؤال له تعلق وثيق بما ذكرناه في الفائدة الثانية التي يحصلها طالب حديث النبي عليه الصلاة والسلام ومتعلم سنته، وهي: كثرة الصلاة والسلام على النبي عليه الصلاة والسلام خير الأنام، بعد ذلك يتعلق بهذه الفائدة ما ذكرته في ترجمة الإمام الترمذي عليه رحمة الله من أن من رأى النبي عليه الصلاة والسلام أو رأى من رآه لا تمسه النار، كما في حديث الترمذي الذي رواه عن جابر رضي الله عنه بإسناد حسن.فإذا تعلق طالب علم الحديث بالنبي عليه الصلاة والسلام، وأكثر من الصلاة والسلام عليه عليه صلوات الله وسلامه، سيترتب على هذا خيرات كثيرة، من جملة هذه الخيرات: أنه سيراه في المنام، والإنسان يرى النبي عليه الصلاة والسلام بمقدار تعلقه به على نبينا صلوات الله وسلامه، وقد كان أنس رضي الله عنه كما في المسند يقول: ( قل ليلة تأتي إلا وأنا أرى فيها خليلي عليه صلوات الله وسلامه )، وأنس يقول ذلك وعيناه تذرفان، وكان بعض أئمتنا الكرام يتمنى رؤية النبي عليه الصلاة والسلام فما رآه إلا في آخر حياته، ففرح فرحاً عظيماً ثم مات بعد ذلك بأيام، فأعطاه الله أمنيته لكن جاءه الأجل، نسأل الله حسن الخاتمة.هذا الأخ الكريم صاحب الهمة العالية يقول: إذا حصل للإنسان هذا التعلق بالنبي عليه الصلاة والسلام ورآه في المنام، أيشمله قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تمس النار مسلماً رآني أو رأى من رآني )؟ وهو يدلل على هذا، يقول: لأن من رأى النبي عليه الصلاة والسلام في المنام فقد رآه حقاً، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( فالشيطان لا يتمثل بي )، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، يعني: هل الذي يراه في المنام يثبت له شرف الصحبة، وتحرم عليه النار ويحرم عليها؟الجواب: إن الإنسان لا تثبت له شرف الصحبة برؤية النبي عليه الصلاة والسلام في المنام، ولا يعني أنه ليس له على هذه الرؤية خيرات وأجور حسان عظام، إنما شرف الصحبة هذا خاص بمن رأى النبي عليه الصلاة والسلام وآمن به والنبي عليه الصلاة والسلام حي، وأما إذا لم يحصل هذا للإنسان في حياة النبي عليه الصلاة والسلام فلا يكون صحابياً، ولذلك لو رأى النبي عليه الصلاة والسلام ولم يؤمن به ثم آمن به بعد موته فليس بصحابي، ويصح تحمله، وهذا كما يقوله أئمتنا في المصطلح: مما يلغز به، فيقال: تابعي يقول: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام وحديثه متصل، كيف هذا؟ يقال: هذا في حق من رأى النبي عليه الصلاة والسلام وهو كافر، ثم آمن به بعد موته، ويمثل له أئمتنا في المصطلح فيقولون: كـالتنوخي رسول كسرى، لما جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام أو رسول هرقل، لا أذكر تماماً، لما جاءه لم يؤمن به، ثم آمن به بعد موته عليه صلوات الله وسلامه. فما سمعه الإنسان من النبي عليه الصلاة والسلام في حال كفره إذا أداه في حال الإيمان يصح منه، كالصغير إذا سمع في الصغر ثم أدى في الكبر يصح منه التحمل، فإذاً: التابعي الذي يقول: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام وحديثه متصل هو من رأى النبي عليه الصلاة والسلام ولم يكن مؤمناً به، فلما قبض النبي عليه الصلاة والسلام آمن وشرح الله صدره للإسلام، فعندما يحدث بما سمعه منه قبل أن يؤمن به يكون حديثه متصلاً، لكن الراوي تابعي، وهنا إذا رأى الإنسان النبي عليه الصلاة والسلام في المنام لا يثبت له شرف ومنزلة الصحابة الكرام؛ نعم له أجر كبير، وهذا يدل -إن شاء الله- على تعلقه بالنبي عليه الصلاة والسلام وعلى حبه له. فإن قيل: إن رؤيته للنبي عليه الصلاة والسلام حق، والشيطان لا يتمثل به، نقول: نعم، لكن ذلك الفضل وشرف الصحبة لا يناله الإنسان إلا إذا رأى النبي عليه الصلاة والسلام حياً وهو يؤمن به، أما الرؤيا التي تكون في المنام ونبينا عليه الصلاة والسلام في عالم البرزخ لا يتعلق بها حكم الصحبة، ولا يثبت بها شرف الصحبة، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة )، زاد الإمام البخاري في روايته: ( ومن رآني فقد رآني )، أي: قد رآني حقاً، ( فإن الشيطان لا يتمثل بي )، وفي رواية مسلم ، لكن عن جابر : ( ومن رآني فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي ).
 معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة)
ثبت في الصحيحين أيضاً من رواية أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، أو لكأنما رآني في اليقظة )، قوله: ( سيراني في اليقظة ) ذكر أئمتنا في تفسيره قولين، كل منهما حق معتبر: قيل هذا في حق من كان في عصر النبي عليه الصلاة والسلام ولم يره، فرآه في المنام، فهذه بشارة له أنه لن يموت حتى يجتمع بالنبي عليه الصلاة والسلام ويراه، والاجتماع به ممكن، افرض أن رجلاً من الأعراب بلغته دعوة النبي عليه الصلاة والسلام فآمن، ثم استيقظ وقال: رأيت النبي عليه الصلاة والسلام في المنام، نقول: أبشر! ستراه في اليقظة عما قريب فتهاجر إليه، وترى نور وجهه عليه الصلاة والسلام، وهذا التأويل حق وصدق ولا إشكال فيه، لكن لا يمنع التأويل الثاني، وهو حق وصدق إن شاء الله، ولعله أظهر المعنيين وأقواهما، وإن كنت لا أرد المعنى الأول، وهو معتبر؛ أن هذه بشارة إلى أن من رأى النبي عليه الصلاة والسلام في المنام سيراه في اليقظة حتماً وجزماً، وإذا ما أمكن أن يراه في هذه الحياة في اليقظة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قد قبض وأصبح في الرفيق الأعلى في عالم البرزخ، فسيراه في جنات النعيم، فإذاً: هنا بشارة له بدخول الجنة إن شاء الله، وقد ثبت عن ابن سيرين في مسند الدارمي : (أن من رأى ربه، أي: في الرؤيا، دخل الجنة)، يعني: تأويلها أنه سيدخل الجنة؛ ووجه ذلك: أن رؤية الله يقظة في هذه الحياة لا يمكن أن تقع، فهي ممتنعة من جهة الشرع لا من جهة العقل، فإذا استحالت من جهة الشرع، وأننا لا نرى ربنا حتى نموت، فالذي يرى الله في الرؤيا ما تأويل رؤياه؟ تأويلها: أنه سيدخل الجنة ويراه هناك حقيقة. قال البخاري عقب سرد رواية رؤية النبي صلى الله عليه وسلم: قال ابن سيرين : هذا فيمن رآه حقاً، يعني: على الصفة التي هو عليها، وأما إذا لم ير النبي عليه الصلاة والسلام بالصورة التي كان عليها فيدل على أنه ما حصلت له رؤيا للنبي عليه الصلاة والسلام على وجه التمام والكمال، وقد يحصل تلاعب بعد ذلك من الشيطان به عندما لا يرى النبي عليه الصلاة والسلام بالصورة التامة التي كان عليها، فإذا رأيت النبي عليه الصلاة والسلام -نسأل الله العافية- وهو أعور فهذه ليست برؤيا للنبي عليه الصلاة والسلام، وإنما هذا مثال لنقص دين الرائي، فجدد إيمانك وتب إلى ربك، وعندك بدعة وزيغ وضلال، وليست هذه الصورة للنبي عليه الصلاة والسلام، فالشيطان لا يتمثل بصورته الحقة الكاملة التامة، ولذلك ثبت في المستدرك بإسناد صحيح عن عاصم بن كليب ، قال: قلت لـابن عباس رضي الله عنهما: رأيت النبي عليه الصلاة والسلام في المنام، قال: صفه لي، يقول عاصم بن كليب : فتذكرت الحسن بن علي ، فقلت: يشبه الحسن بن علي ، أشبهه به، قال: لقد رأيت حقاً، نعم كان النبي عليه الصلاة والسلام يشبه الحسن بن علي ، رضي الله عن الحسن وعن علي ، وعلى نبينا وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين صلوات الله وسلامه، وثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري وأبي قتادة رضي الله عنهم أجمعين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من رآني في المنام فقد رأى الحق، فإن الشيطان لا يتمثل بي ).إذاً: الحديث صحيح في أن من رأى النبي عليه الصلاة والسلام في منامه فقد رآه حقاً؛ لأن الشيطان لا يتمثل به إذا كانت الرؤيا صادقة لنعت النبي عليه الصلاة والسلام ولصفته التي كان عليها عليه صلوات الله وسلامه، وإن ثبت لك هذا فهو يدل -إن شاء الله- على أنك صاحب خير وعلى خير وعلى هدى، وأسأل الله أن يحرم بدنك وأبداننا جميعاً على النار، إنه أرحم الرحمين وأكرم الأكرمين، لكن لا يثبت لك شرف الصحبة ولا منزلة الصحابة، ولا يثبت لك شرف التابعين ولا منزلتهم، وإن كانت هذه الرؤيا تدل على حالة حسنة إن شاء الله.
