اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - مقدمات [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان


شرح الترمذي - مقدمات [2] - (للشيخ : عبد الرحيم الطحان)
إننا عندما نتعلم سنة نبينا صلى الله عليه وسلم نحفظها من الضياع والاندراس، وقد وردت الأدلة القرآنية وغيرها على حجية السنة، ومن أشهر ما ورد حديث معاذ رضي الله عنه حين أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، وقال له: بم تقض؟ فقال: بكتاب الله ثم بسنة رسول الله، وقد اختلف أهل العلم في تصحيح هذا الحديث وتضعيفه إسناداً ومعنى عند البعض، لكن الكثيرين ذهبوا إلى صحته إما لكون أسانيده صحت عندهم، أو لكون الأمة تلقته بالقبول فنزل منزلة المتواتر.
دراسة وتخريج حديث معاذ حين أرسل إلى اليمن
بسم الله الرحمن الرحيم.الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، ورضي الله عن الصحابة الطيبين وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً، سهل علينا أمورنا، وعلمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا أرحم الرحمين، اللهم زدنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً بفضلك ورحمتك يا أكرم الأكرمين، سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.أما بعد:كنا نتدارس فوائد دراسة حديث خير الأنام عليه الصلاة والسلام، وهذه الفوائد كثيرة غزيرة وفيرة جليلة، أبرزها ثلاث فوائد، وهي ما سنتدارسها بإذن الله جل وعلا: الفائدة الأولى: حفظ أدلة الشرع المطهر من الضياع والذهاب والاندراس.الفائدة الثانية: كثرة الصلاة والسلام على نبينا خير الأنام عليه الصلاة والسلام.الفائدة الثالثة: أن من يدرس حديث النبي صلى الله عليه وسلم ويعتني بسنته، يفوز بالرحمة والنضارة اللتين دعا بهما نبينا صلى الله عليه وسلم لمن يتلقى سنته ويحفظها وينشرها ويعلمها.كنا نتدارس الفائدة الأولى ألا وهي: حفظ أدلة الشرع المطهر من الضياع، وقلنا: إن أدلة الشرع المطهر تقوم على دليلين اثنين لا ثالث لهما: كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويتعلق بهذين الأمرين دليلان، لكن لا يخرجان عن هذين الدليلين؛ لأنهما أخذا من هذين الدليلين وبنيا عليهما. أولهما: إجماع حق.وثانيهما: قياس صحيح.فإذا أجمعت الأمة على أمر من الأمور، وأن حكم الله كذا، فهذا دليل شرعي، ولا يكون الإجماع إلا بناء على نص، وهكذا القياس عندما نلحق فرعاً بأصلٍ في الحكم لعلة جامعة بينهما، فلا يمكن أن نقيس شيئاً إلا على شيء وارد، وعليه فالأدلة إذاً منحصرة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما بني على هذين الدليلين وما أخذ منهما.وتقدم معنا أن سنة النبي عليه الصلاة والسلام كانت تنزل عليه كما ينزل القرآن، ولا فارق بينهما، إلا أن القرآن وحي يتلى، والسنة وحي لا يتلى، فالقرآن وحي متلو، نتلوه ونتعبد به في صلواتنا، والسنة وحي لكنها لا تتلى ولا يتعبد بها في الصلاة، أما من حيث الحجية فهي كالقرآن.
 دفع شبهة تأخير السنة في حديث معاذ
إذاً: إخوتي الكرام! هذا الحديث لو لم يصح تنزلاً من حيث الإسناد، فمعناه حق لا شك فيه عند خيار العباد، نقدم القرآن ثم السنة ثم نجتهد.ولا يقولن قائل: كيف نؤخر السنة؟ لأن هذا من باب ترتيب الأدلة، وكنت ذكرت مرجعين في أصول الفقه: روضة الناظر لـابن قدامة والمستصفى للغزالي في ترتيب الأدلة، وأن المستدل إذا أراد أن يستدل على حكم فأول ما ينظر في الإجماع، فإذا وجده لا ينظر فيما عداه؛ لأنه لو وجد إجماعاً ووجد نصاً من قرآنٍ أو سنة يخالفه فالنص يكون منسوخاً أو متأولاً، وهذا لا خلاف فيه بين أئمتنا؛ لأن الإجماع لا يكون إلا على نص، فهنا إجماع قطعي بني على نص، ووجد حديث يخالفه، نقول: هذا الحديث إما مصروف عن ظاهره، أي: مؤول، وإما منسوخ بدلالة الإجماع على خلافه، سوف يأتينا إن شاء الله عند قتل شارب الخمر في الرابعة، والحديث قد صح: ( من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه )، وهذا الحديث لم يعمل به المسلمون، مما دل على أنه منسوخ، وسيأتينا قتل شارب الخمر في الرابعة ليس بحد لازم.