كيفية التعامل مع الجماعات الإسلامية
السؤال الثاني للأخ الكريم عن أمر نعيشه في هذه الأيام، وأنا أرى أن نستبعد الأسئلة التي لا تتعلق بموضوع موعظتنا، وأن نترك الإجابة بعد ذلك على كل سؤال لا يتعلق بموضوع الموعظة إلا النادر إذا كان له أهمية والأمة الإسلامية بحاجة إليه.الأخ الكريم يسأل عن الجماعات المتعددة في بلاد الإسلام، أيها أفضل وأقرب إلى الصدق والسنة؟ فإذا لم يكن هناك جماعة فماذا تنصحني به وإخواني المستمعين؟تعددت الجماعات واختلفت طريقتهم في الدعوة، وهذا أدى إلى كثرة الخلافات بينهم، واضطراب الناس بينهم، وحقيقة الأمة الإسلامية تعيش هذه المشكلة في هذه الأيام، ولا أريد أن أقول: جماعة فلان على حق، وجماعة فلان على هدى، لكني أريد أن أقول للأخ الكريم:ينبغي أن تكون كل جماعة على هدي السنة والجماعة، فإذا لم تكن كذلك فاحذرها، وانصحها وحذرها مما فيها من ضلالات، فإذا قال قائل: أهل السنة والجماعة عندهم جماعات متعددة فماذا نعمل؟أقول: نشارك كل مسلم فيما عنده من الحق ونوافقه، ونبتعد عن كل من عنده باطل؛ فإذا كانت هذه الجماعات كلها على هدى، وتسير على مسلك أهل السنة والجماعة، فنحن نشاركها جميعاً، وأما أننا نلتزم بواحدة، ثم بعد ذلك نتخلى عن إخواننا المسلمين فلا ثم لا.
 نوعية الخلاف بين الجماعات
إخوتي الكرام! بعض الإخوة يسأل عن موضوع الجماعات، وهل خلافهم خلاف تنوع أو تضاد؟ الجواب: إنه إذا كانت مجالس ذكر وعبادة وعلم وتعلم ودعوة إلى الله، فنقول: كلنا نتعاون على هذا، وجهودنا يكمل بعضها بعضاً فليس هذا اختلافاً، إنما هذا من باب أن كل أناس يقومون بأمر من الأمور الواجبة عليهم، ويتقون الله في شأنهم وحالهم، فيحضرون مواسم الخير مع غيرهم. ثم ماذا تقصد بتنوع وتضاد؟ هل تعني أن هذه تعادي هذه؟ هذا هو البلاء، وهذا الضلال، لو قدرنا أن في قطر في هذا الوقت عشرين من حلق الذكر ومجالس العلم، هل نقول: هل هذه اختلاف تنوع أو تضاد؟ نقول: كلها مشروعة، وكلهم على هدى، وأنت احضر أينما شئت، ونسأل الله أن يتقبل، ولا داعي لأحد أن يقول: احضر عندنا وفارق المجالس الأخر، وإذا أمكن أن تشارك في الجميع فهذا خير عظيم، فلابد أن نحدد مدلول التنوع والتضاد، فالوقوف عند مصطلحات لا يحدد مدلولها غلط.
ترجمة الترمذي في كتب التراجم

 قصة في قوة حفظ الإمام الترمذي
قال أبو سعد الإدريسي ، وهو عبد الرحمن بن محمد بن محمد : كان حافظ وقته بسمرقند، وثقه الخطيب البغدادي عليه رحمة الله، توفي سنة: (405هـ)، أبو سعد الإدريسي قال: كان يضرب بـأبي عيسى المثل في الحفظ، أي أنهم إذا أرادوا أن يبالغوا في حفظ إنسان، وأن يثنوا عليه في حفظه يقولون: هذا مثل أبي عيسى في الحفظ، فما هو حفظ الترمذي ؟إليكم هذه القصة المختصرة التي ذكرها الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ والسير، وذكرها الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب، وهي في غير ذلك من الكتب التي ترجمت للإمام الترمذي عليه رحمة الله، يقول الإمام الترمذي : كتبت جزأين عن شيخ من المحدثين لم أره، شيخ من الشيوخ له حديث نشره على طلبة العلم، فالتقيت بطالب علم فكتبت جزأين عنه ما رأيته ولا سمعت منه هذه الأحاديث، إنما كتبتها عمن رواها عنه من التلاميذ ومن طلبة العلم، يقول: وكانت هذه الأجزاء معي في سفري، فالتقيت بذلك الإمام، فأخذت الجزأين لأسمعهما منه، يقرأ علي الأحاديث وأنا أضبط ما في هذين الجزأين من أحاديث، يقول: فبتقدير الله أخذت جزأين ليس فيهما أحاديث من الأجزاء البيضاء التي يكتب فيها، بقي أوراقاً بيضاء، يقول: فجئت وقلت: سمعت جزأين عنك أريد أن تحدثني بهما، قال: نعم، يقول: فبدأ يحدث، وفتحت الجزأين ليس فيهما أحاديث الشيخ، يقول: فبدأت أتابع مع الشيخ وهو يحدث، فنظر في الجزء الذي معي، فرآه أبيض، ليس فيه كلامه، قال: أما تستحي مني؟ قلت: يا إمام! إني أحفظ الجزأين، وكل ما ذكرته حفظته، فقال: أسمعني، يقول: فأعدت عليه الحديث على ولاء، يعني على حسب ترتيبه، الأول والثاني والثالث، قال: لعلك حفظت هذا قبل أن تلقاني، قلت: يا إمام حدثني غيرها قال: فحدثني بأربعين حديثاً بالأسانيد مع المتن، فأعدتها عليه في نفس المجلس، فقال: سبحان الله! ما رأيت مثلك! يعني: ما في الجزأين عندما حدثتك بما فيهما ضبطته وحفظته، فأردت أن أتحقق فحدثتك بأربعين حديثاً متتابعاً رويتها لك بالأسانيد، ثم ترويها لي مما لم أحدث به سابقاً؟ ما رأيت مثلك! ولذلك يقول أبو سعد الإدريسي : كان يضرب به المثل في الحفظ، إذا أردت أن تثني على إنسان في الحفظ، وأن تبين ضبط حافظته، وقوة ذاكرته، تقول: هذا كـأبي عيسى الترمذي ، يعني: يحفظ مائة حديث في المجلس بأسانيدها ومتونها ولا يخطئ في حرف، هذا حقيقة من توفيق الله لهم، وهؤلاء اتقوا الله فأعانهم الله سبحانه وتعالى.
مناظرة بخصوص حديث معاذ في الاجتهاد
وأما موضوع الأسئلة إخوتي الكرام كما يلح الإخوة، فلو فتح المجال لحصل ما لا يخطر بالبال، وأنا أذكر لكم قصتين فقط، قصة في غير هذه البلدة وقعت، وقصة في هذه البلدة وقعت مرتين، حول حديث معاذ رضي الله عنه وأرضاه المذكور في الاجتهاد؛ عندما كنت أدرس في بعض الكليات في قسم الشريعة، فذكرت الحديث، فكان بعض الطلاب ممن له اتجاه خاص واعي، فذكرت الحديث وهو غائب، ولعله كان يغيب ولا يرى وجهي، لعله -والعلم عند ربي- لا يريد أن يراني أنا على خلاف طريقته، كحالة الذين جعلوا لأنفسهم اتجاهات معينة، جاءت الموعظة التالية، درس وأحضر من الكتب كذا وكذا وكذا، وفيها السلسلة، قال: اسمع يا شيخ! أنت قلت: الحديث هذا صحيح ويعمل به وتلقاه العلماء بالقبول، اسمع هذا الكلام، وسعت صدري وقلت: تفضل، بعد أن انتهى، قلت: يا عبد الله! أقوال الصنف الثاني لم لم تذكرها؟ لمَ لم تقل: قال عنه ابن تيمية : بإسناد جيد، وابن كثير : بإسناد جيد، وقول ابن العربي : الدين القول بصحته، وقول شيخنا عليه رحمة الله: تلقي بالقبول، ومثله لا يحتاج للبحث في إسناده؟ لم تذكر جانباً وتترك الجانب الآخر؟ قال: هؤلاء على ضلال، قلت: لعنة الله على من يضللهم، وإن كنا على ضلال، فهل كلنا على ضلال؟ لكن يا عبد الله! أنت ما حضرت كلامي، وجئت تبين الذي حضرت فيه، وأنا على يقين أنك ستضيق، ما تدارسنا في تلك الموعظة الثانية كلمة واحدة إلا حول هذا الحديث، فنأخذ عبرة لما بعدها ليكون أمام الطلاب، قلت: يا عبد الله! لست على ضلال، وهؤلاء الأئمة أنا ذكرت قولهم، ووجهته أنهم ضعفوا الحديث من جهة إسناده، لكنني معي حق معتبر عند أئمتنا الفقهاء والأصوليين وحملة الشريعة بالاتفاق، هذا مقبول؟ قال: مردود، وفلان وفلان وفلان، قلت: أنت تقول مردود وأنا أقول مقبول، لن نصل لنتيجة، حديث معاذ لا يوجد في كتب السنة دعنا منه، ألم يثبت هذا القول عن أبي بكر وعمر وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين؟ وقرأت لكم الآثار بأسانيد ثابتة صحيحة عنهم، وأن الإنسان يقضي بما في القرآن، وإن لم يجد فبما في السنة، وإن لم يجد يجتهد، أو بما قضى به الصالحون ثم يجتهد، أهذا ثابت أم لا في سنن النسائي بإسناد صحيح؟ قال: يا شيخ! أقوال الصحابة ليست حجة، قلت: إذا كان الأمر كذلك لن نصل إلى نتيجة، فالحديث ليس حجة عندك، وقول الصحابي ليس حجة عندك كذلك، وأنت حكم علينا، وأنت الذي يجب أن نأخذ قولك! يا عبد الله نحن قلنا: إن لنا في هذا الحديث قولان: قول يصحح، وقول يضعف، وحاصل كلام من صححه ومن ضعفه أن معناه حق، والأمة تلقت معناه بالقبول، دعنا بعد ذلك من إسناده، هذا الذي يخالف فيه في تلقي الأمة لمعناه بالقبول، هذا لا شك على غير هدى، مخالف لما هو مقرر من ترتيب الأدلة كما هو في كلام أبي بكر وعمر وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين.وانتهت المحاضرة ولا فائدة، وخرج بعد ذلك ينفخ كالتنين، كأننا نحن من نتهجم على السنة ونخالفها، قلت: يا عبد الله! الحديث مروي في المسند وسنن أبي داود وسنن الترمذي ، يعني أنه مدون في أصول الإسلام، ومبوب عليه أبواب، ويستنبط منه أحكام، الإمام الترمذي يقول: لا يوجد في كتاب الجامع حديث إلا وعمل به الفقهاء غير حديثين كما سيأتينا، الإمام أحمد عليه رحمة الله عندما دون المسند قال لولده عبد الله : إذا اختلفتم في حديث ونظرتم فيه، فإذا كان في المسند فهو مما عمل به المسلمون، إذاً: له أصل وأنت تقول: لا يقبل، ولا فائدة، والله -يا أخي- إن كان كذلك فأنا أتوقع لو نزل جبريل الآن من السماء، وقال هذا الحديث معتمد في الشريعة فاقبلوه، ستقول: لا، قال: يا شيخ! معنى هذا أنك تكفرني، قلت: يا أخي! لا أكفرك ولا تكفرني، لكن لا فائدة من الكلام، يعني إذا أنت على رأي، لمَ أنا أحضرت الكتب وأنا على يقين أن حديث معاذ لو فتحنا الكلام فيه سنقضي عشر جلسات هنا لم ينته الكلام عليه، وانتهينا دون فائدة. ولذلك كل سؤال يأتي حول حديث معاذ لا أجيب عليه؛ لأني لا أريد الجدال وقيل وقال، وأئمتنا كانوا يقولون: من تعلم العلم لله كسره، فالعلم يكسرك، ووالله إن الواجبات التي ستقوم بها على حسب علمك لا تستطيعها، ومن تعلم بعد ذلك العلم للقيل والقال، أضاع وقته وعمره فيه.
 قصة في قوة حفظ الإمام الترمذي
قال أبو سعد الإدريسي ، وهو عبد الرحمن بن محمد بن محمد : كان حافظ وقته بسمرقند، وثقه الخطيب البغدادي عليه رحمة الله، توفي سنة: (405هـ)، أبو سعد الإدريسي قال: كان يضرب بـأبي عيسى المثل في الحفظ، أي أنهم إذا أرادوا أن يبالغوا في حفظ إنسان، وأن يثنوا عليه في حفظه يقولون: هذا مثل أبي عيسى في الحفظ، فما هو حفظ الترمذي ؟