وكذلك حديث ابن عباس : ( جمع النبي عليه الصلاة والسلام بين الصلاتين بين الظهر والعصر من غير سفر ولا مطر )، أصل الحديث في صحيح مسلم لم يعمل بهذا الحديث أحد من الفقهاء، وسيأتينا بعد ذلك ما يشير إلى أن هذا الحديث منسوخ، وهل هو خاص؟ والذين قالوا: ليس بمنسوخ وليس خاصاً بالنبي عليه الصلاة والسلام ذكروا له تأويلاً سنذكره إن شاء الله. فإذاً: لا جمع بين صلاتين إلا لعذر، وشارب الخمر لا يقتل في الرابعة، هذا الإجماع، والإجماع يكشف عن وجود نص النهي، فإذاً: الإجماع في المرتبة الأولى، فإذا لم نجد الحكم في الإجماع نلجأ إلى النصوص المتواترة من آيات القرآن والأحاديث المتواترة عن النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا لم نجد، نلجأ إلى الأحاديث التي هي دون المتواتر، فإذا لم نجد، نلجأ إلى القياس الذي بني على دليل شرعي من كتاب أو سنة، هذه مراتب الأدلة، وهذا لا خلاف فيه بين أئمتنا، فالحديث: ( أقضي بكتاب الله ثم بسنة رسول الله )، لا يعني تأخير السنة وطرحها، إنما يعني: أن نقدم كلام الله، فإن وجدنا الحكم فيه فالسنة إما أن تكون مقررة موافقة ومؤكدة، وإما أن تكون مبينة مفسرة موضحة، والزائدة إذا لم يوجد الحكم في القرآن، ثم إذا لم نجد الحكم في القرآن بل ورد في السنة فقط فإننا نأخذ به، ثم إذا لم يوجد الحكم فيهما فلا بد من القياس لأهل القياس، وهم الأئمة الأسلاف، رضوان الله عليهم أجمعين. إذاً: هذه هي الفائدة الأولى التي نجنيها من دراسة حديث النبي عليه الصلاة والسلام: حفظ أدلة الشرع المطهر من الضياع، وقد كان أئمتنا الكرام يولون هذه الفائدة عناية عظيمة ويشيدون بقدرها، فقد روى الإمام السخاوي في القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع عليه الصلاة والسلام، وهو من أحسن ما ألف من الكتب في الصلاة والسلام على خير الأنام عليه الصلاة والسلام، وقبله كتاب الإمام ابن القيم جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام، والإمام السخاوي بعده مائة عام، توفي رحمه الله في بداية القرن العاشر (902هـ).
فضل الحديث وأهله
ينقل الإمام السخاوي عن الإمام أبي داود الطيالسي أنه قال: لولا هذه العصابة من أهل الحديث لاندرس الإسلام، أي: لولا المحدثين لضاع الإسلام، فالله جل وعلا تكفل بحفظ القرآن، ويلزم من هذا حفظ سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فهيأ الله المحدثين الذين هم أصحاب النبي الأمين عليه الصلاة والسلام، وإن لم يصحبوا نفسه فأنفاسه صحبوا.
 موقف يبين تعظيم الناس لأهل الحديث
وأختم هنا بقصة طريفة ذكرها الإمام الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث في صفحة: (20)، أن يعقوب بن شيبة أحد أئمة الحديث الكبار قال: رفعت قضية عند إسماعيل القاضي، أحد أئمة المسلمين الكبار رحمهم الله جميعاً. فقال إسماعيل القاضي للمدعى عليه: أصحيح ما يقول المدعي؟ فقال: لا، إنما البينة على المدعي واليمين على من أنكر، فقال للمدعي: هل عندك بينة؟ قال: نعم، فلان وفلان شاهدان.فقال القاضي: أما فلان فهو من شهودي أعرفه، وأما فلان فلا أعرفه، ائت بشاهدٍ عدلٍ عندي، قال المدعي: إنني أعرفه بطلب الحديث وكتابته، ومن عدله رسول الله عليه الصلاة والسلام خير ممن عدلته أنت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله؛ ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين )، قال القاضي إسماعيل : سمعاً وطاعة لرسولنا عليه الصلاة والسلام، ائت به فقد قبلت شهادته.أسأل الله برحمته التي وسعت كل شيء أن يجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وأسأله برحمته التي وسعت كل شيء أن لا يجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، واغفر لمشايخنا ولمن علمنا وتعلم منا، اللهم أحسن إلى من أحسن إلينا، واغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وسلم تسليماً كثيراً.

 اضغط هنا لعرض النسخة الكاملة , شرح الترمذي - مقدمات [2] للشيخ : عبد الرحيم الطحان

http://audio.islamweb.net