إليكم هذه القصة المختصرة التي ذكرها الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ والسير، وذكرها الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب، وهي في غير ذلك من الكتب التي ترجمت للإمام الترمذي عليه رحمة الله، يقول الإمام الترمذي : كتبت جزأين عن شيخ من المحدثين لم أره، شيخ من الشيوخ له حديث نشره على طلبة العلم، فالتقيت بطالب علم فكتبت جزأين عنه ما رأيته ولا سمعت منه هذه الأحاديث، إنما كتبتها عمن رواها عنه من التلاميذ ومن طلبة العلم، يقول: وكانت هذه الأجزاء معي في سفري، فالتقيت بذلك الإمام، فأخذت الجزأين لأسمعهما منه، يقرأ علي الأحاديث وأنا أضبط ما في هذين الجزأين من أحاديث، يقول: فبتقدير الله أخذت جزأين ليس فيهما أحاديث من الأجزاء البيضاء التي يكتب فيها، بقي أوراقاً بيضاء، يقول: فجئت وقلت: سمعت جزأين عنك أريد أن تحدثني بهما، قال: نعم، يقول: فبدأ يحدث، وفتحت الجزأين ليس فيهما أحاديث الشيخ، يقول: فبدأت أتابع مع الشيخ وهو يحدث، فنظر في الجزء الذي معي، فرآه أبيض، ليس فيه كلامه، قال: أما تستحي مني؟ قلت: يا إمام! إني أحفظ الجزأين، وكل ما ذكرته حفظته، فقال: أسمعني، يقول: فأعدت عليه الحديث على ولاء، يعني على حسب ترتيبه، الأول والثاني والثالث، قال: لعلك حفظت هذا قبل أن تلقاني، قلت: يا إمام حدثني غيرها قال: فحدثني بأربعين حديثاً بالأسانيد مع المتن، فأعدتها عليه في نفس المجلس، فقال: سبحان الله! ما رأيت مثلك! يعني: ما في الجزأين عندما حدثتك بما فيهما ضبطته وحفظته، فأردت أن أتحقق فحدثتك بأربعين حديثاً متتابعاً رويتها لك بالأسانيد، ثم ترويها لي مما لم أحدث به سابقاً؟ ما رأيت مثلك! ولذلك يقول أبو سعد الإدريسي : كان يضرب به المثل في الحفظ، إذا أردت أن تثني على إنسان في الحفظ، وأن تبين ضبط حافظته، وقوة ذاكرته، تقول: هذا كـأبي عيسى الترمذي ، يعني: يحفظ مائة حديث في المجلس بأسانيدها ومتونها ولا يخطئ في حرف، هذا حقيقة من توفيق الله لهم، وهؤلاء اتقوا الله فأعانهم الله سبحانه وتعالى.
ضرورة اهتمام الدعاة بتعليم الدين كله
القصة الثانية هنا: واحدة جرت في الدرس وواحدة بعد موعظة، والقصتان متشابهتان، وخلاصتهما أنه قابلني بعض الإخوة، وقال: يا شيخ! أنتم تتكلمون في الحديث وعن الإسناد وصحيح وضعيف، وتفصلون في هذا، هل الناس بحاجة إلى ذلك؟ قلت: ماذا تريد؟ وفقيهنا في هذه الأيام لا يصل إلى درجة العامي عند سلفنا الكرام، وعامينا في هذه الأيام أعلم من الفقهاء، ليس من فقهاء الحاضرين بل من الفقهاء المتقدمين، فيما أعلى عالم لا يصل إلى درجة عامي في العصر الأول والثاني، أقول: تكلم هذا الأخ أكثر من نصف ساعة، ومرة يضرب على الفخذ ومرة على غيره كي ينبهني، ثم يقول: يا شيخ! الأمة بحاجة إلى أمرين اثنين فقط يلزمنا دائماً الكلام عليهما في الخطب والمواعظ وغيرهما، وهما الطهارة والصلاة، كيف يتوضأ الإنسان؟ فالناس لا يعرفون الوضوء، فبعضهم لا يغسل وجهه، أو يتوضأ ولا يمسح رأسه، علموهم الطهارة وعلموهم الصلاة، وبعدما أفرغ ما في جعبته قلت له: يا عبد الله! القرآن أنزل لنتدارسه أم لا؟ قال: نعم، قلت: القرآن فيه طهارة وصلاة فقط، أو أحكام عامة للدين والدنيا؟ والله عندما قال: إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:2-3]، قلت: تواصوا بالطهارة والصلاة، أم دين الله كله ينبغي أن نتدارسه؟ فالطهارة والصلاة مدارستها فرض واجب، وستأتينا في أول كتاب من كتب سنن الترمذي : كتاب الطهارة، فهذا أول شيء سنتدارسه حتى لقد ملّ بعض الناس من كثرة التوسع فيها، لكن المدارسة متتابعة، أما الاقتصار على طهارة وصلاة، فكل خطبة جمعة طهارة وصلاة، وكل موعظة طهارة وصلاة، ثم ماذا بعده؟ ودين الله؟ قال: يا شيخ! واحد يذهب يجاهد ولا يعرف كيف يتطهر، أو يذهب يجاهد ولا يعرف كيف يصلي، قلت: نعم، الجهاد شيء، والطهارة شيء، والصلاة شيء، وكلها مطلوبة، فلماذا تريد شيئاً على حساب أشياء أخرى؟ ولم يستفد ولم يقتنع ولو جاء مشايخ العالم بأسره ليقنعوه على أن دين الله ينبغي أن يتحدث فيه جميعاً لقال: لا، طهارة وصلاة، وانتهى المجلس على هذا.مثل هذه المناظرات لو فتحت متى ستنتهي؟ كل واحد سيتكلم، وكل واحد سيقوم بعد ذلك ويعطي محاضرة بأن الأمة بحاجة إلى طهارة، أو أننا نتكلم في أشياء مثالية، دعونا من هذا ونسأل الله حسن الختام.
 قصة في قوة حفظ الإمام الترمذي
قال أبو سعد الإدريسي ، وهو عبد الرحمن بن محمد بن محمد : كان حافظ وقته بسمرقند، وثقه الخطيب البغدادي عليه رحمة الله، توفي سنة: (405هـ)، أبو سعد الإدريسي قال: كان يضرب بـأبي عيسى المثل في الحفظ، أي أنهم إذا أرادوا أن يبالغوا في حفظ إنسان، وأن يثنوا عليه في حفظه يقولون: هذا مثل أبي عيسى في الحفظ، فما هو حفظ الترمذي ؟إليكم هذه القصة المختصرة التي ذكرها الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ والسير، وذكرها الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب، وهي في غير ذلك من الكتب التي ترجمت للإمام الترمذي عليه رحمة الله، يقول الإمام الترمذي : كتبت جزأين عن شيخ من المحدثين لم أره، شيخ من الشيوخ له حديث نشره على طلبة العلم، فالتقيت بطالب علم فكتبت جزأين عنه ما رأيته ولا سمعت منه هذه الأحاديث، إنما كتبتها عمن رواها عنه من التلاميذ ومن طلبة العلم، يقول: وكانت هذه الأجزاء معي في سفري، فالتقيت بذلك الإمام، فأخذت الجزأين لأسمعهما منه، يقرأ علي الأحاديث وأنا أضبط ما في هذين الجزأين من أحاديث، يقول: فبتقدير الله أخذت جزأين ليس فيهما أحاديث من الأجزاء البيضاء التي يكتب فيها، بقي أوراقاً بيضاء، يقول: فجئت وقلت: سمعت جزأين عنك أريد أن تحدثني بهما، قال: نعم، يقول: فبدأ يحدث، وفتحت الجزأين ليس فيهما أحاديث الشيخ، يقول: فبدأت أتابع مع الشيخ وهو يحدث، فنظر في الجزء الذي معي، فرآه أبيض، ليس فيه كلامه، قال: أما تستحي مني؟ قلت: يا إمام! إني أحفظ الجزأين، وكل ما ذكرته حفظته، فقال: أسمعني، يقول: فأعدت عليه الحديث على ولاء، يعني على حسب ترتيبه، الأول والثاني والثالث، قال: لعلك حفظت هذا قبل أن تلقاني، قلت: يا إمام حدثني غيرها قال: فحدثني بأربعين حديثاً بالأسانيد مع المتن، فأعدتها عليه في نفس المجلس، فقال: سبحان الله! ما رأيت مثلك! يعني: ما في الجزأين عندما حدثتك بما فيهما ضبطته وحفظته، فأردت أن أتحقق فحدثتك بأربعين حديثاً متتابعاً رويتها لك بالأسانيد، ثم ترويها لي مما لم أحدث به سابقاً؟ ما رأيت مثلك! ولذلك يقول أبو سعد الإدريسي : كان يضرب به المثل في الحفظ، إذا أردت أن تثني على إنسان في الحفظ، وأن تبين ضبط حافظته، وقوة ذاكرته، تقول: هذا كـأبي عيسى الترمذي ، يعني: يحفظ مائة حديث في المجلس بأسانيدها ومتونها ولا يخطئ في حرف، هذا حقيقة من توفيق الله لهم، وهؤلاء اتقوا الله فأعانهم الله سبحانه وتعالى.
منزلة الإمام الترمذي
الإمام الحافظ أبو أحمد يقول: سمعت عمران بن علان ، وهو أبو حفص الحافظ الجوهري المروزي ، توفي سنة: (325هـ)، قال هذا الإمام: مات البخاري عليه رحمة الله ولم يخلف بعده بخراسان مثل الإمام الترمذي ، يعني: لا يوجد في تلك البلاد المباركة بعد البخاري مثل الإمام الترمذي في العلم والورع والزهد، وهذه القصة مع القصة المتقدمة في حفظه في قول أبي سعد الإدريسي وإخراج الجزأين، تقرر ما قاله الجمهور من أن الإمام الترمذي كان مبصراً وطرأ عليه العمى في آخر حياته؛ ولذلك قال أئمتنا: أضر في آخر عمره، وأما ما حكاه بعض العلماء من أن الإمام الترمذي ولد أعمى فالقصتان السابقتان تردان ذلك؛ فالإمام الترمذي عمي بعد وفاة الإمام البخاري ، وهذا الذي رجحه الإمام ابن حجر في التهذيب، والإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء، والحافظ ابن كثير في البداية والنهاية رحمهم الله؛ لأن الإمام الترمذي طرأ عليه العمى في الكبر بعد أن رحل وطاف الدنيا وتلقى العلم، وجمع وصنف وحفظ وذاكر، بعد ذلك من كثرة بكائه من خشية ربه عمي ولقي ربه وهو أعمى، وسيكون إن شاء الله بصيراً في جنات النعيم مع عباده المقربين، نسأل الله أن يجمعنا معهم إنه أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.وقد ترجم شيخ الإسلام الإمام الذهبي في كتابه: ميزان الاعتدال، للإمام الترمذي ، وميزان الاعتدال ألفه الإمام الذهبي في الأصل ليتكلم فيه على من تُكلم فيه من أئمة الحديث سواء بحق أو بباطل، فيحقق الإمام الذهبي هذا الكلام، هل هو معتبر أو لا؟ والذي ليس حوله كلام لا يورده في كتابه، فجاء الحافظ ابن حجر بعده فألف على الميزان كتاباً سماه: لسان الميزان، فاستبعد منه التراجم التي في الميزان ممن لهم رواية في الكتب الستة، لأنها موجودة في تهذيب التهذيب، فلا داعي لإعادتها، وترك تراجم الرواة الذين ليس لهم رواية في كتب الستة؛ ولذلك لا يوجد في لسان الميزان رجل له رواية في الكتب الستة، أما الميزان فيوجد فيه من له رواية في الكتب الستة أو ليس له رواية. إذاً: لماذا أورد الذهبي ترجمة الترمذي في الميزان؟ هل جرى حوله كلام؟ هل طعن فيه أحد؟ لأنك عندما تراه في الميزان ينبغي أن يكون حوله كلام ولابد.
 التعريف بكتاب الإيصال لابن حزم
والكتاب الذي صدر من ابن حزم فيه ذلك الحكم الجائر الباطل: الترمذي مجهول! هو في كتاب الإيصال، وسماه الإمام الذهبي الإيصال إلى فهم كتاب الخصال، وهو ثلاثة أضعاف المحلى، المحلى الآن طبع في أحد الطبعات في إحدى عشر مجلداً من الطبع الكبير، فكتاب الإيصال في حدود ثلاث وثلاثين مجلداً، وما وصلنا منه ولا جزء، وهو من الكتب المفقودة، وكتب ابن حزم أكثرها فقدت في حياته، وأحرقت كما سيأتينا على مرأى عينيه، فعندما سب وجدع عومل بمثل فعله، وليته تأدب مع علمائنا ليحفظ له طلبة العلم قدره ومكانته، ونسأل الله أن يغفر له وللمسلمين أجمعين.وكتاب الإيصال الإمام الذهبي يقول عنه: المحلى في ثمانِ مجلدات، رآه، وهذا في أربعة وعشرون مجلداً، ونحن عندنا الآن المحلى طبع في أحد عشر، فهذا لو طبع سيكون في ثلاث وثلاثين مجلداً. تنبيه: في تهذيب التهذيب إذا رجعتم إليه يوجد تصحيف في الكلام، بدل إيصال الياء المنقوطة من تحت جعلوها منقوطة من فوق: الاتصال، وهذا غلط، فهو: الإيصال بالياء، فصححوا طبعة التهذيب، وما قاله الإمام ابن كثير في البداية والنهاية: ما ذكره ابن حزم في محلاه: بأن الترمذي مجهول، هذا خطأ، فـابن حزم لم يذكره في محلاه، إنما ذكره في كتاب الإيصال الذي هو أربعة وعشرون مجلداً كما ذكرت، فليس هو في المحلى، وليس الكتاب بكتاب الاتصال.أما الإمام ابن حزم حقيقة سأقف معه وقفة أذكر فيها ما في هذا العبد الصالح من إيجابيات، وبعد ذلك من زلل وقع فيه لنحذره، والكلام قد لا يأخذ قرابة نصف ساعة أو أكثر، فنترك هذا إن شاء الله إلى الموعظة الآتية إن شاء الله، وبعد أن ننتهي من هذا ننتقل إلى بيان منزلة كتاب الإمام الترمذي بعد أن بينا منزلته، وأنه إمام بلا مدافعة، مجمع على ثقته رحمه الله ورضي عنه.أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يغفر ذنوبنا، وأن يستر عيوبنا، وأن يفرج كروبنا، وأن يغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأن يرحمهم كما ربونا صغاراً، ونسأله أن يغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، ونسأله أن يحسن إلى من أحسن إلينا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - مقدمات [6] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net